النص المفهرس

صفحات 1-20

شْرُ ضِيعُ الَّارِ
لابْن بطّاك
أُبِيّ الحَّةِ عَلِيَ بْ خَلْتُ بُ عَبْ اَللَّ
ضَبَطَ نِصَّهُ رَعَلّ عَليه
أُبُوتِيْمَ يَاسْرِبِنْ إِبْراهِيم
الجزء العَاشِرْ
مكتبة الرشد
الرياض

كتاب الفتن
وقول الله تعالى ﴿ واتقوا فتنةً لا تصيبن الذين ظلموا
منكم خاصّةً﴾ (١) وما كان النبي وَلّ يحذر من الفتن
فيه : أسماء قالت : قال النبي - عليه السلام -: « أنا على حوضي
أنتظر من يردُّ عليّ ، فيؤخذ بناس من دوني ، فأقول : أمتي . فيقال : لا
تدري ، مشوا القهقري)) . وقال ابن أبي مليكة: اللهم إنا نعوذ بك أن
(نرد) (٢) على أعقابنا أو نفتن.
وفيه : عبد الله قال النبي - عليه السلام -: (( أنا فرطكم على الحوض،
ليدفعن إليّ رجال منكم ، حتى إذا أهويت لأناولهم اختُلجوا
دوني، فأقول : أي ربّ ، أصحابي ، يقول : لا تدري ما أحدثوا
بعدك)».
وفيه : سهل قال النبي - عليه السلام -: (( أنا فرطكم على الحوض ،
من ورده شرب منه ، ومن شرب منه لم يظمأ أبدًا ، ليرد عليّ أقوام
أعرفهم ويعرفوني (٣) ثم يحال بيني وبينهم)) وزاد أبو سعيد قال: (( إنهم
مني ، فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك . فأقول : سحقًا سحقًا لمن
بدل بعدي )) .
(١) الأنفال : ٢٥.
(٢) في (( هـ، ن)): نرجع.
(٣) زاد في ((الأصل)) : يحال .
- ٥ -

قال المؤلف : كان النبي - عليه السلام - يستعيذ من الفتن ومن
شرها ويتخوف من وقوعها ؛ لأنها تذهب بالدين وتتلفه ، وقال :
قول الله : ﴿واتقوا فتنةً لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصةً﴾ (١).
قال: إن الفتنة إذا عمّت هلك الكل ، وذلك عند ظهور المعاصي
وانتشار المنكر . وقد سألت زينب النبي - عليه السلام - عن هذا
المعنى فقالت : يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : نعم (٢).
إذا كثر الخبث)) وفسر العلماء الخبث أولاد الزنا ، فإذا ظهرت المعاصي:
[٤/ ق ١٥٠-ب) ولم تُغير ، وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هجران تلك
البلدة والهرب منها ، فإن لم يفعلوا فقد تعرضوا للهلاك ، إلا أن
الهلاك طهارة للمؤمنين ونقمة على الفاسقين ، وبهذا قال السلف .
وروى ابن وهب عن مالك أنه قال : تهجر الأرض التي يصنع فيها:
المنكر جهارًا ولا يستقر فيها . واحتج بصنيع أبي الدرداء في خروجه.
عن أرض معاوية حين أعلن بالربا وهو من الكبائر ، وأجاز بيع سقاية
الذهب بأكثر من وزنها فقال له أبو الدرداء : (( سمعت رسول الله ــ
عليه السلام - ينهى عن مثل هذا إلا مثلاً بمثل . فقال معاوية : ما أرى
يمثل هذا بأسًا . فقال أبو الدرداء : من يعذرني من معاوية ، أنا أخبره
عن رسول الله (803* وبخبرني عن رأيه لا أساكنك بأرض أنت بها))
وأما أحاديث أهل هذا الباب في ذكر من يعرفهم النبي من أمته ،
ويحال بينهم وبينه ، لما أحدثوا بعده ، فذلك كل حدث في الدين لا
يرضاه الله من خلاف جماعة المسلمين ، وجميع أهل البدع كلهم فيهم
مبدلون محدثون، وكذلك أهل الظلم والجور ، وخلاف الحق وأهله
كلهم محدث مبدل ليس في الإسلام داخل في معنى هذا الحديث .
وقوله: / ((اختلجوا دوني)). قال صاحب العين: خلجت الشيء،
[٤/ق١٥١-١]
(١) الأنفال : ٢٥ .
(٢) زاد بالأصل هنا : قال .
- ٦ -
۔۔

واختلجته : جذبته . وقوله : فسحقًّا سحقًا لمن بدل بعدي)) يعني :
بعدًا له [ والسحيق: البعيد] (١) ومنه قوله تعالى: ﴿ فسحقًا
لأصحاب السعير﴾ (٢) ومعنى ذلك: [ الدعاء على من بدّل وغيرً](١)
كقوله : أبعده الله .
قال أبو جعفر الداودي : وليس هذا مما يحتم به للمختلجين بدخول
النّار ؛ لأنه يحتمل أن يختلجوا وقتًا فيلحقهم من هول ذلك اليوم
وشدته ما شاء الله ، ثم يتلقاهم الله بما شاء من رحمته ، ولا يدل
قوله: ((سحقًا سحقًا)) أنه لا يشفع لهم بعد ؛ لأن الله - تعالى - قد
يلقي لهم ذلك في قلبه وقتًا ليعاقبهم بما شاء إلى وقت يشاء ، ثم
يعطف قلبه عليهم فيشفع لهم ، وقد جاء في الحديث: (( شفاعتي
لأهل الكبائر من أمتي )» .
وقد قال بعض السلف : فالذين يعرفهم النبي ويحال بينهم وبينه
أنهم هم المرتدون ، واستدل على ذلك بقوله: ((أي رب أصحابي .
فيقال : إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى )) ذكره في باب
الحوض في آخر [ الرقاق ] (٣) وفي هذه الأحاديث الإيمان بحوض
النبي - عليه السلام - على ما ذهب إليه أهل السنة.
باب : قول النبي عليه السلام سترون بعدي أمورًا تنكرونها
وقال عبد الله بن زيد: قال النبي - عليه السلام -: (( اصبروا حتى
تلقوني على الحوض)) .
فيه: ابن مسعود قال النبي -عليه السلام -: (([إنكم] (٤) سترون بعدي أثرةً و[أمورًا](٥)
(١) من (( هـ)).
(٢) الملك : ١١ .
(٣) من (( هـ)) وفي ((الأصل)) غير مقروءة. (٤) من (( هـ، ن)).
(٥) في ((الأصل)): أمور. والمثبت من (( هـ).
- ٧ -

تنكرونها . قالوا : فما تأمرنا يا رسول الله ؟ قال: أدّوا إليهم حقّهم
واسألوا الله حقکم »
وفيه : ابن عباس قال النبي - عليه السلام - : (( من کره من أمیره شيئًا
فليصبر ، فإنه من خرج من السلطان شبراً مات ميتةً جاهليةٌ )).
وفيه : عبادة: (( بايعنا النبي - عليه السلام - على السمع والطاعة في
منشطنا ومكرهنا ويسرنا وعسرنا وأثرة علينا ، وألا ننازع الأمر أهله إلا
أن تروا كفرا بواحا عندکم من الله فيه برهان )) .
وفيه : أسيد بن حضير: (( أن رجلا أتى النبي - عليه السلام - فقال :
یا رسول الله ، استعملت فلانًا ولم تستعملني . قال : إنكم سترون بعدي
أثرةٌ فاصبروا حتى تلقوني )) .
قال المؤلف : في هذه الأحاديث حجة في ترك الخروج على أئمة
الجور ، ولزوم السمع [ والطاعة لهم ] (١) والفقهاء [ مجمعون ] (٢)
على أن الإمام المتغلّب [ طاعته لازمة، ما أقام الجمعات ] (١)
والجهاد، وأن طاعته خير من الخروج عليه؛ لما في ذلك من حقن الدماء
وتسكين الدهماء ، ألا ترى قوله - عليه السلام - [ لأصحابه :
((سترون بعدي أثرةً وأمورًا تنكرونها)) فوصف ] (١) أنهم سيكون عليهم
أمراء يأخذون منهم الحقوق ويستأثرون بها ، ويؤثرون بها من لا تجب
له الأثرة ، ولا يعدلون فيها ، وأمرهم بالصبر عليهم والتزام طاعتهم على
ما فيهم من الجور ، وذكر علي بن معبد ، عن علي بن أبي طالب أنه
قال: [لا بد من إمامة] (٣) برة [أو] (٤) فاجرة. قيل له: البرة لا بد منها،
(١) من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): المجمعون. والمثبت من (هـ)).
(٣) في ((الأصل)): لا يؤمن أمته. والمثبت من (( هـ)).
(٤) في (( الأصل: ولا والمثبت من (( هـ ).
- ٨ -

فما بال الفاجرة ؟ قال : تقام بها الحدود ، وتأمن بها السبل ، ويقسم
بها الفيء ، ويجاهد بها العدو . ألا ترى قوله عليه السلام في حديث
ابن عباس: (( من خرج من السلطان شبرًا مات ميتة جاهليةً)). وفي
حديث [ عبادة ] (١): ((بايعنا رسول الله على السمع والطاعة)) إلى
قوله: ((وألا ننازع الأمر أهله ، إلا أن تروا كفرا بواحاً )» فدل هذا كله
على ترك الخروج على الأئمة ، وألا يشق عصا المسلمين ، وألا يتسبب
إلى سفك الدماء وهتك الحريم ، إلا أن يكفر الإمام ويظهر خلاف
دعوة الإسلام ، فلا طاعة لمخلوق عليه ، وقد تقدم في كتاب الجهاد ،
وكتاب الأحكام هذا .
قال الخطابي: ((بواحًا )) يريد ظاهراً باديًا، ومنه قوله: باح
بالشيء يبوح به بوحًا وبئوحاً، إذا أذاعه وأظهره ومن رواه ((براحًا))
فالبراح بالشيء مثل البواح أو قريب منه ، وأصل البراح الأرض القفر
التي لا أنيس ولا بناء فيها ، وقال غيره : البراح : البيان ، يقال :
برح الخفاء أي ظهر .
*
باب : قول النبي عليه السلام هلاك أمتي على يدي
أغيلمة سفهاء من قریش
[ فيه: أبو هريرة قال: قال النبي ◌َالتر: (( هلكة أمتي على يدي غلمة من
قريش ](١) فقال مروان : لعنة الله عليهم غلمة . فقال أبو هريرة /: لو (٤/ ١٥١٥-ب]
شئت أن أقول بني فلان وبني فلان لفعلت )) .
(١) في ((الأصل)): أبي عبادة، والمثبت من ((هـ)).
- ٩ -

قال المؤلف : وفي هذا الحديث أيضًا حجة لجماعة الأمة في ترك
القيام على أئمة الجور ووجوب طاعتهم والسمع والطاعة لهم ، ألا
ترى أنه عليه السلام قد أعلم أبا هريرة بأسمائهم وأسماء آبائهم ، ولم
يأمره بالخروج عليهم ولا بمحاربتهم ، وإن كان قد أخبر أن هلاك أمته
على أيديهم ، إذ الخروج عليهم أشدّ في الهلاك وأقوى في
الاستئصال، فاختار عليه السلام لأمته أيسر الأمرين وأخف الهلاكين ،
إذ قد جرى قدر الله: وعلمه أن أئمة الجور أكثر من أئمة العدل وأنهم
يتغلّون على الأمة، وهذا الحديث من أقوى ما يرد به على الخوارج .
فإن قال قائل: (( ما أراد النبي - عليه السلام - بقوله: ((هلاك أمتي))
أهلاكهم في الدين أم هلاكهم في الدنيا بالقتل ؟ قيل : أراد الهلاكين
معًا ، وقد جاء ذلك بينًا في حديث علي بن معبد [ عن إسماعيل بن
عياش ، عن يحيى بن عبيد الله ، عن أبيه ] (١) قال : سمعت أبا
هريرة يقول: قال رسول الله: ((أعوذ بالله من إمارة الصبيان. فقال
أصحابه : وما إمارة الصبيان ؟ فقال : إن أطعتموهم هلكتم ، وإن
عصيتموهم أهلكوكم ، فهلاكهم في طاعتهم هلاك الدين ، وهلاككم
في عصيانهم هلاك الأنفس )) .
فإن قيل : فلم ذكر البخاري في الترجمة أغيلمة سفهاء من قريش ،
ولم يذكر (( سفهاء )) في حديث الباب؟ قيل : كثيراً ما يفعل مثل هذا،
وذلك أن تأتي في حديث لا يرضى إسناده لفظة تبين معنى الحديث
فيترجم بها ليدل على المراد بالحديث ، وعلى أنه قد روي عن العلماء
ثم لا يسعه أن يذكر في حشو الباب إلا أصحّ ما روي فيه لاشتراطه
الصحّة في كتابه ، وقد روى ذلك علي بن معبد قال حدثنا أشعث بن
(١) من (( هـ).
- ١٠ -

سعيد ، عن سماك ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: « إن
فساد أمتي ، أو هلاك أمتي على رءوس غلمة سفهاء من قريش)) .
فبان بهذا الحديث أن الغلمة سفهاء ، وأن الموجب لهلاك الناس بهم
أنهم رؤساء وأمراء متغلبين .
باب : قول النبي عليه السلام ويل للعرب من شر قد اقترب
فيه: زينب قالت: ((استيقظ رسول الله ◌َ﴾ من النوم محمراً وجهه
يقول : لا إله إلا الله ، ويل للعرب من شر قد اقترب ، فتح اليوم من ردم
يأجوج ومأجوج مثل هذه ، وعقد تسعين أو مائة ، قيل : أنهلك وفينا
الصالحون ؟ قال : نعم إذا كثر الخبث )) .
وفيه: أسماء: ((أشرف النبي ◌َّلي على أطم من آطام المدينة فقال: هل
ترون ما أرى ؟ فقالوا: لا . فقال : إني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم
کوقع القطر )» .
قال المؤلف : هذه الأحاديث كلها مما أنذر النبي - عليه السلام -
بها أمته وعرّفهم قرب الساعة لكي يتوبوا قبل أن يهجم غليهم وقت
غلق باب التوبة حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل ، وقد
ثبت أن خروج يأجوج ومأجوج من آخر الأشراط ، فإذا فتح من
ردمهم في وقته عليه السلام مثل عقد التسعين أو المائة فلا يزال الفتح يستدير
ويتسع على [ مرّ ] (١) الأوقات، وهذا الحديث في معنى قوله عليه السلام:
(( بعثت أنا والساعة كهاتين . وأشار بأصبعيه السبابة والتي تليها » وقد
روى النضر بن شميل ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي
(١) في ((الأصل)): ممر، والمثبت من (( هـ)).
- ١١ -

هريرة قال: قال رسول الله: ((ويل للعرب من شر قد اقترب ،
موتوا إن استطعتم )) وهذا غاية في التحذير من الفتن والخوض فيها
حين جعل الموت خيراً من مباشرتها ، وكذلك أخبر في حديث أسامة
بوقوع الفتن خلال بيوتهم ليتوقفوا ولا يخوضوا فيها ويتأهبوا لنزولها
بالصبر ، ويسألوا الله العصمة منها والنجاة من شرها .
قال ابن قتيبة : والخبث: الفسوق والفجور ، والعرب تدعو الزنا
خبثًا وخبيثة ، وفي الحديث أن [ رجلا ] (١) وجد مع [ امرأة ] (٢)
يخبث بها أي يزني، قال الله - تعالى -: ﴿الخبيثات للخبيثين﴾(٣)
والأطم : حصن مبني بالحجارة .
باب : ظهور الفتن
[٤/ ق ١٥٢ - ١]
/ فيه : أبو هريرة قال: قال النبي - عليه السلام -: (( يتقارب الزمان،
وينقص العلم ، ويلقى الشح ، وتظهر الفتن ، ويكثر الهرج . قالوا : يا
رسول الله، أيّم هو ؟ قال : القتل القتل)).
وفيه : عبد الله وأبو موسى: قال النبي - عليه السلام -: (( إن بين يدي
الساعة لأيامًا ينزل فيها الجهل ، ويرفع فيها العلم، ويكثر فيها الهرج)).
الهرج بلسان الحبشة : القتل .
وقال عبد الله لأبي موسى : تعلم الأيام التي ذكر النبي - عليه السلام -
أيام الهرج قال : سمعت النبي - عليه السلام - يقول: (( من شرار
الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء )) .
(١) من (( هـ)).
(٣) النور : ٢٦.
(٢) في (( الأصل)): امرأته . والمثبت من (( هـ ))
- ١٢ -

قال المؤلف : هذا كله إخبار من النبي بأشراط الساعة ، وقد رأينا
هذه الأشراط عيانًا وأدركناها ، فقد نقص العلم ، وظهر الجهل ،
وألقي بالشح في القلوب ، وعمّت الفتن ، وكثر القتل ، وليس في
الحديث ما يحتاج إلى تفسير غير قوله: (( يتقارب الزمان )) ومعنى
ذلك - والله أعلم - تقارب أحوال أهله في قلة الدين حتى لا يكون
فيهم من يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر لغلبة الفسق وظهور أهله ،
وقد جاء في الحديث: (( لا يزال الناس بخير ما تفاضلوا ، فإذا
تساووا هلكوا )) يعني لا يزالون بخير ما كان فيهم أهل فضل وصلاح
وخوف لله يلجأ إليهم عند الشدائد ، ويستشفى بآرائهم ، ويتبرك
بدعائهم ، ويؤخذ بتقويمهم وآثارهم .
وقال الطحاوي : قد يكون معناه في ترك طلب العلم خاصةً
والرضا بالجهل ، وذلك أن الناس لا يتساوون في العلم ؛ لأن درج
العلم تتفاوت ، قال الله تعالى: ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾(١) وإنما
يتساوون إذا كانوا جهالا .
قال الخطابي: وأما حديثه الآخر: (( أنه يتقارب الزمان حتى تكون
السنّة كالشهر ، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم ، واليوم كالساعة»
[ فإن حماد بن سلمة قال: سألت عنه أبا سلمان ] (٢) فقال: ذلك
من استلذاذ العيش . يريد - والله أعلم - خروج المهدي ووقوع الأمنة
في الأرض ببسطه العدل فيها فيستلذ العيش عند ذلك وتستقصر مدته ،
ولا يزال الناس يستقصرون أيام الرخاء وإن طالت ، ويستطيلون
[أيام] (٢) المكروه وإن [قصرت] (٣)، وللعرب في مثل هذا : مر بنا
يوم كعرقوب القطا - قصرًا .
وقوله عليه السلام: ((إن من شرار الناس من تدركهم الساعة
(١) يوسف : ٧٦ .
(٢) من (( هـ).
(٣) في ((الأصل)): قصر. والمثبت من (( هـ)).
- ١٣ -

أحياء» فإنه وإن كان لفظه العموم فالمراد به الخصوص ، ومعناه: أن
الساعة تقوم في الأكثر والأغلب على [ شرار ] (١) الناس بدليل قوله
عليه السلام : (( لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرها
من ناوأها حتى تقوم الساعة )).
فدل هذا الخبر أن الساعة تقوم أيضًا على قوم فضلاء ، وأنهم في
صبرهم على دينهم كالقابض على الجمر ، وقد ذكر في مواضع .
باب : لا يأتي زمان إلا الذي بعده شر منه
فيه: الزبير بن عدي: (( أتينا أنس بن مالك نشكو إليه ما [ نلقى ] (٢)
من الحجاج . فقال : اصبروا ، فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر
منه حتى تلقوا ربكم، [ سمعته ](٣) من نبيكم - عليه السلام - )) .
وفيه: أم سلمة: ((استيقظ رسول الله وَ ل﴾ [ ليلةً] (٤) فزعًا يقول:
سبحان الله، ماذا أنزل من الخزائن ، وماذا أنزل من الفتن ؟ من يوقظ
صواحب الحجرات - يريد أزواجه - لكي يصلين ؟ ربّ كاسية في
الدنيا عارية في الآخرة )) .
قال المؤلف : حديث أنس من علامات النبوة لإخبار النبي - عليه
السلام - بتغير الزمان وفساد الأحوال ، وذلك غيب لا يعلم بالرأي ،
وإنما يعلم بالوحي، ودل حديث أم سلمة على الوجه الذي يكون به
الفساد، وهو ما يفتح الله عليهم من الخزائن وأن الفتن مقرونة بها ، ويشهد
(١) في ((الأصل)): شرور. والمثبت من (( هـ ).
(٢) في ((الأصل، هـ)): لقي. والمثبت من (( هـ).
(٣) في ((الأصل)): فسمعته. والمثبت من (( هـ)).
(٤) من (( هـ، ن)).
- ١٤ -

لذلك قول الله - تعالى - : ﴿ كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه
استغنى﴾ (١) فمن فتنة المال ألا ينفق في طاعة الله ، وأن يمنع منه حق
الله ، ومن فتنه السرف في إنفاقه ألا ترى قوله عليه السلام : (رُبّ
كاسية في الدنيا عارية في الآخرة )).
قال المهلب : فأخبر أن فيما فتح من الخزائن فتنة الملابس ، فحذّر
عليه السلام أزواجه وغيرهن / أن يفتن في لباس رفيع الثياب التي يفتن (١٥٢٥/٤ -ب]
النفوس في الدنيا رقيقها وغليظها ، وحذّرهن التعري يوم القيامة منها
ومن العمل الصالح ، وحضّهن بهذا القول أن يقدمن ما يفتح عليهن
من تلك الخزائن للآخرة وليوم يحشر الناس عراةً ، فلا يكسى إلا
الأول فالأول في الطاعة والصدقة ، والإنفاق في سبيل الله ، فمن أراد
أن تسبق إليه الكسوة فليقدمها لآخرته ، ولا يذهب طيباته في الدنيا
وليرفعها إلى يوم الحاجة .
وقوله: ((من يوقظ صواحب الحجرات)) ندب بعض خدمه لذلك،
كما قال يوم الخندق : (( من يأتيني بخبر القوم )) وكذلك قال من
يسهل عليه في الليل أن يدور على حجر نسائه ، فيوقظهن للصلاة
والاستعاذة مما أراه الله من الفتن النازلة كي يوافقن الوقت المرجو فيه
الإجابة ، وأخبرنا عليه السلام أن حين نزول البلاء ينبغي الفزع إلى
الصلاة والدعاء ، فيرجى كشفه لقوله تعالى : ﴿فلولا إذ جاءهم بأسنا
تضرعوا ﴾ (٢) الآية ، وقد تقدم حديث أم سلمة في كتاب الصلاة [
في باب تحريض النبي - عليه السلام - على صلاة اللّيل وذكرنا فيه
معنىَّ زائداً] (٣).
(١) العلق: ٦ - ٧ .
(٢) الأنعام : ٤٣ .
(٣) في ((الأصل)): بأزيد. والمثبت من (( هـ)).
- ١٥ -

باب : قول النبي عليه السلام : من حمل علينا السلاح فليس منا
فيه : ابن عمر وأبو موسى قالا: قال النبي - عليه السلام -: [ « من
حمل علينا السلاح فليس منا )) .
وفيه: أبو هريرة قال النبي ﴾]: (( لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح،
فإنه لا يدري لعل الشيطان أن ينزغ في يده فيقع في حفرة من النار )) .
وفيه: سفيان: قلت لعمرو: (( يا أبا محمد ، سمعت جابر بن عبد الله
يقول: (( [ مرّ رجل] (٢) بسهام في المسجد ، فقال له رسول الله : أمسك
بنصالها ؟ قال : نعم)) .
وفيه : أبو موسى قال النبي - عليه السلام -: ((إذا مرّ أحدكم في
مسجدنا أو سوقنا ومعه نبل فليمسك بنصالها - أو [ فليقبض ] (٣)
بكفه - أن يصيب أحدًا من المسلمين منها بشيء )) .
قال المؤلف: قوله عليه السلام: (( فليس منا )) يعني ليس متبعًا
لبسُنتنا ولا سالكًا [ سبيلنا] (٤)، كما قال عليه السلام: ((ليس منا
من شق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية )) لأن من حق المسلم على المسلم
أن ينصره ولا يخذله ولا يسلمه ، وأن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه
بعضًا ، فمن خرج عليهم بالسيف بتأويل فاسد رآه ، فقد خالف ما
سَنّهُ النبي - عليه السلام - من نصرة المؤمنين وتعاون بعضهم لبعض ،
والفقهاء مجمعون على أن الخوارج من جملة المؤمنين لإجماعهم كلهم على
أن الإيمان لا يزيله غير الشرك بالله ورسوله والجحد لذلك ، وأن المعاصي
غير الكفر لا يكفر مرتكبها ، ذكر أسد بن موسى في كتاب الكف عن
(١) من (( هـ)).
.(٢) في (( الأصل)): من دخل. والمثبت من ( هـ).
(٣) في ((الأصل)): ليقبض. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٤) في (( الأصل)): لسبلنا. والمثبت من ((هـ)).
- ١٦ -

أهل القبلة قال : حدثنا هشيم بن بشير قال : حدثنا كوثر بن حكيم
قال: حدثنا نافع، عن ابن عمر: (( أن رسول الله - عليه السلام -
قال لابن مسعود : أتدري كيف حكم الله فيمن بغى من هذه الأمة ؟
قال : الله ورسوله أعلم . قال : حكم الله فيها أن لا يقتل أسيرها ولا
يقسم فيئها ، ولا يجهز على جريحها ولا يتبع مدبرها)).
وبهذا عمل علي بن أبي طالب ، ورضيت الأمة أجمع بفعله هذا
فيهم ، وقال الحسن بن علي : لولا علي بن أبي طالب لم يعلم
الناس كيف يقاتلون أهل القبلة ، فقاتلهم علي بما كان عنده من العلم
فيهم من النبي - عليه السلام - فلم يكفرهم ولا سباهم ولا أخذ
أموالهم ، فمواريثهم قائمة ، ولهم حكم الإسلام .
وقوله - عليه السلام -: (( لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح »
وأمرهُ للذي مرّ بالسهام في المسجد أن يمسك بنصالها ، هو من باب
الأدب وقطع الذرائع ألا يشير أحد بالسلاح خوف ما يئول منها
ويخشى من نزغ الشيطان .
وقوله : (( فيقع في حفرة من النار)) معناه : إن أنفذ الله عليه
الوعيد، وهذا مذهب أهل السنة ، ومن روى في الحديث ((ينزغ في
يده)) فقال صاحب العين: [ نزغ ] (١) بين القوم نزغًا: حمل
بعضهم على بعض بفساد بينهم ، ومنه نزغ الشيطان . وقال صاحب
الأفعال : نزغ : طعن ، ومن روى (( ينزع)) بالعين فهو قريب من هذا
المعنى . قال صاحب العين : نزعت الشيء من الشيء نزعًا : قلعته،
ونزع [ بالسهم ] (٢): رمى به .
(١) في ((الأصل)): نزغًا. والمثبت من (( هـ).
(٢) في ((الأصل)): السهم. والمثبت من ((هـ)).
- ١٧ -

باب : قول النبي عليه السلام : لا ترجعوا بعدي كفاراً
يضرب بعضكم رقاب بعض
فيه: عبد الله قال النبي - عليه السلام -: ((سباب [ المسلم ] (١)
فسوق وقتاله كفر )) .
[٤/ ق١٥٣-١]
وفيه : ابن عمر وابن عباس وجرير و [ أبو بكرة ] (٢) قال النبي - عليه
السلام -: ( لا ترجعوا بعدي كفاراً / يضرب بعضكم رقاب بعض )) .
وفي حديث أبي بكرة ( فلما كان يوم حرق ابن الحضرمي حين حرقه
جارية بن قدامة ، قال : أشرفوا على أبي بكرة ، قالوا : هذا أبو بكرة يراك.
قال عبد الرحمن : فحدثتني أمي عن أبي بکرة أنه قال : لو دخلوا علي ما
بهشت بقصبة)) .
قال المؤلف : هذا الباب في معنى الذي قبله ، فيه النهي عن قتل
المؤمنين بعضهم بعضًا ، وتفريق كلمتهم وتشتيت شملهم ، وليس
معنى قوله: (( لا ترجعوا بعدي كفاراً )» النهي عن الكفر الذي هو
ضد الإيمان بالله ورسوله ، وإنما المراد بالحديث النهي عن كفر حق
المسلم على المسلم الذي أمر به النبي - عليه السلام - من التناصر
والتعاضد ، والكفر في لسان العرب : التغطية ، وكذلك قوله :
(سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر )) يعني : قتاله كفر بحقه وترك
موالاته ، للإجماع على أن أهل المعاصي لا يكفرون بارتكابها .
وقال أبو سليمان الخطابي : قيل : معناه لا يكفر بعضكم بعضًا.
فتستحلوا أن تقاتلوا ويضرب بعضكم رقاب بعض ، وقيل : إنه أراد
بالحديث أهل الردة أخبرني إبراهيم بن فراس قال : سمعت موسى بن
هارون يقول : هؤلاء أهل الردة قتلهم أبو بكر . وقد تقدم في كتاب
(١) في ((الأصل)): المؤمن !. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٢) في ((الأصل)): أبو بكر. والمثبت من ((هـ)).
- ١٨ -

الحج في باب الخطبة في أيام منى زيادة في [ معنى ] (١) هذا الحديث
من كلام الطبري .
قال المهلب : وابن الحضرمي رجل امتنع من الطاعة فأخرج إليه
جارية بن قدامة جيشًا فظفر به في ناحية من العراق ، وكان أبو بكرة
يسكنها ، فأمر جارية بصلبه فصلب ، ثم ألقى النار في الجذع الذي
صلب فيه بعد أيام ، ثم أمر جارية خيثمة أن يشرفوا على أبي بكرة
ليختبر إن كان يحارب فيعلم أنه على غير طاعة أو يستسلم فيعرف أنه
على طاعة ، فقال له خيثمة : هذا أبو بكرة يراك وما صنعت في ابن
الحضرمي وما أنكر عليك بكلام ولا بسلاح ، فلما سمع أبو بكرة ذلك
[ وهو ] (١) في عليّة له قال : لو دخلوا عليّ داري ما بهشت بقصبة
فكيف أن أقاتلهم بسلاح ؛ لأني لا أرى الفتنة في الإسلام ، ولا
التحرك فيها مع إحدى الطائفتين .
قال الطبري: (( ما بهشت إليهم بقصبة )) يعني ما تناولتهم ولا
مددت يدي إليهم بسوء ، يقال للرجل إذا أراد معروف الرجل أو أراد
مكروهه وتعرّض لخيره أو شره : يهش فلان إلى كذا وكذا ، ومنه قول
النابغة :
سبقت الرجسال الباهشين إلى العلا
كسبق الجواد اصطاد قبل الطوارد
وفي كتاب [ الأفعال] (٢): بهشت إلى فلان : خففت إليه ،
ورجل بهش وباهش .
(١) من (( هـ)).
(٢) فى ((الأصل)): العين. والمثبت من (( هـ).
- ١٩ -

باب : تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم
فيه : أبو هريرة قال النبي - عليه السلام - : (( ستكون فتن ، القاعد
فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي ،
من تشرف لها [ تستشرفه ] (١) فمن وجد ملجاً أو معاذًا فليعذ به )) ..
قال الطبري : إن قال قائل : ما معنى هذا الحديث ، وهل المراد به
كل فتنة بين المسلمين أو بعض الفتن دون بعض ؟ فإن قلت : المعني به
كل فتنة ، فما أنت قائل في الفتن التي مضت ، وقد علمت أنه نهض
فيها من خيار المسلمين خلق كثير ، وإن قلت المعني به البعض ، فأيتها
المعنيّة به ، وما الدليل على ذلك ؟
قيل : قد اختلف السلف في ذلك ، فقال بعضهم : المراد به جميع
الفتن وغير جائز للمسلم النهوض في شيء منها ، قالوا : وعليه أن
يستسلم للقتل إن أريدت نفسه ولا يدفع عنها ، والفتنة : الاختلاف
الذي يكون بين أهل الإسلام ولا إمام لهم مجتمع على الرضا بإمامته
لما یستنکر من سيرته [ في رعيته ] (٢) ، فافترقت رعيته عليه حتى صار
افتراقهم إلى القتال بأن رضيت منهم فرقة إمامًا غيره ، وأقامت فرقة
على الرضا به ، قالوا : وإذا كان كل واحد من هذين المعنيين،
[فهي](٣) التي أمر النبي - عليه السلام - بكسر السيوف فيها ولزوم
البيوت وهي التي قال عليه السلام: (( القاعد فيها خير من القائم )) وممن
قعد في الفتنة حذيفة ، ومحمد بن مسلمة ، وأبو ذر ، وعمران بن حصين
[٤/ ١٥٣٥-ب] / وأبو موسى الأشعري ، وأسامة بن زيد ، وأهبان بن صيفي ، وسعد
ابن أبي وقاص، وابن عمر ، وأبو بكرة ، ومن التابعين شريح والنخعي،
(١) في ((الأصل)): استشرفته. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٢) في (( الأصل)): و. والمثبت من ((هـ)).
(٣) في ((الأصل)): فهو والمثبت من (( هـ)).
-٢٠ -