النص المفهرس

صفحات 341-360

النبي فقال : يا نبي الله، جعلني الله فداك، هل أصابك من شيء ؟ قال :
لا ، ولكن عليك بالمرأة . فألقى أبو طلحة ثوبه على وجهه فقصد
قصدها، فألقى ثوبه عليها ، فقامت المرأة فشدّ لهما على راحلتهما
فركبا ... )) الحديث .
[ قال المؤلف ] (١): وفي هذا الباب رد قول من لم يجز تفدية
الرجل للرجل بنفسه أو بأبويه ، زعموا أنه إنما فدى النبي سعدًا بأبويه،
لأنهما كانا مشركين ، فأما المسلم فلا يجوز له ذلك .
قالوا : وروي عن عمر بن الخطاب أن رجلا قال له : جعلني الله
فداك . قال : إذًّا يهينك الله .
وقد ثبت في هذا الباب عن الصديق ، وعن أبي طلحة أنهما فديا
النبي فلم ينكر ذلك عليهما ، ولانهاهما عنه ، وقد تقدم في كتاب
الجهاد [ متصلا بباب الترسة ] (١).
باب : قول الرجل لصاحبه يا [ أبا ] (١) فلان
وأحب الأسماء إلى الله
فيه : جابر: (( ولد لرجل منا غلام فسمّاه القاسم ، فقلنا : لا نكنيك أبا
القاسم ولا كرامة ، فأخبر النبي ، فقال : سمّ ابنك عبد الرحمن )) .
قال [ المؤلف ] (٢): جاء في هذا الحديث عن عمر بن الخطاب
أنه قال : يصفي للمرء ودّ أخيه المسلم أن يدعوه بأحب الأسماء إليه ،
ويوسع له في المجلس ويسلم عليه إذا لقيه ، وإذا قال له يا [ أبا ] (١)
فلان وكناه فقد أكرمه وتلطف له في القول ، وذلك مما يثبت الود .
(١) من ( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): المهلب. والمثبت من ((هـ)).
- ٣٤١ -

وروى ابن لهيعة عن أبي [ قبيل ] (١) عن عبد الله بن عمر ، عن
النبي - عليه السلام - قال: (( تكنوا فإنه أكرم للمكني والمكنى )) .
وأما أحب الأسماء إلى الله فذكر أبو داود بإسناده عن عبيد الله ،
عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - عليه السلام - أنه قال :
((أحب الأسماء إلى الله - عز وجل - عبد الله وعبد الرحمن )) وعن
عوف، عن الحسن قال: بلغني أن رسول الله قال: (( من خير
أسمائكم عبد الله وعبد الرحمن)).
:
باب : قول النبي عليه السلام [ سمّوا] (٢)
باسمي ولا تكنوا بكنيتي
فيه: جابر: (( ولد لرجل منا غلام ، فسمّاه القاسم ، فقالوا : لا نكنيه
حتى نسأل النبي . فقال : سمّوا باسمي ولا تكنوا بكنيتي )) .
قال الطبري : إن قال قائل : ما وجه هذا الحديث وقد جمع جماعة
من أصحاب النبي بَلّ بين اسمه وكنيته منهم علي بن أبي طالب كنى
ابنه محمد ابن الحنفية : [ أبا ] (٣) القاسم ؟
قيل : قد اختلف السلف قبلنا في ذلك ، فقالت طائفة : غير جاز
لأحدٍ أن يكني نفسه أو ولده أبا القاسم ، أو أن يسميه [ قاسمًا ] (٤)
ليكنى الأب أبا القاسم ، فأمّا أن يسمي ابنه محمدًا فذلك له ، واعتلوا
بحديث جابر وأبي هريرة ، قالوا : فأذن النبي بالتسمي باسمه ، ونهى
عن التكني بكنيته .
(١) في ((الأصل)): عجل. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): تسموا. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٣) في ((الأصل)): ابن. والمثبت من (( هـ)).
(٤) في ((الأصل)): باسمًا. والمثبت من ((هـ)).
- ٣٤٢ -

ذكر من روي ذلك عنه : روى ابن سيرين قال : كان مروان بن
[٤/ ق ١١٠ - ٢]
الحكم يسمّي ابنه القاسم / وكان رجل من الأنصار يسمّ ابنه القاسم،
فلما بلغهما هذا الحديث بالنهي سمّى مروان ابنه عبد الملك ، وغير
الأنصاري اسم ابنه .
وقال ابن عون : سألت ابن سيرين عن الرجل يكنى بكنية النبي
ولم ( يسم ) (١) باسمه ، أيكره ؟ قال : نعم . وقال زبيد الأيامي :
كان الرجل منا إذا تكنى بأبي القاسم كنيناه أبا القاسم .
وقالت طائفة : غير جائز أن يجمع أحد بين اسم النبي وكنيته ، فإن
سماه محمدًا لم يكن [ له ] (٢) أن يكنيه أبا القاسم ، فإن كناه أبا
القاسم لم يكن له أن يسمّيه محمدًا ولا أحمد ، واعتلوا بما حدثنا به
يوسف بن موسى القطان ، حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا هشام
الدستوائي ، حدثنا [ أبو ] (٣) الزبير عن جابر أن رسول الله قال:
((من تسمّى باسمي فلا يتكنين بكنيتي ، ومن تكنى بكنيتي فلا يستمّين
باسمي )).
وقال آخرون : جائز أن يجمع بين اسم النبي وكنيته ، واعتلوا بما
حدثنا محمد بن خلف ، حدثنا محمد بن الصلت ، حدثنا الربيع بن
منذر الثوري ، عن أبيه ، عن محمد ابن الحنفية قال: (( وقع بين علي
وبين طلحة كلام ، فقال له طلحة : إنك لجريء جمعت بين اسم
رسول الله وكنيته ، وقد نهى رسول الله عن ذلك . فقال له علي :
الجريء كل الجريء من قال على رسول الله ما لم يقل . ثم استشهد
عليّ أناسًا فشهدوا له أن رسول الله رخص له في ذلك ، وقد سمّى
(١) في (( هـ)): يتسم.
(٢) من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): ابن. والمثبت من (( هـ)).
- ٣٤٣ -

طلحة ابنه محمدًا وكناه أبا القاسم )) ولو صح حديثه ما خالف ما رواه
عن النبي - عليه السلام - وقال : إذن النبي لعلي أن يسمّ ابنه
محمدًا ويكنيه أبا القاسم إطلاق منه ذلك لجميع أمته ؛ إذ لم يخبر أنه
خصّ بذلك علیا دون سائر أمته .
وقد سمّى ولده باسم النبي وكناه بكنيته جماعة من السلف ..
[ وروى ] (١) هشيم عن مغيرة عن إبراهيم أن محمد بن الأشعث
كان يكنى أبا القاسم [ وكان يدخل على عائشة فتكنيه بذلك ، وكان
محمد ابن الحنفية يكنى أبا القاسم ] (٢) واعتلوا بما روى مروان بن
معاوية ، عن محمد بن عمران [ الحجبي ] (٣) عن جدته صفية بنت
شيبة، عن عائشة قالت : جاءت امرأة إلى النبي - عليه السلام -
فقالت : يا رسول الله ، ولد لي غلام فسميته محمدًاً وكنيته بأبي
القاسم ، فبلغني أنك تكره ذلك ، فقال رسول الله: (( ما ( حرم ) (٤)
اسمي وأحل كنيتي - و( ما حرم كنيتي وأحل اسمي ) (٥))).
وقال آخرون : غير جائز لأحد أن ( يسمى ) (٦) باسم النبي - عليه
السلام - ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا معاذ بن
هشام قال : حدثني أبي ، عن قتادة ، عن سالم بن أبي الجعد قال :
كتب عمر إلى أهل الكوفة ألا تسمّوا أحدًا باسم نبي . واعتلوا بما
حدثني محمد بن بشار ، حدثنا أبو داود ، حدثنا الحكم بن عطية ،
عن ثابت ، عن أنس قال: قال النبي - عليه السلام - ((تسمون
أولادكم [ محمدًاً ] (٢) ثم تلعنوهم)).
(٢) من (( هــ).
(١) في ((الأصل)): ورواه. والمثبت من ((هـ).
(٣) في ((الأصل)): التجيبي. ومحمد بن عمران الحجبي من رجال التهذيب.
(٤) في (( هـ)): أحرم. والحديث في مسند أحمد (١٣٥/٦، ٢٠٩) وأبو داود
(٤/ ٢٩٢) رقم (٤٩٦٨).
(٥) في (( هـ)): أو ما أحرم اسمي وأحل كنيتي.
(٦) في (( هـ ): يتسمى.
- ٣٤٤ -

قال الطبري : والصواب عندنا أن يقال كل هذه الأخبار عن النبي
صحيح ، وليس في شيء منها ما يدفع غيره ولا ينسخه ، ولو كان
فيها ناسخ أو منسوخ لنقلت الأمة بيان ذلك ، وإنما كان نهي النبي عن
التكني بكنيته تكرهًا لا تحريمًا ، وكان إطلاقه لعلي في تسميته ابنه
باسمه وتكنيته بكنيته إعلامًا منه أمته أن الجميع بين اسمه وكنيته أو التكني
بكنيته على الكراهة لا على التحريم ، وذلك أنه لو كان على التحريم
لم تجهل الأمة ذلك ولم يطلق المهاجرون والأنصار ذلك لمن فعله
ولأنكروه ، وفي تركهم إنكاره دليل على صحة قولنا .
وقال غير الطبري : وإنما نهى النبي - عليه السلام - أن يجمع بين
اسمه وكنيته تعزيزًا [ له ] (١) وتوقيرًا ؛ لئلا يدعى غيره باسمه فيظن
عليه السلام أنه هو المدعو به فيعنت بذلك ، وقد روي أن هذا المعنى
كان سبب هذا الحديث ، روى أبو عيسى الترمذي : حدثنا الحسن بن
علي الخلال ، حدثنا يزيد بن هارون ، عن حميد ، عن أنس ، عن
النبي : (( أنه سمع رجلا ينادي في السوق يا أبا القاسم ، فالتفت عليه
السلام ، فقال له الرجل : لم أعنك ، فقال عليه السلام : لا تكنوا
بكنيتي )) وقد أمر الله عباده المؤمنين أن لا يجعلوا دعاء الرسول بينهم
كدعاء بعضهم بعضًا، وأن لا يرفعوا أصواتهم فوق صوته، ولا يجهروا
له بالقول ، وهذا كله حضّ على توقيره وإجلاله وتخصيصه بكنيته
لا يدعى بها غيره من إجلاله وتوقيره .
باب : اسم الحزن
/ فيه: ابن المسيّب، عن أبيه: ((أن أباه جاء إلى النبي - عليه السلام- [١١٠٥/٤ -ب]
(١) من (( هـ)).
- ٣٤٥ -

فقال : ما اسمك ؟ قال : حزن . قال : أنت سهل . قال : لا أغير اسمًا
سمانيه أبي . قال ابن المسيب : فما زالت الحزونة فينا بعده)).
قال المؤلف : هذا الحديث يدل أن أمره عليه السلام بتغيير الأسماء
المكروهة ليس على وجه الوجوب ، وأن ذلك على معنى الكراهية ؛
لأنه لو کان علی معنی الوجوب لم يجز جدّ سعید الثبات على حزن،
ولا سوغ النبي ذلك ، وسيأتي بعد هذا .
وروى أبو داود: حدثنا مسدد ، حدثنا هشیم ، عن داود بن عمرو،
عن عبد الله بن أبي زكريا، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله: ((إنكم
تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم، فأحسنوا أسماءكم )) .
باب : تحويل الاسم إلى اسم أحسن منه
فيه : سهل: (( أُتي بالمنذر بن أبي أسيد إلى النبي حين ولد فوضعه على
فخذه ، وأبو أسيد جالس ، فلها النبي بشيء بين يديه فأمر أبو أسيد بابنه
فاحتمل من فخذ النبي - عليه السلام - فاستفاق النبي فقال : أين
الصبي ؟ فقال أبو أسيد : أقلبناه يا رسول الله . قال : ما اسمه ؟ قال :
فلان. قال : لكن اسمه المنذر. فسماه يومئذ: المنذر)).
وفيه : أبو هريرة: (( أن زينب كان اسمها : برة، فقيل : تزكى نفسها ،
فسماها رسول الله : زينب )).
وفيه : ابن المسيّب: (( أن جده [ حزنًا قدم ] (١) على النبي - عليه
السلام- فقال : ما اسمك؟ قال : اسمي حزن . قال : لا ؛ بل أنت سهل .
قال : ما أنا بمغير اسمًا سمانيه أبي)) .
قال المؤلف : قد قدمنا قبل هذا أن النبي - عليه السلام - كان
(١) في ((الأصل)): خزن قدما. والمثبت من ((هـ، ن)).
- ٣٤٦ -
١

يعجبه [ تغيير الاسم القبيح بالاسم الحسن على وجه التفاؤل والتيمن ؛
لأنه كان يعجبه ] (١) الفأل الحسن ، وقد غير رسول الله [ عدة ] (١)
أسامي، غير برة [ بزينب] (٢) وحول اسم عبد الله بن عمرو [ بن
العاص ] (١) إلى عبد الله كراهةً لاسم العصيان الذي هو مناف لصفة
المؤمن ، وإنما شعار المؤمن الطاعة [ وسمته ] (٣) العبودية.
قال الطبري : فلا ينبغي لأحدٍ أن [ يتسمّى باسم قبيح المعنى ،
ولا باسم معناه التزكية والمدح ، ولا باسم معناه الذم والسبّ ، بل
الذي ينبغي أن] (١) يسمّى به ما كان حقًّا وصدقًا ، كما أمر الذي
سمّى ابنه القاسم أن يسميه عبد الرحمن ، إذ كان الصدق الذي
لا شك فيه أنه عبد الرحمن فسماه بحقيقة معناه ، وإن كانت الأسماء
العواري لم توضع على المسمّيات لصفاتها بل للدلالة على أشخاصها
خشية أن يسمع سامع باسم العاصي فيظن أن ذلك له صفة ، وأنه إنما
سمّي [ بذلك] (٤) لمعصية ربه ، فحوّل ذلك عليه السلام إلى ما إذا
دعي به كان صدقًا .
وأمّا تحويله برة إلى زينب ؛ فلأن ذلك كان [ تزكية ] (٥) ومدحًا
فحوله إلى ما لا تزكية فيه ولا ذم ، وعلى هذا النحو سائر الأسماء
التي غيرها رسول الله ، فأولى الأسماء أن يتسمّى بها أقربها إلى
الصدق وأحراها أن لا يشكل على سامعها ؛ لأن الأسماء إنما هي
للدلالة والتعريف ، وبهذا وردت الآثار عن النبي - عليه السلام .
روى أبو داود في مصنفه حُدُّثنا عن أبي وهب الخشني - وكانت له
صحبة ، عن النبي عليه السلام - أنه قال: ((أحب الأسماء إلى الله:
(١) من (( هـ).
(٢) من (( هـ)) وتحرفت ((بالأصل)).
(٣) في ((الأصل)): وصفته. (٤) في ((الأصل)): ذلك. والمثبت من ((هـ)).
(٥) في (( الأصل)): بركة. والمثبت من ( هـ)).
- ٣٤٧ -

عبد الله وعبد الرحمن ، وأصدقها حارث وهمام ، وأقبحها حرب
ومُرّة)) وروى عطاء عن أبي سعيد الخدري قال : قال النبي - عليه
السلام - : (( لا تسمّوا أبناءكم حكمًا ولا أبا الحكم ، فإن الله هو
الحكيم العليم )) .
قال الطبري : وليس تغيير رسول الله ما غير من الأسماء على
وجه المنع للتسمّي بها ؛ بل ذلك على وجه الاختيار ؛ لأن الأسماء لم
يسمّ بها لوجود معانيها في المسمّى بها ، وإنما هي للتمييز ، ولذلك
أباح المسلمون أن يتسمّى الرجل القبيح بحسن ، والرجل الفاسد
بصالح ، يدل على ذلك قول جَدّ ابن المسيب للنبي - عليه السلام -
حين قال له أنت سهل : ما كنت أغير اسمًا سمّانيه أبي ، فلم يلزمه
الانتقال عنه على كل حال ، ولا جعله بثباته عليه آئمًا بربه ، ولو كان
آثمًا بذلك لجبره على النقلة عنه ، إذ غير جائز في صفته عليه السلام
أن یری منکرًا وله إلى تغييره سبيل .
باب : من تسمّى بأسماء الأنبياء عليهم السلام
فيه : إسماعيل: (( قلت لابن أبي أوفى : رأيت إبراهيم ابن النبي -
عليه السلام - ؟ قال : مات صغيرًا، ولو قضي أن يكون بعد محمد نبي
عاش ابنه ، ولكن لا نبي بعده )» .
وفيه : البراء قال: (( لما مات إبراهيم قال / النبي - عليه السلام -: إن
[٤/ ق١١١- ١]
له مرضعًا في الجنة )).
وفيه: جابر قال: قال النبي - عليه السلام -: (([ سمّوا ](١) باسمي،
ولا تكنوا بكنيتي ... )) الحديث .
(١) في ((الأصل)): تسمّوا. والمثبت من ((هـ، ن)).
- ٣٤٨ -

وفيه : أبو هريرة عن النبي مثله .
وفيه : أبو موسى قال: ((ولد لي غلام فأتيت به النبي صل فسمّاه
إبراهيم ، وحنكه بتمرة ... )) الحديث .
وفيه : المغيرة بن شعبة: (( كسفت الشمس يوم مات إبراهيم )) ورواه
أبو بكرة عن النبي - عليه السلام .
قال المؤلف : هذه الأحاديث تدل على جواز التسمية بأسماء الأنبياء
عليهم السلام ، وقد قال سعيد بن المسيب : أحب الأسماء إلى الله
أسماء الأنبياء ، وهذا يرد قول من كره التسمية بأسماء الأنبياء ، وهي
رواية جاءت عن عمر بن الخطاب ، عن طريق قتادة ، عن سالم بن
أبي الجعد قال: كتب عمر إلى أهل الكوفة ألا [ يتسمى ] (١) أحد
باسم نبي ، وقد مرّ في باب قوله: ((تسمّوا باسمي ، ولا تكنوا
بکنیتي )) .
وذكر الطبري أن حجة هذا القول حديث الحكم بن عطيّة عن ثابت
عن أنس قال النبي: (( [ تسمون ] (٢) أولادكم محمدًا ثم تلعنوهم))
والحكم بن عطية ضعيف ، ذكره البخاري في كتاب الضعفاء ، وقال :
كان [ أبو ] (٣) الوليد يضعفه، وليس قوله عليه السلام: « تسمّون
أولادكم محمدًا ثم تلعنونهم)) لو صحّ عن النبي - عليه السلام -
بمانع أن يتسمّى أحد باسم محمد ، فقد أطلق ذلك وأباحه بقوله :
((تسمّوا باسمي)» وسمّى ابنه إبراهيم باسم الخليل - عليه السلام -
وإنما فيه النهي عن أن يسمّ أحد ابنه محمدًا ثم يلعنه .
(١) في (( الأصل)): يسمى.
(٣) من ( هـ).
(٢) فى (( الأصل)): تسموا .
- ٣٤٩ -

باب : تسمية الوليد
فيه : أبو هريرة: (( لما رفع النبي ◌َله رأسه من الركعة قال: اللهم أنج
الوليد بن الوليد ... )) الحديث .
قال المؤلف : هذا الحديث يرد ما روى معمر عن الزهري قال :
((أراد [ رجل] (١) أن يسمّي ابنًا له الوليد ، فنهاه النبي وقال : إنه
سيكون رجل اسمه الوليد يعمل في أمتي كما عمل فرعون في قومه )).
[و] (٢) حديث أبي هريرة أثبت في الحجة من بلاغ الزهري ، فهو
أولى منه .
باب : من دعا صاحبه فنقص من اسمه حرفًا
وقال أبو هريرة: ((قال لي النبي - عليه السلام -: يا أبا هرّ)).
فيه : عائشة قال النبي - عليه السلام -: ((يا عائش، هذا جبريل يقرئك
السلام. قالت: وعليه السلام ورحمة الله . قالت: وهو يرى ما لا أرى)) ..
وفيه : أنس: (( قال النبي - عليه السلام - لأنجشة : يا أنجش ، رويدك
سوقك بالقوارير )) .
أما قوله عليه السلام: ((يا عائش)) ((يا أنجش)) فهو من باب
النداء المرخم ، والترخيم : نقصان أواخر الأسماء ، تفعل ذلك
العرب على وجه التخفيف ، ولا ترخم ما ليس منادى إلا في ضرورة
الشعر، ولا ترخم من الأسماء إلا ما كان على أكثر من ثلاثة أحرف ؛
لأن الثلاثة أقل الأصول إلا ما كان في آخره هاء التأنيث [فإنه يرخم](٢)
(١) في (( الأصل)): رجلا. والمثبت من ( هـ)).
(٢) من (( هـ ))
- ٣٥٠ -

قلت حروفه أو كثرت ، فتقول في ترخيم عائشة وأنجشة : يا عائش ،
ويا أنجش ، وفي ترخيم مالك : يا مال أقبل ، ويا حار للحارث ،
وفي ترخيم جعفر : يا جعف [ أقبل ] (١) فنحذف الراء وندع ما قبلها
على حركته ، ومن العرب من إذا رخّم الاسم حذف منه آخره وجعل
ما بقي اسمًا على حياله بمنزلة اسم لم يكن فيه ما حذف منه فبناه
على الضم فقال : يا مال ، ويا حار ، ويا جعف ، فيجوز على هذا
يا عائش ويا أنجش .
وأما قوله: (( يا أبا هر)) فليس من باب الترخيم ، وإنما هو نقل
اللفظ من التصغير والتأنيث إلى التكبير والتذكير ؛ لأن أبا هريرة كناه
النبي وَل بتصغير هرّة كانت له فخاطبه باسمها مذكرًا ، فهو وإن كان
[نقصانًا] (٢) من اللفظ ففيه زيادة في المعنى.
*
باب : الكنية للصبي وقبل أن يولد للرجل
فيه: أنس: (( كان النبي لم أحسن الناس خلقاً، وكان لي اخ يقال له:
أبو عمير - قال : أحسبه فطيم - وكان إذا جاء قال : يا أبا عمير ، ما فعل
النغير؟ [ نُغَر ] (٣) كان يلعب به، فربما حضر / الصلاة وهو في (٤/ ١١١٥ -ب]
بيتنا فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس وينضح ، ثم يقوم ونقوم خلفه
فيصلي بنا )) .
الكنية إنما هي على معنى الكرامة والتفاؤل أن يكون أبًا ويكون له
ابن، وإذا جاز أن يكنى الصبي في صغره ، فالرجل قبل أن يولد له
أولى بذلك .
(١) من ((هـ)). (٢) في ((الأصل)): نقصان. والمثبت من ((هـ)).
(٣) في (( الأصل)): يعني، والمثبت من (( هـ، ن).
- ٣٥١ -

وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: عجلوا بكنى أولادكم
لا تسرع إليهم ألقاب السوء . وهذا كله من حسن الأدب ومما يثبت
الودّ، وفي هذا الحديث جواز المزاح مع الصبي الصغير . وفيه : جواز
لعب الصبيان الصغار بالطير ، واتخاذها لهم وتسليتهم بها . وفيه :
استعمال النضح فيما يشك في طهارته ولم تتيقن نجاسته .
باب : التکني بأبي تراب وإن كانت له كنية أخرى
فيه : سهل: ((إن [ كانت ] (١) أحب أسماء عليّ إليه لأبو تراب ،
وإن كان ليفرح أن ندعوه بها ، وما سمّاه أبو تراب إلا النبي - عليه
السلام - غاضب يومًا فاطمة فخرج فاضطجع إلى الجدار في المسجد ،
وجاءه النبي - عليه السلام - بيته ، فقال : هو ذا مضطجع في الجدار ،
فجاءه النبي [وامتلأ ] (٢) ظهره ترابًا، فجعل النبي يمسح التراب عن
ظهره ، ويقول : اجلس يا أبا تراب)) .
قال المؤلف : الكنية موضوعة لإكرام المدعو بها وإتيان مسرّته ؛ لأنه
لا يتكنى المرء إلا بأحبّ الكُنى إليه، وهو مباح له أن يتكنى بكنيتين إن
اختار ذلك ولا سيما إن كناه بإحداهما رجل صالح أو عالم ، فله أن
[يتبرك بكنيته ] (٣) لأن عليا كان أحب الكنى إليه : أبا تراب.
وفي هذا الحديث أن أهل الفضل قد يقع بينهم وبين أزواجه ما جبل
الله عليه البشر من الغضب والحرج حتى يدعوهم ذلك إلى الخروج عن
بيوتهم ، وليس ذلك بعائب لهم .
(١) في ((الأصل)): كان. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٢) في ((الأصل)): فامتلأ. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٣) في ((الأصل)): يترك تكنيته. والمثبت من (( هـ)).
- ٣٥٢ -

وفيه ما جبل الله عليه رسوله من كرم الأخلاق وحسن المعاشرة
وشدة التواضع ، وذلك أنه طلب عليا واتبعه حتى عرف مكانه ولقيه
بالدعابة، وقال له: ((اجلس أبا تراب)) ومسح التراب عن ظهره
ليبسطه ويذهب غيظه وتسكن نفسه بذلك ، ولم يعاتبه على مغاضبته
لا بنته .
وفيه من الفقه الرفق بالأصهار وترك معاتبتهم [ وقد تقدم هذا المعنى
في كتاب الاستئذان في باب القائلة في المسجد ، وتقدم الحديث أيضًا
في باب نوم الرجل في المسجد في كتاب الصلاة ] (١) .
باب : أبغض الأسماء إلى الله
فيه: أبو هريرة: قال النبي - عليه السلام -: (( [ أخنى ] (٢) الأسماء
عند الله يوم القيامة رجل [ تسمّى] (٣) ملك الأملاك)).
وفيه: أبو هريرة رواية قال: ((أخنع اسم عند الله)).
وقال سفيان غير مرّة: ((أخنع الأسماء عند الله رجل [تسمّى] (٣)
ملك الأملاك )» قال سفيان : يقول غيره تفسيره : شاهان شاه .
قال المؤلف : شاهان شاه بالفارسية هو ملك الملوك .
وقد روى سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : أكره
الأسماء إلى الله ملك [ الأملاك] (١) وإنما كان ملك الأملاك أبغض
إلى الله وأكره إليه أن يسمّى به مخلوق ؛ لأنه صفة الله ، ولا تليق
بمخلوق ( صفاته ) (٤) ولا أسماؤه ، ولا ينبغي أن يتسمّى أحد
(٢) في ((الأصل)): أحب. والمثبت من (( هـ، ن)).
(١) من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): سمي، والمثبت من (( هـ، ن)).
(٤) في ((هـ)»: صفات الله .
- ٣٥٣ -

بشيء من ذلك ؛ لأن العباد لا يوصفون إلا بالذل والخضوع والعبودية،
وقد تقدم حديث عطاء عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي - عليه
السلام - أنه قال: ((لا تسمّوا أبناءكم حكمًا ولا أبا الحكم ؛ فإن الله
هو الحكيم العليم )).
وقوله: (( أخنع الأسماء عند الله)) معناه : أذل الأسماء عند الله ،
قال صاحب الأفعال : يقال : خنع الرجل إذا ذل وأعطى الحق من
نفسه . فعاتب الله من طلب الرفعة في الدنيا بما لا يحل له من صفات
ربه بالذل يوم القيامة، كما جاء في الحديث: ((إن المتكبرين يحشرون
يوم القيامة في صور الذرّ يطؤهم الناس بأقدامهم)).
، باب : كنية المشرك
وقال المسور: سمعت النبي وَل﴿ يقول: إلا أن يريد ابن أبي طالب.
فيه: أسامة: (( أن النبي - عليه السلام - ركب على قطيفة فدكيّة
وأسامة وراءه ، يعود سعد بن عبادة ... )) الحديث . فقال رسول الله:
((أي سعد ، ألم تسمع ما قال أبو حباب ؟ - يريد عبد الله بن أبي - فعفا
عنه النبي - عليه السلام - وكان النبي ◌َّلي / وأصحابه يعفون عن
المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله ، ويصبرون على الأذى ، قال
الله- تعالى - : ﴿ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن
الذين أشركوا أذى كثيرًا﴾ (١) وكان النبي يتأول في العفو [عنهم ] (٢).
ما أمره الله به حتى أذن [ له فيهم ] (٣) ... )) الحديث ..
[٤/ ق١١٢-١]
وفيه : عباس بن عبد المطلب قلت : (( يا رسول الله ، هل نفعت أبا
(١) آل عمران : ١٨٦ .
(٢) من (( هـ، ن)).
(٣) في ((الأصل)): لهم في. والمثبت من ((هـ، ن)).
- ٣٥٤ -

طالب بشيء ؛ فإنه كان يحوطك ويغضب لك ؟ قال : نعم ، هو في
ضحضاح من نار ، لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار)) .
فيه : جواز كنية المشركين على وجه التألف لهم بذلك رجاء
رجوعهم وإسلامهم أو لمنفعة (عندهم ] (١) فأما إذا لم يرج ذلك منهم
فلا ينبغي تكنيتهم ، بل يلقون بالإغلاظ والشدة في ذات الله ألا ترى
قوله في الحديث (( إن النبي - عليه السلام - كان يتأوّل في العفو عنهم
ما أمره الله به حتى أذن له فيهم )) يعني أذن له في قتالهم والشدة
عليهم، وآيات الشدة والقتال ناسخة لآيات الصفح والعفو .
فإن قال قائل: [ قولك] (٢) إنه لا يجوز تكنية المشرك إلا على
وجه التألف له ورجاء المنفعة بذلك قول حسن ، فما معنى تكنية أبي
لهب في القرآن المتلو إلى يوم القيامة ، وما وجه التألف ورجاء المنفعة
في ذلك ؟
قيل له : ليست تكنية أبي لهب من هذا الباب ، ولا من طريق
التعظيم للمكنى في شيء ، وقد تأول أهل العلم في ذلك وجوهًا ،
أحدها ذكره ثعلب قال : إنما كنى الله أبا لهب؛ لأن اسمه عبد العزى،
والله - تعالى - لا يجعله عبدًا لغيره .
والثاني : أخبرت به عن الفقيه ابن أبي زمنين أنه قال : اسم أبي
لهب عبد العزى ، وكنيته أبو عتبة ، وأبو لهب لقبه ، وإنما لقب به -
فيما ذكر ابن عباس - لأنه وجهه كان يتلهب جمالا ، فليس بكنية .
والثالث : يحتمل أن تكون تكنيته من طريق التجنيس في البلاغة
ومقابلة اللفظ بما شابهه ، فكنى في أول السورة بأبي لهب ؛ لقوله في
(١) في ((الأصل)): غيرهم. والمثبت من ( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): قوله. والمثبت من ((هـ)).
- ٣٥٥ -

آخرها : ﴿سيصلى ناراً ذات لهب ﴾ (١) فجعل الله ما كان يفخر به في
الدنيا ويزينه في جماله سببًا إلى المبالغة في خزيه وعذابه ، وليس ذلك
من طريق الترفيع والتعظيم .
وقال الطبري في حديث العباس : فيه الدليل على أن الله - تعالى-
قد يعطي الكافر عوضًا من أعماله التي مثلها تكون قربةً لأهل الإيمان
بالله ؛ لأنه عليه السلام أخبر أن عمّه أبا طالب قد نفعته نصرته إياه
وحياطته له أن يخفف عنه من العذاب في الآخرة الذي لو لم ينصره
في الدنيا لم يخفف عنه ، فعلم بذلك أن ذلك عوض من الله له مع
كفره به لنصرته لرسوله ، لا على قرابته منه ، فقد كان لأبي لهب من
القرابة مثل ما كان لأبي طالب ، فلم ينفعه ذلك إذ كان له مؤذيًا ؛ بل
قال تعالى : ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ (٢).
والضحضاح من النار : الرقيق الخفيف ، وكذلك الضحضاح من
الماء ، ومن كل شيء : هو القليل الرقيق منه .
والدرك الأسفل من النار : الطبقة السفلى من أطباق جهنم . وقد
تأول بعض السلف أن الدرك الأسفل توابيت من نار تطبق عليهم .
#
باب : المعاريض مندوحة عن الكذب
وقال أنس: (( مات ابن لأبي طلحة [فقال] (٣): كيف الغلام ؟
قالت: هدأ نفسه وأرجو أن قد استراح . وظن أنها صادقة )) .
فيه: أنس: (( كان النبي - عليه السلام - في مسير له فحدا الحادي ،
ھ
(٢) المبد : ١ .
(١) السد : ٣ .
(٣) في ((الأصل)): فقالت. والمثبت من (( هـ، ن)).
- ٣٥٦ -

فقال رسول الله : ارفق يا أنجشة - ويحك - بالقوارير)) قال أبو قلابة:
يعني النساء .
وقال أنس مرةً: (( لا تكسر القوارير)) قال قتادة : يعني ضعفة النساء .
وفيه: أنس: (( كان بالمدينة فزع ، فركب النبي فرسًا لأبي طلحة ،
فقال: ما رأينا من شيء ، وإن وجدناه لبحرًاً )).
ذكر الطبري في إسناده عن عمر بن الخطاب : إن في المعاريض
لمندوحة عن الكذب . وعن ابن عباس قال : ما أحب أن لي بمعاريض
الكلام كذا وكذا . ومعنى مندوحة متسع . يقال منه : انتدح فلان بكذا
ينتدحُ به انتداحًا إذا اتسع به ، وقال ابن الأنباري : يقال : ندحت
الشيء إذا وسعته .
وقال الطبري: ويقال: انتدحت الغنم في مرابضها إذا تبدّدت واتسعت
من البطنة. وانتدح بطن فلان واندحى - يعني : استرخى واتسع .
قال المهلب: (( وظن أنها صادقة )) يعني : بما ورت به من استراحة
الحياة / وهدوء النفس من تعب العلة ، وهي صادقة في الذي قصدته (١١٢٥/٤ -ب]
ولم تكن صادقة فيما اعتقده أبو طلحة وفهمه من ظاهر كلامها ، ومثل
هذا لا يسمّى كذبًا على الحقيقة .
وقوله في النساء ((القوارير)) شبههن بها ؛ لأنهن عند حركة الإبل
بالحداء وزيادة مشيها به يخاف عليهن السقوط ، فيحدث لهن ما
يحدث [بالقوارير] (١) من التكسر، وكذلك قوله: ((إنه لبحر))
شبّه جريه بالبحر الذي لا ينقطع ، فهذا كله أصل في جواز المعاريض
واستعمالها فيما يجوز ويحل ، ونحو هذا ما روي عن ابن سيرين أنه
قال : ((كان رجل من باهلة عيونًا فرأى بغلة شريح فأعجبته ، فقال له
(١) في ((الأصل)): من القوارير. والمثبت من (( هـ)).
- ٣٥٧ -

شريح : إنها إذا ربضت لم تقم حتى تقام - يعني أن الله هو الذي
يقيمها بقدرته - فقال الرجل : أف أف - يعني أنه استصغرها )) .
والأف يقال للنتن .
وذكر الطبري عن الثوري في الرجل يزوره إخوانه وهو صائم فيكره
أن يعلموا بصومه ، وهو يحب أن يطعموا عنده ، فأي ذلك أفضل ؛
ترك ذلك أو إطعامهم ؟ قال: إطعامهم أحبّ إليّ ، وإن شاء قام
عليهم وقال : قد أصبت من الطعام . ويقول : قد تغديت - يعني :
أمس أو قبل ذلك .
وقال بعض العلماء : المعاريض شيء يتخلص بها الرجل من الحرام
[إلى الحلال] (١) فيتحيل بها ، وإنما يكره أن يحتال في حق فيبطله أو
في باطل حتى يموهه ويشبه أمره . وقد قال إبراهيم النخعي : اليمين
على نية الحالف إذا كان مظلومًا ، وإن كان ظالما فعلى نية المحلوف له.
وقد رخص رسول الله في الكذب للإصلاح بين الناس ، والرجل
يكذب لامرأته، والكذب في الحرب فيما يجوز فيه المعاريض، ما روي
عن عقبة بن العيزار أنه قال : كنا نأتي إبراهيم النخعي وكان مختفيًا
من الحجاج ، فكنا إذا خرجنا من عنده يقول لنا : إن سئلتم عني
وحلفتم ، فاحلفوا بالله ما تدرون أين أنا ولا لنا به علم ، ولا في أي
موضع هو ، و[ اعنُوا ] (٢) أنكم لا تدروني في أي موضع أنا فيه
قاعد أو قائم فتكونون قد صدقتم .
قال عقبة : وأتاه رجل فقال : إني آت الديوان وإني اعترضت على
دابة وقد نفقت ، وهم يريدون أن يحلفوني بالله أنها هذه التي اعترضت
(١) من (( هـ)) ..
(٢) في ((الأصل، هـ)): اعنون . والمثبت هو الصواب.
- ٣٥٨ -

عليها، فكيف أحلف؟ قال إبراهيم: اركب دابة واعترض عليها- يعني:
بظنك راكبًا - ثم احلف بالله أنها الدابة التي اعترضت - يعني بظنك.
وعاتبت إبراهيم النخعي امرأته في جارية له وبيده مروحة ، فقال :
أشهدكم أنها لها - وأشار بالمروحة - فلما خرجنا من عنده قال: على
أي شيء أشهدتكم ؟ قالوا : على الجارية . قال : ألم تروني أشير
بالمروحة .
وسئل النخعي عن رجل مرّ بعشَّار فادعى حقا ، فقال : احلف
· بالمشي إلى بيت الله ما له عندك شيء ، واعن مسجد حيك .
وقال رجل لإبراهيم : إن السلطان أمرني أن آتي مكان كذا وكذا ،
وأنا لا أقدر على ذلك المكان فكيف الحيلة ؟ قال : قل : والله ما أبصر
إلا ما سدّدني [ غيري ] (١) تعني : إلا ما بصرّني ربي.
باب : قول الرجل للشيء ليس بشيء
وهو ينوي أنه ليس بحق
قال ابن عباس : وقال النبي - عليه السلام - للقبرين: يعذبان بلا كبير
وإنه لکبیر .
فيه : عائشة: (( سأل أناس النبي - عليه السلام - عن الكهان ، فقال
لهم رسول الله : ليسوا بشيء . قالوا : يا رسول الله ، فإنهم يحدثون
أحيانًا بالشيء يكون حقًّا . فقال رسول الله : تلك الكلمة من الحق
يخطفها الجنّي [ فيقرها ] (٢) في أذن وليه قرّ الدجاجة ، فيخلطون فيها
أكثر من مائة كذبة .
(١) في ((الأصل)): بغيري. والمثبت من (( هـ)).
(٢) من (( هـ، ن)) .
- ٣٥٩ -

قال المؤلف : هذا الباب أصل [ لما] (١) تقوله العرب من نفيهم
العمل كله إذا نفت التجويد فيه والإتقان ، فتقول للصانع إذا لم يحكم
صنعته : ما صنعت شيئًا، وتقول ( للسامر ) (٢) والمتكلم إذا لم
يحسن القول : ما قلت شيئًا . على سبيل المبالغة في النفي، ولا يكون
ذلك كذبًا كما قال عليه السلام في الكهان: (( ليسوا بشيء )) لما يأتون
به من الكذب ، يعني الذي ليس بشيء وهو خلق موجود ، وهذا
الحديث نص الترجمة .
وقوله عليه السلام: (( يعذبان بلا كبير)) عندكم ليسارة التحرز من
البول والتحفظ منه ، فنفى عنه أنه كبير لانتفاء المشقة عنا في غسله على
سبيل المبالغة في التحرز مما يوجب العذاب ، وإن صغر في نفسه ، ثم
[٤/ ١١٣٥-١) قال: ((وإنه لكبير)) يعني عند الله، لورود الشرع بالأمر / بغسل
البول وأن من خالفه فقد استحق الوعيد إن لم يعف الله عنه .
باب : رفع البصر إلى السماء وقوله تعالى ﴿ أفلا ينظرون إلى
الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت ﴾ (٣)
وقالت عائشة: (( رفع النبي رأسه إلى السماء)).
فيه : جابر قال : قال رسول الله: (( ثم فتر عني الوحي فبينا أنا أمشي
سمعت صوتًا من السماء فرفعت بصري إلى السماء ، فإذا الملك الذي
جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض » .
وفيه : ابن عباس: (( بت عند ميمونة والنبي عندها ، فلما كان ثلث
الليل [ الآخر ] (٤) قعد فنظر إلى السماء)).
(١) في ((الأصل)): لنا. والمثبت من (( هـ)).
(٣) الغاشية : ١٧ - ١٨ .
(٢) في (( هـ)) : للشاعر .
(٤) من (( هـ ، ن)).
- ٣٦٠ -