النص المفهرس

صفحات 301-320

باب : قول النبي عليه السلام ((يسروا ولا تعسروا))
وكان يحب التخفيف واليسر على الناس .
فيه أنس : قال النبي - عليه السلام - : (( يسروا ولا تعسروا ، وسكنوا
ولا تنفروا)).
وفيه : أبو موسی لما بعثه النبي - عليه السلام - ومعاذ بن جبل قال
لهما : (( يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا ... )) الحديث.
وفيه: عائشة قالت: (( ما خير رسول الله وَل بين أمرين قط إلا أخذ
أيسرهما ما لم يكن إثماً ، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه ، وما انتقم
رسول الله لنفسه [ في شيء ] (١) قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم الله
بها».
وفيه: الأزرق بن قيس قال: (( كنا على شاطئ نهر بالأهواز قد نضب
[عنه] (٢) الماء ، فجاء أبو برزة الأسلمي على فرس فصلى وخلى فرسه
فانطلقت الفرس فخلى صلاته وتبعها حتى أدركها فأخذها ثم جاء
فقضى صلاته، وفينا رجل له رأي فأقبل يقول : انظروا [ إلى ] (١) هذا
الشيخ ترك صلاته من أجل فرس ، فأقبل فقال : ما عنفني أحد منذ
فارقت رسول الله و سلم قال : وقال: إن منزلي متراخ فلو صليت وتركت
لم آت أهلي إلى الليل ، وذكر أنه صحب رسول الله ورأى [ من
تيسيره](٣))).
وفيه: أبو هريرة: (( أن أعرابيًا بال في المسجد فثار إليه الناس ليقعوا
به، فقال لهم رسول الله كلخير: دعوه وهريقوا على / بوله ذنوبًا من ماء - [٤/ ١٠٣٥-١)
أو سَجْلا من ماء - فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين )).
(١) من (( هـ ، ن)).
(٢) في ((الأصل)): عليه. والمثبت من (هـ، ن)).
(٣) في ((الأصل)): مسيره. والمثبت من ((هـ، ن)).
- ٣٠١ -

قد تقدمت هذه الأحاديث بأمر النبي - عليه السلام - بالتيسير في
كتاب الحدود وفي كتاب الأحكام .
:
قال الطبري : ومعنى قوله: (( يسروا ولا تعسروا )) فيما كان من
نوافل الخير دون ما كان فرضًا من الله ، وفيما خفف الله عمله من
فرائضه في حال العذر كالصلاة قاعدًا في حال العجز عن القيام ،
وكالإفطار في رمضان في السفر والمرض وشبه ذلك فيما رخص الله فيه
لعباده وأمر بالتيسير في النوافل والإتيان بما لم يكن شاقًا ولا فادحًا
خشية الملل لها ورفضها ، وذلك أن أفضل العمل إلى الله أدومه وإن
قل ، وقال عليه السلام لبعض أصحابه : (( لا تكن كفلان كان يقوم
الليل فتركه )) .
قال غير الطبري : ومن تيسيره عليه السلام أنه لم يعنف البائل في
المسجد ورفق به ، ومن ذلك قطع أبي برزة لصلاته واتباعه فرسه ،
وأنه رأى من تيسير النبي ما حمله على ذلك ، وجماعة الفقهاء يرون
أن من كان في صلاة فانفلتت دابته أنه يقطع صلاته ويتبعها ؛ لأن
الصلاة تدرك إعادتها ومسير دابته عنه قاطع له .
وقد تقدم في الصلاة .
قال الطبري : وفي أمره عليه السلام بالتيسير [ في ذلك] (١) معان:
أحدهما : الأمان من الملال .
والثانية : الأمان من مخالطة العجب قلب صاحبه حتى يرى كأن له
فضلا على من قصر عن مثل فعله فيهلك ، ولهذا قال عليه السلام :
((هلك المتنطعون)) وبلغ النبي أن قومًا أرادوا أن يختصوا وحرموا
الطيبات واللحم على أنفسهم فقام النبي - عليه السلام - وأوعد في
(١) في ((الأصل)): بذلك. والمثبت من (( هـ)).
- ٣٠٢ -

ذلك أشد الوعيد، وقال: ((لم أبعث بالرهبانية وإن خير الدين عند
الله الحنيفية السمحة ، وإن أهل الكتاب هلكوا بالتشديد شددوا فشدد
عليهم )) .
وفي هذا من الفقه أن أمور الدنيا نظير ذلك في أن الغلو وتجاوز
القصد فيها مذموم ، وبذلك نزل القرآن قال تعالى : ﴿ والذين إذا
أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا ﴾ (١) فحمد الله في
نفقاتهم ترك الإسراف والإقتار وقال : ﴿وآت ذا القربى حقه والمسكين
وابن السبيل ولا تبذر تبذيراً ﴾ (٢) الآية ، فأمر تعالى بترك التبذير في
سبله التي ترجى بها الزلفة لربه ، فالواجب على كل ذي لبّ أن
تكون أموره كلها قصدًا في عبادة ربه كان أو في أمر دنياه ، في عداوة
كان أو محبة ، في أكل أو شرب أو لباس أو عُري ، وبكل هذا ورد
الخبر عن السلف أنهم كانوا يفعلونه .
وأما اجتهاده عليه السلام في عبادة ربه ؛ فإن الله كان خصّه من
القوة بما لم يخص به غيره ، فكان ما فعل من ذلك سهلا عليه على
أنه عليه السلام لم يكن يحيي [ ليله ] (٣) كله قيامًا ولا شهرًا كله
صيامًا غير رمضان .
وقد قيل أنه كان يصوم شعبان كله فيصله برمضان ، فأما سائر شهور
السنة فإنه كان يصوم بعضه ويفطر بعضه ، ويقوم بعض الليل وينام
بعضه ، وكان إذا عمل عملا داوم عليه، فأحق من اقتدي به رسول الله
الذي اصطفاه الله لرسالته وانتخبه لوحيه .
(١) الفرقان : ٦٧ .
(٢) الإسراء : ٢٦ .
*
(٣) من (( هـ ).
- ٣٠٣ -

باب : الانبساط إلى الناس
وقال ابن مسعود : خالط الناس ودينك لا تَكْلَمِنَّه . والدعابة مع
الأهل.
فيه: أنس: ((إن كان النبي وقلة ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير : يا
أبا عمير ، ما فعل النغير)) .
وفيه : عائشة قالت: (( كنت ألعب بالبنات عند النبي - عليه السلام -
وكان لي صواحب يلعبن معي ، فكان رسول الله إذا دخل يتقمعن منه
فیسربهن إليّ فيلعبن معي )) .
قال المؤلف : كان النبي - عليه السلام - أحسن الأمة أخلاقًا
وأبسطهم وجهًا ، وقد وصف الله ذلك بقوله: ﴿وإنك لعلى خلق
عظيم ﴾ (١) فكان ينبسط إلى النساء والصبيان ويمازحهم ويداعبهم ،
وروي عنه أنه قال: (( إني لأمزح ولا أقول إلا حقا)) وكان يسرح إلى
عائشة صواحباتها ليلعبن معها ، فينبغي للمؤمنين الاقتداء بحسن أخلاقه
وطلاقة وجهه
٠
وقال أبو عبيد: قوله: (( يتقمعن )) يعني دخلن البيت وتغيين، يقال
للإنسان قد انقمع وقمع إذا دخل في الشيء أو دخل بعضه في بعض .
وقال الأصمعي : فيه سمي القمع الذي يصب فيه الدهن وغيره ؛
لأنه يدخل في الإناء .
والذي يراد من الحديث : الرخصة في اللعب التي تلعب بها
(١٠٣٥/٤-ب] الجواري وهي البنات / فجاءت فيها الرخصة وهي تماثيل ، وليس وجه
ذلك عندنا إلا من أجل أنها لهو الصبيان ولو كان في الكبار لكان
مكروهًا كما جاء النهي في التماثيل كلها وفي الملاهي .
(١) القلم : ٤ .
- ٣٠٤ -

وقال غيره : (( كنت ألعب [بالبنات] (١))): منسوخ بنهي النبي -
عليه السلام - عن الصور ؛ لأن كل من رخص في الصور فيما كان
رقمًا أو في تصوير الشجر وما لا روح له ، كلهم قد أجمعوا أنه لا
يجوز تصوير ما له روح .
وذكر ابن أبي زيد أنه كره أن يشتري الرجل لابنته الصور .
باب : المداراة مع الناس
ويذكر عن أبي الدرداء: إنا لنكشر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم.
فيه: عائشة: (( أنه استأذن على النبي - عليه السلام - رجل فقال :
ائذنوا له فبئس ابن العشيرة - أو بئس أخو العشيرة - لما دخل ألان له في
الكلام ، فقلت : يا رسول الله ، قلت ما قلت ثم ألنت له في القول !
فقال: أي عائشة ، إن شر الناس منزلة عند الله من تركه - أو ودعه -
الناس اتقاء فحشه )) .
وفيه: المسور: ((أهديت إلى النبي - عليه السلام - أقبية من ديباج
مزررة بالذهب فقسمها في ناس من أصحابه وعزل منها واحدة لمخرمة ،
فلما جاء قال : خبأت هذا لك » قال أيوب بثوبه وأنه يريه إياه وكان في
خلقه شيء .
قال المؤلف : المداراة من أخلاق المؤمنين وهي خفض الجناح
للناس، ولين الكلمة وترك الإغلاظ لهم في القول وذلك من أقوى
أسباب الألفة وسل السخيمة .
وقد روي عن النبي - عليه السلام - أنه قال: ((مداراة الناس
صدقة )) .
(١) من (( هـ ).
- ٣٠٥ -

وقال بعض العلماء : وقد ظن من لم ينعم النظر أن المداراة هي
المداهنة ، وذلك غلط ؛ لأن المداراة مندوب إليها والمداهنة محرمة ،
والفرق بينهما بين ، وذلك أن المداهنة اشتق اسمها من الدهان الذي
يظهر على ظواهر الأشياء ويستر بواطنها ، وفسرها العلماء فقالوا :
المداهنة هي أن يلقى الفاسق المظهر لفسقه فيؤالفه ويؤاكله ويشاربه ،
ويرى أفعاله المنكرة ويريه الرضا بها ولا ينكرها عليه ولو بقلبه وهو
أضعف الإيمان ، فهذه المداهنة التي برأ [الله عز وجل] (١) منها نبيه.
ګ بقوله : ﴿ ودوا لو تدهن فيدهنون ﴾ (٢) .
والمداراة هي الرفق بالجاهل [ الذي ] (٣) يستتر بالمعاصي ولا يجاهر
بالكبائر ، والمعاطفة في رد أهل الباطل إلى مراد الله بلين ولطف حتى
يرجعوا عما هم عليه .
فإن قال قائل: [ فأين أنت ] (٤) في قولك هذا من فعل النبي -
عليه السلام - حين دخل عليه المنافق فقال عند دخوله : (( بئس ابن
العشيرة)) ثم حدثه وأثنى عليه [ شرًا] (٥) عند خروجه ؟
قيل له : إن رسول الله كان مأمورًا بأن لا يحكم على أحد إلا بما
ظهر منه للناس لا بما يعلمه دون غيره ، وكان المنافقون لا يظهرون له
إلا التصديق والطاعة ، فكان الواجب عليه أن لا يعاملهم إلا بمثل ما
أظهروا له ، إذ لو حكم بعلمه في شيء من الأشياء لكانت سنة كل
حاكم أن يحكم بما اطلع عليه فيكون شاهدًا وحاكمًا ، والأمة مجمعة
أنه لا يجوز ذلك ، وقد قال عليه السلام في المنافقين: ((أولئك الذين
نهاني الله عن قتلهم )) .
(١) من (( هـ)).
(٢) القلم : ٩ .
(٣) في ((الأصل)): التي. والمثبت من (( هـ)).
(٤) في ((الأصل)): فما ترأيت. والمثبت من (( هـ).
(٥) في ((الأصل)): بشراً. والمثبت من (( هـ)) ..
- ٣٠٦ -

والداخل على النبي - عليه السلام - إنما كان يظهر في ظاهر لفظه
الإيمان ، فقال فيه النبي قبل وصوله إليه وبعد خروجه ما علمه منه دون
أن يظهره له في وجهه ؛ إذ لو أظهره صار حكمًا ، وأفاد كلامه بما
علمه منه إعلام عائشة بحاله ، ولو أنه كان من أهل الشرك ورجا
رسول الله إيمانه واستئلافه هو وقومه [وإنابتهم ] (١) إلى الإسلام لم
يكن هذا مداهنةً ؛ لأنه ليس عليه حكم إلا من جهة الدعاء إلى
الإسلام لا من جهة الإنكار والمقاطعة كما فعل عليه السلام مع المشرك
الذي دخل وابن أم مكتوم يسأله أن يدنيه ويعلمه ، فأقبل على المشرك
رجاءً منه أن يدخل في الإسلام وتولى عن ابن أم مكتوم ، فعاتبه الله
في ذلك ، فبان أنه من رسول الله إنصاف أن يظهر للإنسان ما يظهر له
مما يظهره للناس أجمعين من أحواله مما لا يعلمون منه غيره كما فعل
الرسول بابن العشيرة .
[٤/ ق١٠٤-١]
/ باب : لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين
وقال معاوية : لا حلم إلا لذي تجربة .
فيه: أبو هريرة: قال النبي ◌َلقر: ((لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين)).
قال أبو عبيد : تأويل هذا الحديث عننا أنه ينبغي للمؤمن إذا نكب
من وجه أن لا يعود لمثله . وترجم له في كتاب الأمثال باب المحاذرة
للرجل من الشيء قد ابتلي بمثله مرة .
وفيه : أدب شريف ، أدبّ به النبي أمته ونبههم كيف يحذرون ما
يخافون سوء عاقبته ، وهذا الكلام مما [ لم ] (٢) يسبق إليه النبي -
(١) في ((الأصل)): وإنابته. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في (( الأصل)): لا. والمثبت من (( هـ ).
- ٣٠٧ -

عليه السلام - وقاله لأبي عزة الشاعر ، وكان أسر يوم بدر فسأل النبي
وَلّ أن يمن عليه وذكر فقرًا، فمن عليه النبي وأخذ عليه عهدًا أن
لا يحضض عليه ولا يهجوه ، ففعل ثم رجع إلى مكة فاستهواه
صفوان بن أمية وضمن له القيام بعياله ، فخرج مع قريش وحضض
على النبي - عليه السلام - فأسر ، فسأل النبي أن يمن عليه فقال :
((لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين [ لا تمسح عارضيك بمكة وتقول:
سخرت من محمد مرتين ] (١) ثم أمر به فقتل )).
وقول معاوية : لا حلم إلا لذي تجربة . يريد أن من جرب الأمور
وعرف عواقبها وما يؤول إليه أمر من ترك الحلم وركب السفه والسباب
من سوء الانتصار منه ؛ آثر الحلم وصبر على قليل من الأذى ليدفع به
ما هو أكثر منه .
وقال الخطابي: معنى قوله: ((لا حلم إلا لذي تجربة)) أن المرء.
لا يوصف بالحلم ولا يترقى إلى درجته حتى يركب الأمور ویجربها
فيعثر مرة بعد أخرى فيعتبر ويتبين مواضع الخطأ ويجتنبها .
وقال ضمرة : الحلم أنفع من العقل ؛ لأن الله تسمى به .
*
باب : حق الضيف
فيه : عبد الله بن [ عمرو ] (٢) أن النبي - عليه السلام - قال: ((إن
لزورك عليك حقّاً ... )) الحديث .
وقد ذكرته في كتاب الصوم .
(١) من (( هـ ).
(٢) في ((الأصل، هـ)): عمر. والمثبت من (( ن ))
- ٣٠٨ -

باب : إكرام الضيف وخدمته إياه بنفسه
وقوله تعالى : ﴿ ضيف إبراهيم المكرمين ﴾ (١)
فيه : أبو شريح الكعبي أن رسول الله قال: (( من كان يؤمن بالله واليوم
الآخر فليكرم ضيفه ، جائزته يوم وليلة ، والضيافة ثلاثة أيام ، وما كان
بعد ذلك فهو صدقة ، ولا يحل له أن یثوي عنده حتی بحر جه )) .
وفيه: عقبة: (( قلنا : يا رسول الله، إنك تبعثنا فتنزل بقوم لا
[يقروننا](٢) فماذا ترى؟ قال لنا النبي - عليه السلام - : إن نزلتم
يقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا ؛ فإن لم يفعلوا فخذوا منهم
حق الضيف الذي ينبغي ( له) (٣) )).
سئل مالك عن جائزته يوم وليلة ، فقال : تكرمه وتتحفه يومًا
وليلة، وثلاثة أيام ضيافة .
قسم رسول الله 18 أمره إلى ثلاثة أقسام: إذا نزل به الضيف
أتحفه في اليوم الأول ، وتكلف له على قدر وجده ، فإذا كان اليوم
الثاني قدم إليه ما بحضرته ، فإذا جاوز هذه الثلاثة كان مخيرًا بين أن
يستمر على وتيرته أو يمسك ، وجعله كالصدقة النافلة .
وقوله: ((لا يثوي عنه)): لا يقيم ، والثواء : الإقامة بالمكان ،
يعني لا يقيم عنده بعد الثلاث حتى يضيق صدره ، وأصل الحرج
الضيق ، وإنما كره له المقام عنده بعد الثلاثة لئلا (٤) يضيق صدره بمقامه
فتكون الصدقة منه على وجه المنّ والأذى فيبطل أجره قال الله -
تعالى - : ﴿ لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى﴾ (٥).
(١) الذاريات: ٢٤. (٢) في ((الأصل، هـ)): يقرونا. والمثبت من (( ن)).
(٥) البقرة : ٢٦٤ .
(٤) زاد بالأصل : يحرج .
(٣) في ن)): لهم .
- ٣٠٩ -

وقوله : (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه )) يعني من
كان إيمانه بالله واليوم الآخر إيمانًا كاملا فينبغي أن تكون (١) هذه حاله
وصفته فالضيافة من سنن المرسلين .
واختلف العلماء في وجوب الضيافة ، فأوجبها الليث بن سعد
فرضًا ليلة واحدة ، وأجاز للعبد المأذون له أن يضيف مما بيده ، واحتج
بحديث عقبة بن عامر ..
وقال جماعة من أهل العلم : الضيافة من مكارم الأخلاق في بادية
وحاضرة وهو قول الشافعي .
وقال مالك : ليس على أهل الحضر ضيافة .
وقال سحنون : إنما الضيافة على أهل القرى ، وأما الحضر فالفندق
ينزل فيه المسافر .
واحتج الليث بقوله تعالى : ﴿ لا يحب الله الجهر بالسوء من القول
إلا من ظلم﴾ (٢) أنها نزلت فيمن منع الضيافة فأبيح للضيف لوم من
لم يحسن ضيافته ، وذكر قبيح فعله ، وروي ذلك عن مجاهد وغيره.
فيقال لهم : إن الحقوق لا ينتصف منها بالقول ، وإنما ينتصف منها
[١٠٤٥/٤- ب] بالأداء والإبراء ، فلو كانت الضيافة / واجبة لوجب عليهم الخروج
إلى القوم مما لزمهم من ضيافتهم .
وفي قوله عليه السلام: (( جائزته يوم وليلة )» دليل أن الضيافة
ليست بفريضة، والجائزة في لسان العرب : ( النحلة ) (٣) والعطية،
وذلك تفضل وليس بواجب .
(١) زاد في ((الأصل)): من . وهي مقحمة .
(٢) النساء : ١٤٨ .
(٣) في (( هـ)) : المنحة.
- ٣١٠ -

وأما حديث عقبة بن عامر فتأويله عند جمهور العلماء أنه كان في
أول الإسلام حين كانت المواساة واجبة ، فأما إذا أتى الله بالخير والسعة
فالضيافة مندوب إليها .
باب : صنع الطعام [ والتكلف ] (١) للضيف
فيه : أبو جحيفة قال: (( آخى النبي - عليه السلام - بين سلمان وأبي
الدرداء ، فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة فقال لها : ما
شأنك ؟ فقالت : أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا . فجاء أبو
الدرداء فصنع له طعامًا فقال : كل فإني صائم . قال : ما أنا بآكل حتى
تأكل ، فأكل ، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء ليقوم ، فقال له : نم
فنام، ثم ذهب ليقوم ، فقال : نم . فلما كان من آخر الليل قال سلمان :
قم الآن . فصليا .... )) الحديث .
قال المؤلف : التكلف للضيف لمن قدر على ذلك من سنن المرسلين
وآداب النبيين ، ألا ترى أن إبراهيم الخليل ذبح لضيفه عجلا سمينًا .
قال أهل التأويل : كانوا ثلاثة أنفس : جبريل وميكائيل وإسرافيل
فتكلف لهم ذبح عجل وقربه إليهم .
[ و] (٢) قول نبينا - عليه السلام -: ((جائزته يوم وليلة )) يقتضي
معنى التكلف له [ يومًا ] (٣) وليلة لمن وجد ، ومن لم يكن من أهل
الوجود واليسار فليقدم لضيفه ما تيسر عنده ولا يتكلف له ما لا يقدر
عليه ، وقد ورد بذلك الخبر عن النبي - عليه السلام .
(١) في ((الأصل)): والتلطف. والمثبت من ((هـ، ن)). (٢) من (( هـ ).
(٣) في (( الأصل)): يوم. والمثبت من (( هـ).
- ٣١١ -

ذكر الطبري قال : حدثنا محمد بن خالد ، عن خراش ، حدثنا
سلم بن قتيبة ، عن قيس بن الربيع ، عن عثمان بن [ شابور ] (١)
عن شقيق بن سلمة قال: (( دخلت على سلمان فقرب إليّ خبز شعير
وملحًا، وقال: لولا أن رسول الله وَله نهى أن يتكلف أحدنا ما ليس
عنه تكلفت لك )) .
فدل بهذا الحديث أن المرء إذا أضافه ضيف أن الحق عليه أن يأتيه من
الطعام بما حضره ، وأن لا يتكلف له بما ليس عنده ، وإن كان ما
حضره من ذلك دون ما يراه للضيف أهلا ؛ لأن في تكلفه ما ليس عنه
معان مكروهة .
منها : حبس الضيف عن القرى ولعله أن يكون جائعًا فيضر به .
ومنها : أن يكون مستعجلا في سفره فيقطعه عنه بحبسه إياه عن
إحضاره ما حضره من الطعام إلى إصلاح ما [ لم ] (٢) يحضر.
. ومنها : احتقاره ما عظم الله قدره من الطعام .
ومنها : خلافه أمر رسول الله وإتيانه ما قد نهى عنه من التكلف . .
وروى عبد الله بن [ الوليد ] (٢) عن عبد الله بن عبيد بن عمير
قال: (( دخل على جابر بن عبد الله نفر من أصحاب النبي - عليه
السلام - فقرب إليهم خبزًا وخلا ثم قال : كلوا فإني سمعت رسول
الله يقول: نعم ( الإدام) (٣) الخل، هلاك بالرجل أن يدخل إليه
الرجل من إخوانه فيحتقر ما في بيته أن يقدمه إليه ، وهلاك بالقوم أن
یحتقروا ما قدم إليهم » ..
وقال سفيان الثوري : قال ابن سيرين : لا تكرم أخاك بما يشق
(١) في (( الأصل)): باسور. والمثبت من ((هـ)) وهو الصواب. (٢) من (هـ).
(٣) في (( هـ)): الأدم : .
- ٣١٢ -

[عليه ] (١) . وفسره الثوري فقال : ائته بحاضر ما عندك ولا تحبسه
[فعسى] (٢) أن يشق ذلك عليه .
وفي حديث أبي جحيفة زيارة الرجل الصالح صديقه الملاطف
ودخوله داره في غيبته وجلوسه مع أهله .
وفيه : شكوى المرأة زوجها إلى صديقه الملاطف ليأخذ على يده
ويرده عما يضر بأهله .
وفيه : أنه لا بأس أن لا يأكل الضيف حتى يأكل رب الدار معه .
[ وفيه : أنه لا بأس أن يفطر رب الدار لضيفه في صيام
التطوع] (٢).
وفيه : كراهية التشدد في العبادة والغلو فيها خشية ما يخاف من
عاقبة ذلك ، وأن الأفضل في العبادة القصد والتوسط فهو أحرى
بالدوام ، ألا ترى قول النبي - عليه السلام -: (( صدق سلمان)).
وفيه : أن الصلاة آخر الليل أفضل ؛ لأنه / وقت تنزل الله إلى
سماء الدنيا فيستجيب الدعاء .
[٤/ ق١٠٥-١]
باب : ما يكره من الغضب والجزع عند الضيف
فيه : عبد الرحمن بن أبي بكر: (( أن أباه تضيف رهطًا ، فقال
لعبد الرحمن : دونك أضيافك ؛ فإني منطلق إلى النبي - عليه السلام -
فافرغ من قراهم قبل أن أجيء . فانطلق عبد الرحمن فأناهم بما عنده ،
فقال : اطعموا . فقالوا : أين رب منزلنا ؟ قال : اطعموا . قالوا : ما نحن
(٢) من (( هـ )).
(١) فى (( الأصل)): عليك. والمثبت من ( هـ)).
- ٣١٣ -

بآكلين حتى يجيء رب منزلنا . قال : اقبلوا عنا قراكم ؛ فإنه إن جاء ولم
تطعموا لنلقین منه . فأبوا فعرفت أنه يجد عليّ فلما جاء تنحیت عنه ،
قال : ما صنعتم ؟ فأخبروه ، فقال: يا عبد الرحمن . فسكت ، ثم قال :
يا عبد الرحمن . فسكت فقال: يا غنثر [ أقسمت ] (١) عليك إن كنت
تسمع صوتي لما جئت . فخرجت فقلت : سل أضيافك . قالوا : صدق
أتانا به . قال : فإنما انتظرتموني ، والله لا أطعمه الليلة . فقال الآخرون :
والله لا نطعمه حتى تطعمه . قال : لم أر في الشر كالليلة ويلكم ما أنتم ،
ألا تقبلون عنا قراكم ؟ هات طعامك . فجاء به فوضع يده فقال : بسم
الله الأولى للشيطان . فأكل وأكلوا)) .
قال المؤلف : فقه هذا الحديث أنه ينبغي استعمال أحسن الأخلاق
للضيف وترك الضجر لكي تنبسط نفسه ، ولا تنقبض وتسقط المؤنة
والرقبة خشية أن يظن أن الضجر والغضب من أجله ، فذلك من أدب
الإسلام وما يثبت المودة ، ألا ترى أن الصديق لما رأى إبائة أضيافه من
الأكل حتى يأكل معهم آثر الأكل معهم وحنث نفسه ، وإنما حمله على
الحلف - والله أعلم - أنه ( استنقص ) (٢) ابنه وأهله في القيام بير
أضيافه ، واشتد عليه تأخير عشائهم إلى ذلك الوقت من الليل ،
فلحقه ما يلحق البشر من الغضب ، ثم لم يسعه مخالفة أضيافه لما
أبوا من الأكل دونه ، فرأى أن من تمام برهم إسعاف رغبتهم وترك
التمادي في الغضب ، وأخذ في ذلك بقوله عليه السلام : (( من حلف
على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه ، وليأت الذي هو
خير )) وكان مذهبه اختيار الكفارة بعد الحنث.
وقوله: (( بسم الله الأولى للشيطان)): يعني اللقمة الأولى إخزاء
(١) في (( الأصل)): قسمت. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٢) في ((هـ) : استقصر .
- ٣١٤ -

للشيطان ؛ لأنه هو الذي حمله على الحلف وسوّل له أن لا يأكل مع
أضيافه ، وباللقمة الأولى وقع الحنث وبها وجبت الكفارة .
وقد تقدم تفسير قوله: (( يا غنثر)) في كتاب الصلاة في الجزء
الثاني في باب السمر مع الضيف ، وسيأتي بعد .
باب : قول الضيف لصاحبه لا آكل حتى تأكل
فيه : أبو جحيفة عن النبي عليه السلام
وفيه : عبد الرحمن بن أبي بكر مثل حديث الباب قبل هذا ، وزاد فيه :
(( فجعلوا لا يرفعون لقمة إلا ربت من أسفلها أكثر منها فقال : يا أخت
بني فراس ، ما هذا ؟ قالت : وقرة عيني إنها الآن أكثر قبل أن يأكلوا .
فأكلوا وبعث بها إلى النبي - عليه السلام - فذكر أنه أكل منها)).
قال المؤلف : صاحب المنزل في منزله كالأمير لا ينبغي لأحد التقدم
عليه في أمر ، يدل على ذلك الحديث الذي جاء عن النبي - عليه
السلام -: (( لا يؤمن أحد في سلطانه ولا يقعد على تكرمته إلا بإذنه)»
فكان هذا الحديث أصلا لهذا المعنى ، ودل هذا أنه ينبغي للضيف
المصير إلى ما يحمله عليه ضيفه، ويشهد لهذا المعنى حديث أنس (( أن
غلامًا خياطًا دعا النبي - عليه السلام - للطعام فقدمه بين يديه ، فأكل
النبي [ وأقبل ] (١) الخياط على عمله)) [ وقد ترجم البخاري في
كتاب الأطعمة باب من أضاف رجلا إلى طعامه وأقبل هو على
عمله] (١) فدل هذا الحديث أن أكل صاحب الطعام مع الضيف ليس
من الواجبات ، إلا أنه جاء في حديث ضيف أبي بكر معنى يختص
(١) من ( هـ)).
- ٣١٥ -

بخلاف هذا الأصل المتقدم ، وذلك أن أضيافه أقسموا أن لا يفطروا
حتى ينصرف من عبد النبي - عليه السلام - فاحتبس عنده إلى هوي
من الليل فبقوا دون أكل .
وقد كان ينبغي على ظاهر الأصل المتقدم من أن صاحب المنزل
لا ينبغي لأحد التسور عليه في منزله في أمرهم أن يفطروا حين عرض
عليهم الأكل ولا يأبوه ، فلما امتنعوا من ذلك وبقوا غير مفطرين إلى
(٤/ ١٠٥٥-ب) إقبال أبي بكر ثم حنث نفسه أبو بكر في يمينه التي بدرت / منه إيثارًاً
لموافقتهم ؛ بان بذلك أنه يجوز للضيف أن يخالف صاحب المنزل في
تأخير الطعام ، وشبهه إذا رأى لذلك وجهًا من وجوه المصلحة
[وأنه] (١) لا حرج عليه في ذلك ، ألا ترى أن الصديق وإن كان غضب
[ لتأخر ] (٢) قراهم إلى وقت قدومه لم ينكر عليهم يمينهم ، ولا قال
لهم : أتيتم ما لا يجوز لكم فعله .
ولا شك أن أبا بكر أعلم بذلك النبي - عليه السلام - حين حمل
إليه بقية الطعام ، ولم يعنف القوم ولا خطأهم في يمينهم - والله
أعلم- هذا الذي يغلب على الوهم ؛ لأن أصحابه كانوا لا يخفون
عنه كل ما يعرض لهم ليسن لهم فيه .
[وقد تقدم في باب السمر مع الضيف والأهل في كتاب الصلاة
شيء من الكلام في هذا الحديث ] (٣) .
(١) في ((الأصل)): فإنّه. والمثبت من (( هـ).
(٢) في ((الأصل)): في تأخير. والمثبت من ( هـ)).
(٣) من (( هـ )
- ٣١٦ -

باب : إكرام الكبير ويبدأ الأكبر [ بالكلام ] (١) والسؤال
فیه : رافع بن خديج وسهل بن أبي حئمة أنهما حدثاه - أو حدثا - :
((أن عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود أنيا خيبر فتفرقا في النخل ،
فقتل عبد الله بن سهل فجاء عبد الرحمن بن سهل وحويصة ومحيصة ابنا
مسعود إلى النبي فتكلموا في أمر صاحبهم فبدأ عبد الرحمن وكان
أصغر القوم ، فقال النبي : كبر الكُبرَ . قال يحيى: يعني ليلي الكلام
الأكبر ... )) الحديث .
وفيه : ابن عمر أن النبي قال : ((أخبروني شجرة مثلها كمثل المسلم
تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ، ولا تحت ورقها . فوقع في نفسي أنها
النخلة فكرهت أن أتكلم وثم أبو بكر وعمر ... )) الحديث .
قال المؤلف : إكرام الكبير وتقديمه في الكلام وجميع الأمور من
أدب الإسلام ومعالي الأخلاق ، وذكر عبد الرزاق أن في الحديث من
تعظيم جلال الله أن يوقر ذو الشيبة في الإسلام ، ولهذا المعنى قال
عليه السلام : (( كبر الكبر )) فأمر أن يبدأ الأكبر بالكلام ، فكان ذلك
سنة إلا أنه دل حديث ابن عمر أن معنى ذلك ليس على العموم ، وأنه
إنما ينبغي أن يبدأ بالأكبر فيما يستوي فيه علم الكبير والصغير ، فأما إذا
علم الصغير ما يجهل الكبير ؛ فإنه ينبغي لمن كان عنده علم أن يذكره
وينزع به وإن كان صغيرًا ، ولا يعد ذلك منه سوء أدب ، ولا تنقصًا
لحق الكبير في التقدم عليه ؛ لأن النبي - عليه السلام - حين سأل
أصحابه عن الشجرة التي شبهها بالمؤمن وفيهم ابن عمر وغيره ممن كان
دونه في السن لم يوقف الجواب على الكبار منهم خاصة ، وإنما سأل
جماعتهم ليجيب كل بما علم ، وعلى ذلك دل قول عمر لابنه :
(١) من (( هـ، ن)).
- ٣١٧ -

لو كنت قلتها كان أحب إلي من كذا وكذا . لأن عمر لا يحب ما
يخالف أدب الإسلام وسننه ، وقد کان رضي الله عنه یسأل ابن عباس
وهو صبي مع المشيخة وكان ذلك معدودًا من فضائله ، وقد تقدم [هذا
المعنى في باب الحياء في العلم ] (١) في آخر كتاب العلم .
باب : ما يجوز من الشعر والرجز والحداء وما يكره منه
وقوله تعالى: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون﴾ (٢) إلى آخر السورة،
قال ابن عباس : ﴿في كل واد يهيمون﴾ (٣) : في كل لغو يخوضون .
فيه: أبي بن كعب أن النبي ◌َّم قال: ((إن من الشعر حكمة)).
وفيه : جندب : « بينما النبي - عليه السلام - يمشي إذ أصابه حجر
فعثر فدميت إصبعه فقال :
هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت ))
وفيه : أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: (( أصدق كلمة قالها
الشاعر كلمة لبيد : ألا كل شيء ما خلا الله باطل . وكاد أمية بن الصلت
أن يسلم )) .
وفيه : سلمة بن الأكوع : « خرجنا مع النبي إلی خیبر فسرنا ليلا فقال
رجل من القوم لعامر بن الأكوع : ألا تسمعنا من هنیهاتك . و کان عامر
شاعرًا فنزل يحدو بالقوم يقول :
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فاغفر فداء لك ما اقتفينا
إلى آخرها .
(١) من (( هـ)).
(٢) الشعراء : ٢٢٤ .
(٣) الشعراء : ٢٢٥ .
- ٣١٨ -

فقال النبي : من هذا السائق ؟ قالوا : عامر بن الأكوع . قال : يرحمه
الله . فقال : رجل من القوم : وجبت يا نبي الله ، هلا أمتعتنا به ؟ فأتينا
خيبر فحاصرناهم ، وكان سيف عامر قصيرًا فتناول [ به ] (١) يهوديًا
ليضربه ويرجع ذباب سيفه ، فأصاب ركبة عامر فمات منه ، فلما قفلوا
قال سلمة : فرآني النبي - عليه السلام - شاحبًا فقال لي : ما لك ؟
قلت: [ فدى لك] (٢) أبي وأمي زعموا أن عامرًا حبط عمله. قال : من
قاله ؟ قلت : قاله فلان وفلان وأسيد بن الحضير الأنصاري . فقال
رسول الله : كذب من قاله ، إن له لأجرين - وجمع بين إصبعيه - إنه
لجاهد مجاهد قل عربي نشأ بها مثله )) .
وفيه أنس: (( أتى النبي - عليه السلام - على بعض نسائه ومعهن أم
سليم فقال : ويحك / يا [أنجشة] (٣) رويدك [ سوقك] (١) بالقوارير.
قال أبو [ قلابة ] (٤): فتكلم النبي - عليه السلام - بكلمة لو تكلم بها
بعضكم لعبتموها عليه قوله: سوقك بالقوارير )) .
[٤/ ق١٠٦-١]
قال المؤلف : الشعر والرجز والحداء كسائر الكلام ، فما كان فيه
ذكر تعظيم الله ووحدانيته وقدرته وإيثار طاعته وتصغير الدنيا والاستسلام
له تعالى كنحو ما أورده البخاري في هذا الباب فهو حسن مرغب فيه،
وهو الذي قال فيه عليه السلام: ((إن من الشعر حكمة)) وما كان منه
كذبًا وفحشًا فهو الذي ذمه الله ورسوله . وقال الشافعي : الشعر
كلام، حسنه کحسن الكلام وقبيحه كقبيحه .
وسماع الحداء ونشيد الأعراب لا بأس به ؛ فإن الرسول قد سمعه
وأقره ولم ينكره .
(١) من (( هـ ، ن )).
(٢) في ((الأصل)): فداك. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٣) في ((الأصل، هـ)): نجيشة. والمثبت من (( ن).
(٤) في ((الأصل)): قتادة. والمثبت من (( هـ، ن)).
:٦
- ٣١٩ -

وهذا الباب رد على من نهى عن قليل الشعر وكثيره، واعتلوا بحديث
جبير بن معطم عن النبي - عليه السلام -: (( أنه كان إذا افتتح الصلاة
يستعيذ من الشيطان وهمزه ونفثه ونفخه)) وفسره عمرو بن [ مرة ] (١)
وهو راوي الحديث فقال : نفثه : الشعر ، ونفخه : الكبر ، وهمزه:
الموتة التي تأخذ صاحب المس ، وبحديث أبي أمامة الباهلي أن النبي-
عليه السلام - قال: ((لما أنزل إبليس إلى الأرض قال: يا رب، اجعل
لي قرآنًا، قال: الشعر ... )) [ و] (٣) ذكر الحديث بطوله ، وبما
روى ابن لهيعة عن أبي قبيل قال : سمعت عبد الله بن عمر يقول :
((من قال ثلاثة أبيات من الشعر من تلقاء نفسه لم يدخل الفردوس)).
قال الأعمش : تمثل مسروق بأول بيت شعر [ ثم ] (٢) سكت ،
فقيل له : لم سكت ؟ قال : أخاف أن أجد في صحيفتي شعرًا .
وقال ابن مسعود : الشعر مزامير الشيطان . وكان الحسن لا ينشد
الشعر .
قال الطبري : وهذه أخبار واهية والصحيح في ذلك أنه عليه السلام
كان يتمثل أحيانًا بالبيت فقال :
هل أنت إلا إصبع دمیت
وفي سبيل الله ما لقيت
وقال عليه السلام : (( أصدق كلمة قالها الشاعر لبيت لبيد )) ثم
تمثل بأول البيت وترك آخره ، وقالت عائشة: ((كان النبي يتمثل من
الشعر : ويأتيك بالأخبار من لم تزود )) وكان عامر بن الأكوع يحدو
بالشعر بحضرة النبي وقال: (( من هذا السائق ؟ فقالوا : عامر بن
الأكوع، فقال: يرحمه الله)) وأمر [ حسان ] (٣) بن ثابت وغيره بهجاء
(١) طمس بالأصل، والمثبت من (( هـ).
(٢) من ( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): عمار. والمثبت من (( هـ)).
- ٣٢٠ -