النص المفهرس

صفحات 541-560

وتلك خُطَّةٌ أباها المسلمون ، والمعنى - والله أعلم - أنه إنما أراد بهذا
إثبات خلافتهما ، والإخبار عن مدة ولايتهما ، والإبانة عما جرى عليه
أحوال أمته في أيامهما ، فشبه أمر المسلمين بالقليب وهو البئر العادية ،
وذلك لما يكون فيها من الماء الذي به حياة العباد وصلاح [ البلاد ](١)،
وشبه الوالي عليهم والقائم بأمورهم بالنازع الذي يستقي الماء ويقربه
[من ] (٢) الوارد، ونزع أبي بكر ذنوبًا أو ذنوبين على ضعف [ فيه] (٣)
إنما هو قصر مدة خلافته ، والذنوبان مثل ما في السنتين اللتين وليهما
وأشهر بعدهما ، وانقضت أيامه في قتال أهل الردة واستصلاح أهل
الدعوة ولم يتفرغ لافتتاح الأمصار وجباية الأموال ، فذلك ضعف
نزعه، وأما عمر فطالت أيامه واتسعت ولايته ، وفتح الله على يديه
العراق والسواد وأرض مصر وكثيراً من بلاد الشام ، وقد غنم أموالها
وقسمها في المسلمين فأخصبت رحالهم وحَسُنت بها أحوالهم فكان
جودة نزعه مثلا لما نالوا من الخير في زمانه والله أعلم .
قال المؤلف : فذكر الطبري مثل ما حكى الخطابي عن ابن عباس أنه
قال: فتأول الناس معنى قوله: (( حتى ضرب الناس بعطن)) أبي بكر
وعمر - رضي الله عنهما .
قال الخطابي : والعرب تضرب المثل في المفاخرة والمغالبة بالمساقاة
والمساجلة فتقول / فلان يساجل فلانًا أي: يقاومه ويغالبه، وأصل (١٤٦٥/٤-١]
ذلك أن يستقي ساقيان فيخرج كل واحد منهما في سجله ما يخرج
الآخر فأيهما نكل غُلِبَ ، قال العباس بن الفضل يذكر ذلك :
يملأ الدلو إلى عقد الكرب
من يساجلني یساجل ماجدًا
(١) فى ((الأصل)): العباد. والمثبت من (( هـ).
(٣) في (( الأصل)): فيهما، والمثبت من ( هـ )).
(٢) من (( هـ)).
- ٥٤١ -

وقوله: (( بينا أنا على بئر أنزع منها)) . قال صاحب العين يقال:
نزعت الشيء نزعًا: قلعته ، وبئر نزوع إذا نُزعت دلاؤها بالأيدي ،
وجمل نزوع ينزع عليه الماء . والذنوب : الدلو الملأى ، ويكون
النصيب أو [ الغرب ] (١) أعظم من الدلو ، عن صاحب العين.
وقال أبو عبيد: قوله: (( يفرى فريه)) كقوله يعمل عمله ، ويقول
كقوله ونحو هذا ، وأنشد الأحمر :
مسوِّسًا مدودًا حجريًا
قد أطعمتني وقلا حوليا
قد كنت تفرين به الفريا
أي قد كنت تكثرين فيه القول وتعظمينه .
ومنه قوله تعالى: ﴿لقد جئت شيئًا فريا﴾ (٢) أي: مشينًا عظيمًا،
وقال الأصمعي : سألت أبا عمرو بن العلاء عن العبقري فقال : يقال
هذا عبقري قوم يعنون: [ سيد ] (٣) قوم وكبيرهم وقويهم .
قال أبو عبيد : أصله فيما يقال أنه نسب إلى عبقر ، وهي أرض
يسكنها الجن فصارت مثلاً لكل منسوب إلى شيء رفيع ، ويقال في
عبقر أنها أرض تعمل فيها البرود ؛ ولذلك نسب الوشي إليها ؛ ومن
هذا قيل للبسط عبقرية لأنها نسبت إلى تلك البلاد .
قال ابن دريد : فإذا استحسنوا شيئًا وعجبوا من شدته ومضائه نسبوه
إلى عبقر ، وقالوا : ظلم عبقري شديد فاحش وفي التنزيل : ﴿عبقري
حسان ﴾ (٤) خوطبوا بما عرفوا .
وقال ابن ( الأنباري ) (٥) : أصل العطن الموضع الذي تبرك فيه
الإبل قرب الماء إذا شربت [ لتعاد ] (٦) إليها إن أرادت ذلك ، يقال
عطنت الإبل وأعطنها صاحبها .
(١) في ((الأصل)): العريد. والمثبت من (( هـ)).
(٢) مريم : ٢٧ .
: (٣) في ((الأصل)): بسيد. والمثبت من ( هـ ))
(٤) الرحمن : ٧٦ .
(٥) في (( هـ)» : الأعرابي.
(٦) في ((الأصل)): لتفاخر. والمثبت من (( هـ)).
- ٥٤٢ -

باب : الاستراحة في المنام
فيه : أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: « بينا أنا نائم رأيتني على
حوض أسقي الناس ، فأتاني أبو بكر فأخذ الدلو من يدي ليريحني فنزع
ذنوبين ، وفي نزعه ضعف والله يغفر له ، فأتى ابن الخطاب فأخذ منه فلم
يزل ينزع حتى تولى الناس والحوض يتفجر)) .
قال المهلب : فيه دليل أن الدنيا للصالحين دار نصب وتعب وأن
الراحة منها الموت على الصّلاح والدين كما استراح النبي عليه السلام
من تعب ذلك السقي بالموت .
والحوض هاهنا : معدن العلم وهو القرآن الذي يغرف الناس كلهم
منه دون أن ينتقص حتى [ يرووا ] (١) وهو معدن لا يفنى ولا ينتقص .
باب : القصر في المنام
فيه : أبو هريرة: (( بينا نحن جلوس عند النبي - عليه السلام - فقال :
بينا أنا نائم رأيتني في الجنة ، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر، فقلت : لمن
هذا القصر ؟ فقالوا : لعمر . فذكرت غيرته فوليت مدبراً . فقال أبو هريرة :
فبكى عمر بن الخطاب، ثم قال : أعليك - بأبي وأمّي - أغار يا رسول الله)).
ورواه جابر عن النبي وقال فيه: « فقلت لمن هذا القصر ؟ قالوا :
لرجل من قريش)). وترجم له باب الوضوء في المنام .
قال المهلب : هذه الرؤيا بشرى لعمر بن الخطاب بقصر في الجنة / (٤/ ١٤٦٥-ب]
وهذه الرؤيا مما تخرج على حسب ما رؤيت بغير [ رمز ] (٢) ولا
غموض تفسير ، والجارية كذلك والوضوء إنما يؤخذ منه اسمه من
الوضاءة، لأنه ليس في الجنّة وضوء لصلاة ولا عبادة، وفيه دليل على
(١) في (( الأصل)): يروون. والمثبت من ((هـ)).
(٢) في ((الأصل)): زمن. والمثبت من ((هـ)).
- ٥٤٣ -

الحكم لكل رجل بما يعلم من خلقه ألا ترى أن النبي - عليه السلام -
لم يدخل القصر حين ذكر غيرة عمر ، وقد علم - عليه السلام - أنه.
لا يغار عليه لأنه أبو المؤمنين ، وكل ما نال بنوه المؤمنون من خير الدنيا
والآخرة فبسببه وعلى يديه - عليه السلام - ، لكن أراد أن يأتي ما
يعلم أنه يوافق عمر أدبًا منه . وقال ابن سيرين : من رأى أنه يدخل
الجنة فإنه يدخلها إن شاء الله ؛ لأن ذلك بشارة لما قدم من خير أو يقدمه .
وقال الكرماني : وأما بنيانها ورياضها فهي نعيمها . وأما نساؤها
فهي أجور في أعمال البرّ على قدر جمالهن .
قال علي بن أبي طالب : وقد ينصرف دخول الجنّة في المنام على
وجوه فيدل لمن يحج على تمام حجه ، ووصوله إلى الكعبة المؤدية إلى
الجنة ، وإن كان كافراً أو مذنبًا بطالا ورأى ذلك غيره له أسلم من كفره
وتاب من بطالته ، وإن كان مريضًا مات من مرضه ؛ لأن الجنة هي
أجر المؤمنين إن كان المريض مؤمنًا ، وإن كان كافراً أفاق من علته لأن
الدنيا جنة الكافرين ، وإن كان عزبًا تزوج لأن الآخرة دار النكاح
والأزواج ، وإن كان فقيرًا استغنى ، وقد يدل دخولها على السعي إلى
الجمعة والجماعة ، ودار العلم وحلق الذكر ، والجهاد والرباط وكل
مکان يؤدي إليها .
وقال : ومن رأى أنه يتوضأ في المنام فإنه وسيلة إلى سلطان أو إلى
عمل من الأعمال فمن تم له في النوم تم له ما يؤمله في اليقظة ، وإن
تعذر عليه إن عجز الماء أو توضأ بما لا يجوز له الصلاة به لم يتم له ما
يحاوله ، والوضوء للخائف في اليقظة [ أمان ] (١) له لما جاء في
فضل الوضوء ، وربما دل الوضوء على الثواب وتكفير
(١) في ((الأصل)): أمانًا. والمثبت من ((هـ)).
- ٥٤٤ -

الخطايا لما [ جاء ] (١) أنها تخرج مع آخر قطر الماء ، وربما دل
الوضوء على الصوم ؛ لأن الصائم ممتنع من كثير من لذاته والمتوضئ
يدانيه في ذلك ، والوضوء والصوم واللجام ورباط اليد والقيد شركاء
في التأويل ويتعاقبون في التعبير ، وقد تقدّم حديث أبي هريرة في
كتاب النكاح [ في باب الغيرة ] (٢).
باب : الطواف بالكعبة [ في المنام ] (٣)
فيه : ابن عمر قال: قال النبي - عليه السلام -: (( بينا أنا نائم رأيتني
أطوف بالكعبة فإذا رجل آدم سبط الشعر بين [ رجلين ] (٤) ينطف رأسه
ماءً فقلت : من هذا؟ قالوا : ابن مريم . فذهبت ألتفت فإذا رجل أحمر
جسيم جعد الرأس ، أعور العين اليمنى ، كأن عينه عنبة طافية ، قلت :
من هذا ؟ قالوا : هذا الدّجال، أقرب الناس به شبهًا ابن قطن)) .
قال بعض أهل التأويل : الطواف بالبيت ينصرف على وجوه ، فمن
رأى أنه يطوف بالبيت فإنه يحج إن شاء الله ، وقد يكون تأويل ذلك
إن كان يطلب حاجة من الإمام بشارة نيلها منه ؛ لأن الكعبة إمام الخلق
كلهم ، وقد يكون الطواف تطهيراً من الذنوب لقوله تعالى: ﴿وطهر
بيتي للطائفين ﴾ (٥) ، وقد يكون الطواف لمن يريد أن يتسرى أو يتزوج
امرأةٌ حسناء [ دليلا ] (٦) على تمام إرادته ، وقال علي بن أبي طالب
[العابر] (٢): وقد يكون الطواف لمن كان ذا والدين أن يحسن برهما
وزوجة يسعى عليها أو كان يخدم عالما أو كان عبدًا ينصح سيده بشارةً
بالثواب عن فعله في اليقظة .
(١) في (( الأصل)): رأى. والمثبت من (( هـ)).
(٢) من (( هـ )).
(٣) من ((هـ، ن)). (٤) في ((الأصل)): رجل. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٥) الحج : ٢٦ .
(٦) في ((الأصل)): دليل. والمثبت من (( هـ)).
- ٥٤٥ -

وقال المهلب : ووصف عليه السلام عيسى بن مريم ووصف الدجال
بصفاتهما التي خلقهما الله عليها ؛ لكونهما في زمن واحد ، ولأن
الحديث قد جاء عنه عليه السلام أن عيسى يقتل الدّجال ، فوصف
الدجال بصفة لا تشكل عليهم على حسب ما رآه وهي العَور ، والذي
لا يجوز على ذوي العقول أن يصفوا بالإلهية والقدرة من كان بتلك
الصفة ؛ إذ الإله لا تجوز عليه الآفات وهذا مدعيها [ وقد ] (١) جازت
عليه الآفة، فهي برهان على تكذيبه ، وقوله: ((ينطف رأسه ماءً))
فالنطف : الصب ، وليلةٌ نطوف : ماطرة ، من كتاب العين .
[٤ / ق١٤٧ - ٢]
باب : الأمن / وذهاب الروع في ( المنام ) (٢)
فيه : ابن عمر: (( أن رجالا من أصحاب النبي يغل# كانوا يرون الرؤيا
على عهد رسول الله ويلر فيقصونها على رسول الله، فيقول فيها رسول الله
ما شاء الله . وأنا غلام حديث السن وبيتي المسجد قبل أن أنكح ، فقلت
في نفسي : لو كان فيك خيرًا لرأيت مثل ما يرى هؤلاء ، فلما
اضطجعت ليلةً قلت : اللهم إن كنت تعلم فيّ خيراً فأرني رؤيا ، فبينما
أنا كذلك إذ جاءني ملكان في يد كل واحد منهما مقمعة من حديد
يقبلان بي إلى جهنم، وأنا بينهما [ أدعو ](٣) الله: اللهم إني أعوذ بك
من جهنم، ثم أراني لقيني ملك في يده مقمعة من حديد ، فقال : لن
ترع نعم الرجل أنت لو تكثر الصلاة ، فانطلقوا بي حتى وقفوا بي وجهنم
مطوية كطي البئر ، له قرون كقرون البئر بين كل قرنين ملك بيده مقمعة
من حديد ، وأرى فيها رجالا معلقين بالسلاسل رءوسهم أسفلهم
(٢) في (( هـ )): النوم
(١) في ((الأصل)): فقد. والمثبت من (( هـ ).
(٣) في (( الأصل، هـ): أدع. والمثبت من (( ن)).
- ٥٤٦ -

عرفت فيها رجالا من قريش ، فانصرفوا بي عن ذات اليمين ، فقصصتها
على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله وعليه فقال رسول الله: إن
عبد الله رجل صالح . فقال نافع : فلم يزل بعد ذلك يكثر الصلاة )) .
وترجم له باب الأخذ على اليمين في النوم، وقال فيه: (( وقلت: اللهم
إن كان لي عندك [ خير ] (١) فأرني منامًا يعبره لي رسول الله ، فقال
النبي ◌َّ: عبدالله رجل صالح لو كان يكثر الصلاة من الليل)).
قال المهلب : هذا الحديث مما فسرت فيه الرؤيا على وجهها ، وفيه
دليل على توعد الله عباده وجواز تعذيبهم على ترك السنن . وقول
الملك: ((لم ترع ، نعم الرجل أنت لو تكثر الصلاة بالليل )) هذه
الزيادة تفسر سائر طرق هذا الحديث ، وفيه : الحكم بالدليل ؛ لأن
عبد الله استدل على أن اللذين أتياه ملكان ؛ لأنهما أوقفاه على جهنم
ووعظاه بها، والشيطان لا يعظ ولا يذكر بالخير ، فاستدل بوعظهما
وتذكيرهما أنهما [ ملكان ] (٢).
وقوله: ((لم ترع)» هذا [ خرج] (٣) على ما رآه عليه وعلى أنه
ليس من أهل ما رآه [ لأنه ] (٤) إذا قام الدليل أنهما ملكان فلا يكون
كلامهما إلا حقًا . وفيه : دليل على أن ما فسر في النوم فهو تفسير في
اليقظة؛ لأن النبي و10َ لم يزد في تفسيرها على ما فسرها الملك.
وفيه: دليل على أن أصل التعبير من قبل الأنبياء ؛ ولذلك كانوا يتمنون
أن يروا رؤيا فيفسرها النبي لتكون عندهم أصلا ، وهو مذهب
الأشعري أن أصل التعبير بالتوقيف من قبل الأنبياء وعلى ألسنتهم، وهو
كما قال ، لكن المحفوظ عن الأنبياء وإن كان أصلاً فلا يعم أشخاص
الرؤيا ، فلا بد للبارع في هذا العلم أن يستدل بحسن نظره
(١) في ((الأصل)): خيراً. والمثبت من ((هـ)).
(٢) في (( الأصل)): ملكين. والمثبت من ( هـ)).
(٣) في (( الأصل)): جزع. والمثبت من (( هـ)).
(٤) من (( هـ)).
- ٥٤٧ -

فيرد ما لم ينص عليه إلى حكم التمثيل ، ويحكم له بحكم [الشبيه](١)
الصحيح فيجعل أصلاً يقاس عليه كما يفعل في فروع الفقه . وقد تقدم
في باب فضل قيام الليل في آخر كتاب الصلاة شيء من معنى هذا
الحديث .
باب : إذا طار الشيء في المنام
فيه : ابن عباس قال النبي - عليه السلام -: (( بينما أنا نائم رأيت أنه
وضع في يدي إسواران من ذهب فقطعتهما وكرهتهما ، فأذن لي
فنفختهما فطارا فأولتهما، كذابين يخرجان)) قال [ عبيد الله] (٢)
أحدهما العنسي الذي قتله فيروز باليمن والآخر مسيلمة .
قال المهلب : هذه الرؤيا ليست على وجهها ، وإنما هي على ضرب
المثل ، وإنما أولهما النبي بالكذابين ؛ لأن الكذب إنما هو الإخبار عن
الشيء بخلاف ما هو به ووضعه في غير موضعه ، فلما رآهما في
ذراعيه وليسا موضعًا للسوارين ؛ لأنهما ليسا من حلية الرجال علم أنه
سيقضي على يدي النبي - يعني على أوامره ونواهيه - من يدعي ما
ليس له ، كما وضعا حيث ليس لهما، وكونهما من ذهب، والذهب
منهي عنه في الدين دليل على الكذب من وجوه: أحدها: وضع الشيء
غير موضعه. والثاني: كون الذهب مستعملاً في الرجال وهو منهي عنه،
(١٤٧٥/٤-ب) والذهب مشتق / منه الذهاب ، فعلم أنه شيء يذهب عنه ولا يبقى،
ثم وكد له الأمر فأذن له في نفخهما فطارا عُبارُه أنهما لا يثبت لهما
أمر، وأن كلامه عليه السلام بالوحي الذي جاءه به [يزيلهما](٣)
(١) في (( الأصل)): الشبه. والمثبت من ( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): عبد الله. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٣) في ((الأصل)): نزولهما. والمثبت من (( هـ ).
- ٥٤٨ -

الذي قاما فيه ، والنفخ دليل على الكلام . وقال الكرماني : من رأى
أنه يطير بين السماء والأرض أو من مكان إلى مكان فإن كانت من
الأضغاث فإنه كثير التمني والفكر والاغترار بالأماني ، وإن كانت رؤياه
صحيحة وكان يطير في عرض السماء فإنه يسافر سفراً بعيدًا وينال رفعة
بقدر ما استقل من الأرض في طيرانه ، فإن [ طار ] (١) إلى السماء
مستويًا لا يتعرج ناله ضر ، فإن وصل إلى السماء بلغ الغاية [في
ضره، فإن غاب فيها ولم يرجع مات ، وإن رجع إلى الأرض أفاق.
وقال ابن أبي طالب العابر ] (٢): وإن كان ذلك بجناح فقد يكون
جناحه [ مالا ] (٣) ينهض به أو [ سلطانًا ] (٤) يسافر تحت كنفه ، فإن
كان بغير جناح دلّ على التغرير فيما يدخل فيه .
وقوله: ((إسواران)) والأكثر عند أهل اللغة سوار بغير ألف ، قال
أبو عبيدة : سوار المرأة وسُوارها . قال أبو علي الفارسي : وحكى
قطرب إسوار ، وذكر أن أساور جمع إسوار على حذف الياء ؛ لأن
جمع إسوار [ أساوير ] (٥).
باب : إذا رأی بقرا تنحر
فيه: أبو موسى قال النبي - عليه السلام -: (( رأيت في المنام أني
أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو
الهَجَرَ فإذا هي المدينة يثرب . ورأيت فيها بقرًا والله خير ، فإذا هم
المؤمنون يوم أحد ، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير وثواب الصدق
الذي آتانا الله بعد يوم بدر )) .
(١) في ((الأصل)): كان. والمثبت من ((هـ).
(٣) في ((الأصل)): مال. والمثبت من ((هـ)).
(٤) في ((الأصل)): سلطان. والمثبت من (( هـ)).
(٥) في ((الأصل)): أساور. والمثبت من ((هـ).
(٢) من ( هـ)).
- ٥٤٩ -

قال المهلب : هذه الرؤيا فيها نوعان من التأويل فيها الرؤيا على
حسب ما رئيت وهو قوله: (( [ أهاجر ] (١) إلى أرض بها نخل))
وكذلك هاجر فخرج على ما رأى ، وفيها ضرب المثل ؛ لأنه رأى بقراً
تنحر ، فكانت البقر أصحابه ، فعبّر عليه السلام عن حال الحرب
بالبقر من أجل ما لها من السلاح والقرون شبهت بالرماح ، ولما كان
من طبع البقر المناطحة والدفاع عن أنفسها بقرونها كما يفعل رجال
الحرب ، وشبه عليه السلام النحر بالقتل .
وقوله: ((والله خير)) يعني ما عند الله من ثواب القتل في سبيل
الله خير للمقتول من الدنيا . وقيل: معنى (( والله خير)) إن صنع الله
خير لهم وهو قتلهم يوم أحد ، وقد تدل البقر على أهل البادية
لعمارتهم الأرض ، وعيشهم من نباتها ، وقد يدل الثور الواحد على
الثائر ؛ لأنه يثير الأرض عن حالها ، فكذلك الثائر أيضًا يثير الناحية
التي يقوم فيها ويحرك أهلها ويقلب أسفلها أعلاها .
قال ابن أبي طالب : والبقر إذا دخلت المدينة فإن كانت سمانًا فهي
سني رخاء، وإن كانت عجافًا كانت شدادًا ، وإن كانت المدينة مدينة
بحر وإبّان السفر قدمت سفن على عددها وحالها وإلا كانت فتن
مترادفة كأنها وجوه البقر كما في الخبر: (( يشبه [ بعضها ] (٢) بعضًا))
وفي خبر آخر في الفتن (( كأنها صياصي البقر)) يريد لتشابهها إلا أن تكون
صفرًاً كلها فإنها أمراض تدخل على الناس ، وإن كانت مختلفة الألوان شنيعة
القرون أو كان الناس ينفرون منها، أو كان النار والدخان يخرج من أفواهها فإنه
عسكر أو غارة أو عدو يضرب عليهم فينزل بساحتهم ، وقد يدل البقر على
الزوجة والخادم والأرض والغلة والسنة؛ لما يكون فيها من الولد والغلة والنبات.
وقوله : (( وهلي " يعني وهمي ، عن صاحب العين.
(١) في ((الأصل)): هاجر. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): بعضه. والمثبت من (( هـ)).
- ٥٥٠ -

باب : النفخ في المنام
فيه : همام قال : هذا ما حدثنا به أبو هريرة عن النبي - عليه السلام -
قال: (( نحن الآخرون السابقون )) .
وقال رسول الله تدلفي: (( بينا أنا نائم إذ أوتيت خزائن [الأرض] (١)
فوضع في يدي إسواران من ذهب فَكَبراً عليّ وأهمّاني فأوحي إليّ أن
أنفخهما ، فنفختهما ، فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما صاحب
صنعاء وصاحب اليمامة )).
النفخ في المنام إزالة الشيء المنفوخ فيه ، وإذهاب له بغير تكلف شديد
لسهولة النفخ على النافخ ، والنفخ دليل على الكلام ، وكذلك أهلك
الله الكذابين صاحب صنعاء واليمامة بكلامه عليه السلام / وأمر (١٤٨٥/٤-١]
بقتلهما ، وقد تقدم هذا المعنى في باب إذا طار الشيء في المنام .
وأمّا قول همام : هذا ما حدثنا به أبو هريرة عن النبي - عليه
السلام -: (( نحن الآخرون السابقون )) وأتى بحديث السوارين ،
فمعنى ذلك - والله أعلم - أن همامًا روى عن أبي هريرة أحاديث
ليست بالكثيرة تعرف بقطعة [ همام ] (٢) وفي أولها: ((نحن
الآخرون السابقون )) فأراد أن يذكر ذلك على الرتبة التي رواها عن أبي
هريرة ، وقد [تكرر] (٣) مثل ذلك في مواضع من هذا المصنف وقد
نبهنا على هذا المعنى في باب لا يبول في الماء الدائم ، في كتاب
الوضوء .
(١) من (( هـ، ن)).
(٢) في ((الأصل)): مسلم. والمثبت من (( هـ).
(٣) في ((الأصل)): يكون. والمثبت من (( هـ)).
- ٥٥١ -

باب : إذا رأى أنه أخرج الشيء من كورة
فأسکنه موضعًا آخر
فيه: ابن عمر قال: قال النبي - عليه السلام -: (([ رأيت ] (١) كأن
امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى قامت بمهيعة - وهي
الجحفة - فأولتها أن وباء المدينة ينقل إليها )).
وترجم له باب المرأة السوداء ، وباب المرأة الثائرة الرأس .
قال المهلب : هذه الرؤيا ليست على وجهها ، وهي مما ضرب بها
المثل فبعض المعبرين يجعل وجه التمثيل في ذلك أن يشتق من اسمها
[السوء] (٢) والداء ؛ لأن اسمها يجمع ذلك فتأول النبي - عليه
السلام- خروجها مشخصة ما جمع اسمها ، وقد اختلف في معنى
إسكانها الجحفة ، فقيل : لعدوان أهلها وأذاهم للناس . وقيل : لأن
الجحفة قليلة البشر . فكأنه رأى أن يعافى منها الكثير مع بلية القليل .
وأما ثوران رأسها فتأول منه أنها لما كانت الحمى مثيرةً للبدن
بالاقشعرار [ وارتفاع ] (٣) الشعر عبر عن حالها في النوم بارتفاع
شعر رأسها ، فكأنه قيل له : الداء الذي يسوء ويثير الشعر يخرج من
المدينة. وقيل : إن معنى الاقشعرار : الاستيحاش ، فكذلك هذا [الداء
تستوحش ] (٤) النفوس منه. وقال علي بن أبي طالب العابر : أي
شيء دلت عليه السوداء في أكثر وجوهها فهو مكروه ، فربما دلت على
الدنيا الحرام والزوجة الحرام، فمن وطئها في المنام دخل فيما لا يليق
به، فإما طعامًا حرامًا يأكله أو شرابًا يشربه أو ثوبًا على ذلك النعت
يلبسه أو دارًا مغصوبة يسكن فيها .
(١) من (( هـ، ن)).
(٢) في ((الأصل)): السر. والمثبت من ( هـ )).
(٣) في ((الأصل)): إيقاع. والمثبت من (( هـ)).
(٤) في ((الأصل)): الذي استوحش. والمثبت من (( هـ)).
- ٥٥٢ -

قال صاحب العين : الكور : الرحل والجمع أكوار وكيران .
باب : إذا هز سيفًا في المنام
فيه : أبو موسى قال النبي - عليه السلام - : (( رأيت في رؤياي
[أني](١) هززت سيفًا فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين
يوم أحد ، ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان ، فإذا هو ما جاء الله به من
الفتح واجتماع المؤمنين )) .
قال المهلب : هذه الرؤيا على ضرب المثل وغير الوجه [ المرئي](٢)
والسّيف ليس هو أصحاب النبي وَّو ، لكنهم لما كانوا ممن يصول بهم
النبي - عليه السلام - كما يصول بالسيف ويغنون عنه غنى السيف عبر
عنهم بالسيف ، وللسيف وجوه ، فمن تقلّده في المنام فإنه ينال
[سلطانًا] (٣) أو ولاية، أو إمامة أو وديعة يعطاها أو زوجة ينكحها إن
كان عزبًا أو تلد زوجته غلامًا إن كانت حاملاً ، فإن سله من غمده
وتكسر الغمد وسلم السيف فإن امرأته تموت وينجو ولده ، فإن تكسر
السيف وسلم الغمد هلك الولد وسلمت الأم ، وربما يكون السيف
أباه أو عمه أو أخاه يموت ، فإن انكسرت النعلة ماتت أمه أو خالته أو
نظيرهما [ و] (٤) القائم أبدا في [الآباء ] (٥) والنعلة في الأمهات ،
فإن رآه بيده وتهيأ ليلقى به عدوًا أو يضرب به شخصًا ، فسيفه لسانه
يجرده في خصومة أو منازعة، فإن لم تكن له نية وكان بذلك في
مسجد أو كان الناس يتوضئون من عنده ، أو رأى شيبًا في لحيته فإنه
(١) في ((الأصل)): أن. والمثبت من ((هـ )).
(٢) في ((الأصل)): المروي. والمثبت من ((هـ)).
(٣) في ((الأصل)): سلطان. والمثبت من (( هـ)).
(٥) في ((الأصل)): الأنام، والمثبت من (( هـ).
(٤) من ( هـ ).
- ٥٥٣ -

يقوم مقامًا بحجة ويبدي لسانه بالنصيحة والعلم والأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر ، وربما يكون السيف سلطانًا جائراً .
باب : من كذب في حلمه
[٤/ ق١٤٨-ب]
/ فيه : ابن عباس قال النبي - عليه السلام -: (( من تحلم بحلم لم يره
كلف أن يعقد بین [ شعيرتين ] (١) ولن يفعل ، ومن استمع إلى حديث
قوم وهم له كارهون أو يفرون منه صُبّ في أذنيه الآنك يوم القيامة ،
ومن صوّر صورةً عذب وكلف أن ينفخ فيها وليس بنافخ )).
وروي عن أبي هريرة قوله : ( من كذب في رؤياه ))، (( ومن صوّر
صورة ، ومن تحلم واستمع )) وروي عن ابن عباس مثله .
وفيه : ابن عمر قال النبي - عليه السلام -: (( إن من أفرى الفرى أن
پري عینیه ما لم تر )) .
قال محمد بن جرير : : إن قال قائل : ما وجه خصوص النبي - عليه
السلام - الكاذب في رؤياه بما خصّه به من تكليف العقد [ بين ] (٢)
طرفي [ شعيرتين ] (١) يوم القيامة، وهل الكاذب في رؤياه [ إلا ](٢).
كالكاذب في اليقظة ، وقد يكون الكذب في اليقظة أعظم في الجرم [إذا ] (٣)
کان شهادة توجب على المشهود علیه بها حدًا أو قتلاً أو مالاً يؤخذ منه، وليس
ذلك في کذبه في منامه ؛ لأن ضرر ذلك عليه في منامه وحده دون غيره .
قيل له: [ اختلفت ] (٤) حالتاهما في كذبهما ، فكان الكاذب
على عينيه في منامه أحق بأعظم النكالين وذلك لتظاهر الأخبار عن
النبي - عليه السلام - أن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءًا
من النبوة ، والنبوة لا تكون إلا وحيًا من الله ، فكان معلومًا بذلك أن
الكاذب في نومه كاذب على الله أنه أراه ما لم ير ، والكاذب على الله أعظم
فرية وأولى بعظيم العقوبة من الكاذب على نفسه ، بما أتلف به حقًّا لغيره أو
(١) في ((الأصل)): شعرتين. والمثبت من (( هـ ، ن)).
(٣) في ((الأصل)): إذ. والمثبت من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): اختلف. والمثبت من ( هـ)).
(٢) من ( هـ).
- ٥٥٤ -

أوجبه عليه ، وبذلك نطق محكم التنزيل فقال تعالى : ﴿ ومن أظلم
ممن افترى على الله كذبًا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد
هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين﴾ (١) . فأبان
ذلك صحة ما قلناه أن الكذب في الرؤيا ليس كالكذب في اليقظة ؛
لأن أحدهما كذب على الله والآخر كذب على المخلوقين .
قال المهلب في قوله: ((كلف أن يعقد بين [ شعيرتين ])) (٢) حجة
للأشعرّية في تجويزهم تكليف ما لا يطاق ، وفي كتاب الله ما يزيد
ذلك بيانًا وهو قوله تعالى: ﴿يوم يدعون إلى السجود فلا يستطيعون﴾ (٣)
ولله أن يفعل في عباده ما شاء لا يسأل عما يفعل وهم يسألون .
ومنع من ذلك الفقهاء والمعتزلة واحتجوا بقوله تعالى : ﴿ لا يكلف
الله نفسا إلا وسعها ﴾ (٤) . وقالوا : قوله تعالى: ﴿ يوم يدعون إلى
السجود ﴾ (٣) وتكليفه عليه السلام العقد بين [ شعيرتين] (٢) وما
أشبهه من أحكام الآخرة وليست الآخرة دار تكليف ، وإنما هي دار
مجازاة [ فلا ] (٥) حجة لهم في ذلك ؛ لأن الله - تعالى - قد أخبر
في كتابه بأنه لا يكلف نفسًا من العبادات في الدنيا إلا وسعها ، ولو
كلفهم ما لا يقدرون عليه في الدنيا لكان في ذلك كون خبره الصادق
على خلاف ما أخبر به ، ولا يجوز النسخ في الأخبار ، ولا وقوعها
على خلاف إخبار الله - تعالى - ، وعلى هذا التأويل لا تتضاد الآيات .
وقال الطبري: إن سأل سائل عن معنى قوله: (( من استمع إلى
حديث قوم وهم له كارهون ... )) الحديث. [ فقال ] (٦): أرأيت إن
استمع إلى حديث قوم لا ضرر على المحدثين في استماعه إليهم، وللمستمع
فيه نفع عظيم إما في دينه أو دنياه ، أيجوز استماعه إليه وإن كره ذلك
(١) هود : ١٨ .
(٣) القلم : ٤٢ .
(٢) في ((الأصل)): شعرتين. والمثبت من (( هـ).
(٤) البقرة : ٢٨٦ .
(٥) في (الأصل)): ولا. والمثبت من (( هـ).
(٦) في (الأصل)): قال. والمثبت من ( هـ )).
- ٥٥٥ -

المتحدثون ؟ قيل : المستمع لا يعلم هل له فيه نفع إلا بعد استماعه
إليه، وبعد دخوله فيما كره له رسول الله وَل فغير جائز له استماع
حديثهم ، وإن كان لا ضرر عليهم فيه ؛ لنهي النبي - عليه السلام -
عن الاستماع إلى حديثهم نهيًا عامًا ، فلا يجوز لأحد من الناس أن
يستمع إلى حديث قوم يكرهون استماعه ، فإن فعل ذلك فأمره إلى
خالقه إن شاء غفر له وإن شاء عذبه . فإن قيل : أفرأيت من استمع
إلى حديثهم وهو لا يعلم هل يكرهون ذلك ، هل هو داخل فيمن
يصب في أذنيه الآنك يوم القيامة ؟ قيل : إن الخبر إنما ورد بالوعيد
لمستمع ذلك وأهله له كارهون ، فأما من لم يعلم كراهتهم لذلك
فالصّواب ألا يستمع حديثهم إلا بإذنهم له في ذلك ؛ للخبر الذي
روي عن النبي ◌َّل (( أنه نهى عن الدخول بين المتناجيين)) في كراهية
ذلك إلا بإذنهم. والآنك : الرصاص المذاب . وقولهم : أفرى الفرى:
يعني : أكذب الكذب ، والفرية : الكذبة العظيمة التي يتعجب منها .
وجمعها فرى مقصور مثل لحية ولحى ، وقد تقدم القول في التصوير
في كتاب الزينة .
[٤/ق١٤٩-١)
/ باب : إذا رأى ما يكره فلا يخبر بها ولا يذكرها
فيه : أبو سلمة : « لقد كنت أرى الرؤيا تمرضني [ حتى سمعت أبا
قتادة يقول: وأنا كنت أرى الرؤيا تمرضني ] (١) حتى سمعت النبي ◌َّ﴾
يقول : الرؤيا الحسنة من الله ، فإذا رأى أحدكم ما یحب فلا يحدث به
(١) من ((هـ، ن)).
- ٥٥٦ -

إلا من بحب ، وإذا رأى ما يكرهه فليتعوذ بالله من شرها ومن شر
الشيطان ، وليتفل ثلاثًا ولا يحدث بها أحدًا فإنها لن تضره )) .
وفيه: أبو سعيد قال النبي وَلير: ((إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإنها
من الله فليحمد الله عليها وليحدث بها ، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنها
من الشيطان ، فليستعذ من شرها ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره )) .
قال المؤلف : قد جاء في حديث أبي قتادة في الأبواب المتقدمة أن
التفل ثلاثًا إنما يكون عن شماله، فمرةً جاء (( فليبصق عن يساره))
ومرةً جاء ((فلينفث عن شماله))، وفي هذا الباب ((فليتفل)) والمعنى
فيه متقارب، وإنما أمر النبي ◌َّ - والله أعلم - إذا رأى ما يحب
[ألا] يحدث بها إلا من يحب ؛ لأن المحب لا يسوءه ما يسر به
صديقه، بل هو مسرور بما سره وغير حريص أن يتأول الرؤيا الحسنة شر
التأويل، ولو أخبر بها من لا يحبه لم يأمن أن يتأولها شر التأويل ،
فربما وافق ذلك وجهًا من الحق في تأويلها فتخرج كذلك لقوله عليه
السلام : (الرؤيا لأول عابر)) وأما إذا رأى ما يكره فقد أمره عليه
السلام بمداواة ما يخاف من ضرها وتلافيه بالتعوّذ بالله من شرها ومن
شر الشيطان ، ويتفل ثلاثًا عن يساره، ولا يحدث بها فإنها لن تضره.
فإن قال قائل : قد تقدم من قولك قد يكون من ضروب الرؤيا
منذرةً ومنبهةً للمرء على الاستعداد للبلاء قبل وقوعه رفقًا من الله لعباده
لئلا يقع على غرة فيقتل ، وإذا وقع على مقدمة وتوطين كان أقوى
للنفس وأبعد لها من أذى البغتة ، وقد سبق في علم الله
(١) من (( هـ ).
(٣) في (( هـ)): يسره .
- ٥٥٧ -

إذا كانت الرؤيا الصحيحة من قبل الله محزنة أن تضر من رآها ، فما
وجه الحكمة في كتمانها ؟
قال المهلب : فالجواب أنه إذا أخبر بالرؤيا المكروهة لم يأمن أن
تفسر له بالمكروه فيستعجل الهم ، ويتعذب بها ويترقب وقوع المكروه
به، فيسوء حاله ، ويغلب عليه اليأس من الخلاص من شرها ،
ويجعل ذلك نصب عينيه، وقد كان داواه النبي - عليه السلام - من
هذا البلاء الذي كان عجله لنفسه بما أمره به من كتمانها والتعوذ بالله
من شرها ، وإذا لم تفسر له بالمكروه بقي بين الطمع والرجاء المجبولة
عليه النفس أنها لا تجزغ إما لأنها من قبل الشيطان أو أن لها تأويلا آخر
على المحبوب ، فأراد عليه السلام أن لا تتعذب أمته بانتظارهم
لخروجها بالمكروه ؛ لأن الرؤيا قد يبطؤ خروجها وعلى أن أكثر ما يراه
الإنسان مما يكرهه فهو من قبل الشيطان ، ولو أخبر بذلك كله لم
ينفك دهره دائمًا من الاهتمام بما لا يؤذيه أكثره ، وهذه حكمة
بالغة واحتياط على المؤمنين ، فجزى الله نبينا عنا خيراً وصلى عليه
وسلم .
قال الطبري : ووجه أمره عليه السلام بالنفث عن الشمال ثلاثًا
-والله أعلم - إخساءً للشيطان كما يتفل الإنسان عند الشيء القذر يراه
أو يذكره ، ولا شيء أقذر من الشيطان فأمره عليه السلام بالتفل عند
ذكره ، وأما خصوصه بذلك الشمال دون اليمين فلأن تأتِّي الشرور
كلها عند العرب من قبل الشمال، ولذلك سمتها الشؤمى، ولذلك كانوا
يتشاءمون بما جاء من قبلها من طائر و وحشي أخذ إلى ناحية اليمين
فسمّى ذلك بعضهم بارحًا وكانوا يتطيرون منه، وسماه بعضهم سانحًا،
- ٥٥٨ -

وأنه ليس فيه كثير اعتمال من بطش وأخذ وإعطاء، وأكل وشرب وأصل
طريق الشيطان إلى ابن آدم لدعائه إلى ما يكرهه الله من قبلها .
باب : من لم ير الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب
فيه : ابن عباس: (( أن رجلا أتى النبي - عليه السلام - فقال: إني
رأيت الليلة في المنام ظلة تنطف السمن والعسل ، فإذا الناس يتكففون
منها ، فالمستكثر والمستقل، وإذا سبب / واصل من الأرض إلى السماء، (١٤٩٥/٤ -ب)
فأراك أخذت [ به ](١) فعلوت، ثم أخذ به رجل فعلا ، ثم أخذ به رجل
آخر فعلا [به](٢) ، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع ثم وصل . قال أبو بكر :
يا رسول الله بأبي وأمي أنت ، والله لتدعني أعبرها. فقال النبي ◌َّارٍ:
اعبرها . قال : أما الظلة : فالإسلام ، وأما الذي ينطف من العسل
والسمن : فالقرآن ، حلاوته تنطف ، فالمستكثر من القرآن والمستقل ،
وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه ،
تأخذ به فيعليك الله ، ثم يأخذ به رجل من بعدك فيعلو [ به ] (٣) ثم
يأخذ به رجل آخر فيعلو [ به ] (٢) ثم يأخذ به رجل آخر فينقطع به ثم
يوصل له فيعلو به ، فأخبرني يا رسول الله بأبي أنت وأمي أصبت أم
أخطأت ؟ فقال النبي - عليه السلام - : أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا .
قال: فوالله يا رسول الله لتحدثني بالذي أخطأت . قال: لا تقسم)).
قال المهلب : إنما عبر بالظلة عن الإسلام ؛ لأن الظلة نعمة من نعم الله
على أهل الجنة ، وكذلك كانت على بني إسرائيل ، وكذلك كانت
تظل النبي - عليه السلام - أينما مشى قبل نبوته ، فكذلك الإسلام
(١) في ((الأصل)): فيه. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٢) من (( هـ، ن)).
(٣) من ( ن)) .
- ٥٥٩ -

يقي ويقي الأذى وينعم المؤمن في الدنيا والآخرة ، وأما العسل ، فإن
الله - تعالى - جعله شفاءً للناس وقال في القرآن : ﴿شفاء لما في
الصدور﴾(١) وهو أبدًا حلو على الأسماع كحلاوة العسل على المذاق،
وكذلك جاء في الحديث أن في السمن شفاء من كل داء . والسبب :
هو الحبل والعهد والميثاق ، قال تعالى : ﴿أينما ثقفوا إلا بحبل من
الله﴾ (٢) أي: بعهده وميثاق ، والرجل الذي يأخذ الحبل بعد النبي -
عليه السلام -: أبو بكر الصديق يقوم بالحق في أمته بعده ، ثم يقوم
بالحق بعده عمر، ثم يقوم بالحق بعده عثمان ، وهو الذي انقطع به .
قال المهلب : موضع الخطأ الذي قال له النبي - عليه السلام - :
((وأخطأت بعضًا)) في قوله: ((ثم وصل له)) إنما الخطأ في قوله:
[له] (٣)، لأن في الحديث: (( ثم وصل)) ولم يذكر له [فالوصل] (٤)
إنما يكون لغيره ، وكان ينبغي لأبي بكر أن يقف حيث وقفت الرؤيا ،
ويقول : ثم يوصل على نص الرؤيا ، ولا يذكر الموصول له ، ومعنى
كتمان النبي موضع الخطأ ؛ لئلا يحزن الناس بالعارض لعثمان ، فهو
الرابع الذي انقطع له ثم وصل ، أي وصلت الخلافة لغيره ، وفي هذا
تفسير للحديث الذي رواه أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن يزيد
الرقاشي ، عن أنس بن مالك أن النبي - عليه السلام - قال: ((الرؤيا
لأول عابر)). وقال أبو عبيد وغيره من العلماء: تأويل قوله: (( الرؤيا
لأول عابر)) إذا أصاب الأول وجه العبارة وإلا فهي لمن أصابها بعده ،
إذ ليس المدار إلا على إصابة الصواب فيما يرى النائم ليوصل بذلك
إلى مراد الله بما ضربه من الأمثال في المنام ، فإذا اجتهد العابر وأصاب
الصواب في معرفة المراد بما ضربه الله في المنام فلا
(١) النحل : ٦٩ .
(٣) من (( هـ )).
(٢) آل عمران: ١١٢.
(٤) في (( الأصل)): بالوصل. والمثبت من (( هـ)).
- ٥٦٠ -