النص المفهرس

صفحات 61-80

باب : خروج النار
وقال أنس : قال النبي - عليه السلام -: (( أول أشراط الساعة نار تحشر
الناس من المشرق إلى المغرب)» .
فيه : أبو هريرة : قال النبي - عليه السلام -: (( لا تقوم الساعة حتى
تخرج نار [ من أرض ] (١) الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى )).
وفيه : أبو هريرة: قال النبي - عليه السلام -: (( يوشك الفرات أن
يحسر عن كنز من ذهب [ فمن حضره ] (٢) فلا [يأخذ منه شيئًاً]))(٣).
وقال مرة : (( جبل من ذهب )) .
وفيه : حارثة بن وهب قال النبي - عليه السلام - : (( تصدقوا فسيأتي
زمان مشي الرجل بصدقته فلا يجد من یقبلها » .
وفيه : أبو هريرة قال: (( لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان
يكون بينهما مقتلة عظيمة دعواهما واحدة [ وحتى ] (٤) يبعث دجالون
كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه / رسول [ الله ] (١) وحتی
يقبض العلم ، وتكثر الزلازل ، ويتقارب الزمان ، ويكثر الهرج ، وهو
القتل ، وحتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يُهم رب المال من يقبل
صدقته ، ويقول الذي يعرضها عليه لا أرب لي فيه ، وحتى يتطاول
الناس في البنيان وحتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول : يا ليتني مكانه ،
وحتى تطلع الشمس من مغربها ، فإذا طلعت ورآها الناس أجمعون
فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل [ أو كسبت في
إيمانها خيراً ](١) ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا
يتبايعانه ولا يطويانه ، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته
فلا يطعمه ، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه ، ولتقومن
الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها )) .
[٤/ ق١٦١-٢]
(١) في ((الأصل)): بأرض. والمثبت من ((هـ، ن)). (٢) من ( ن)).
(٣) فى ((الأصل)): يؤخذ منه شيء. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٤) في ((الأصل)): حين. والمثبت من (( هـ، ن)).
- ٦١ -

قال المؤلف : ترجم البخاري في باب خروج [ النار ] (١) ولم
يسنده في ( هذه المواضع) (٢) اكتفاء بما تقدم من إسناده في كتاب
الأنبياء ، رواه عن ابن سلام ، عن الفزاري ، عن حميد ، عن أنس
عن النبي - عليه السلام - ، وروى حسين المروزي ، عن عبدالوهاب
حدثنا عبيد بن عمر ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، عن كعب
قال : تخرج نار من قبل اليمن تحشر الناس تغدو معهم إذا غدوا ،
وتقيل معهم إذا قالوا ، وتروح معهم إذا راحوا ، فإذا سمعتم بها
فاخرجوا إلى الشام » .
وكل ما ذكرناه في هذا الحديث من الأشراط فهي علامات لقيام
الساعة كخروج النار ومعناها واحد ، وقد جاء في حديث أن النار آخر
أشراط الساعة ، رواه ابن عيينة ، عن فرات القزاز ، عن أبي الطفيل،
عن أبي سريحة حذيفة بن أسيد قال: (( أشرف علينا النبي - عليه
السلام - من غرفة فقال : ما تذكرون ؟ قلنا : نتذاكر الساعة قال :
إنها لا تقوم حتى يكون قبلها عشر آيات : الدجال والدخان ، والدابة
وطلوع الشمس من مغربها ، ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى بن
مريم، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق وخف بالمغرب وخسف بجزيرة
العرب ، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم».
وذكر ابن أبي شيبة حدثنا محمد بن [ بشر ] (٣) عن أبي حيان ،
عن أبي زرعة، عن عبد الله بن عمرو قال النبي وَّه: إن أول الآيات
(٢) في (( هـ)) : هذا الموضع .
(١) من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): بشير. والمثبت من ((هـ)) وهو الصواب، انظر
صحيح مسلم (٤ / ٢٢٦٠ رقم ٢٩٤١) .
١
- ٦٢ -

خروجًا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضُحى،
وأيهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريبًا منها .
وحديث أنس أصح من هذه الأحاديث ، وقد روى حماد بن سلمة
عن أبي المهزم يزيد بن سفيان ، عن أبي هريرة قال: (( خروج الآيات
كلها في ثمانية أشهر )) أبو المهزم ضعيف ، وقال أبو العالية : الأيات
كلها في ستة أشهر .
وقوله : (( تضيء أعناق الإبل ببصرى )) فالعرب تقول : أضاءت
النار وأضاءت النار غيرها .
*
باب : ذكر الدجال
فيه : المغيرة قال : (( ما سأل النبي - عليه السلام - أحد عن الدجال ما
سألته ، وإنه قال لي: ما يضرك منه ؟ قلت : إنهم يقولون : إن معه جبل
خبز ونهر ماء قال : هو أهون على الله من ذلك )).
وفيه: ابن عمر قال: ((أعور عين اليمنى كأنها عنبة طافية)).
وفيه : أنس قال : قال النبي - عليه السلام - : (( يجيء الدجال حتى
ينزل في ناحية المدينة فترجف ثلاث رجفات فيخرج إليه كل كافر
ومنافق )) .
وفيه : أبو بكرة : قال النبي - عليه السلام -: (( لا يدخل المدينة رعب
المسيح، لها يومئذ [ سبعة ] (١) أبواب ، لكل باب ملكان)).
وفيه : ابن عمر: (( قام النبي - عليه السلام - في الناس فأثنى على الله
(١) من (( هـ، ن)).
- ٦٣ -

بما هو أهله ثم ذكر الدجال فقال : إني لأنذر کموه وما من نبي إلا وقد
أنذر قومه ، ولكن سأقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه : إنه أعور ،
وإن الله ليس بأعور» .
وزاد ابن عباس وأنس وأبو هريرة عن النبي - عليه السلام -: ((بين
عینیه مکتوب كافر » . .
وفيه : ابن عمر قال النبي - عليه السلام -: (( بينا أنا نائم أطوف
بالكعبة إذا رجل آدم سبط الشعر ينطف أو يهراق رأسه ماءً؛ فقلت : من
هذا ؟ قالوا : ابن مريم ، ثم ذهبت ألتفت فإذا رجل جسيم أحمر جعد
الرأس أعور العين كأن عينه عنبة طافية قالوا : هذا الدجال ، أقرب
الناس به شبهًا ابن قطن رجل من خزاعة )) .
وفيه : عائشة: ((سمعت النبي ◌َلل يستعيذ في صلاته من فتنة
الدجال)) .
وفيه : حذيفة وأبو مسعود: أن النبي - عليه السلام - قال: « الدجال
معه ماء ونار ، فناره ماء بارد ، وماؤه نار )) .
إن قال قائل : ما معنى قوله عليه السلام: « ترجف المدينة ثلاث
رجفات)) وقد قال في حديث أبي بكرة: (( إنه لا يدخل المدينة رعب
المسيح)» ؟
[٤/ ١٦١٥- ب] قال المهلب: فالجواب / أن رجفات المدينة ليست من رعبه ولا من
خوفه ، وإنما ترجف المدينة لمن يتشوف إلى الدجال من المنافقين
فيخرجهم أهل المدينة كما قال عليه السلام: (( إنها تنفي خبثها ))
والدليل على أن المؤمنين فيها لا يرعبون من الدجال ؛ أنه يخرج إليه
- ٦٤ -

منهم [ رجل ] (١) يناظره وهو الذي يقول له الدجال : أرأيت إن قتلت
هذا ثم أحييته أتشكون في الأمر ؟ فيقولون : لا . يعني فيقول
المنافقون الذين معه غير ذلك الرجل الصالح فيقتله ثم يحييه ، فيقول
ذلك الرجل : والله ما كنت قط أشد بصيرة مني اليوم ، فيريد الدجال
أن يقتله فلا يسلط عليه ، فهل يدخل رعبه المدينة وأحدهم يناظره
ويقارعه ويجهر له بأنه الدجال ، ولا يوهن قلبه ما يراه من قدرة الله
[الذي ] (٢) أقدره على أن يقتل رجلا ثم يحييه ولا (يخافه ) (٣) على
مهجته وهو وحده لا يمتنع منه بعدد ولا عدة ولا جماعة .
فإن قال قائل : فإذا سلط الدجال على قتل رجل وإحيائه فهذا أن
الله قد يعطي آيات الأنبياء وقلب الأعيان أهل الكذب على الله وأشد
أعدائه فرية عليه .
قال الطبري : فنقول : إنه لا يجوز أن تعطى أعلام الرسل أهل
الكذب والإفك في الحال التي لا سبيل لمن عاين ما أتى به الفريقان إلى
الفصل بين المحق منهم والمبطل ، فأما إذا كان لمن عاين ذلك السبيل
إلى علم الصادق ممن ظهر ذلك على يده من الكاذب ، فلا ينكر إعطاء
الله ذلك الكذابين لعلة من العلل كالذي أعطى الدجال من ذلك فتنة لمن
شاهده، ومحنة لمن عاينه ليعلم الله الذين صدقوا ويعلم الكاذبين.
فإن قيل : وما السبب الذي يصيب به من عاين ما يظهر من ذلك
على يد الدجال أنه مبطل ؟
قيل : [ أبين ] (٤) الأسباب في ذلك أنه ذو أجزاء مؤلفة ، وتأليفه
(١) من ( هـ)).
(٣) في (( هـ)) : يخاف .
(٢) في ((الأصل)): التي، والمثبت من ((هـ)).
(٤) في ((الأصل)): أبني. والمثبت من (( هـ).
- ٦٥ -

عليه بكذبه شاهد ، وأن تأثير الصنعة فيه لمن ركب اعضاءه خلق ذليل
وعبد مهين ، مع آفة به لازمة من عور إحدى عينيه ، يدعو الناس إلى
الإقرار بأنه ربهم الذي خلقهم ، فأسوأ حالات من يراه من ذوي
العقول أن يعلم أنه لم يكن ليسوي خلق غيره ويعدله ويحسنه ، وهو
على دفع العاهات عن نفسه غير قادر .
فأقل ما يجب أن يقول له من يدعوه إلى الإقرار له بالألوهية : إنك
تزعم أنك خالق السموات والأرض وما فيهما وأنت أعور ناقص
الصورة ، فصور نفسك وعدلها على صورة من أنت في صورته إن
كنت محقًا في ذلك ، فإن زعمت أن الرب لا يحدث في نفسه شيئاً
فإنك راكب من الخطايا أرذلها ، فتحول من الجماد إلى أشرف
[منه](١) وأزل ما هو مكتوب بين عينيك من الكتاب الشاهد على كذبك.
قال المهلب : وأما قوله في حديث المغيرة: (( إنهم يقولون أن معه
جبل خبز ونهر ماء . قال عليه السلام : هو أهون على الله من ذلك)).
يريد - والله أعلم - هو أهون من أن يفتن الناس به فيملكه معایش
أرزاقهم وحياة أرماقهم ، فتعظم بذلك فتنتهم ، بل تبقى عليه ذلة
العبودية بتحويجه إلى معالجة المعاش ، وقد ملكه ما لا يضر به إلا من
قضى الله له بالشقاء في أم الكتاب ، وإنما يوهم الناس أن هذه نار
يشير إليها ليخافه من لا بصيرة له في دين الله فيتبعه مخافتها
على نفسه، ولو أنعم النظر لرأى أنها ماء بارد وكذلك لما توهن به
وهو ماء لمن لا بصيرة له ولا عنده علم بما قدمه الرسول من العلم
لأمته بأن ناره ماء ، وماءه نار ، ومن أعطي فتنته ثم جعل له على
تلك الفتنة علم بطلانها ومحالها لم تكن فتنة شاملة ، ولا يفتتن
(١) في ((الأصل)): منها. والمثبت من ((هـ).
٠ - ٦٦ -

بها إلا [ الأول ] (١) لافتضاحها بأول من يلقى فيها فيجدها بخلاف ما
أوهم فيها ، ولولا انتقاله من بلد إلى بلد لأمنت تلك الفتنة إلا على
الأول ، لكنه يرد كل يوم بلدة لا يعرف أهلها ما افتضح من أمره في
غيرها فيظل يفتن ، ويعصم الله العلماء منه ، ومن علم علامة الرسول
وثبته الله واستدل بأن من كان ذا عاهة لا يكون إلهًا ، فقد بان أنه
مے
أهون على الله من أن يمكنه من المعجزات تمكينًا صحيحًا ، لأن إقداره
على قتل الرجل وإحيائه لم يستمر له في غيره ولا استضر به المقتول إلا
ساعة أله ، وقد لا يجد لقتله ألمّا لقدرة الله على دفع ألمه عنه ، فإن
آلمه آجره بذلك في الآخرة ، وإن لم يؤلمه فقد [أدام] (٢) له الحياة
بإحيائه ، ثم لا يسلط على قتل أحد ولا إحيائه .
وذكر علي بن معبد عن عبد الله بن عمر ، وعن زيد بن أبي أنيسة،
عن أشعث ابن أبي الشعثاء عن أبيه ، عن ابن مسعود قال : إن
الدجال يرحل في الأرض أربعين ليلة ، وعن أبي مجلز [ قال :
إذا] (٣) / خرج الدجال فالناس ثلاث فرق : فرقة تقاتله ، وفرقة تفر
منه، وفرقة تشايعه ، فمن تحرز منه في رأس [ جبل ] (٤) أربعين ليلة
أتاه رزقه ، وأكثر من يشايعه أصحاب العيال يقولون : إنا لنعرف
ضلالته ، ولكن لا نستطيع ترك عيالنا ، فمن فعل ذلك كان منه .
[٤/ق١٦٢-٢]
وذكر الطبري بإسناده عن أبي أمامة الباهلي، عن النبي وَّ أنه
حدثهم عن الدجال: (( أنه يخرج بين الشام والعراق فيقول أنه نبي ،
ثم يثنِّي فيقول : أنا ربكم وإنه يأتي بجنة ونار ، فناره جنة وجنته نار .
(١) في (( الأصل)): الأقل. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): أجاز. والمثبت من (( هـ )).
(٣) في ((الأصل)): مكررة.
(٤) في ((الأصل)): جبال. والمثبت من ((هـ).
- ٦٧ -

[ فمن ] (١) ابتلي بناره فليستعن بالله، فإنها تكون عليه بردًا [وسلامًا
ومن ابتلي به فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف ] (٢) وليتفل في وجهه ،
فإنه لا يعدو ذلك ، ويقتل رجلاً ثم يحييه وليس يحيي أحدًا بعده ،
وإن له أربعين يومًا يوم كالسنة ويوم كالشهر ويوم كجمعة ویوم کسائر الأيام،
ويعدو الرجل من باب المدينة فلا يبلغ بابها الآخر حتى تغيب الشمس)) .
وروى الطبري بإسناده عن قتادة ، عن شهر بن حوشب ، عن
أسماء بنت يزيد أن النبي - عليه السلام - ذكر عندها الدجال فقال :
(( إن قبل خروجه ثلاثة أعوام تمسك السماء ثلث قطرها والأرض ثلث
نباتها ، والعام الثاني تمسك السماء ثلثي قطرها والأرض ثلثي نباتها ،
والعام الثالث تمسك السماء قطرها والأرض نباتها حتى لا يبقى ذات
ضرس ولا ذات ظلف إلا مات ، ومن أعظم فتنته أنه يأتي الرجل
فيقول له : إن أجييت لك أباك أو أخاك أو عمك تعلم أني ربك ؟
فيقول : نعم . فيمثل له شياطين [ عنده] (٣) .
ويأتي الأعرابي فيقول : إن أحييت لك إبلك عظامًا ضروعها ،
طوالاً أسنمتها ؛ تعلم أني ربك ؟ فيقول : نعم . فيمثل له شياطين
عنده. فبكى القوم فقال النبي بَّهِ: إن يخرج فيكم فأنا حجيجه ،
وإلا فالله خليفتي على كل مؤمن . قالت أسماء : ما يكفي المؤمن
يومئذ من الطعام [ يا رسول الله ] (٢) ؟ قال : يكفيه ما يكفي أهل
السماء التسبيح والتقديس » .
وذكر ابن أبي شيبة بإسناده عن عائشة أن النبي - عليه السلام -
قال: (( يخرج مع الدجال يهود أصبهان فيقتله عيسى بن مريم بباب لد، ثم
يمكث عيسى في الأرض أربعين سنة أو قريبًا منها إمامًا عدلاً وحكمًا مقسطًا)).
قال الخطابي : قال ثعلب : الطافية : العنبة التي قد خرجت عن
(١) في ((الأصل)): من. والمثبت من هـ. (٢) من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): غيره . والمثبت من هـ .
- ٦٨ -

حد بنية أخواتها فعلت ونتأت وظهرت ، يقال : طفا الشيء إذا علا
وظهر ، ومنه الطافي من السمك .
باب : لا يدخل الدجال المدينة
فيه : أبو سعيد ( حدثني ) (١) النبي - عليه السلام - عن الدجال فقال
: يأتي ، وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة [ فينزل ] (٢) بعض
السباخ التي تلي المدينة فيخرج إليه يومئذ رجل وهو خير الناس أو من
خيار الناس فيقول : أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله حديثه .
فيقول الدجال : أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته هل تشكون في الأمر ؟
فيقولون : لا . فيقتله ثم يحييه . فيقول : والله ما كنت فيك قط أشد
بصيرة مني اليوم ، فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه )).
وفيه: أبو هريرة: قال النبي ◌َّل: ((على أنقاب المدينة ملائكة ، لا
يدخلها الطاعون ولا الدجال )).
قال المؤلف : قد تقدم الكلام في حديث أبي سعيد وأبي هريرة ،
وفيه فضل المدينة وأنها خصت بهذه الفضيلة والله أعلم لبركة النبي
-عليه السلام - ودعائه لها ، وقد أراد الصحابة أن يرجعوا إلى المدينة
حين وقع الوباء بالشام ثقةً منهم بقول رسول الله الذي أمنهم دخول
الطاعون بلده ، وكذلك توقن أن الدجال لا يستطيع دخولها البتة ،
وفي ذلك من الفقه أن الله - تعالى - يوكل ملائكته بحفظ بني آدم من
الآفات والفتن والعدو إذا أراد حفظهم [وقد ] (٣) وصف الله -تعالى-
(١) في (( هـ، ن)): حدثنا.
(٢) من (( ن)).
(٣) من (( هـ)).
- ٦٩ -

ذلك في قوله : ﴿ له معقبات من بين يديه﴾ (١) يعني بأمر الله لهم
بحفظه .
وروى علي بن معبد قال : ثنا بشر بن بكر ، عن الأوزاعي ، عن
إسحاق بن عبد الله، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَله :
(( ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة ليس من نقب من
أنقابها إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها ، فينزل بالسبخة فترجف
المدينة ثلاث رجفات يُخرج إليه كل منافق)) .
والأنقاب : الطرق ، واحدها نقب ، ومنه قوله تعالى : ﴿ فنقبوا
في البلاد ﴾ (٢) أي جعلوا فيها طرقًا ومسالك، وقال صاحب العين:
[٤/ ١٦٢٥- ب] الثَّقب / والنَّقب والمنقبة : الطريق في رأس الجبل .
باب : يأجوج ومأجوج
فيه : زينب بنت جحش: (( أن النبي - عليه السلام - دخل عليها يومًا
فزعًا یقول :لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب ؛ فتح اليوم من
ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه - وحلق بأصبعيه الإبهام والتي تليها -
قالت زينب بنت جحش قلت : يا رسول الله ( أنهلك ) (٣) وفينا
الصالحون ؟ قال : نعم إذا كثر الخبث )) .
وفيه : أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: (( يفتح الردم ردم يأجوج
ومأجوج مثل هذه - وعقد تسعین )) .
(١) الرعد : ١١ .
: (٢) ق : ٣٦ .
(٣) في ((هـ، ن)): أفنهلك.
- ٧٠ -

قال المؤلف : ذكر يحيى بن سلام ، عن سعيد بن أبي عروبة ،
عن قتادة ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة : أن رسول الله قال: ((إن
يأجوج ومأجوج يخرقون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع
الشمس قال الذي عليهم : ارجعوا فتخرقونه غدًا فيعيده الله كأشد ما
كان حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا ،
حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم : ارجعوا
فستخرقونه غدًا إن شاء الله . فيغدون إليه وهو كهيئته حين تركوه
فيخرقونه ، فيخرجون على الناس [ فينشفون ] (١) المياه ، ويتحصن
الناس منهم في حصونهم فيرمون سهامهم فترجع إليهم والدماء فيها ،
فيقولون قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء فيبعث الله عليهم نغفًا
في أقفائهم فيقتلهم بها )) .
وذكر علي بن معبد عن أشعث بن شعبة ، عن أرطاة بن المنذر
قال: إذا خرج يأجوج ومأجوج أوحى الله إلى عيسى بن مريم : إني قد
أخرجت خلقًا من خلقي لا يطيقهم [ أحد ] (٢) غيري ، فمر بمن
معك إلى جبل الطور ومعه من الذراري اثنا عشر ألفًا . قال :
ويأجوج ومأجوج ذرء جهنم ، وهم على ثلاثة أثلاث : ثلث على
طول الأرز والسرس، وثلث مربع طوله وعرضه واحد وهم أشد ،
وثلث يفترش أحدهم أذنه يلتحف بالأخرى وهم ولد يافث بن نوح .
وعن الأوزاعي عن ابن عباس قال : الأرض ستة أجزاء فخمسة
أجزاء منها يأجوج ومأجوج ، وجزء فيه سائر الخلق .
وعن كعب الأحبار قال : معاقل المسلمين من يأجوج ومأجوج
[الطور] (٣) .
(١) في ((الأصل): فيتبعون. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): أحداً. والمثبت من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): الطرق. والمثبت من ((هـ)).
- ٧١ -

كتاب الدعاء (١)
باب : قول الله تعالى : ﴿ادعوني أستجب لكم ﴾ (٢)
وقول النبي - عليه السلام - : لكل نبي دعوة مستجابة
فيه: أبو هريرة قال: قال النبي ◌َّير: (( لكل نبي دعوة يدعو بها ، فأريد
أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة )).
وفيه : أنس قال : قال النبي - عليه السلام -: (( كل نبي سأل سؤالاً -
أو قال - لكل نبي دعوة قد دعا بها فاستجيبت ، فجعلت دعوتي شفاعةً
لأمتي يوم القيامة)).
قال المؤلف : أمر الله - تعالى - عباده بالدعاء وضمن لهم الإجابة
في قوله : ﴿ ادعوني أستجب لكم﴾ (٢) فإن قيل : فقد علمت تأويل
من تأوّل قوله تعالى : ﴿ادعوني أستجب لكم ﴾ (٢) ادعوني بطاعتكم
إياي وعبادتكم لي : أستجب لكم في الذي التمستم مني بعبادتكم
إياي :
قال الطبري : فالجواب : أن من طاعة [ العبد ربه ] (٣) دعاءه إياه
ورغبته في حاجته إليه دون ما سواه ، والمخلص له العبادة المتضرع إليه
في حاجته موقن أن قضاءها بيده متعرض لنجحها منه ، ومن عبادته
إياه تضرعه إليه فيها ، وقد روى وكيع عن سفيان ، عن صالح مولى
(١) كذا في ((الأصل، هـ)) وفي ((ن)): الدعوات.
(٢) غافر : ٦٠ .
(٣) في (( الأصل)): العبودية. والمثبت من ( هـ).
- ٧٢ -

التوءمة ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( من لم يدع الله
غضب الله عليه )) .
وروى شعبة ، عن منصور ، عن ذَرُّ ، عن يُسَيْعِ الحضرمي ، عن
النعمان بن بشير عن النبي - عليه السلام - قال: ((الدعاء هو
العبادة)) وقرأ: ﴿ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن
عبادتي﴾ (١) فسمى الدعاء عبادة، وروى الأوزاعي ، عن الزهري ،
عن عروة ، عن عائشة، عن النبي - عليه السلام - قال: ((إن الله
يحب الملحين في الدعاء )) . فإن ظن ظان أن قول أبي الدرداء يكفي
من الدعاء مع العمل ما يكفي الطعام من الملح . وقيل لسفيان : أدع
الله ؟ فقال : إن ترك الذنوب هو الدعاء . مخالف لما جاء من فضل
الإلحاح في الدعاء والأمر بالدعاء والضراعة إلى الله، فقد ظن خطئًا.
وذلك أن الذي جبلت عليه النفوس أن من طلب حاجةً ممن هو
عليه ساخط لأمر تقدّم منه استوجب به سخطه أنه بالحرمان أولى ممن (٤/ ١٦٣٥-١]
/ [هو عنه ] (٢) راضٍ لطاعته له واجتنابه سخطه، فإذا علم من عبده
المطيع له حاجةً إليه كفاه اليسير من الدعاء . فإن قيل : هل من علامة
يعلم بها إجابة الله العبد في دعائه ؟ قيل : قد جاء في ذلك غير
شيء، منها ما روى شهر بن حوشب: (( أن أمّ الدرداء قالت له : يا
شهر [ إن شفق المؤمن في قلبه كسعفة أحرقتها في النار ، ثم قالت :
يا شهر ] (٢) ألا تجد القشعريرة ؟ قلت : نعم . قالت : فادع الله فإن
الدعاء يستجاب عند ذلك)) .
وروى ابن وهب ، عن ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن
أبي الخير (« أنه سمع أبا رهم السماعي يقول : ما يشعر به عند الدعاء
[ و] (٢) العطاس)).
(١) غافر : ٦٠ .
(٢) من ( هـ)).
- ٧٣ -

قال المؤلف : فإن قيل: ما معنى قوله عليه السلام: (( لكل نبي
دعوة مستجابة)) . وقد قال الله تعالى للناس كافة: ﴿ادعوني أستجب
لكم﴾ (١) فعم كل الدعاء ، وهذا وعد من الله لعباده وهو لا يخلف
الميعاد ، وإنما خصّ كل نبي بدعوة واحدة مستجابة ، فأين فضل درجة
النبوة ؟ قيل : ليس الأمر كما ظننت ، ولا يدل قوله تعالى :
﴿ادعوني أستجب لكم﴾ (١) على أن كل دعاء مستجاب لداعيه ، وقد
قال قتادة : إنما يستجاب من الدعاء ما وافق القدر .
وليس قوله: (( لكل نبي دعوة مستجابة)) . مما يدل أنه لا يستجاب
للأنبياء غير دعوة واحدة ، وقد ثبت عن النبي - عليه السلام - أنه
أجيبت دعوته في المشركين حين دعا عليهم بسبع كسبع يوسف ، ودعا
علی صنادید قریش المعاندین له ، فقتلوا يوم بدر ، وغير ذلك مما یکثر
إحصاؤه مما أجيب من دعائه ، بل لم يبلغنا أنه رُد من دعائه عليه
السلام إلا سؤاله أن لا يجعل الله بأس أمته بينهم خاصةً ، لما سبق في
أم الكتاب من كون ذلك ، قال تعالى: ﴿ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن
الله يفعل ما يريد ﴾ (٢). ومعنى قوله: (( لكل نبي دعوة مستجابة)) ..
يريد أن لكل نبي عند الله من رفيع الدرجة وكرامة المنزلة أن جعل له أن
يدعوه فيما أحبّ من الأمور ويبلغه أمنيته ، فيدعو في ذلك وهو عالم
بإجابة الله له على ما ثبت عنه: (( أن جبريل قال له : يا محمد ، إن
أردت أن يحول الله لك جبال تهامة ذهبًا فعل )) وخيّره بين أن يكون
نبيًا عبدًا وبين أن يكون نبيًا ملكًا ، فاختار الآخرة على الدنيا ، وليست
هذه الدرجة لأحد من الناس ، وإنما [ أمروا ] (٣) بالدعاء راجين
الإجابة غير قاطعين عليها ؛ ليقفوا تحت الرجاء والخوف .
(١) غافر : ٦٠ .
(٢) البقرة : ٢٥٣ .
(٣) في ((الأصل، هـ)): أمر. والمثبت هو الصواب .
- ٧٤ -

١
وفي هذا الحديث بيان فضيلة نبينا - عليه السلام - على سائر الأنبياء
عليهم السلام حين آثر أمته بما خصّه الله به من إجابة الدعوة بالشفاعة
لهم ، ولم يجعل ذلك في خاصّة نفسه وأهل بيته فجزاه الله عن أمته
أفضل الجزاء ، وصلى الله عليه أطيب الصلاة ، فهو كما وصفه الله :
﴿بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ (١).
باب : فضل الاستغفار
وقوله تعالى : ﴿ استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم
مدراراً﴾ (٢) ﴿والذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم﴾(٣) الآية.
فيه: شداد بن أوس أن رسول الله وسلم قال: ((سيد الاستغفار [ أن
يقول] (٤): اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت [ خلقتني ] (٥) وأنا عبدك،
وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ، أعوذ بك من شر ما صنعت ، أبوء
لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي ، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ،
من قالها من [ النهار ] (٦) موقئًا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من
أهل الجنة ، ومن قالها من الليل وهو موقن بها ، فمات قبل أن يصبح
فهو من أهل الجنة )) .
قال المؤلف: قوله عليه السلام: (( وأنا على عهدك ووعدك ما
استطعت)) يعني : العهد الذي أخذه الله على عباده في أصل خلقهم
حين أخرجهم من أصلاب آبائهم أمثال الذر ، وأشهدهم على أنفسهم:
(١) التوبة: ١٢٨. (٢) نوح : ١٠ - ١١.
(٣) آل عمران : ١٣٥ .
(٤) من ((هـ))، (٥) في ((الأصل)): ظلمت نفسي. والمثبت من ((هـ ، ن)).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من ((هـ، ن)).
- ٧٥ -

ألست بربكم قالوا بلى﴾ (١). فأقروا له في أصل [ خلقهم ] (٢)
بالربوبية ، وأذعنوا له بالوحدانية ، والوعد : هو ما وعدهم تعالى أنه
من مات لا يشرك منهم بالله شيئًا وأدّى ما افترض الله عليه أن يدخل
الجنة ، فينبغي لكل مؤمن أن يدعو الله تعالى أن يميته على ذلك
العهد، وأن يتوفاه الله على الإيمان ؛ لينال ما وعد تعالى من وفى
بذلك اقتداءً بالنبي - عليه السلام - في دعائه بذلك ، ومثل ذلك سأل
الأنبياء عليهم السلام الله - تعالى - في دعائهم ، فقال إبراهيم عليه
السلام : ﴿ واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام﴾ (٣) . وقال يوسف :
﴿توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين﴾ (٤) . وقال نبينا: ((وإذا أردت
[٤/ ١٦٣٥ -ب] بقوم فتنةً فاقبضني / إليك غير مفتون)). وأعلم أمته بقوله: (( أنا على
عهدك ووعدك ما استطعت)) . أن أحدًا لا يقدر على الإتيان بجميع ما
لله ، ولا الوفاء (بجميع ) (٥) الطاعات والشكر على النعم ، إذ نعمه
تعالى كثيرة ولا يحاط بها ، ألا ترى قوله تعالى : ﴿وأسبغ عليكم
نعمه ظاهرة وباطنة ﴾ (٦) . فمن يقدر مع هذا أن يؤدي شكر النعم
الظاهرة ، فكيف الباطنة ؟
لكن قد رفق الله بعباده فلم يكلفهم من ذلك إلا وسعهم وتجاوز
عما فوق ذلك ، وكان عليه السلام يمتثل هذا المعنى في مبايعته
للمؤمنين ، فيقول : أبايعكم على السمع والطاعة فيما استطعتم ، فإن
قيل : أين لفظ الاستغفار في هذا الدعاء ، وقد سمّاه النبي - عليه
السلام - سيد الاستغفار ؟ قيل: الاستغفار في لسان العرب هو طلب
المغفرة من الله تعالى وسؤاله غفران الذنوب السالفة والاعتراف بها، وكل
(١) الأعراف : ١٧٢ .
(٢) في (( الأصل)): خلقتهم . والمثبت من (( هـ )
(٤) يوسف : ١٠١.
(٣) إبراهيم : ٣٥.
(٥) في ( هـ)»: بكمال ..
(٦) لقمان : ٢٠ .
- ٧٦ -

دعاء كان فيه هذا المعنى فهو استغفار ، مع أن في الحديث لفظ
الاستغفار وهو قوله : ((فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)).
وقوله: (( من قالها موقنًا بها )) يعني مخلصًا من قلبه ومصدقًا
بثوابها فهو من أهل الجنة ، وهذا كمعنى قوله عليه السلام: (( من قام
رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه )) .
وقوله: ((أبوء لك بنعمتك وأبوء بذنبي )) قال صاحب الأفعال :
باء بالذنب : أقرّ .
#
*
باب : استغفار النبي عليه السلام في اليوم والليلة
فيه: أبو هريرة : سمعت النبي ◌َّير يقول: ((والله إني لأستغفر الله
وأتوب إليه في اليوم والليلة أكثر من سبعين مرةً )) .
قال المؤلف : أولى العباد بالاجتهاد في العبادة الأنبياء - عليهم
السلام - لما حباهم الله به من معرفته ، فهم دائبون في شكر ربهم
معترفون له بالتقصير [ لا ] (١) يدلون عليه بالأعمال ، مستكينون
خاشعون ، روي عن مكحول عن أبي هريرة قال: (( ما رأيت أحدًا
أكثر استغفاراً من رسول الله و ◌َلقدر)).
وقال مكحول : ما رأيت أكثر استغفارًاً من أبي هريرة . وكان
مكحول كثير الاستغفار . وقال أنس : أمرنا أن نستغفر بالأسحار
سبعين مرةً. وروى أبو إسحاق عن مجاهد ، عن ابن عمر قال : ((كنت
مع النبي - عليه السلام - فسمعته يقول : أستغفر الله الذي لا إله إلا
هو الحي القيوم وأتوب إليه مائة مرة قبل أن يقوم )) وروي عن حذيفة
أنه شكا إلى النبي - عليه السلام - ذرب لسانه على أهله ، فقال : أين
(١) من (( هـ )) .
- ٧٧ -

أنت يا حذيفة من الممحاة؟ قال: وما هي؟ قال: ((الاستغفار،
إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة)) وقال ◌َله لعائشة وقت الإفك:
((إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه )) فإن التوبة من
الذنب الندم والاستغفار، وقالت عائشة: ((كان النبي بَل قبل أن
يموت يكثر من قول سبحان الله وبحمده ، أستغفر الله وأتوب إليه ،
فسألته عن ذلك ، فقال : أخبرني ربي أني سأرى علامةً في أمتي ،
فإذا رأيتها أكثرت من ذلك ، فقد رأيتها : ﴿ إذا جاء نصر الله
والفتح﴾(١))). وقال أبو أيوب الأنصاري : ما من مسلم يقول :
«أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ثلاث مرات،
إلا غفرت ذنوبه، وإن كانت أكثر من زبد البحر ، وإن كان فر من
الزحف )» وكان ابن عمر كثيرًا ما يقول : الحمد لله وأستغفر الله ،
فقيل له في ذلك ، فقال : إنما هي نعمة فأحمد الله عليها ، أو خطيئة
فأستغفر الله منها .
وقال عمر بن عبد العزيز : رأيت أبي في النوم كأنه في بستان فقلت
له: أي عملك وجدت أفضل ؟ قال : الاستغفار . وروى أبو عثمان
عن سلمان قال : إذا كان العبد يدعو الله في الرخاء ، فنزل به البلاء
فدعا ، قالت الملائكة : صوت معروف من امرئ ضعيف. فيشفعون
له ، وإذا كان لا يكثر من الدعاء في الرخاء ، فنزل به البلاء فدعا ،
قالت الملائكة : صوت منكر من امرئ ضعيف ، فلا يشفعون له . .
باب : توبوا إلى الله توبة نصوحاً
[ وقال قتادة: توبةً نصوحاً. الصادقة: الناصحة ] (٢)
فيه : الحارث بن سعيد (( حدثنا ابن مسعود حديثين : أحدهما عن النبي
(١) سورة النصر .
(٢) من (( هـ )).
- ٧٨ -

- عليه السلام -، والآخر عن نفسه، قال: إن المؤمن يرى / ذنوبه كأنه [٤/ ٥ ١٦٤-)
قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه ، وإن الفاجر یری ذنوبه كذباب مرّ
على أنفه [فقال] (١) به هكذا، ثم قال: [ لله ] (٢) أفرح بتوبة العبد من
رجل نزل منزلا وبه مهلكة ، ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه ، فوضع
رأسه فنام نومةً فاستيقظ وقد ذهبت راحلته ، حتى إذا اشتدّ عليه الحرّ
والعطش أو ما شاء الله قال : أرجع مكاني ، فرجع فنام نومةً ، ثم رفع
رأسه فإذا راحلته عنده )) .
وفيه : أنس قال النبي - عليه السلام -: (( الله أفرحُ بتوبة عبده من
أحدكم سقط على بعيره، وقد أضلّه في أرض فلاة)) .
قال صاحب العين : التوبة النصوحة : الصادقة . وقيل : إنما سمّى
الله التوبة نصوحًا ؛ لأن العبد ينصح فيها نفسه ويقيها النار لقوله
تعالى: ﴿قوا أنفسكم وأهليكم ناراً﴾ (٣)، وأصل قوله تعالى:
﴿توبةً نصوحًا﴾ (٤) توبةً منصوحًا فيها ، إلا أنه أخبر عنها باسم
الفاعل للنصح على ما ذكره سيبويه عن الخليل في قوله تعالى :
﴿عيشة راضية ﴾ (٥) أي: ذات رضا ، وذكر أمثلة لهذا كثيرة عن
العرب كقولهم : ليل نائم ، وهم ناصب ، أي : ينام فيه وينصب ،
فكذلك ﴿توبة نصوحًا﴾ (٤) أي: ينصح فيها ، والتوبة فرض من الله
- تعالى - على كل من علم من نفسه ذنبًا صغيرًاً أو كبيراً ؛ لقوله
تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبةً نصوحًا﴾ (٤). وقال: ﴿وتوبوا
إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿إنما
التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ﴾ (٧) .
(١) في ((الأصل)): ثم قال. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٢) في ((الأصل)): لا الله. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٣) التحريم : ٦.
(٤) التحريم : ٨.
(٥) القارعة : ٧ .
(٧) النساء : ١٧ .
(٦) النور : ٣١.
- ٧٩ -

فكل مُذنب فهو عند مواقعة الذنب جاهل وإن كان عالمًا ، ومن تاب
قبل الموت تاب من قريب ، وقال النبي - عليه السلام - : (( الندم
توبة)) . وقال: ((إن العبد ليذنب الذنب فيدخل به الجنّة. قيل: كيف
ذلك يا رسول الله؟ قال: يكون نصب عينيه تائبًا منه فارا حتى يدخل الجنة)).
وقال سفيان بن عيينة : التوبةُ نعمة من الله أنعم بها على هذه الأمة
دون غيرهم من الأمم ، وكانت توبة بني إسرائيل القتل . وقال
الزهري : لما قيل لهم: ﴿ فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ﴾ (١)
قاموا صفين وقتل بعضهم بعضًا ، حتى قيل لهم : كفوا . فكانت لهم
شهادة للمقتول وتوبةً للحي ، وإنما رفع الله عنهم القتل لما أعطوا
المجهود في قتل أنفسهم ، فما أنعم الله على هذه الأمة نعمةً بعد
الإِسلام هي أفضل من التوبة .
:
إن الرجل ليفني عمره أو ما أفنى منه في المعاصي والآثام ، ثم يندم
على ذلك ويقلع عنه فيحطها الله عنه ويقوم وهو حبيب الله ، قال
تعالى : ﴿ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ (٢). وقال عليه
السلام: (( التائب من الذنب كمن لا ذنب له )) .
۔۔۔
وقال ابن المبارك : حقيقة التوبة لها [ست] (٣) علامات: أولها :
الندم على ما مضى . والثانية : العزم على أن لا تعود . والثالثة : أن
تعمد إلى كل فرض [ ضيعته ] (٤) فتؤديه . والرابعة : أن تعمد إلى
مظالم العباد ، فتؤدّي إلى كل ذي حق حقه . والخامسة : أن تعمد
إلى البدن الذي ربيتهُ بالسحت والحرام فتذيبه بالهموم والأحزان حتى
يلصق الجلد بالعظم ، ثم تنشئ بينهما لحمًا طيبًا إن هو نشأ .
والسادسة : أن تذيق البدن ألم الطاعة كما أذقته لذة
(١) البقرة : ٥٤ .
(٢) البقرة : ٢٢٢ .
(٣) في ((الأصل)): ستة. والمثبت من ( هـ).
(٤) في ((الأصل)): ضيعه. والمثبت من (( هـ)).
٠ - ٨٠ -