النص المفهرس

صفحات 441-460

فيه : عائشة: (( سحر النبيَ رجلٌ من بني زريق يقال له : لبيد بن
الأعصم، حتى كان رسول الله يخيّل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله، حتى
إذا كان ذات یوم - أو ذات ليلة - وهو عندي لكنه دعا وعا ، ثم قال یا
عائشة: أَشَعَرْت أن الله أفتاني فيما [ استفتيته ] (١) فيه ؟ أتاني رجلان
فقعد أحدهما عند رأسي ، والآخر عند رجلي فقال أحدهما لصاحبه : ما
وجع الرجل ؟ فقال : مطبوب . قال : من طبه ؟ قال : لبيد بن الأعصم .
قال : في أيّ شيء ؟ قال : في مشط ومشاطة وجف [ طلع ] (٢) نخلة
ذكر. قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذَرْوانَ. فأتاها رسول الله ابَّ في
ناس من أصحابه ، قال: يا عائشة، كأن ماءَها نقاعة الحناء، وكأن رءوس
نخلها رءوس الشياطين . قلت : يا رسول، الله أفلا أستخرجه ؟ قال : قد
عافاني الله فكرهت أن أثور على الناس فيه شرًا . فأمر بها فدفنت )) .
هذه رواية عيسى بن يونس عن هشام بن عروة ، وقال الليث وابن
عيينة عن هشام: (( في مشط ومشاقة)) قال [ أبو ] (٣) عبد الله:
يقال المشاطة ما يخرج من الشعر إذا مُشِطَ، والمشاقة من مشاقة الكتان.
قال المهلب : والجفّ غشاء الطلع ، وقال أبو عمرو الشيباني :
الجف : شيء ينقر من جذوع النخل ، ونقاعة الحناء : الماء الذي
يصب عليها وتقع فيه ، وقد تقدم في آخر كتاب الجهاد حكم الذمي
إذا سحر المسلم في باب هل يعفى عن الذّمي إذا سحر ، والجواب عن
اعتراض الملحدين بحديث [ عائشة في جواز السحر على النبي وَال
فأغنى عن إعادته ] (٣).
وقال ابن القصار : ذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي إلى أن السحر
(١) في ((الأصل)): استفتيت. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٢) فى ((الأصل)): طلعة. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٣) من (( هـ).
- ٤٤١ -

[١٢٧٥/٤ -ب) له حقيقة ، وقد يمرض من يفعل به ويموت / ويتغير عن طبعه . وقال
بعض الناس : السحر تخييل وشعوذة وليس له حقيقة ولا يمرض منه
ولا يقتل به أحد ، واستدلوا على لك بقوله تعالى : ﴿ يخيّل إليه من
سحرهم أنها تسعى﴾ (١) فأخبر أن حبالهم وعصيّهم ما سَعتْ في
الحقيقة ، فلو كان للسحر حقيقة لتحقق في ذلك الوقت ؛ لأن فرعون
كان قد جمع السّحرة من البلدان ، فلما أخبرنا الله - تعالى - أن ما
فعلوه خيالا علم أنه لا حقيقة له .
قال ابن القصار : والحجة على هذه المقالة حديث عائشة وهو نص
لا يحتمل التأويل ؛ لأنهم سحروا النبي - عليه السلام - حتى وصل
المرض إلى بدنه ، لأنه قال لما حل السحر : إن الله شفائي . والشفاء
إنما يكون برفع العلة وزوال المرض ، وأيضًا قوله تعالى : ﴿ولكن
الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ﴾ (٢) فنفى الله السحر عن
سليمان وأضافه إلى الشياطين وأخبر أنهم يفعلونه ويعلمونه الناس، ولو
لم يكن له حقيقة لم يمكن تعليمه ولا أخبر تعالى أنهم يعلمونه الناس .
واختلف العلماء في المسلم إذا سحر بنفسه ، فذهب مالك إلى أن
السحر كفر [ وأن الساحر يقتل ولا تقبل توبته ؛ لأن الله - تعالى -
سمّى السحر كفرًاً ] (٣) بقوله تعالى: ﴿وما يعلمان من أحد حتى
يقولا إنما نحن فتنة فلا تکفر ﴾ (٢) وهو قول أحمد بن حنبل ، وروي
قتل الساحر عن عمر وعثمان وعبد الله بن عمر [ وحذيفة ] (٣)
وحفصة وأبي موسى وقيس بن سعد وعن سبعة من التابعين . وقال
الشافعي : لا يقتل الساحر إلا أن يقتل بسحره ، وروي عنه أيضًا أنه
يسأل عن سحره ، فإن كان كفرًا استتيب منه .
!
(١ ) طه : ٦٦ .
(٢) البقرة : ١٠٢ .
(٣) من ( هـ )
- ٤٤٢ -

واحتج أصحاب مالك بأنه لم تقبل توبته؛ لأن السحر باطن لا يظهره
صاحبه فلا تعرف توبته كالزنديق، وإنما يستتاب من أظهر الكفر كالمرتد.
قال مالك : فإن جاء الساحر أو الزنديق تائبًا قبل أن يُشهد عليهما
بذلك قبلت توبتهما ، والحجة لذلك قوله تعالى : ﴿فلم يك ينفعهم
إيمانهم لما رأوا بأسنا﴾ (١) فدل أنه كان ينفعهم إيمانهم قبل نزول العذاب
بهم ، فكذلك [ هذان ] (٢) قال مالك في المرأة تعقد زوجها عن
نفسها أو عن غيرها : تنكل ولا تقتل .
*
باب : هل يستخرج السحر
وقال قتادة : قلت لسعيد بن المسيب : رجل به طب - أو يؤخذ عن
امرأته - أيحلٌ عنه [ أو ] (٣) ينشر ؟ قال : لا بأس به إنما يريدون به
الإصلاح ، فأما ما ينفع [ فلم ] (٤) ینه عنه .
فيه: عائشة: (( أن النبي سُحر حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن.
قال سفيان : وهذا أشد ما يكون من السحر . فقال : يا عائشة ، أما
علمت أن الله قد أفتاني فيما [ استفتيته ] (٥) فيه ؟ أتاني رجلان فقعد
أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي فقال الذي عند رأسي للآخر : ما
بال الرجل ؟ قال : مطبوب . قال : ومن طبّه ؟ قال : لبيد بن الأعصم -
رجل من بني زريق حليف ليهود وكان منافقًا - قال : وفيم ؟ قال : في
مشط ومشاقة . قال : وأين ؟ قال : في جف طلعة ذكر تحت راعوفة في
بئر ذروان . قالت : فأتى النبي [ البئر ] (٦) حتى استخرجه قال : هذه
(١) غافر : ٨٥ .
(٢) من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): أن. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٤) في ((الأصل)): فلا. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٥) في ((الأصل)): استفتيت. والمثبت من ((هـ، ن)). (٦) من (( هـ، ن)).
- ٤٤٣ -

البئر التي أريتها وكأن ماءها نُقاعة الحناء وكأن نخلها رءوس الشياطين.
قال: فاستخرج . فقلت : أفلا تنشرت ؟ قال : أما الله فقد شفاني وأكره
أن أثير على أحد من الناس شراً ».
قال المهلب : وقع في هذا الحديث فاستخرج السحر ، ووقع في
باب السحر («قلت: يا رسول الله، أفلا استخرجت فأمر بها فدفنت)).
وهذا اختلاف من الرواة ، ومدار الحديث على هشام بن عروة ،
وأصحابه مختلفون في استخراجه فأثبته سفيان في [ روايته ] (١) من
طريقين في هذا الباب ، وأوقف سؤال عائشة النبي - عليه السلام -
عن النُشرة ونفى الاستخراج عن عيسى بن يونس وأوقف سؤالها للنبي
على الاستخراج ولم يذكر أنه جاوب على الاستخراج بشيء ، وحقق
أبو أسامة جوابه عليه السلام ؛ إذ سألته عائشة عن استخراجه بلا ..
فكان الاعتبار يعطي أبو سفيان أولى بالقول لتقدمه في الضبط ، وأن
الوهم على أبي أسامة في أنه لم يستخرجه، ويشهد لذلك أنه لم يذكر
(١٢٨٥/٤-] النشرة في حديثه فوهم في أمرها فردّ جوابه عليه السلام بلا / على
الاستخراج فلم يذكر النشرة .
وكذلك عيسى بن يونس لم يذكر أنه عليه السلام جاوب على
استخراجه بلا [ ولا ] (٢) ذكر النشرة ، والزيادة من سفيان مقبولة ؛
لأنه أثبتهم [وقوى ] (٣) ثبوت الاستخراج في حديثه [ لتكرره فيه] (٤)
مرتين فبعد من الوهم فيما حقق من الاستخراج ، وفي ذكره للنشرة
في جوابه عليه السلام مكان الاستخراج .
وفيه وجه آخر يحتمل أن يحكم بالاستخراج لسفيان ، ويحكم لأبي
(١) في ((الأصل)): رواية. والمثبت من (( هـ)).
(٢) من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): ومن في. والمثبت من (( هـ)).
(٤) في (( الأصل)): فتنكره ابن وهب. والمثبت من ( هـ)).
- ٤٤٤ -

أسامة بقوله (( لا)) على أنه استخرج الجفّ بالمشاقة ، ولم يستخرج
صورة ما في الجفّ من المشط وما ربط به لئلا يراه الناس فيتعلمونه إن
أرادوا استعمال السحر فهو عندهم مستخرج من البئر وغير مستخرج
من الجف ، والله أعلم .
واختلف السلف ، هل يسأل الساحر عن حلّ السحر عن المسحور
فأجازه سعيد بن المسيّب على ما ذكره البخاري ، وكرهه الحسن
البصري وقال : لا يعلم ذلك إلا ساحر ولا يجوز إتيان الساحر . لما
روى سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن هبيرة ، عن عبد الله بن مسعود
قال: ((من مشى إلى ساحر أو كاهن فصدقه بما يقول فقد كفر بما
أنزل على محمد - عليه السلام)).
[ قال الطبري ] (١) : وليس ذلك عندي سواء ؛ وذلك أن مسألة
الساحر عقد السحر مسألة منه أن يضر من لا يحل ضرره وذلك حرام،
وحل السحر عن المسحور نفع له وقد أذن الله لذوي العلل في العلاج
من غير حصر معالجتهم منها على صفة دون صفة فسواء كان المعالج
مسلمًا تقيًا أو مشركًا ساحرًا بعد أن يكون الذي يتعالج به غير محرّم ،
وقد أذن النبي - عليه السلام - في التعالج وأمر به أمته فقال: (( إن الله
لم ينزل داءً إلا وأنزل له شفاءً ، علمه من علمه وجهله من جهله)) .
فسواء كان علم ذلك وحله عند ساحر أو غير ساحر ، وأمّا معنى
نهيه عليه السلام عن إتيان السحرة ؛ فإنما ذلك على التصديق لهم فيما
يقولون على علم من أتاهم بأنهم سحرة أو كهان ، فأمّا من أتاهم
لغير ذلك وهو عالم به وبحاله فليس بمنهي عنه عن إتيانه .
واختلفوا في النشرة أيضًا فذكر عبد الرزاق عن عقيل بن [معقل](٢)
(١) من ((هـ)).
(٢) في ((الأصل)": عقيل. والمثبت من ((هـ)).
- ٤٤٥ -

عن همام بن منبه قال: ((سئل جابر بن عبد الله عن النشرة فقال :
من عمل الشيطان )) وقال عبد الرزاق : قال الشعبي : لا بأس بالنشرة
العربية التي لا تضر إذا وطئت ، وهي أن يخرج الإنسان في موضع
عصاه فيأخذ عن يمينه وشماله من كلٍ ثم [ يدقّه ] (١) ويقرأ فيه ثم
يغتسل به . وفي كتب وهب بن منبه أن يأخذ سبع ورقات من سدر
أخضر فيدقه بين حجرين ثم يضربه بالماء ويقرأ فيه آية الكرسي وذوات
قل ، ثم يحسو منه ثلاث حسوات ويغتسل به ؛ فإنه يذهب عنه كل ما
به إن شاء الله ، وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله .
وقولها للنبي: ((هلا تنشرت)) يدل على جواز النشرة كما قال
الشعبي ، وأنها كانت معروفة عندهم لمداواة السحر وشبهه ، ويدل
قوله عليه السلام : ( أما الله فقد شفاني)) وتركه الإنكار على عائشة
على جواز استعماله لها لو لم يشفه فلا معنى لقول من أنكر النشرة .
وراعوفة البئر [ وأرعوفتها ] (٢) : حجر يأتي في أسفلها ، ويقال :
بل هو على رأس البئر يقوم عليه المستقي .
باب : من البيان سحر
فيه : ابن عمر قال: (( قدم رجلان من المشرق فخطبا فعجب الناس
لبيانهما، فقال رسول الله وَله: إن من البيان لسحرا [ أو إن بعض البيان
لسحرٌ))] (٣).
قال المؤلف : الرجلان اللذان خطبا : عمرو بن الأهتم والزبرقان
ابن بدر . روى حماد بن زيد عن محمد بن الزبير قال: « قدم على
.(١) في ((الأصل)): يدفنه. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): أرعوفها. والمثبت من (( هـ)).
(٣) من (( هـ ، ن))
- ٤٤٦ -

رسول الله الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم ، فقال رسول الله
لعمرو: أخبرني عن الزبرقان . فقال : هو مطاع في ناديه، شديد / [١٢٨٥/٤ -ب]
المعارضة، مانع لما وراء ظهره . قال الزبرقان : هو والله يا رسول الله
يعلم أني أفضل منه ولكنه حسدني شرفي فقصرني . قال عمرو : [ إنه
لزمر ] (١) المروءة ضيق العطن أحمق الأب، لئيم [ الخال ] (٢) يا
رسول الله صدقت في الأولى وما كذبت في الأخرى ، ولكني رضيت
[فقلت] (٣) أحسنَ ما علمتُ، وسخطت فقلت [أسوأ] (٤) ما علمت،
فقال رسول الله: إن من البيان لسحراً)) واختلف العلماء في تأويله .
فقال قوم من أصحاب مالك : إن هذا الحديث خرج على الذم
للبيان . وقالوا على هذا يدل مذهب مالك ، واستدلوا بإدخاله
للحديث في باب ما يكره من الكلام ، وقالوا : إن النبي شبّه البيان
بالسحر ، والسحر مذموم محرم قليله وكثيره ، وذلك لما في البيان من
التفيهق وتصوير الباطل في صورة الحق . وقد قال رسول الله :
((أبغضكم إليّ الثرثارون المتفيهقون)) وقد فسره عامر بنحو هذا المعنى
وهو راوي الحديث عن رسول الله ، وكذلك فسره صعصعة بن
صُوحان فقال: أما قوله عليه السلام: ((إن من البيان لسحرًا ))
فالرجل يكون الحق وهو ألحنُ بالحجج من صاحب الحق فيسحر القوم
ببيانه فيذهب بالحق وهو عليه .
وقال آخرون : هو كلام خرج على مدح البيان واستدلوا بقوله في
الحديث (( فعجب الناس لبيانهما )) والإعجاب لا يقع إلا بما يحسن
(١) في ((الأصل)): فلا أكثر من. والمثبت من ((هـ)).
(٢) في ((الأصل)): الخلال، والمثبت من ((هـ)).
(٣) في ((الأصل)): فقلنا. والمثبت من ((هـ)).
(٤) في ((الأصل)): أشرأ. والمثبت من ((هـ)).
- ٤٤٧ -

ويطيب سماعه ، قالوا : وتشبيهه بالسحر مدح له ؛ لأن معنى السحر
الاستمالة ، وكل من استمالك فقد سحرك ، وكان رسول الله وعَالله
أميز الناس بفضل البلاغة [ لبلاغته ] (١) فأعجبه ذلك القول واستحسنه
ولذلك شبهه بالسحر ، قالوا : وقد تكلم رجل في حاجة عند عمر
ابن عبد العزيز وكان في قضائها مشقة بكلام رقيق موجز وتأنى لها
وتلطف ، فقال عمر بن عبد العزيز : هذا السحر الحلال . وكان زيد
ابن إياس يقول للشعبي: يا [ مبطل ] (٢) الحاجات ، يعني أنه يشغل
جلساءه بحسن حديثه عن [ حاجاتهم ] (١) .
وأحسن ما يقال في ذلك أن هذا الحديث ليس بذمٌ للبيان كله
[ولا بمدح للبيان كله ] (١) ألا ترى قوله عليه السلام: ((إن من البيان
لسحرًا)) و((من)) للتبعيض عند العرب، وقد شك المحدث إن كان
قال : إن من البيان أو إن من بعض البيان ، وكيف يذمّ البيان كله ،
وقد عدد الله به النعمة على عباده فقال: ﴿ خلق الإنسان علمه
البيان﴾(٣) ولا يجوز أن يُعدّد على عباده إلا ما فيه عظيم النعمة عليهم
وما ينبغي إدامة شكره عليه ؟ فإذا ثبت أن بعض البيان هو المذموم وهو
الذي خرج عليه لفظ الحديث ، وذلك الاحتجاج للشيء الواحد مرةً
بالفضل ومرةً بالنقص وتزيينه مرةً وعيبه أخرى ؛ ثبت أن ما جاء من
البيان مزينًا للحق ومبينًا له فهو ممدوح وهو الذي قال فيه عمر بن عبد
العزيز : هذا السحر الحلال . ومعنى ذلك أنه يعمل في [ استمالة ](٤)
النفوس ما يعمل السحر من استهوائها ، فهو سحر على معنى التشبيه
لا أنه السحر الذي هو الباطل الحرام ، والله أعلم .
(١) من ((هـ).
(٢) في ((الأصل)): متبطل. والمثبت من (( هـ).
(٤) في (( الأصل)): استعماله. والمثبت من ( هـ)).
(٣) الرحمن : ٣، ٤
- ٤٤٨ -

باب : الدواء بالعجوة
فيه : سعد قال النبي - عليه السلام -: (( من اصطبح كل يوم بسبع
تمرات عجوة لم يضره سم ولا سحر ذلك اليوم إلى الليل )) .
وروى ابن نمير عن هشام [ بن عروة ] (١) عن أبيه ، عن عائشة :
(«أنها كانت تأمر من الدواء بسبع تمرات عجوة في سبع غدوات على
الريق )) .
باب : لا هامة ولا صفر
فيه : أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: (( لا عدوى ولا هامة
ولا صفر)). قال الأعرابي: يا رسول الله، ما بال الإبل تكون في الرمل
لكأنها الظباء فيخالطها البعير الأجرب فيجربها ؟ قال النبي - عليه
السلام - : فمن أعدى الأول ؟! )) .
وعن [ أبي ] (٢) سلمة سمع [ أبا ] (٣) هريرة يقول : قال النبي - عليه
السلام - : (( لا يوردَنّ ممرض على مصحٌ)) . وأنكر أبو هريرة الحديث
الأول، قلنا : ألم تحدثنا به أنه لا عدوى؟ فرطن بالحبشية. قال أبو سلمة:
فما رأيته نسي حديثًا غيره .
وترجم [ له ] (١) باب لا عدوى وقد تقدم [ تفسير قوله: ((لا هامة
ولا صفر)» في باب قوله لا صفر قبل هذا] (١) وزعم بعض أهل
البدع أن قوله عليه السلام: ((لا عدوى)) / يعارض قوله: ((لا
[يوردن] (٤) ممرض على مصحٌ)) [ كما يعارض قوله: ((فرّ من
[٤/ ق١٢٩ -٢]
(١) من ( هـ )).
(٢) من (( هـ ، ن)) .
(٣) في ((الأصل)): أبي. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٤) في ((الأصل)): يورد. والمثبت من ( هـ ).
- ٤٤٩ -

المجذوم كفرارك من الأسد )) وقد تقدّم في باب الجذام وجه الجمع بين
قوله : ((فرّ من المجذوم)) وبين قوله: (( لا عدوى )) وتقدم في باب
قوله لا صفر بعض ذلك، ونتكلم هاهنا على قوله : (( لا يوردنّ
بمرض على مصحٌ))] (١) وذلك أن قوله عليه السلام: ((لا عدوى))
إعلام منه أمته ألا يكون [ لذلك ] (٢) حقيقة وقوله: ((لا يوردن ممرض
على مصحٌ )) نهي منه الممرض أن يورد ماشيته المرضى على ماشية أخيه
[الصحيحة](٣) لئلا يتوهم [المصح](٣) إن مرضت ماشيته الصحيحة أن
مرضها حدث من أجل ورود المرضى عليها فيكون داخلا بتوهمه ذلك
في تصحيح ما قد أبطله النبي - عليه السلام - من أمر العدوى .
والممرض : ذو الماشية المريضة، والمُصحّ : ذو الماشية الصحيحة،
وقد تأول يحيى بن يحيى الأندلسي في قوله: (( لا يحل الممرض على
المصح)) تأويلا آخر ، قال : لا يحل من أصابه جذام محلة الأصحاء
فيؤذيهم برائحته وإن كان لا يعدو ، والأنفس تكره ذلك .
قال : وكذلك الرجل يكون به المرض لا ينبغي له أن يحل موردة
الأصحاء إلا أن لا يجد عنها غناء فيرد . قلت : فالقوم يكونون
شركاء في القرية في مائها وثمارها فيجذم [ بعضهم ] (٤) فيتأذى بهم
أهل القرية ويريدون منعهم من ذلك ، قال يحيى : إن كانوا يجدون
من ذلك الماء غناءً بماء [ غيره ] (٥) يستقون منه من غير ضرر بهم أو
يقوون على حفر بئر أو جري عين فأرى أن يؤمروا بذلك ، وإن كانوا
لا يجدون من ذلك غناء إلا بما يضرهم ، قيل لمن تأذى بهم : استنبط
لهم بئرًا أو أجر لهم عينًا أو اؤمر من يستقي لهم من البعد وإلا فكل ذي
(١) من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): كذلك. والمثبت من (( هـ ).
(٣) في ((الأصل)): الصحيح. والمثبت من ((هـ)).
(٤) في ((الأصل)): أحدهم. والمثبت من (( هـ).
(٥) في ((الأصل)): عندهم. والمثبت من (( هـ)).
- ٤٥٠ -

حق أولى بحقه ، وأعظم الضرر أن يمنع أحد ( ملكه ) (١) بغير
عوض، وقد تقدّم في باب الجذام فاطلبه هناك .
والرّطانة : التكلم بالعجميّة وقد تراطنا .
باب : ما يذكر في سم النبي عليه السلام
رواه عروة عن عائشة عن النبي عليه السلام
فيه : أبو هريرة: (( لما فتحت خيبر أهديت إلى النبي - عليه السلام -
شاة فيها سم ، فقال النبي - عليه السلام - : اجمعوا لي من كان هاهنا
من اليهود، فجمعوا له ، فقال النبي ◌َّر: إني سائلكم عن شيء ، فهل
أنتم صادقوني عنه ؟ قالوا : نعم يا أبا القاسم . فقال لهم النبي : من
أبوكم ؟ فقالوا : أبونا فلان . فقال رسول الله : كذبتم بل أبوكم فلان .
فقالوا : صدقت وبررت . قال : هل أنتم صادقوني عن شيء إن سألتكم
عنه ؟ فقالوا : نعم يا أبا القاسم ، وإن [ کذبناك ](٢) فقد عرفت کذبنا
كما عرفته في أبينا . فقال لهم رسول الله : من أهل النار ؟ فقالوا :
[نكون] (٣) فيها يسيرًا ثم تخلفوننا فيها . فقال لهم النبي - عليه
السلام -: اخسئوا فيها ، والله لا نخلفكم فيها أبدًا، ثم قال لهم : فهل
أنتم صادقوني عن شيء إن سألتكم عنه ؟ [ فقالوا : نعم ] (٢) قال : هل
جعلتم في هذه الشاة سمًا ؟ فقالوا : نعم. قال : وما حملكم على ذلك؟
قالوا : أردنا إن كنت كاذبًا أن نستريح منك ، وإن كنت [ نبيًا ] (٤) لم
يضرك)) .
(١) في (( هـ)): ما له.
(٢) من ( هـ، ن)).
(٣) في (( الأصل)): تكونون. والمثبت من ((هـ، ن).
(٤) في ((الأصل)): صادقًا نبيا، والمثبت من ((هـ، ن)).
- ٤٥١ -

لا أعلم خلافًا فيمن سمّ طعامًا أو شرابًا لرجل فلم يمت به [أنه] (١)
لا قصاص عليه ولا حدّ ، وفيه العقوبة الشديدة والأدب البالغ قدر ما
يراه الإمام في ذلك ، فإن قيل : كيف وجب فيه العقوبة والنبي لم
يعاقب من وضع له السم فيها ؟ قيل: كان النبي ◌َّ لا ينتقم لنفسه ما
لم تنتهك لله حرمة ، وكان يصبر على أذى المنافقين واليهود ، وقد
سحره لبيد بن الأعصم وناله من ضرر السحر ما لم ينله من ضرر
السُمّ في الشاة ولم يعاقب الذي سحره ؛ لأن الله - تعالى - كان قد
ضمن لنبيه - عليه السلام - أنه لا يناله مكروه وأن لا يموت حتى يبلغ
دينه ويصدع بتأدية شريعته ، وكان معصومًا من ضرر الأعداء قال الله -
تعالى -: ﴿والله يعصمك من الناس ﴾ (٢) وغيره من الناس بخلافه،
فهذا الفرق بينه وبين غيره وَلها .
واختلفوا فيمن سم طعامًا أو شرابًا لرجل فمات منه ، فذكر ابن
المنذر عن الكوفيين : إذا سقاه سمًا أو جرَبَهُ به فقتله فلا قصاص عليه
وعلى عاقلته الدية، وقال مالك: إذا استكرهه فسقاه سمًا [فقتله](١).
فعليه القود .
قال الكوفيون : ولو أعطاه إياه فشربه هو لم يكن عليه فيه شيء
ولا على عاقلته من قبل أنه هو شربه . وقال الشافعي : إذا جعل السمّ
(٤/ ق١٢٩- بـ] في طعام رجل أو شرابه فأطعمه [ أو سقاه ] (٣) غير مكره له / ففيها.
قولان : أحدهما أن عليه القود ، وهذا [ أشبههما ] (٤) والثاني : أن
لا قود عليه وهو آثم [ لأن] (٥) الآخر [ شربه ] (٦) وإن خلطه
فوضعه فأكله الرجل فلا عقل ولا قود ولا كفارة ، وقيل : يضمن .
(١) من ((هـ).
(٢) المائدة : ٦٧ .
(٣) في ((الأصل)): وسقاه. والمثبت من ((هـ)).
(٤) فى ((الأصل)): أشبهها. والمثبت من (( هـ)).
(٥) في (( الأصل)): فإن. والمثبت من (( هـ).
(٦) في (( الأصل)): يشربه. والمثبت من (( هـ) ..
...
- ٤٥٢ -

وفي حديث أبي هريرة الدليل الواضح على صحة نبّوة نبينا عليه
السلام من وجوه منها : إخباره عن الغيب الذي لا يعلمه إلا من أعلمه
الله بذلك ، وذلك معرفته بأبيهم وبالسُمّ الذي وضعوا له في الشاة،
ومنها : تصديق اليهود له حين أخبرهم بأبيهم ، ومنها : قول اليهود
له: إن كنت نبيًّا لم يضرك ، فرأوا أنه لم يقتله السُمّ وتمادوا في غيّهم،
ولم يؤمنوا بما رأوا من برهانه عليه السلام في السم وفي إخباره عن
الغيب ، وهذا الحديث يشهد بمباهتة اليهود وعنادهم للحق ، كما قال
عبد الله بن سلام : اليهود قوم بهت .
باب : شرب السم والدواء به وما يخاف منه والخبيث
فيه : أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: (( من تردى من جبل فقتل
نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدًا مخلدا فيها أبدًا، ومن تحسّی
سمًا فقتله فسمّه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً [مخلداً ] (١) فيها
أبدًا [ ومن قتل نفسه بحديدة ، فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار
جهنم خالدا مخلدا فيها أبدًاً))] (١) .
وفيه : سعد قال النبي: (( من اصطبح بسبع تمرات عجوة لم يضره ذلك
الیوم سم ولا سحر )» .
قال المؤلف : هذا الحديث يشهد لصحة نهي الله -تعالى- في كتابه
المؤمنَ عن قتل نفسه فقال تعالى : ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم
رحيماً ومن يفعل ذلك ... ﴾(٢) الآية، فأما من شرب سمًا للتداوي ولم
يقصد به قتل نفسه وشرب منه مقدارًا لا يقتل مثله ، أو خلطه بغيره مما
(١) من ((هـ، ن)).
(٢) النساء : ٢٩ .
- ٤٥٣ -

يكسر ضره فليس بداخل في الوعيد ؛ لأنه لم يقتل نفسه غير أنه یکره
له ذلك لما روى الترمذي قال : حدثنا سويد بن نصر ، حدثنا ابن
المبارك، عن يونس [ بن ] (١) أبي إسحاق ، عن مجاهد ، عن أبي
هريرة قال: (( نهى النبي عن الدواء الخبيث)).
قال أبو عيسى : يعني: السمّ. وقد تعلق بقوله: ((خالدًا مخلدًا»
في حديث أبي هريرة من أنفذ الوعيد على القاتل وهو قول روي عن :
قوم من الصحابة [ قد ذكرناهم ] (٢) في أول كتاب الديات وجمهور ".
التابعين وجماعة الفقهاء على خلافه ، ولا يجوز عندهم إنفاذ الوعيد
على القاتل وأنه [ في ] (٣) مشيئة الله - تعالى - لحديث عبادة بن
الصامت على ما تقدم في كتاب الديات .
فإن قيل: ظاهر حديث أبي هريرة يدل على أن قاتل نفسه [مخلد] (٤)
في النار أبدًا ، قيل : هذا قول تقلده الخوارج وهو مرغوب عنه، ومن
حجة الجماعة أن لفظ التأبيد في كلام العرب لا يدل على ما توهموه،
وقد يقع الأبد على المدة من الزمان التي قضى الله - تعالى - فيها
بتخليد القاتل إن أنفذ عليه الوعيد ، وذلك أن العرب تجمع الأبد على
آباد كما تجمع الدهر على دهور، فإذا كان الأبد عندها واحد الآباد لا يدل
الأبد على ما قالوه ، ويدل على صحّة هذا إجماع المؤمنين كلهم غير
الخوارج على أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان
وأنه لا يخلد في النار بالتوحيد مع الكفار ، فسقط قولهم .
وقوله: (( يجأ بها في بطنه)) قال صاحب الأفعال : وجأت البعير.
طعنت منخره ، ووجأه وجئًا : طعنه مثل وجأه ، والأصل في المستقبل
يوجأ .
(١) في ((الأصل)): عن. والمثبت من ((هـ)).
(٢) في ((الأصل)): فذكرناهم. والمثبت من (( هـ)).
(٤) في ((الأصل)): مخلدًا. والمثبت من (( هـ).
(٣) من (( هـ )
- ٤٥٤ -

باب : ألبان الأتن
فيه: أبو ثعلبة: ((نهى النبي ◌َّ ر عن أكل كل ذي ناب من السّباع)).
وزاد الليث : حدثنا يونس عن ابن شهاب قال : وسألته هل نتوضأ أو
نشرب ألبان الأتن أو مرارة السبع أو أبوال الإبل ؟ فقال : قد كان
المسلمون بتداوون بها فلا يرون بذلك بأسًا ، فأما ألبان الأتن فقد بلغنا
أن النبي - عليه السلام - نهى عن لحومها ، ولم يبلغنا عن ألبانها أمر ولا
نهي ، وأمّا مرارة السبع ؛ فإن ابن شهاب قال : أخبرني أبو إدريس
الخولاني أن أبا ثعلبة الخشني أخبره أن النبي نهى عن أكل كل ذي ناب
من السباع)) .
قال المؤلف : أما قول / ابن شهاب قد كان المسلمون يتداوون بها [٤/ ق١٣٠-١]
فلا يرون بذلك بأسًا، فإنه أراد أبوال الإبل فإن النبي ◌َّ أباح
للعرنیین شُربها والتداوي بها .
وقوله في أبان الأتن أن النبي - عليه السلام - نهى عن لحومها ولم
يبلغنا عن ألبانها أمر ولا نهي ، فما نهى عن لحمه فلبنه منهي عنه؛ لأن
اللبن متولد من اللحم، ألا ترى أنه استدلّ ابن شهاب على النهي عن
مرارة السبع [بنهيه](١) عليه السلام عن أكل ذي ناب من السباع، فكذلك
ألبان الأتن . وقد سئل مالك عن ألبان الأتن فقال : لا خير فيها .
باب : إذا وقع الذباب في الإناء
فيه: أبو هريرة أن النبي - عليه السلام - قال: ((إذا وقع الذباب في
إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه ، فإن في أحد جناحيه شفاء وفي
الآخر داء )) .
(١) من (( هـ )).
- ٤٥٥ -

قال المؤلف : هذا الحديث يتأولُ على وجهين أحدهما : حمله على:
ظاهره وهو أن يكون في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء كما قال عليه
السلام ، فيذهب الداء بغمسه ويحدث مع الغمس دواء [الداء](١)
الذي في الجناح الواقع أولا ، وقد جاء في بعض طرق هذا الحديث
وأنه يقدّم الداء .
والوجه الثاني : أن يكون الداء ما يحدث في نفس الآكل من التقزز ..
والتقذر للطعام إذا وقع فيه الذباب ، والدواء الذي في الجناح الآخر
رفع التقزز والتكبر بخمسه كله في الطعام وقلة المبالاة بوقوعه فيه ؛ لأن
الذباب لا نفس لها سائلة وليس فيه دم يخشى منه إفساد الطعام فلا معنى
لتقذره ، والله أعلم بما أراد النبي - عليه السلام - من ذلك .
(١) من (( هـ )).
- ٤٥٦ -

كتاب الأطعمة
وقول الله تعالى : ﴿ كلوا من طيبات ما رزقناكم ﴾ (١) وقوله:
:[ أنفقوا ] (٢) من طيبات ما كسبتم﴾ (٣) وقوله: ﴿ كلوا
من الطيبات واعملوا صالحًا ﴾ (٤)
فيه : أبو موسى قال عليه السلام: (( أطعموا الجائع ... )) الحديث.
وفيه: أبو هريرة قال: (( ما شبع آل محمد من طعام ثلاثًا حتى قبض)).
وقال أبو هريرة : (( أصابني جهد شديد فلقيت عمر بن الخطاب
فاستقرأته آية من كتاب الله ، فدخل داره وفتحها عليّ ، فمشيت غير بعيد
فخررت لوجهي من الجهد ، فإذا رسول الله قائم على رأسي قال : يا أبا
هريرة . قلت : لبيك يا رسول الله وسعديك ، فأخذ بيدي فأقامني ،
وعرف الذي بي فانطلق بي إلى رحله، وأمر لي [ بعُسّ ] (٥) من لبن
فشربت منه، ثم قال : عد يا أبا هريرة . فعدت فشربت ، ثم قال : عد ،
فعدت فشربت حتى استوى بطني فصار كالقدح . قال : فلقيت عمر
[و] (٦) ذكرت له الذي كان من أمري ، وقلت له : تولى الله ذلك من
كان أحقّ به منك يا عمر ، والله لقد استقرأنك الآية ، ولأنا أقرأ بها منك.
فقال عمر : والله لأن أكون أدخلتك أحبّ إليّ من أن يكون [ لي ] (٦)
حمر النعم )) .
(١) البقرة : ٥٧ .
(٢) في ((الأصل)): كلوا. والمثبت من (( هـ)).
(٣) البقرة : ٢٦٧ .
(٤) المؤمنون : ٥١ .
(٥) في ((الأصل)): بعيش. والمثبت من (( هـ، ن)). (٦) من (( هـ، ن)).
- ٤٥٧ -

قال المؤلف : وقع في النسخ كلها قوله تعالى: (( كلوا من طيبات
ما كسبتم )) ، وهو وهم من الكاتب وصواب الآية ما ذكره الله تعالى
في سورة البقرة : ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما
أخرجنا لكم من الأرض﴾ (١) واختلف أهل التأويل في معنى الآية على
قولين ، فقالت طائفة : المراد بالطيبات الحلال . وقالت طائفة : المراد
بها جيّد الطعام وطيبه ، وقال البراء بن عازب : كانوا يتصدقون بأرداً
ثمرهم وطعامهم فنزلت الآية .
وقوله : ﴿ كلوا من الطيبات واعملوا صالحًا﴾ (٢) تأويلها كتأويل
الآية المتقدّمة ولم يختلف أهل التأويل في قوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين.
آمنوا لا تحرّموا طيبات ما أحل الله لكم ﴾ (٣) أنها نزلت فيمن حرم على
نفسه لذيذ الطعام واللذات المباحة ، قال عكرمة : إنها نزلت في
عثمان بن مظعون وأصحابه حين هموا بترك النساء واللحم والخصاء
وأرادوا التخلي من الدنيا والترهب ، منهم علي بن أبي طالب وعثمان
ابن مظعون ، وقد تقدم في كتاب النكاح في باب ما يكره من التبتل
[٤/ ق ١٣٠ -ب) والخصاء ، وفي حديث أبي موسى الأمر بالمواساة وإطعام / الجائع
وذلك من فروض الكفاية قال الداودي : إلا أن يحتاج الرجل ولا يجدُ
ما يقيمه فحقّ على كل من علم ذلك منه أن يعطيه ما يقيم به شأنه ،
وله أن يأخذ ذلك منه كرهًا وأن يختفي به إن لم يقدر عليه إلا بذلك ،
ومنه إعطاء السائل إن صادف شيئًا موضوعًا كان حقًّا على المسئول أن
يقبله منه ، وإن لم يجد شيئًا حاضرًا وعلم المسئول أن ليس له شيء
يقيمه وجب عليه أن يُغنيه وإن لم يعلم حاله فليقل له قولا سديداً ،
وقد تقدّم في باب فكاك الأسير في الجهاد .
(١) البقرة : ٢٦٧ .
(٢) المؤمنون : ٥١ .
(٣) المائدة : ٨٧ .
- ٤٥٨ -

وفي حديث أبي هريرة إباحة الشبع عند الجوع لقوله: (( فشربت
حتى استوى بطني فصار كالقدح ) يعني كالسّهم يعني في استوائه ؛
لأنه [ ما](١) رُوي من اللبن استقام بطنه وصار كأنه سهم لأنه كان
بالجوع ملتصقًا منثنيًا .
وفيه ما كان السلف عليه من الصبر من التقلل وشظف العيش
والرضا باليسير من الدنيا ، ألا ترى أن أبا هريرة لم يكن له هم إلا
سد عمر جوعتهُ فقط فلما سقاه النبي حتى روي أقنعه ذلك ولم يطلب
سواه ، ودلّ ذلك على إيثارهم للبلغة من الدنيا وطلبهم للكفاية ، ألا
ترى قول أبي هريرة: (( ما شبع آل محمد من طعام ثلاثًا حتى قُبض ))
وسيأتي معنى هذا الحديث والأحاديث المعارضة له في باب ما كان
النبي - عليه السلام - وأصحابه يأكلون . إن شاء الله .
وفيه : سدّ الرجل خلة أخيه المؤمن إذا علم منه حاجة من غير أن
يسأله ذلك . وفيه أنه كان من عادتهم إذا استقرأ أحدهم صاحبه القرآن
أن يحمله إلى بيته ويطعمه ما تيسر عنده ، والله أعلم لِمَ لم يحمل
عمر أبا هريرة حين استقرأه أبو هريرة الشغل كان به أو لأنه لم يتيسّر له
حينئذ ما يطعمه . وقد روي عن أبي هريرة أنه قال : والله ما استقرأت
عمر الآية ، وأنا أقرأ بها منه إلا طمعًا في أن يذهب بي ويطعمني .
وفيه : الحرص على أفعال البرّ لتأسف عمر على ما فاته من حمل
أبي هريرة إلى بيته وإطعامه ؛ إذ كان محتاجًا إلى الأكل ، وأن ذلك
كان أحبّ إليه من حمر النعم .
(١) في (( الأصل)): ما. والمثبت من (( هـ)).
- ٤٥٩ -

---
باب : التسمية على الطعام
فيه: عمر بن أبي سلمة يقول: (( كنت غلامًا في حجر النبي - عليه
السلام - وكانت يدي تطيش في الصحفة ، فقال لي رسول الله: يا غلام،
سمّ الله وكل بيمينك وكل مما يليك . فما زالت تلك طعمتي بعد )) ..
وترجم له باب الأكل مما يليه ، قال أنس : قال النبي - عليه السلام -:
((وليأكل [ كلُ] (١) رجل مما يليه)) وقال عمر بن أبي سلمة: (( كنت
آكل يومًا مع النبي - عليه السلام - من نواحي الصحفة)).
التسمية على الطعام سنة مؤكدة ؛ لقوله عليه السلام: (( يا غلام،
سم الله ، فإن نسي أن يسمي الله في أول طعامه فليسم الله في آخره -
أو متى ذكر - وليقل: بسم الله أولا وآخراً ، روي ذلك في الحديث.
وفيه أن الأكل مما يليه من أدب الطعام إلا أن يكون الطعام ألوانًا
مختلفة فلا بأس أن يأكل من أيها شاء ؛ لقول النبي - عليه السلام -
لعكْرَاش لما أتوا بطبق من تمر أو رطب: (( كل من حيث شئت ؛ فإنه .
غير لون واحد)) ذكره ابن المنذر في كتاب الأطعمة وذكره الترمذي في
مصنفه وقال : لا يعرف لعكراش عن النبي - عليه السلام - غير هذا :
الحديث .
وفيه أن السنة الأكل باليمين ، وقد نهى عليه السلام أن يأكل الرجل
بشماله أو يشرب بشماله، وقال: ((إن الشيطان يفعل ذلك )) رواه
مالك ( وعبيد الله ) (٢) وابن عيينة ، عن الزهري ، عن سالم، عن
ابن عمر ، عن النبي - عليه السلام - ولم يخرجه البخاري ؛ لأنه قد
رواه معمر وعقيل عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر [ ورواية
مالك أصح ، قاله الترمذي .
(١) من ((هـ ، ن)).
(٢) في (( هـ)) : وعبد الله .
- ٤٦٠ -