النص المفهرس
صفحات 281-300
الإيمان كذابًا حتى [ يغلب ] (١) عليه الكذب لأن كذابًا وزنه فعال ، وهو من أبنية المبالغة لمن يكثر منه الكذب ويكرر حتى يعرف به ، ومثاله الكذوب أيضًا، ويبين هذا قوله عليه السلام: ((إن الرجل ليصدق حتى [ يكتب عند الله ] (٢) صدوقًا)) يعني لا يزال يتكرر الصدق منه حتى يستحق اسم المبالغة في الصدق وكذلك قوله: (( إن الرجل يكذب حتى يكتب عند الله كذابًا )) يعني لا يزال يتكرر الكذب منه حتى يغلب عليه ، وهذه الصفة ليست صفة علية المؤمنين بل هي من صفات المنافقين وعلاماتهم كما قال عليه السلام في حديث أبي هريرة ، وقد تقدم [ معناه في كتاب الإيمان في باب علامة المنافق](٣). وأخبر عليه السلام في حديث سمرة بعقوبة الكاذب الذي يبلغ كذبه الآفاق أنه يشق شدقه في النار إلى يوم القيامة ، فعوقب في موضع المعصية وهو فمه الذي كذب به . باب : الهدي الصالح فیه : حذيفة قال : ( إن أشبه الناس دلا وسمتًا وهدیًا برسول الله لابن أم عبد من حين يخرج من بيته إلى حين يرجع إليه لا ندري ما يصنع في أهله [إذا خلا] (٤))). وفيه : عبد الله بن عمر قال: (( إن أحسن الحديث كتاب الله ، و[أحسن](٣) الهدي هدي محمد )) . (١) في ((الأصل)): يبلغ، والمثبت من ((هـ)). (٢) في ((الأصل)): ليكون. والمثبت من (( هـ)). (٤) في ((الأصل)): داخلا. والمثبت من ((هـ، ن)). (٣) من (( هـ)). - ٢٨١ - [ قال المؤلف: قال أبو عبيد] (١): الهدي والدل أحدهما قريب المعنى من الآخر وهما من السكينة والوقار في الهيئة والمنظر والشمائل وغير ذلك ، قال الأخطل يصف الكذاب : حتی تناهین عنه سامیًا جرحًا وما هدى هدي مهزوم ولا نكلا يقول : لم أسرع إسراع المنهزم ولكن على سكون وحسن هدي . وقال عدي بن زيد يصف امرأة بحسن الدل : لم تطلع من خدرها تبتغي خبْ ـا ولا [ ساء ] (٢) دلها في العناق والسمت يكون في معنيين : أحدهما : حسن الهيئة والمنظر في مذهب الدين ، وليس من الجمال والزينة ، ولكن يكون له هيئة أهل الخير ومنظرهم . والوجه الآخر : السمت : الطريق يقال : الزم هذا السمت . وكلاهما له معنى جيد بكون : أن يلزم طريقة أهل الإسلام فتكون له هيئة أهل الإسلام ، وذكر أبو عبيد في حديث عمر بن الخطاب أن أصحاب عبد الله كانوا يدخلون إليه فينظرون إلى سمته وهديه ودله فیتشبهون به . [٤/ ق٩٩- ب] قال المؤلف : في هذا من الفقه أنه ينبغي للناس الاقتداء / بأهل الفضل والصلاح في جميع أحوالهم في هيئتهم وتواضعهم ورحمتهم للخلق ، وإنصافهم من أنفسهم ، ورفقهم في أخذ الحق إذا وجب لهم إن أحبوا الاقتصاص أو عفوهم عن ذلك إن آثروا العفو ، وفي مأكلهم -- ومشربهم واقتصادهم في أمورهم تبركًا به . (١) في ((الأصل)): أبو محمد. والمثبت من ((هـ). (٢) في ((الأصل)): يساء. والمثبت من (( هـ). ١ - ٢٨٢ - باب : الصبر على الأذى وقول الله تعالى : ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾ (١) فيه : أبو موسى قال النبي - عليه السلام - : (( ليس أحد - أو ليس شيء - [ أصبر ] (٢) على أذى سمعه من الله، إنهم ليدعون له ولدًا وإنه لیعافیھم ویرزقهم » . وفيه: عبد الله: (( قسم النبي - عليه السلام - قسمة كبعض ما كان يقسم فقال رجل من الأنصار : إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله . قلت : أما لأقولن للنبي - عليه السلام - فأتيته وهو في أصحابه فساررته فشق ذلك على النبي وتغير وجهه وغضب حتى وددت أني لم أكن أخبرته ثم قال : قد أوذي موسی بأکثر من هذا فصبر » . قال المؤلف : ذكر الله جزاء الأعمال وجعل له نهاية وحدا فقال : ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ (٣) وجعل جزاء الصدقة في سبيل الله فوق هذا فقال : ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء﴾ (٤) وجعل أجر الصابرين بغير حساب ومدح أهله فقال : ﴿ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ﴾ (٥) والصبر على الأذى من باب جهاد النفس وقمعها من شهواتها ومنعها عن تطاولها ، وهو من أخلاق الأنبياء والصالحين ، وإن كان قد جبل الله النفوس على تألمها من الأذى ومشقته، ألا ترى أن النبي ◌َّ شق عليه تجوير الأنصاري له في [القسمة ] (٦) حتى تغير وجهه وغضب ، ثم سكّن ذلك منه علمه بما (٢) في ((الأصل)): صبر. والمثبت من (( هـ، ن). (١) الزمر : ١٠ . (٣) الأنعام : : ١٦ . (٥) الشورى : ٤٣ . (٤) البقرة : ٢٦١ . (٦) في ((الأصل)): الغنيمة، والمثبت من (( هـ)). - ٢٨٣ - وعد الله على ذلك من جزيل الأجر ، واقتدى بصبر موسى على أكثر من أذى الأنصاري له رجاء ما عند الله . وللصبر أبواب غير الصبر على الأذى روي عن علي بن أبي طالب أن النبي - عليه السلام - قال: (( الصبر ثلاثة : فصبر على المصيبة ، وصبر على الطاعة ، وصبر على المعصية ، فمن صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزائها كتب الله له ثلاثمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة ما بين السماء إلى الأرض ، ومن صبر على الطاعة كتب الله له ستمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة ما بين تخوم الأرض [السابعة] (١) إلى منتهى العرش، ومن صبر على المعصية كتب الله له تسعمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة ما بين تخوم الأرض السابعة إلى منتهى العرش مرتين)) . وقد روى يزيد الرقاشي عن أنس أن النبي - عليه السلام - قال : (الإيمان نصفان نصف في الصبر ونصف في الشكر)). وروى ابن المنكدر عن جابر بن عبد الله (( أن النبي - عليه السلام - سئل عن الإيمان فقال : السماحة والصبر)) . وقال الشعبي : قال علي بن أبي طالب : الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد . قال الطبري : وصدق علي ، وذلك أن الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح ، فمن لم يصبر على العمل بشرائعه لم يستحق اسم الإيمان بالإطلاق ، والصبر على العمل بالشرائع نظير الرأس من جسد الإنسان الذي لا تمام له إلا به ، وهذا في معنى حديث أنس وجابر أن الصبر نصف الإيمان، وعامة المواضع التي ذكر الله (١) من (( هـ ). - ٢٨٤ - فيها الصبر وحث عليه عباده إنما هي مواضع الشدائد ومواطن المكاره الذي يعظم على النفوس ثقلها ، ويشتد عندها جزعها وكل [ذلك](١) محن وبلاء ، ألا ترى قوله عليه السلام للأنصار: (( لن تعطوا عطاءًا خيرًا وأوسع من الصبر)). والصبر في لسان العرب : حبس النفس عن المطلوب حتى يدرك ، ومنه نهيه عليه السلام عن صبر البهائم . يعني أنه نهى عن حبسها على التمثيل بها ، ورميها كما ترمى الأغراض ، ومنه قولهم : صبر الحاكم يمين فلان يعني حبسه على حلفه . فإن قال قائل : فهذه صفات توجب التغير وحوث الحواث لمن وصف بها فما معنى وصف الله - تعالى - بالصبر ؟ قيل : معنى وصفه بذلك هو بمعنى الحلم ، ومعنى وصفه [بالحلم](٢) / هو تأخير العقوبة عن المستحقين لها، ووصفه تعالى (٤/ ١٠٠٥-١] بالصبر لم يرد في التنزيل ، وإنما ورد في حديث أبي موسى ، وتأوله أهل السنة على تأويل الحلم ، هذا قول ابن فورك . باب : من لم يواجه الناس بالعتاب فیه : عائشة : « صنع النبي - عليه السلام - شيئًا فرخص فيه فتنزه عنه قوم ، فبلغ ذلك النبي - عليه السلام - فخطب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه ؟ فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية )) . وفيه: أبو سعيد الخدري: (( كان النبي - عليه السلام - أشد حياء من العذراء في خدرها فإذا رأى شيئًا يكرهه عرفناه في وجهه )). (١) في ((الأصل)): ذي. والمثبت من (( هـ)). (٢) من (( هـ)). - ٢٨٥ - قال المؤلف : إنما كان عليه السلام لا يواجه الناس بالعتاب يعني على ما يكون في خاصة نفسه كالصبر على جهل الجاهل وجفاء الأعرابي ألا ترى أنه ترك الذي جبذ البردة من عنقه حتى أثرت جبذته فيه ؛ لأنه كان لا ينتقم لنفسه ، وهذا معنى حديث أبي سعيد ، فأما أن تنتهك من الدين حرمة فإنه كان لا يترك العتاب عليها والتقريع فيها ويصدع بالحق فيما يجب على منتهكها ويقتص منه، سواءً كان حقا لله، أو من حقوق العباد. فإن قيل : فإن كان معنى حديث أبي سعيد ما ذكرت من أنه عليه السلام كان لا يعاتب فيما يكون في خاصة نفسه فقد وجَّه بالعتاب في حديث عائشة ، وخطب بذلك ، فكيف ذكره في باب من لم يواجه الناس بالعتاب ؟ فالجواب : أن هذا العتاب وإن كان خطب به فلم يعين من أراد به ، ولا يقرعه [ من ](١) بين الناس ، وكل ما جرى هذا المجرى من عتاب یعم الكل ولا يقصد به أحد بعينه فهو رفق بمن عنى به [ وستر له] (٢) كما أراد عمر بن الخطاب - حين أمر الناس كلهم بالوضوء يوم الجمعة ، وهو يخطب - من أجل الرجل الذي أحدث بين يديه للستر له والرفق به ، وليس ذلك بمنزلة أمره له بالوضوء من بينهم وحده في الستر له لو فعل ذلك ، وإنما فعل ذلك عليه السلام - والله أعلم - لأن كل رخصة في دين الله فالعباد مخيرون بين الأخذ بها والترك لها ، وكان عليه السلام رفيقًا بأمته حريصًا على التخفيف عنهم ، فلذلك خفف عنهم العتاب لأنهم فعلوا ما يجوز لهم من الأخذ بالشدة ، وقد ترك عتابهم مرة أخرى على ترك الرخصة ، وأخذهم بالشدة حين (٢) في ((الأصل)): ويتنز له. والمثبت من ((هـ)). - (١) من (( هـ). - ٢٨٦ - صاموا في السفر وهو مفطر ، وإن كان قد جاء في الحديث (( إن دين الله يسر )) . قال الشعبي : إن الله يحب أن يعمل برخصة كما يحب أن يعمل بعزائمه . فليس ذلك [ دليلا ] (١) على تحريم الأخذ بالعزائم ؛ لأن ذلك لو كان حرامًا لأمر الذين خالفوا رخصته بالرجوع من فعلهم إلى فعله . وفي حديث أبي سعيد الحكم بالدليل ؛ لأنهم كانوا يعرفون كراهية النبي الشيء بتغير وجهه ، كما كانوا يعرفون قراءته فيما أسر فيه في الصلاة باضطراب لحيته . باب : من کفر أخاه بغیر تأويل فهو كما قال فيه : أبو هريرة وابن عمر أن النبي - عليه السلام - قال: (( إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما )» . وفيه : ثابت بن الضحاك قال النبي: (( من حلف بملة غير الإسلام كاذبًا فهو كما قال ، ومن قتل نفسه بشيء عذب به في نار جهنم، ولعن المؤمن کقتله، ومن رمی مؤمنًا بكفر فهو كقتله )) . قال المؤلف : قوله عليه السلام : (( من قال لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما )) يعني : باء بإثم رميه لأخيه بالكفر ورجع وزر ذلك عليه إن كان كاذبًا . وقد روي هذا المعنى من حديث أبي ذر أن النبي قال: (( لا يرمي رجل رجلا بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن (١) في ((الأصل)): دليل، والمثبت من (( هـ)). - ٢٨٧ - صاحبه كذلك )» ذكره البخاري في باب ما ينهى عنه من السباب واللعن في أول كتاب الأدب قال المهلب : وهذا معنى تبويبه من كفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال ، أن المكفر له هو الذي يرجع عليه إثم التكفير ؛ لأن الذي رمى [٤/ ١٠٠٥ - ب)به عند الرامي صحيح الإيمان إذا لم يتأول / عليه شيئًا يخرجه من الإيمان فكما هو صحيح [ الإيمان ] (١) كصحة إيمان الرامي فقد [صح](١) أنه أراد برميه له بالكفر كل من هو على دينه فقد كفر نفسه ؛ لأنه على دينه ومساو له في إيمانه ، فإن استحق ذلك الكفر المرمي به استحق مثله الرامي وغيره . وقد يجيب الفقهاء عن هذا بأن يقولوا : فقد كفر بحق أخيه المسلم ، وليس ذلك مما يسمى به الجاحد بحق أخيه المسلم [ كافراً ] (٢) لأنه لا يستحق اسم الكفر من جحد حق أخيه في بر أو مال . وقد روى أشهب عن مالك أنه سئل عن قوله عليه السلام : (( من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما )) قال مالك : أراهم الحرورية . قيل له : أفتراهم بذلك كفارًا ؟ قال : لا أدري ما هذا . والحجة لقول مالك قوله عليه السلام: (( سباب المسلم فسوق )) والفسوق غير الكفر . وقوله: ((فقد باء بها أحدهما )) هو على مذهب العرب في استعمالها الكناية في كلامها وترك التصريح بالشر ، وهذا كقول الرجل لمن أراد أن يكذبه : والله إن أحدنا لكاذب ، وهذا كقوله تعالى: ﴿وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين﴾ (٣). وقوله: (( من حلف بملة غير الإسلام كاذبًا فهو كما قال )) قد (١) من (( هـ)). (٢) في ((الأصل)): كافر. والمثبت من ((هـ )). (٣) سبأ : ٢٤. - ٢٨٨ - تقدم معناه في كتاب الجنائز في باب قاتل النفس ، وفي كتاب الأيمان والنذور في باب من حلف بملة سوى الإسلام بما فيه كفاية لكني كرهت أن أخلي هذا الباب من الكلام فيه لأني كثيرًا ما كنت أسأل المهلب عن هذا الحديث لصعوبته فيجيبني عنه بألفاظ وطرق مختلفة والمعنى واحد . فقال لي: قوله : ((فهو كما قال )) يعني : فهو كاذب لا كافر ، إلا أنه لما تعمد بالكذب الذي حلف عليه التزام الملة التي حلف بها قال عليه السلام : (( فهو كما قال )) من التزام اليهودية والنصرانية وعيداً منه عليه السلام لمن صح قصده بكذبه إلى التزام تلك الملة في حين كذبه في وقت ثان ، إذ كان ذلك على سبيل المكر والخديعة للمحلوف له. يبين ذلك قوله عليه السلام : (( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)) فلم ينف عنه الإيمان إلا وقت الزنا خاصة ، وكذلك هذا الحالف بملة غير الإسلام ؛ لقيام الدليل على أنه لم يرد نبذ الإسلام بتعليقه يمينه بشرط المحلوف عليه ، ولو أراد الارتداد لم يعلق قوله أنا يهودي المحلوف عليه من معاني الدنيا . وللك قال عليه السلام: (( من حلف باللات والعزى فليقل : لا إله إلا الله )) خشية منه عليه استدامة حاله على ما قال وقتئذ فينفذ عليه الوعيد فيحبط عمله ، ويطبع على قلبه لما قال من كلمة الكفر بعد الإيمان ، فتكون كلمة وافقت قدرًا فيزين له سوء عمله [ فيراه حسنًا] (١) فيستديم ما قال ويصرّ عليه . وأما من حلف بملة غير الإسلام وهو فيما حلف عليه صادق فهو تصحيح براءته من تلك الملة مثل أن يقول : أنا يهودي إن طعمت اليوم (١) في ((الأصل)): قوله حينًا. والمثبت من (( هـ). - ٢٨٩ - أو شربت ، وهو صادق لم يشرب ولم يأكل ، فلما عقد يمينه بشرط هو في الحقيقة معدوم بعدم ما ربطه به وهو الأكل والشرب اللذان [لم يقعا ] (١) منه لم يتعين عليه وعيد يخشى إنفاذه عليه ، ولم يتوجه إليه إثم الملة التي حلف عليها لعقده نيته على نفيها كنفي شرطها لكن لا يبرأ من الملامة لمخالفته لقوله عليه السلام: ((من كان حالفاً فليحلف بالله )) . قال الطبري: وقوله عليه السلام: ((لعن المؤمن كقتله )) يريد في بعض معناه لا في الإثم والعقوبة ، ألا ترى أن من قتل مؤمنًا أن عليه القود ومن لعنه لا قود عليه ؟ واللعن في اللغة الإبعاد من الرحمة ، وكذلك القتل إبعاد المقتول من الحياة التي يجب بها نصرة المؤمنين وعون بعضهم لبعض وقد قال عليه السلام: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا)) وكذلك قوله: (( من رمى مؤمنًا بكفر فهو كقتله)) لما أجمع المسلمون أنه لا قتل عليه في رميه له بالكفر ، علم أن التشبيه إنما وقع بينهما في معنى يجمعهما وهو ما قلناه أن اللعن الإبعاد من الرحمة كما أن القتل إبعاد من الحياة وإعدام منها ، وقد قال بعض العلماء : إن معنى قوله: ((لعن المؤمن كقتله )) يريد في تحريم ذلك عليه وقد ذكرته في كتاب الأيمان والنذور . باب : من لم ير إكفار من قال ذلك متأولا أو جاهلا [٤/ ٥ ١٠١-١] وقال عمر لحاطب: إنه منافق، فقال النبي: ((وما يدريك / لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)). ۔۔ (١) في ((الأصل)): وقعا. والمثبت من ((هـ)). - ٢٩٠ - ٠ فيه: جابر: (( أن معاذ بن جبل كان يصلي مع النبي ◌َّ ثم يأتي قومه فيصلي بهم الصلاة ، فقرأ بهم البقرة ، فتجوز رجل فصلى صلاة خفيفة فبلغ ذلك معاذًّا فقال : إنه منافق . فبلغ ذلك الرجل فأتى النبي - عليه السلام - فقال : يا رسول الله ، إنا قوم نعمل بأيدينا ونسقي بنواضحنا وإن معاذًا صلى بنا البارحة فقرأ البقرة فتجوزت فزعم أني منافق . فقال النبي: يا معاذ أفتان أنت - ثلاثًا - اقرأ: ((والشمس وضحاها)) و ((سبح اسم ربك الأعلى)) ونحوها)). وفيه: أبو هريرة قال: قال النبي - عليه السلام -: (( من حلف منكم فقال في حلفه : باللات والعزى فليقل : لا إله إلا الله ، ومن قال لصاحبه : تعال أقامرك فليتصدق )) . وفيه : ابن عمر: (( أنه أدرك عمر بن الخطاب في ركب وهو يحلف بأبيه، فناداهم رسول الله : ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ، فمن كان حالفًا فلیحلف بالله أو فليصمت )) . قال المهلب : معنى هذا الباب أن المتأول معذور غير مأثوم ، ألا ترى أن عمر بن الخطاب قال لحاطب لما كاتب المشركين بخبر النبي إنه منافق ، فعذر النبي - عليه السلام - عمر لما نسبه إلى النفاق ، وهو أسوأ الكفر ، ولم يكفر عمر بذلك من أجل ما جناه حاطب ، وكذلك عذر عليه السلام معاذًا حين قال للذي خفف الصلاة وقطعها خلفه إنه منافق ؛ لأنه كان متأولا فلم يكفر معاذًا بذلك . ومثل ذلك قوله عليه السلام حين سمع عمر يحلف بأبيه: ((إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم )» فلم ير النبي إكفار عمر حين حلف بأبيه وترك الحلف بربه الذي خلقه ورزقه وهداه ، وقصده اليمين بغير الله تشريك لله في حقه لا سيما على طراوة عبادة غير الله ، فلما لم يعرفه - ٢٩١ - عليه السلام بأن يمينه بأبيه ليس بكفر من أجل تأويله أن له أن يحلف بأبيه للحق الذي له بالأبوة ، عذر عمر في ذلك لجهالته أن الله لا يريد أن يشرك معه غيره في الأيمان ؛ إذ لا يحلف الخالف إلا بأعظم ما عنده من الحقوق ، ولا أعظم من حق الله على [ عباده ] (١) هذا وجه حديث عمر في هذا الباب . قال المؤلف : وكذلك عذر عليه السلام من حلف من أصحابه باللات والعزى لقرب عهدهم بجري ذلك على ألسنتهم في الجاهلية ، وروي عن سعد بن أبي وقاص (( أنه حلف بذلك فأتى النبي - عليه السلام - فقال : يا رسول الله ، إن العهد كان قريبًا فحلفت باللات والعزى، فقال النبي وَّل: قل: لا إله إلا الله)) وقد تقدم [ بيان هذا في باب لا يحلف باللات والعزى ] (١) في كتاب [ الأيمان و](١) النذور ، فتأمله هناك . وليس في قوله وَله: ((من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله )) إطلاق منه لهم على الحلف بذلك وكفارته بقول: لا إله إلا الله ، فإنه علمهم عليه السلام أنه من نسي أو جهل فحلف بذلك أن كفارته أن يشهد بشهادة التوحيد ؛ لأنه قد تقدم إليهم عليه السلام بالنهي عن أن يحلف أحد بغير الله ، فعذر الناسي والجاهل ، ولذلك سوى البخاري في ترجمته الجاهل مع المتأول في سقوط الحرج عنه ؛ لأن حديث أبي هريرة في الجاهل والناسي، والله أعلم . (١) من (( هـ)). - ٢٩٢ - باب : ما يجوز من الغضب والشدة في أمر الله وقال تعالى: ﴿ جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ﴾ (١) فيه : عائشة: (( دخل عليّ النبي - عليه السلام - وفي البيت قرام فيه صورة فتلون وجهه ثم تناول الستر فهتكه ثم قالت : قال رسول الله : من أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يصورون هذه الصور)) . وفيه: أبو مسعود: (( أتى رجل النبي - عليه السلام - فقال : إني أتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا . قال : فما رأيت رسول الله قط أشد غضبًا في موعظة منه يومئذ ، قال : فقال : يا أيها الناس إن منكم منفرين فأيكم صلى بالناس فليتجوز فإن فيهم المريض والكبير وذا الحاجة )) . وفيه : ابن عمر: (( بينما النبي - عليه السلام - يصلي رأى في قبلة / المسجد نخامة فحكها بيده فتغيظ ثم قال: إن أحدكم إذا كان في (٤/ ١٠١٥-ب] الصلاة فإن الله حيال وجهه فلا يتنخمن حيال وجهه في الصلاة )). وفيه : زيد بن خالد: (( أن رجلا سأل النبي عن اللقطة . فقال : عرّفها سنة ... )) إلى قوله: (( فضالة الإبل ؟ فغضب رسول الله حتى احمرت وجنتاه )) . وفيه : زيد بن ثابت قال : (( احتجر رسول الله حجيرة مخصفة أو حصيرًا فخرج رسول الله يصلي فيها (٢) فتتبع رجال وجاءوا يصلون بصلاته ، ثم جاءوا ليلة فحضروا وأبطأ عليهم، فلم يخرج إليهم فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب ، فخرج إليهم مغضبًا ... )) الحديث . قال المؤلف : الغضب والشدة في أمر الله واجبان وذلك من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأجمعت الأمة على أن ذلك فرض (١) التوبة : ٧٣، التحريم : ٩. (٢) ورد بالأصل : فقال . وهي زائدة . - ٢٩٣ - على الأئمة والأمراء: أن يقوموا به ، ويأخذوا على أيدي الظالمين. وينصفوا المظلومين ويحفظوا أمور الشريعة حتى لا تغير ولا تبدل ، ألا ترى أن النبي - عليه السلام - غضب وتلون وجهه لما رأى التصاوير في القرام وهتكه، وقال: ((إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون)) وكذلك غضب من أجل تطويل الرجل في صلاته بالناس ونهى عن ذلك ، وتغيظ حين رأى النخامة في القبلة فحکھا بیده ونھی عنها ، وكذلك غضب حتى احمر وجهه حين سئل عن ضالة الإبل وقال : (( ما لك ولها ... )) الحديث ، وغضب عليه السلام على الذين صلوا في مسجده بصلاته بغير إذنه ولم يخرج إليهم ، ففيه من : الفقه جواز الغضب للإمام والعالم في التعليم والموعظة إذا رأى منكرًا يجب تغييره . وقال مالك : الأمر بالمعروف واجب على جماعة المؤمنين من الأئمة والسلاطين وعامة المؤمنين لا يسعهم التخلف عنه ، غير أن بعض الناس: يحمله عن بعض بمنزلة الجهاد . واحتج في ذلك بعض العلماء فقال : كل شيء يجب على الإنسان فعله من الفرائض والسنن اللازمة ، وكل شيء وجب عليه تركه من المحارم التي نهى الله عنها ورسوله فإنه واجب عليه في القياس أن يأمر بذلك من ضيع شيئًا منه ، وينهى كل. من أتى شيئًا من المحرمات التي وجب عليه تركها . وقال بعض العلماء : الأمر بالمعروف منه فرض ومنه نافلة ، فكل شيء وجب عليه العمل به وجب عليه الأمر به كالمحافظة على الوضوء وتمام الركوع والسجود وإخراج الزكاة وما أشبه ذلك ، وما كان نافلة لك فإن أمرك به نافلةٍ وأنت غير آثم في ترك الأمر به إلا عند السؤال عنه لواجب النصيحة التي هي فرض على جميع المؤمنين ، وهذا كله عند جمهور العلماء ما لم تخف على نفسك الأذى ، فإن خفت - ٢٩٤ - وجب عليك تغيير المنكر وإنكاره بقلبك وهو أضعف الإيمان ؛ لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها . وقوله : (( حجيرة مخصفة )) يعني ثوبًا أو حصيرًا قطع به مكانًا في المسجد واستتر وراءه ، والعرب تقول : خصفت النعل خصفًا : أطبقتها في الخرز بالمخصف ، وهو الإشفاء ، وخصفت على نفسي ثوبًا : جمعت بين طرفيه بعود أو خيط ، وفي التنزيل : ﴿وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة﴾ (١) عن صاحب الأفعال. * * باب : الحذر من الغضب لقوله تعالى : ﴿والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون﴾ (٢) وقوله: ﴿الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ ﴾ (٣) فيه : أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: (( ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب )). وفيه : سليمان بن صرد: (( استب رجلان عند النبي - عليه السلام - [ونحن] (٤) عنده [ جلوس ] (٥) وأحدهما يسب صاحبه مغضبًا قد احمر وجهه فقال النبي - عليه السلام - : إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . فقالوا للرجل: ألا تسمع ما قال النبي - عليه السلام - ؟ فقال : إني لست بمجنون)) . (١) الأعراف: ٢٢، طه : ١٢١ . (٣) آل عمران : ١٣٤. (٢) الشورى : ٣٧ . (٤) في ((الأصل)): وهو. والمثبت من (( هـ، ن)). (٥) من (( هـ ، ن)). - ٢٩٥ - وفيه : أبو هريرة : (( أن رجلا قال للنبي : أوصني . قال : لا تغضب [فردد] (١) مراراً قال: لا تغضب)). [ قال المؤلف ] (٢): مدح الله - تعالى - الذين يغفرون عند (٤/ ١٠٢٥-٦] الغضب / وأثنى عليهم، وأخبر أن ما عنده خير وأبقى لهم من متاع الحياة الدنيا وزينتها ، وأثنى على الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، وأخبر أنه يحبهم بإحسانهم في ذلك ، وقد روى معاذ بن جبل عن النبي - عليه السلام - أنه قال: (( من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رءوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره في أي الحور شاء)) . وقال عليه السلام: (( ليس الشديد بالصرعة)) والصرعة : الذي يصرع الناس ويكثر منه ذلك ، كما يقال للكثير النوم نومة ، وللكثير الحفظ حفظة ، فأراد عليه السلام أن الذي يقوى على [ ملك] (٣) نفسه عند الغضب ويردها عنه هو القوي الشديد والنهاية في الشدة لغلبته هواه المردي الذي زينه له الشيطان المغوي ، فدل هذا أن مجاهدة النفس أشد من مجاهدة العدو ؛ لأن النبي - عليه السلام - جعل للذي يملك نفسه عند الغضب من القوة والشدة ما ليس للذي يغلب الناس ويصرعهم . ومن هذا الحديث قال الحسن البصري حين سئل أي الجهاد أفضل؟ فقال : جهادك نفسك وهواك . وفي حديث سليمان بن صرد أن الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم تذهب الغضب ، وذلك أن الشيطان هو الذي يزين للإنسان الغضب (١) في ((الأصل)): فرد. والمثبت من ((هـ، ن)). (٣) في ((الأصل)): ذلك. والمثبت من (( هـ)). (٢) من ( هـ )). - ٢٩٦ - وكل ما لا تحمد عاقبته ليرديه ويغويه ويبعده من رضا الله - تعالى - فالاستعاذة بالله - تعالى - منه من أقوى السلاح على دفع كيده ، وذكر أيضًا أبو داود في حديث أبي ذر عن النبي - عليه السلام - أنه قال: ((إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس ، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع)) . وذكر أيضًا من حديث عطية عن النبي - عليه السلام - أنه قال : ((إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار ، وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ )) . وقال أبو الدرداء : أقرب ما يكون العبد من غضب الله - تعالى - إذا غضب ، وفي بعض الكتب قال الله - تعالى - : ابن آدم اذكرني إذا غضبت أذكرك إذا غضبت . وقال بكر بن عبد الله : أطفئوا ناز الغضب بذكر نار جهنم . باب : الحياء فيه : عمران بن حصين قال النبي - عليه السلام -: (( الحياء لا يأتي إلا بخير [ فقال ] (١) بشير بن كعب : مكتوب في الحكمة إن من الحياء وقارًا، وإن من الحياء سكينةً . فقال له عمران بن حصين: [أحدثك](٢) عن رسول الله (َ ل﴾ وتحدثني عن صحيفتك)). وفيه : ابن عمر: (( مر النبي - عليه السلام - على رجل وهو يعاتب في الحياء يقول : إنك تستحيي حتى كأنه يقول : قد أضر بك . فقال رسول الله : دعه ؛ فإن الحياء من الإيمان)). (١) في ((الأصل)): وقال. والمثبت من (( هـ، ن)). (٢) في ((الأصل)): نحدثك. والمثبت من ((هـ، ن)). - ٢٩٧ - وفيه : أبو سعيد: (( كان النبي - عليه السلام - أشد حياء من العذراء في خدرها » . وقوله عليه السلام: (( الحياء لا يأتي إلا بخير )) معناه أن من استحيا من الناس أن يروه يأتي الفجور ويرتكب المحارم ، فذلك داعية له إلى أن يكون أشد حياء من ربه وخالقه ، ومن استحيا من ربه فإن حياءه [زاجر] (١) له عن تضييع فرائضه وركوب معاصيه ؛ لأن كل ذي فطرة صحيحة يعلم أن الله - تعالى - النافع له والضار والرازق والمحيي والمميت ، فإذا علم ذلك فينبغي له أن يستحيي منه عز وجل ، وهو قوله عليه السلام : (( دعه فإن الحياء من الإيمان)) معناه أن الحياء من أسباب الإيمان وأخلاق أهله . وذلك أنه لما كان الحياء يمنع من الفواحش ، ويحمل على البر والخير كما يمنع الإيمان صاحبه من الفجور ، ويقيده عن المعاصي. ويحمله على الطاعة صار كالإيمان لمساواته له في ذلك ، وإن كان الحياء غريزة والإيمان فعل المؤمن فاشتبها من هذه الجهة ، وقد تقدم في كتاب الإيمان . وإنما غضب عمران بن حصين ؛ لأن بشير بن كعب حدثه عن صحيفته فيما كان حدثه به عمران عن النبي - عليه السلام - فهذا أصل أن الحجة إنما هي في سنة رسول الله لا فيما [يروى ] (٢) عن كتب الحكمة ؛ لأنه لا يدرى ما في حقيقتها ، وقد روى في هذا الحديث عمران أن بشير بن كعب قال له : إن من الحياء ضعفًا ، وعلى هذه اللفظة يكون غضب عمران أوكد لمخالفته لقوله عليه السلام : (١) في ((الأصل)): زاجرًا. والمثبت من ((هـ)). (٢) في ((الأصل)): يرى. والمثبت من (هـ )). - ٢٩٨ - (( الحياء لا يأتي إلا بخير)) ولقوله للذي كان يقول صاحبه إنك تستحيي حتى أضر بك الحياء : (( دعه فإن الحياء من الإيمان)) فدلت هذه الآثار أن الحياء ليس بضار / في حالة من الأحوال ولا بمذموم. (٤/ ١٠٢٥-ب) باب : إذا لم تستحي فاصنع ما شئت فيه: ابن مسعود قال: قال النبي - عليه السلام -: ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى : إذا لم تستحي فاصنع ما شئت )) . قال الخطابي: قوله: ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة )) يريد أن الحياء لم يزل مستحسنًا في شرائع الأنبياء الأولين ، وأنه لم ينسخ في جملة ما نسخ من شرائعهم . قال المؤلف : قوله : (( [ فاصنع ] (١) ما شئت )) فيه وجهان : أحدهما : أن يكون خرج بلفظ الأمر على معنى الوعيد والتهدد لمن ترك الحياء كما قال تعالى : ﴿ اعملوا ما شئتم ﴾ (٢) ولم يطلقهم تعالى على الكفر وفعل المعاصي ، بل توعدهم بهذا اللفظ ؛ لأنه تعالى قد بين لهم ما يأتون وما يتركون ، وكقوله: (( من باع الخمر فليشقص الخنازير )) فلم يكن في هذا إباحة تشقيص الخنازير ، إذ الخمر محرم شربها محظور بيعها . والوجه الثاني : أن يكون معناه : اصنع ما شئت من أمر لا تستحيي منه تفعله ، والتأويل الأول أولى وهو الشائع في لسان العرب ، ولم يقل أحد في تأويل الآية المذكورة غيره . (١) من (( هـ ). (٢) فصلت : ٤٠ . - ٢٩٩ - باب : ما لا يستحيا منه من الحق للتفقه في الدين فيه: أم سلمة: أن أم سليم قالت: (( يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق فهل على المرأة غسل إذا احتلمت ؟ قال: نعم إذا رأت الماء)). وفيه : ابن عمر أن النبي - عليه السلام - قال: (( مثل المؤمن مثل شجرة خضراء لا يسقط ورقها ولا يتحات ، فأردت أن أقول هي النخلة، وأنا غلام شاب فاستحييت ، فقال : هي النخلة . فقال عمر : لو كنت قلتها لكان أحب إليّ من كذا وكذا)). وفيه أنس: ((جاءت امرأة إلى النبي - عليه السلام - تعرض عليه نفسها فقالت : هل لك في حاجة ؟ فقالت ابنته : ما أقل حياءها ! فقال: هي خير منك عرضت على رسول الله نفسها )) . قولها: ((إن الله لا يستحيي من الحق)) يدل على أنه لا يجوز الحياء عن السؤال في أمر الدين ، وجميع الحقائق التي تعبد الله عباده بها ، وأن الحياء في ذلك مذموم . وفي حديث ابن عمر أن الحياء مكروه لمن علم علمًا فلم يخبر به بحضرة من هو فوقه إذا سئل عنه ، ألا ترى حرص عمر على أن يقول ابنه أنها النخلة ، وقد تقدم في كتاب العلم . وقول النبي - عليه السلام (١) - في المرأة التي عرضت نفسها عليه لابنته (( هي خير منك)) حجة في أن لا يستحيا فيما يحتاج إليه . وقوله: ((لا يتجات )) أي لا يسقط من احتكاك بعضهم ببعض ، تقول العرب: حت الورق والطين اليابس من الثوب حتّا: فركه ونقضه. (١) هذا خطأ والصواب أن القائل هو أنس بن مالك لابنته. انظر الفتح (٩/ ٨٠)، (١٠ /٥٤١) . - ٣٠٠ -