النص المفهرس
صفحات 21-40
وحجتهم من طريق النظر أن كل فريق من المقتتلين في الفتنة فإنه يقاتل على تأويل ، وإن كان في الحقيقة خطأ فهو عند نفسه فيه محق وغير جائز لأحد قتله ، وسبيله سبيل حاكم من المسلمين يقضي بقضاء مما اختلف فيه العلماء على ما يراه صوابًا ، فغير جائز لغيره من الحكام نقضه إذا لم يخالف بقضائه ذلك كتابًا ولا سُنّةً ولا جماعة ، فكذلك المقتتلون في الفتنة كل حزب منهم عند نفسه محق دون غيره بما يدعون من التأويل ، وغير جائز لأحد قتالهم ، وإن هم قصدوا لقتله فغير جائز دفعهم بضرب أو جرح ؛ لأن ذلك إنما يستحقه من قاتل وهو متعمد الإثم في قتاله ، والواجب على الناس إذا اقتتل حزبان من المسلمين بهذه الصفة ترك معاونة أحدهما على الآخر وعليهم لزوم البيوت ، كما أمر النبي - عليه السلام - أبا ذر ومحمد بن سلمة وعبد الله بن عمر ، وما عمل به من تقدّم ذكرهم من الصحابة . وقال آخرون : إذا كانت فتنة بين المسلمين ، فالواجب على المسلمين لزوم البيوت وترك معاونة أحد الحزبين ، ولكن إن دخل [ على ] (١) بعض من قد اعتزل الفريقين منزله ، فأتى من يريد نفسه ، فعليه دفعه عن نفسه [وإن ] (٢) أتى الدفع على نفسه ، روي ذلك عن عمران بن حصين وابن عمر وعبيدة السلماني ، واحتجوا بعلة الذين تقدم قولهم غير أنهم اعتلوا في إباحة الدفع عن أنفسهم بالأخبار الواردة عن [النبي] (٣) أنه قال: ((من أريدت نفسه وماله فقتل فهو شهيد)). فالواجب على كل من أريدت نفسه وماله ظلمًا دفع ذلك ما وجد إليه السبيل ، متأولا كان المريد أو متعمدًا للظلم ؛ لأن ذلك عندهم ظلم [ و](١) على كل أحد دفع الظلم عن نفسه بما قدر عليه . (١) من (( هـ)). (٢) في ((الأصل)): إن وإن. والمثبت من (( هـ)). (٣) في ((الأصل)): البراء. والمثبت من ( هـ). - ٢١ - وقال آخرون : كل فرقتين اقتتلتا فغير خارج أحدهما من أحد وجهين من أن تكون الفرقتان مخطئتين في [ قتال ] (١) بعضهم بعضًا ، وذلك كقتال أهل ( الغصب ) (٢) والمقتتلين على النهب وأشباه ذلك مما لا [شبهة] (٣) في أن اقتتالهم حرام، وأن على المسلمين الأخذ على أيديهم وعقوبتهم بما يكون نكالا لهم ، أو تكون إحداهما مخطئة والأخرى مصيبة ، فالواجب على المسلمين الأخذ على أيدي المخطئة ومعونة المصيبة ؛ لأن النبي - عليه السلام قد أمر بالأخذ على يدي الظالم بقوله: (( لتأخذن على يدي الظالم حتى تأطروه على الحق أطرًّا أو ليسلطن الله عليكم شراركم ، فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم )) فإذا كان كما قلنا ، وكان غير جائز أن تكون فرقتان تقاتل كل واحدة منهما صاحبتها أو يسفك بعضها دماء بعض كلاهما مصيبة ؛ لأن : ذلك لو جاز جاز أن يكون الشيء الواحد حرامًا حلالاً في حالة. واحدة ، وإذا كان كذلك فالواجب على المسلمين معونة المحقّة من الفئتين ، وقتال المخطئة حتى ترجع إلى حكم الله ، فلا وجه لكسر السيوف والاختفاء في البيوت عند هيج الفتنة ، روي ذلك عن علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر وعائشة وطلحة ، ورواية عن ابن عمر ، روى الزهري ، عن حمزة بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه أنه قال : ما وجدت في نفسي من شيء ما وجدت أني لم أقاتل هذه الفئة الباغية ، كما أمرني الله . وروى سفيان عن يحيى بن هانئ أنه قال لعبد الله بن عمرو : ((علي كان أولى أو معاوية ؟ قال: على. [ قال] (٤): فما أخرجك؟ قال: إني لم أضرب بسيفٍ ولم أطعن برمح ، ولكن رسول الله قال : أطع أباك فأطعته)) . وقال إبراهيم بن سعد : قتل أويس القرني (١) في ((الأصل)): قتل. والمثبت من ((هـ)). (٢) في (( هـ)»: العصبية. (٣) في ((الأصل)): يشبهه. والمثبت من ((هـ)) .. (٤) من (( هـ). - ٢٢ - مع علي في الرجالة . وقيل لإبراهيم النخعي : من كان أفضل علقمة أو الأسود ؟ فقال : علقمة ؛ لأنه شهد صفّين وخضب بسيفه فيها . وقال ( ابن ) (١) إسحاق: (شهد ) (٢) مع علي عبيدة السلماني [وعلقمة] (٣) وأبو وائل وعمرو بن [ شرحبيل] (٤) . وقال ابن إسحاق: خرج مع [ ابن ] (٥) الأشعث في الجماجم ثلاثة آلاف من التابعين ليس في الأرض مثلهم : أبو البختري ، والشعبي ، وسعيد ابن جبير ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، والحسن البصري . وقال آخرون : كل قتال وقع بين المسلمين ولا إمام لجماعتهم يأخذ للمظلوم من الظالم فذلك القتال هو الفتنة التي أمر رسول الله بالاختفاء في البيوت فيها وكسر السيوف ، كان الفريقان مخطئين أو كان أحدهما مخطئًا والآخر مصيبًا ، روي ذلك عن الأوزاعي قال / : ما كانت منذ بعث الله نبيه إلى اليوم طائفتان من المؤمنين اقتتلتا إلا كان قتالهم خطأ ومعصية ، فإن كانتا في سواد العامة ، فإمام الجماعة المصلح بينهم يأخذ من الباغية القصاص في القتل والجراح كما كان بين تينك الطائفتين اللتين نزل فيهما القرآن إلى رسول الله وإلى الولاة [بعده](٦) وإن كان قتالهم وليس للناس إمام يجمعهم فهي الفتنة التي النجاة منها الأخذ بعهد النبي - عليه السلام - أن يعتزل تلك الفرق كلها ولو أن يعض بأصل الشجرة حتى يدركه الموت ، وإن كانت خارجة فشهدت على أختها بالضلالة في إيمانها وبالكفر لم تسم فيه باغية ، وقد برئت من ولايتها قبل خروجها عليها ، فكفى بالخروج براءة وبرجوع فلهم إذا هزموا إلى مقرهم مروقًا . (٢) في (( هـ)) : شهدت . [٤/ق١٥٤-١] (١) في (( هـ ) : أبو . (٣) في ((الأصل)): فأعلمه، والمثبت من ( هـ)). (٤) في ((الأصل)): شراحيل. والمثبت من ((هـ). (٥) في ((الأصل)): الحسن، والمثبت من (( هـ). (٦) في ((الأصل)): بعدهم. والمثبت من ( هـ). - ٢٣ - ۔۔۔ .. قال الطبري : وأنا قائل بالصواب في ذلك ومبين معنى الفتنة التي القاعد فيها خير من القائم و [ أمره ] (١) - عليه السلام - بكسر السيوف ولزوم البيوت والهرب في الجبال، والخبر [ المعارض] (٢) لهما وهو أمره - عليه السلام - بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين والأخذ على يد السفهاء والظالمين ، إذ غير جائز التعارض في أخباره وَ لِلّه ؛ إذ كل ما قال حق وصدق . فنقول : الفتنة في كلام العرب الابتلاء والاختبار ، فقد يكون ذلك بالشدّة والرخاء والطاعة والمعصية، وكان [ حقًا] (٣) على المسلمين. إقامة الحق ونصرة أهله ، وإنكار المنكر والأخذ على أيدي أهله ، كما وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿ الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ (٤) كان معلومًا أن من أعان في الفتنة فريق الحق على فريق الباطل فهو مصيب أمر الله - تعالى - ومن أنكر ما قلناه قيل له: أرأيت المفتئتين. الملتمسين ولاية أمر الأمة في حال لا إمام لهم يقيم عليهم الحق هل خلوا عندك من أحد أمور ثلاثة : إما أن يكون كلاهما محقين أو كلاهما مبطلين أو أحدهما محقًا والآخر مبطلا ؟ فإن قال : نعم . قيل له : أو ليس [الفريقان](٥) إذا كانوا مبطلين حق على المسلمين الأخذ على أيديهما إن قدروا على ذلك ، وإن لم تكن لهم طاقة ؛ فكراهة أمرهما والقعود عنهما وترك معونة أحدهما على الآخر. فقد أوجب معونة الظالم على ظلمه ، وذلك خلاف حكم الله . وإن قال [ بل] (٦) الواجب عليهم ترك الفريقين يقتتلون واعتزالهما، أباح للمسلمين ترك إنكار المنكر وهم على ذلك قادرون ، وسئل عن رجل (١) في ((الأصل)): أمر. والمثيت من (( هـ)). (٢) في ((الأصل)): المقارن. والمثبت من (( هـ)). (٤) الحج : ٤١ (٣) في ((الأصل)): جعله. والمثبت من ( هـ). (٥) في ((الأصل، هـ)): الفريقين. والمثبت هو الصواب. (٦) في (( الأصل)): قال. والمثبت من (( هـ)). - ٢٤ - غصب امرأة نفسها للفجور بها على أعين الناس وهم على منعه قادرون، هل يجوز لهم تركه ؟ فإن أجاز ذلك لم يمكن خصمه الإبانة عن خطأ قوله بأكثر من ذلك ، فإن أوجب منعه والأخذ على يده ، قيل له : فما الفرق بينه وبين من رآه يريد قتل رجل ظلماً وعدوانًا ، وما الذي أوجب عليهم منع ذلك ظاهرًا وأباح لهم ترك من يريد قتل النفس التي حرمها الله ؟ ويقال له: أرأيت إن كان أحد الفريقين محقًا والآخر مبطلاً أيجب على المسلمين معونة المحق على المبطل ؟ فإن قال: لا أوجب ترك [الساعي](١) في الأرض بالفساد ، وهذا خلاف قوله تعالى : ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾(٢) الآية. فإن قال : تجب معونة المحق على المبطل ، أوجب قتال الفرقة الباغية . وأما الحالة الثالثة فإنها حالة ممتنع في العقل وجودها ، وذلك حال حرب فريقين من المسلمين يقتتلان وهما جميعًا محقان في ذلك ، ولو جاز أن يكون كل واحد منهما مصيب حقيقة حكم الله في ذلك لجاز أن يكون الشيء الواحد بحكم الله حلالاً وحرامًا في حالة واحدة وشخص واحد ، وهذا ما لا يجوز أن يوصف به تعالى . فإن قيل : فما تنكر أن يكون الفريقان المقتتلان مصيبين في قتال كل واحد منهما صاحبه حقيقة حكم الله إذا كان قتالهما في جهة التأويل لا من جهة الخلاف للنصّ الذي لا يحتمل التأويل ، فقد علمت قول من قال باجتهاد الرأي فيما لا نصّ فيه من أن كل [مجتهد] (٣) مصيب ، وأن حكم الله في الحادثة على كل مجتهد ما أداهُ إليه اجتهاده، وأنه لا خطأ في شيء من ذلك . (١) في ((الأصل)): السعي. والمثبت من (( هـ)). (٣) من (( هـ ). (٢) المائدة : ٣٣ . - ٢٥ - [٤/ ق١٥٤- ب] صحة ذلك بما يكون من الصحابة / رضوان الله عليهم - فيما لا نص فيه لله وللرسول من الاختلاف بينهم ، ثم لم يظهر واحد [ منهم ](١). لصاحبه البراءة ولا الخروج من ولايته ، قال : فكذلك الفريقان المقتتلان إذا كانا كلاهما طالبي الحق عند أنفسهما ورأى كل واحد منهما أنه محق كالمختلفين من أصحاب رسول الله . قيل له : أما قول من قال : كل مجتهد وإن كان غير مصيب في خطئه حكم الله الذي طلبه فأضلّه فقد أخطأ ، وذلك كالملتمس عين القبلة للصلاة إليها في يوم دخن في فلاة من الأرض بالدلائل غير موجب له التماسه إياها ، وقد أخطأها أن يكون مصيبًا في طلب جهتها، فكذلك المقتتلان على التأويل الذي يعذر فيه المخطئ ؛ إذا أخطأ أحدهما حكم الله في قتاله الفريق المصيب حكم الله . وإن عذر بالخطأ الذي وضع عنه الوزر فيه إذا كان سبيله فيما كلف فيه سبيل المحنة والابتلاء ، إذا لم يوقفوا على عينه بالنص الذي لا يحتمل التأويل ، وأما استشهاد من قال : كل مجتهد مصيب باختلاف أصحاب النبي - عليه السلام - فيما لا نص فيه بعينه ، فإن أصحاب النبي ◌َ ◌ّ لم ينكروا فيما قالوا فيه من الاجتهاد والاستنباط أن يكون فيهم مصيب ومخطئ ، فلا حجة لمحتج باختلافهم ، فإذا بطل الوجه الثالث وهو أن [ يكونا ] (٢) معًا محقين ثبت أن قوله- عليه. السلام -: (( ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم )) غير معني به القتال الذي هو معونة المسلمين للمحق [والقتال ] (٣) الذي يكون من المسلمين لأهل السّفَه والفسق للأخذ على أيديهم ومنعهم من السعي في الأرض بالفساد . فإن قيل : فأي حالة هي التي وصف النبي - عليه السلام - من الفتنة أن القاعد فيها خير من القائم ؟ قيل : هذه (١) في ((الأصل)): منهما. والمثبت من ((هـ)). (٢) في ((الأصل)): يكون. والمثبت من (( هـ)). (٣) في ((الأصل)): والقاتل. والمثبت من ((هـ )). - ٢٦ - حالة لها ثلاث منازل : أحدها : أن يكون الفريقان المقتتلان مبطلين ، وسائر المسلمين مقهورين بينهما لا طاقة لمن أراد الأخذ على أيديهما على النهوض في ذلك ، فإن هو [ نهض ] (١) عرض نفسه للهلاك ولم يرج إصلاحًا بينهما فهذه حالة هو فيها معذور بالتخلف ، والسلامة له في الهرب وكسر السيوف ، وهذه التي قال عليه السلام : ((القاعد فيها خير من القائم)) يعني القاعد عن هذه الفتنة خير من القائم فيها للنهوض إليها [ معين ] (٢) أهلها ؛ لأنه خير من القائم بذكر الله والعمل بطاعته . والحالة [الثانية ] (٣): أن يكون أحد الفريقين مخطئًا والآخر مصيبًا ، وأمرهما مشكل على كثير من الناس لا يعرفون المحق فيها من المبطل ، فمن أشكل عليه أمرهما فواجب عليه اعتزال الفريقين ولزوم المنازل حتى يتضح له الحق ويتبين المحق منهما ، وتنكشف عنه الشبهة فيلزمه من معونة أهل الحق ما لزم أهل البصائر . وأما المنزلة الثالثة : فأن يكون مخرج الكلام من رسول الله في ذلك كان في خاص من الناس على ما روي عن [ عمار بن ياسر ] (٤) أنه قال لأبي موسى حين روى عن النبي أنه قال: ((إذا وقعت الفتنة فاضربوا سيوفكم بالحجارة ... )) الحديث فقال له عمار : أنشدك الله يا أبا موسى قال هذا رسول [الله] (١) لك أنت خاصةً؟ قال: نعم)). ولو كان الواجب في كل اختلاف يكون بين الفريقين من المسلمين الهرب منه ولزوم المنازل وكسر السيوف ؛ لما أقيم لله - تعالى - حق ولا أبطل باطل ، ولوجد أهل [ النفاق ] (٥) والفجور سبيلا إلى استحلال كل ما حرّم الله عليهم من أموال المسلمين ونسائهم ، وسفك دمائهم بأن يتحزبوا عليهم ويكف المسلمون أيديهم عنهم بأن يقولوا هذه (٢) في ((الأصل)): معينين. والمثبت من (( هـ)). (١) من (هـ). (٣) في ((الأصل، هـ)): الثالثة. والمثبت هو الصواب. (٤) في ((الأصل)): ابن عباس. والمثبت من ( هـ)). (٥) في ((الأصل)): التعلق. والمثبت من (( هـ)). - ٢٧ - فتنة قد نهينا عن القتال فيها ، وأمرنا بكفّ الأيدي والهرب منها . وذلك مخالفة لقوله عليه السلام : (( خذوا على أيدي سفهائكم )) ولقوله : ((مثل القائم والمنتهك والمدهن في حدود الله مثل ثلاثة نفر اصطحبوا في سفينة ، فقال أحدهم : نحفر لنأخذ الماء وقال الآخر : دعه فإنما يحفر مكانه . فإن أخذوا على يده نجا ونجوا جميعًا ... )) الحديث .. [٤/ ق ١٥٥-١] فإن قال قائل : فإنك قد ذكرت أنه لا فتنة تخلو من الأسباب الثلاثة، ثم أوجبت في جميعها على أهل البصائر بالحق النهوض مع أهله على أهل الباطل لقمعه ، وقد علمت أنه لا فتنة كانت ولا تكون منذ بعث / الله نبيّه - عليه السلام - أفضل أهلا ولا أقوم بالحق ولا أطلب [ له ] (١) من قوم نهضوا فيها بعد مقتل [ عثمان ] (١) فإنهم كانوا أهل السابقة والهجرة وخيار الأمة ، ولم تكن [ فتنة ] (٢) يرجى بالنهوض لمعونة أحد أفريقيها ] (٣) على الآخر ما كان يرجى [ فيها](٤) لو كان النهوض في فتن المسلمين جائزًا، وقد علمت من [ تثبط ] (٥). عن النهوض فيها ، ونهى عن [المشي ] (٦) إليها [وأمر ] (٧) بالجلوس عنها من جلة الصحابة كسعد وأسامة ومحمد بن مسلمة وأبي مسعود الأنصاري وابن عمر وأبي موسى وغيرهم يكثر إحصاؤهم .. قيل له : إن سبيل كل ما احتيج من أمر الدين إلى الاستخراج بالقياس والاستنباط بالعقول والأفهام سبيل ما كان من الاختلاف بين الذين نهضوا في الفتنة التي قعد عنها من ذكرت من القاعدين فيها ، ولذلك عذر أهل العلم من قعد عنها ، ومن نهض فيها من أهل الدين ، ولولا ذلك (١) من (( هـ). (٢) في (( الأصل: فيه . (٣) في ((الأصل)): فريقًا، وفي ((هـ)) فريقها. والمثبت هو الصواب. (٤) في ((الأصل)): فيها. والمثبت من ((هـ)). (٥) في ((الأصل)): تثبت. (٦) في (( هـ)) السعي. (٧) في ((الأصل)»: فأمر. والمثبت من ((هـ)). : - ٢٨ - عظمت المصيبة وجسمت البلية ، ولكن قعود من قعد عنها لما كان بتأويل ونهوض من نهض فيها بمثله رجا العالمون بالله للمصيب منهم الثواب الجزيل ، وعذروا المخطئ في خطئه ؛ إذ كان خطؤه بالتأويل ، لا بالخلاف للنصّ المحكم الذي لا يحتاج للتأويل ، ولا شك أن الناهضين في الفتنة التي قعد عنها سعد ومحمد بن مسلمة وأسامة كانوا أفضل وأعلم بالله ممن قعد عنها ، وذلك أن الناهضين فيها كان منهم من يقر له جميع أهل ذلك الزمان بالفضل والعلم ، ومنهم من لا يدفعه جميعهم عن أنه إن لم يكن أفضل منه وأعلم أنه ليس بدونه . وإذا كان الأمر كذلك لم يكن المحتج إذا أغفل سبيل الصواب -لتأويل تأوله وإن كان خطأ - حجةً على من خالفه في تأويله . فإن قال : فإن جلوس من جلس ممن ذكرنا لم يكن تأويلا ، ولكنه كان نصًا لا يحتمل التأويل لقوله: ((القاعد فيها خير من القائم)) قيل : إنه لا أحد روى عن النبي - عليه السلام - في الفتنة التي قعد عنها أنه عليه السلام نهاه عن النهوض فيها بعينها نصًا ، وإنما قال عليه السلام: ((القاعد فيها خير من القائم)» من غير نص على فتنة بعينها أنها هي تلك الفتنة ، ومن غير تسميته لها باسم وتوقيته لها بوقت . وقد روى أهل العراق عن علي وعبد الله: (( أن النبي - عليه السلام - أمر عليًا بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين)). وعن أبي سعيد وغيره أن النبي - عليه السلام - قال: (( لتقاتلنّ على تأويله كما قاتلت [على تنزيله ] (١))) وروى أهل الشام عن النبي - عليه السلام- في معاوية أنه الذي يقاتل على الحق وأنه عليه السلام ذكر فتنة فمرّ به عثمان ، فقال: (( هذا وأصحابه يومئذ على الحق)) . وكل راوٍ منهم لرواية يدعي أنها الحق ، وأن تأويله أولى ، فإذا كان الأمر كذلك علم (١) في ((الأصل)): بشرطه. والمثبت من ((هـ)). - ٢٩ - أن القول في ذلك من غير وجه النص الذي لا يحتمل التأويل ، وأن الاختلاف بينهم كان من جهة الاستنباط والقياس ، والذي لا يوجد في مثله إجماع من الأمة على معنى واحد ، ولذلك قيل في قتلى الفريقين [ ما قيل] (١) من رجاء الفريق الآخر الإصابة وأمن على فريق الشبهة. وكذلك ما حدثنا خلاد بن أسلم قال : حدثنا النضر بن شميل عن [ ابن عون] (١) عن ابن سيرين: ((أن عائشة سمعت صوتًا فقالت : من هذا [ أخالد ابن] (٢) الواشمة؟ قال: نعم . قالت : أنشدك الله إن سألت عن شيء أتصدقني ؟ قال : نعم . قالت : ما فعل طلحة ؟ قال : قتل . قالت : ما فعل الزبير؟ قال : قتل . قالت : إنا لله وإنا إليه راجعون. قال : قلت : بل نحن إنا لله وإنا إليه راجعون على زيد وأصحاب زيد، والله لا يجمعهم الله وقد قتل بعضهم بعضًا . قالت: أو لا تدري؟ وسعت رحمته كل شيء وهو على كل شيء قدير. قال: فكانت أفضل مني)). وحدثنا مجاهد بن موسى ، حدثنا يزيد ، حدثنا العوّام بن حوشب، عن عمرو بن مرة ، عن أبي وائل قال: ((رأى [ عمرو] (٣). ابن شرحبيل أبا ميسرة وكان من أفضل الناس عند الله ، قال : رأيت كأني دخلت الجنّة ، فإذا قباب مضروبة فقلت : لمن هذه ؟ فقالوا : . لذي الكلاع وحوشب، وكانا [ ممن قتل مع ] (٤) معاوية . قلت : فأين عمار وأصحابه؟ [ فقال ] (٥) : أمامك . فقلت : وقد قتل بعضهم بعضًا ؟ قيل : إنهم لقوا الله فوجدوه واسع المغفرة . قلت : [٤/ ق ١٥٥-ب] فما فعل / أهل النهر ؟ قال: لقوا برجاء)) .. (٢) في (( الأصل)): أحيا الدين. والمثبت من ( هـ ) (١) من (( هـ)). (٣) في ((الأصل)): عمر. والمثبت من (( هـ)). (٤) في ((الأصل)): من قتلى. والمثبت من (( هـ). (٥) في ((الأصل)): فقالا. والمثبت من ((هـ). - ٣٠ - باب : إذا التقى المسلمان [ بسيفيهما ] (١) فيه : أبو بكرة قال: قال النبي - عليه السلام -: ((إذا [ تواجه ] (٢) المسلمان بسيفيهما فكلاهما في النار . قيل : فهذا القاتل فما بال المقتول؟ قال : إنه أراد قتل صاحبه )) . قال المؤلف : ولهذا الحديث أيضًا قعد من قعد من الصحابة عن الدخول في الفتنة ولزموا بيوتهم ، وفسر أهل العلم هذا الحديث فقالوا : قوله عليه السلام: (( القاتل والمقتول في النار)) ليس هو على الحتم لهما بالنار ، وإنما معناه أنهما يستحقان النار إلا أن يشاء الله أن يغفر لهما ؛ لأنه عليه السلام سمّاهما مسلمين وإن قتل أحدهما صاحبه، ومذهب جماعة أهل السنة أن الله - تعالى - في وعيده لعصاة المؤمنين بالخيار إن شاء عذبهم ، وإن شاء عفا عنهم ، وقد تقدّم في كتاب الإيمان . وقال المؤلف : في حديث أبي بكرة دليل أنه [ إذا ] (٣) التقي المسلمان بسيفيهما واختلفت طائفتان على التأويل في الدين ، ولم [يتبين] (٤) البغي من أحدهما أنه يجبُ القعود عنهما وملازمة البيوت، ولهذا تخلف محمد بن مسلمة ، وسعد بن أبي وقاص ، وأسامة بن زيد ، وعبد الله بن عمر ، وحذيفة وجماعة عن تلك المشاهد ؛ لأنه لم [ يتبين ] (٤) لهم ما قام فيه المقتتلون ، وأخذوا بقوله عليه السلام : ((تكون فتن القاعد فيها خير من القائم)» . فأما إذا ظهر البغي في إحدى الطائفتين لم يحل لمسلم أن يتخلف عن قتال الباغية لقوله تعالى: ﴿ فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ﴾ (٥) ولو أمسك (١) في ((الأصل)): بسيفهما. والمثبت من ((هـ، ن)). (٢) في ((الأصل)): توجه. والمثبت من (( هـ، ن)). (٣) في ((الأصل)): أراد والمثبت من (( هـ)). (٤) في (الأصل)): يبين. والمثبت من ((هـ)). (٥) الحجرات : ٩ . - ٣١ - المسلمون عن قتال أهل البغي لبطلت فريضة من فرائض الله - تعالى - وهذا يدل أن قوله: ((فالقاتل والمقتول في النار )) ليس في أحد من أصحاب محمد ؛ لأنهم قاتلوا على التأويل ، وقال بعض العلماء فإن قال قائل: [ فأي ] (١) الطائفتين كانت أولى بالحق ؟ قيل : كلا الطائفتين عندنا محمودة مجتهدة برة تقية ، وقد قعد عنها أصحاب النبي ولم يروا في ذلك بيانًا ، وهم كانوا أولى بمعرفة الحق فكيف يحكم لأحد الفريقين على الآخر ، ألا ترى أن النبي شهد لعلي وطلحة والزبير بالشهادة ، فكيف يكون شهيدًا من يحل دمه ، وكيف يحكم لأحد الفريقين على الآخر وكلاهما شهداء ؟ روى خالد بن خداش ، عن الدراوردي، عن [ سهيل ] (٢) عن أبيه ، عن أبي هريرة قال: (( كان النبي - عليه السلام - وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير على حراء فتحرك ، فقال رسول الله : اسكن حراء ، فإنه ليس عليك إلا نبي وصديق وشهيد )) وكل أصحاب رسول الله وَلّه يجب على المسلمين توقيرهم والإمساك عن ذكر زللهم ونشر محاسنهم ، وكل من ذهب منهم إلى تأويل فهو معذور ، وإن كان بعضهم أفضل من بعض وأكثر سوابق . : باب : كيف الأمر إذا لم يكن جماعة فيه : حذيفة: (( كان الناس يسألون رسول الله عن الخير ، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني ، فقلت : يا رسول الله ، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير ، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال : نعم . قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير ؟ قال : نعم ، وفیه دخن . قلت : وما دخنه ؟ قال : قوم يهدون بغير هدى تعرف منهم وتنكر (١) في ((الأصل)): فإن. والمثبت من ( هـ)). (٢) في ((الأصل)): سهل. والمثبت من (( هـ)) وهو الصواب .. - ٣٢ - قلت : فهل بعد ذلك الخير من شر ؟ قال : نعم ، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه [ فيها ] (١) قلت : يا رسول الله ، صفهم لنا . قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا . قلت : فما تأمرني إن أدركني ذلك ؟ قال : تلزم جماعة المسلمين وإمامهم . قلت : فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ؟ قال : فاعتزل تلك الفرق كلها ، ولو أن [ تعضّ ] (٢) بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك )). قال المؤلف : هذا الحديث من أعلام النبوة ، وذلك أنه عليه السلام أخبر حذيفة بأمور مختلفة من الغيب لا يعلمها إلا من أوحي إليه بذلك من أنبيائه الذين هم صفوة خلقه ، وفيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين وترك القيام على أئمة الجور ، ألا ترى أنه عليه السلام وصف أئمة زمان الشر فقال : (( دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها )) فوصفهم بالجور والباطل والخلاف / لسنته ؛ لأنهم لا يكونون دُعاةً على أبواب جهنم إلا وهم على ضلال، ولم يقل فيهم تعرف منهم وتنكر ، كما قال في الأولين ، وأمر مع ذلك بلزوم جماعة المسلمين وإمامهم ، ولم يأمر بتفريق كلمتهم وشق عصاهم . [٤/ ق١٥٦ - ١] قال الطبري : اختلف أهل العلم في معنى أمر النبي بلزوم الجماعة ونهيه عن الفرقة ، وصفة الجماعة التي أمر بلزومها ، فقال بعضهم : هو أمر إيجاب وفرض ، والجماعة التي أمرهم بلزومها : السواد الأعظم ، وقالوا : كل ما كان عليه السواد [الأعظم] (٣) من أهل الإسلام من أمر دينهم فهو الحق الواجب والفرض الثابت ، الذي لا يجوز لأحد من المسلمين خلافه ، وسواء خالفهم في حكم من الأحكام أو خالفهم في إمامهم القيم [ بأمرهم ] (٤) وسلطانهم ، فهو للحق مخالف . (١) من ((هـ، ن)). (٢) في ((الأصل)): تقبض. والمثبت من (( هـ، ن)). (٤) في ((الأصل)): في أمورهم. والمثبت من ((هـ)). (٣) من ( هـ )". - ٣٣ - ذكر من قال ذلك : روي عن ابن سيرين قال : لما قتل عثمان -رضي الله عنه - أتيت [ أبا ] (١) مسعود الأنصاري ، فسألته عن الفتنة ، فقال : عليك بالجماعة ، فإن الله لم يكن ليجمع أمة محمد على ضلالة ، والجماعة حبل الله ، وإن الذي تكرهون من الجماعة هو خير من الذي تحبون من الفرقة . واحتجوا بما روى الأوزاعي قال : حدثني قتادة ، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله: ((إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقةً، وإن أمتي تفترق على [ ثنتين ] (٢) وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ، وهي الجماعة)) . وروى معتمر عن سليمان (المزني ) (٣) عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله: ((لا يجمع الله أمتي على ضلالة أبدًا، ويد الله على الجماعة هكذا ، فاتبعوا السواد الأعظم ، فإنه من شذ [ شذ] (٤) في النار )) . وقال آخرون : الجماعة التي أمر النبي - عليه السلام - بلزومها هي جماعة أئمة العلماء ، وذلك أن الله جعلهم حجةً على خلقه ، وإليهم تفزع العامة في دينها ، وهي تبع لها ، وهم المعنيون بقوله عليه السلام: ((إن الله لن يجمع أمتي على ضلالة)). ذکر من قال ذلك : روي عن المسیب بن رافع قال : کانوا إذا جاءهم شيء ليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله سمّوه صوافي الأمر ، فجمعوا له العلماء ، فما اجتمع عليه رأيهم فهو الحق. وسئل عبد الله بن المبارك عن الجماعة الذين ينبغي (١) في (الأصل)): ابن. والمثبت من ((هـ)). (٢) في ((الأصل)): اثني. والمثبت من ((هـ)). (٣) في ((هـ )) : المدني. (٤) من المستدرك (١١٦/١) - ٣٤ - أن يقتدى بهم ، فقال : أبو بكر وعمر . فلم يزل يجيء حتى انتهى إلى محمد بن ثابت بن [ الحسين ] (١) بن واقد ، قلت : هؤلاء قد ماتوا فمن الأحياء ؟ قال: أبو حمزة [ السكري] (٢) . وقال آخرون : الجماعة التي أمر رسول الله بلزومها : هم جماعة الصحابة الذين قاموا بالدين بعد مضيّه عليه السلام ، حتى أقاموا عماده وأرسوا أوتاده وردوه ، وقد كاد المنافقون أن ينزعوا ( أواخيه )(٣) ويقلبوه من ( أواسيه ) (٤) إِلى [ نصابه ] (٥) وسلكوا في الدعاء منهاجه، فأولئك الذين ضمن الله لنبيّه أن لا يجمعهم على ضلالة ، قالوا : ولو كان معناه لا تجتمع أمته في زمن من الأزمان من يوم بعثه الله إلى قيام الساعة على ضلالة ؛ بطل معنى قوله عليه السلام: ((لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس )) وشبه ذلك من الأخبار المرويّة عنه وَّ أن من الأزمان أزمانًا تجتمع فيها أمته على ضلالة وكفر . وقال آخرون : الجماعة التي أمر رسول الله بلزومها : جماعة أهل الإسلام ما كانوا مجتمعين على أمر واجب على أهل الملل اتباعها، فإذا كان فيهم مخالف منهم فليسوا بمجتمعين ، ووجب تعرف وجه الصّواب فيما اختلفوا فيه . قال الطبري : والصواب في ذلك أنه أمر منه عليه السلام بلزوم إمام جماعة المسلمين ونهى عن فراقهم فيما هم عليه مجتمعون من تأميرهم إياه فمن خرج من ذلك فقد نكث بيعته ونقض عهده بعد وجوبه ، وقد قال عليه السلام : (( من جاء إلى أمتي ليفرق جماعتهم فاضربوا عنقه كائناً من كان )) . (١) في ((الأصل)): الحسن، والمثبت من ((هـ)). (٢) في ((الأصل، هٍ)): الكوني، والمثبت من تهذيب الكمال. (٣) أواخي جمع أخيّة وآخيّه: عود يُعرض في الحائط ويدفن طرفاه فيه، ويصير وسطة كالعروة تشد إليه الدابة. لسان العرب (٢٣/١٤). (٤) الآسيَةُ: الدعامة والسارية، والجمع أواسي. لسان العرب (٣٦/١٤). (٥) في (( الأصل)): فضائه. والمثبت من ((هـ)) ونصاب كل شيء: أصله. - ٣٥ - قال المؤلف : وحديث أبي بكرة حجة في ذلك لأنه عليه السلام أمره بلزوم جماعة المسلمين وإمامهم ، فبان أن الجماعة المأمور باتباعها هي السواد الأعظم مع الإِمام الجامع لهم ، فإذا لم يكن لهم إمام فافترق الناس أحزابًا فواجب اعتزال تلك الفرق كلها على ما أمر به النبي عليه السلام أبا ذرّ ولو أن يعض بأصل شجرة حتى يدركه الموت ، فذلك خير له من الدخول بين طائفة لا إمام لها خشية ما يئول [ من ] (١) عاقبة ذلك من فساد الأحوال باختلاف الأهواء وتشتت الآراء . وقال صاحب العين : الدخن : الحقد ، ويوم دخنان : شديد (الغم) (٢). * باب : من كره أن يكثر سواد الفتن والظلم [٤ ق ١٥٦ -ب] / فيه : أبو الأسود: ((قطع على أهل المدينة بعث فاكتتبت فيه ، فلقيت عكرمة فأخبرته ، فنهاني أشد النهي ، ثم قال : أخبرني ابن عباس أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على عهد رسول الله ، فيأتي السهم فيرمى فيصيب أحدهم فيقتله - أو يضربه فيقتله - فأنزل الله تعالى: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم﴾ (٣))) . قال المؤلف : ثبت عن النبي أنه قال : من كان مع قوم راضيًا بحالهم [ فهو منهم ) (١) صالحين كانوا أو فاسقين ، هم شركاء في الأجر أو الوزر ، وبما يشبه معنى هذا الحديث في مشاركة [ أهل الظلم في الوزر ] (٤) قوله عليه السلام: (( من آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)) . (١) من (( هـ). . (٣) النساء : ٩٧ . (٢) في (( هـ)): الغيم . (٤) في ((الأصل)): أهل الوزر في الظلم. والمثبت من ((هـ)). ٠- ٣٦ - وأما مشاركة مجالس الصالحين في الأجر فما في الحديث : ((إن الله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر ، فإن وجدوا قومًا يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم ... )) وذكر الحديث بطوله ((قال : فيقول الله : اشهدوا أني قد غفرت لهم . فيقول ملك من الملائكة : فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجته. قال : هم الجلساء لا يشقى جليسهم)). فإن كان مجالس أهل الفسق كارهًا لهم ولعملهم ، ولم يستطع مفارقتهم [ خوفًا ] (١) على نفسه أو لعذر منعه فترجى له النجاة من إثم ذلك، يدل على ذلك قوله في آخر الآية التي نزلت فيمن كثر سواد المشركين ﴿ إلا المستضعفين من الرجال والنساء﴾ (٢) الآية وقد كره السلف الكلام في الفتنة ، ذكر ابن جريج عن ابن عباس قال : إنما الفتنة باللسان . وقال سفيان عن شريح : ما أخبرت ولا استخبرت تسعة أعوام منذ كانت الفتنة ، فقال له مسروق : لو كنت مثلك لسرّني أن أكون قد مُتّ. قال : شريح : فكيف بأكثر من ذلك مما في الصدور تلتقي الفئتان [ إحداهما أحب ] (٣) إليّ من الأخرى. وقال الحسن : السلامة من الفتنة : سلامة القلوب والأيدي والألسن . وكان إبراهيم يستخبر ولا يخبر . باب : إذا بقي في حثالة من الناس فيه: حذيفة قال: (( حدثنا رسول الله حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر ، حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ، ثم علموا من القرآن ، ثم علموا من السنّة ، وحدثنا عن رفعها فقال : ينام الرجل (١) في ((الأصل)): خوف. والمثبت من ((هـ)). (٢) النساء : ٩٨ . (٣) فى (( الأصل، هـ)): أحب إحداهما. والمثبت هو الصواب. - ٣٧ - ٠٠ النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل أثر الوكت ، ثم ينام. النومة فتقبض ، فيبقى أثرها مثل أثر [ المجل ] (١) كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتيرًا ، وليس فيه شيء ، ويصبح الناس يتبايعون فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة ، فيقال : إن في بني فلان رجلاً أمينًا ، ويقال للرجل ما أعقله وما أظرفه وما أجلده ، وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان ، ولقد أتى عليّ زمان ولا أبالي أيكم بايعت ، لئن كان مسلمًا. رده علي الإسلام ، وإن كان نصرانيًا رده عليّ ساعيه ، وأما اليوم فما كنت أبايع إلا فلانًا وفلانًا )) . قال المؤلف : هذا الحديث من أعلام النبوة ؛ لأن فيه الإخبار عن: فساد أديان الناس وقلة أماناتهم في آخر الزمان ، ولا سبيل إلى معرفة ذلك قبل كونه إلا من طريق الوحي، وهذا كقوله: ((بدأ الإسلام غريبًا وسيعود. غريبًا كما بدأ )) وروى ابن وهب ، عن يعقوب بن عبدالرحمن ، عن عمرٍ مولى المطلب ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال: (( قال رسول الله لعبد الله بن عمرو: كيف بك يا عبد الله إذا بقيت في حثالة من الناس ، قد مرجتا. عهودهم وأماناتهم واختلفوا فصاروا هكذا - وشبك بين أصابعه - ؟ قال : قلت : يا رسول الله ، فما تأمرني ؟ قال : عليك بخاصتك، ودع عنك عوامهم )) ومن هذا الحديث ترجم البخاري ترجمة هذا الباب - والله أعلم - وأدخل معناه في حديث حذيفة ولم يذكر الحديث بنص الترجمة ؛ لأنه من رواية العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، عن أبي هريرة ، ولم يخرج عن العلاء حديثًا في كتابه . والحثالة : سفلة الناس ، وأصلها في اللغة ما تساقط من قشور التمر والشعير وغيرها وهي الحفالة والسخافة . (١) في ((الأصل)): المجمل. والمثبت من ((هـ، ن)). - ٣٨ - وقوله في حديث حذيفة: (( في جذر قلوب الرجال )) قال الأصمعي وأبو عمرو ، وغيرهما : الجذر : الأصل . قال الأصمعي : بفتح الجيم ، وقال أبو عمرو : بكسر الجيم . وقال صاحب العين : الوكت : شبيه نكتة في العين ، وعين موكوتة ، والوكت : سواد الّون . وقال أبو عبيد : الوكت : أثر الشيء اليسير منه. وقال الأصمعي: يقال للبُسر إذا بدا فيه/ الإرطاب : بُسر موكت. [٤/ ق١٥٧ - ١] والمجل : أثر العمل (باليد) (١) يعالج به الإنسان الشيء حتى [تغلظ](٢) جلودها، يقال منه: مَجلت (يده ) (٣) ومَجَلت لغتان، وذكر الحربي عن ابن الأعرابي : المجل : النفط باليد ممتلئ ماءً ، وقال أبو زيد : إذا كان بين الجلد واللحم ماء قيل : مجلت يده تمجل ، ونفطت تنفط نفطًا [ونفيطًا"] (٤). والمنتبر : المنتفط . قال الطوسي : انتبر الجرح : إذا ورم ، ويقال : سمعت نبرات من كلامه أي : ارتفاعات من صوته . قال أبو عبيد: وقوله: (( ما أبالي أيكم بايعت )) حمله كثير من الناس على بيعة الخلافة ، وهذا خطأ في التأويل ، وكيف يكون على بيعة الخلافة وهو يقول: ((لئن كان يهوديًا أو نصرانيًا ردّه عليّ ساعيه)) فهو يبايع على الخلافة اليهودي والنصراني ؟! ومع هذا إنه لم يكن يجوِّز أن يبايع كل أحد فيجعله خليفة ، وهو لا يرضى بأحد بعد عمر، فكيف يتأول هذا عليه مع مذهبه فيه ؟ إنما أراد مبايعة البيع والشراء ؛ لأنه ذكر الأمانة وأنها قد ذهبت من الناس يقول : فليس أثق اليوم بأحد أئتمنه على البيع والشراء إلا فلانًا وفلانًا لقلة الأمانة في الناس . (١) في (( هـ)) : في اليد . (٢) في ((الأصل)): تختلط. والمثبت من ((هـ)). (٣) من (( هـ)). (٤) في ((الأصل، هـ )): ونفطًا. والمثبت من لسان العرب مادة نفط. - ٣٩ - وقوله : ((ردّه عليّ ساعيه)) يعني : الوالي الذي عليه ، يقول : ينصفني منه ، وإن لم يكن له إسلام ، وكل من ولي على قوم فهو ساع عليهم ، وأكثر ما يقال هذا في ولاة الصدقة قال الشاعر : سعى عقالا فلم يترك لنا سَبَدًا باب : التعرب (١) في الفتنة فيه : سلمة بن الأكوع : (( أنه دخل على الحجاج قال : يا ابن الأكوع ارتددت على عقبيك ، تعربت ؟ قال : لا . ولكن رسول الله أذن لي في البدو)) ولما قتل عثمان خرج سلمة إلى الرّبذة وتزوج هناك امرأةً وولدت له أولادًا ، فلم يزل بها حتى جاء قبل أن يموت بليال فنزل المدينة )) . وفيه : أبو سعيد قال النبي - عليه السلام - : ( يوشك أن یکون خیر مال المسلم غنم يتبع بها [ شعف ] (٢) الجبال ، ومواقع القطر ، يفر بدينه من الفتن)). التعرب : معناه أن يرجع أعرابيًا بعد الهجرة ، وكانوا يستعيذون بالله أن يعودوا كالأعراب بعد هجرتهم ؛ لأن الأعراب لم يتعبدوا بالهجرة التي يحرم بها على المهاجر الرجوع إلى وطنه ، كما فرض على أهل مكة البقاء مع النبي - عليه السلام - ونصرته ، ولذلك قال الحجاج : يا ابن [الأكوع] (٣) ارتددت على عقبيك، تعربت؟ )) أي: رجعت عن الهجرة التي فعلتها لوجه الله - تعالى - بخروجك من المدينة ، فأخبره أن رسول الله أذن له في سكنى البادية ، فلم يكن خروجه من المدينة فرارًا منها ولا رجوعًا في الهجرة، وهذا لا يحل لأحد فعله، : (١) في ((الأصل)): التغرب. وهي رواية أبي ذر الهروي. والمثبت من ((هـ، ن)) .. (٢) في ((الأصل)): شعب. والمثبت من (( هـ، ن)). (٣) في ((الأصل)): الحجة. والمثبت من (( هـ)). - ٤٠ -