النص المفهرس
صفحات 261-280
وقال علي بن أبي طالب: من علم من أخيه مروءة جميلة فلا يسمعن فيه مقالات الرجال ، ومن حسنت علانيته فنحن لسريرته أرجى . وروى معمر عن إسماعيل بن أمية قال : ثلاث لا يعجزن ابن آدم: الطيرة ، وسوء الظن ، والحسد . قال : فينجيك من سوء الظن أن لا تتكلم به ، وينجيك من الحسد أن لا تبغي أخاك سوءًا ، وينجيك من الطيرة أن لا تعمل بها . فإن قال قائل: [ ليس ] (١) في حديث أنس ذكر الظن فكيف ذكره في هذا الباب ؟ ! . قال المهلب : فالجواب أن التباغض والتحاسد أصلهما سوء الظن ، وذلك أن [ المباغض والمحاسد ] (٢) يتأول أفعال من يبغضه ويحده على أسوأ التأويل ، وقد أوجب الله - تعالى - أن يكون ظنّ المؤمن بالمؤمن حسنًا أبدًا إذ يقول : ﴿لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا ﴾ (٣) فإذ جعل الله سوء الظن بالمؤمنين إفكًا مبينًا فقد ألزم أن يكون حسن الظن بهم صدقًا بينًا ، والله الموفق . باب : ما يجوز من الظنّ فيه : عائشة: قال النبي - عليه السلام -: (( ما أظن فلانًا وفلانًا يعرفان من ديننا شيئًا )) . قال الليث : كانا رجلين من المنافقين . وقال مَرةً: (( ما أظن فلانًا وفلانًا يعرفان ديننا الذي نحن عليه)). (١) في ((الأصل)): أليس. والمثبت من ((هـ)). .(٢) في ((الأصل)): التباغض والتحاسد. (٣) النور : ١٢ . - ٢٦١ - قال المؤلف : سوء الظن جائز عند أهل العلم لمن كان مظهرًا للقبيح ومجانبًا لأهل الصلاح وغير مشاهد للصلوات في الجماعة ، وقد قال ابن عمر: كنا إذا فقدنا الرجل في صلاة العشاء والصبح أسأنا الظن به. وأما قول النبي : (( ما أظن فلانًا وفلانًا يعرفان ديننا)) في رجلين من المنافقين ، فإن الظن هاهنا بمعنى اليقين ؛ لأنه كان يعرف المنافقين حقيقة بإعلام الله له بهم في سورة براءة . وقال ابن عباس : كنا نسمي سورة براءة : الفاضحة . قال ابن عباس: ما زالت تنزل ﴿ومنهم ... ﴾ [ ﴿ومنهم ... ﴾ ] (١) حتى خشينا . لأن الله - تعالى - قد حكى فيها أقوال المنافقين وأذاهم للنبي - عليه السلام - ولمزهم في الصدقات وغيرها ، إلا أن الله لم يأمره بقتلهم ، ونحن لا نعلم بالظن مثل ما علمه النبي - عليه السلام - لأجل نزول الوحي عليه ، فلم يجب لنا القطع على الظن غير أنه من ظهر منه فعل منكر فقد عرض نفسه لسوء الظن والتهمة في دينه فلا حرج على من أساء به الظن . [٤/ ق٩٦-١] / باب : ستر المؤمن على نفسه فيه: أبو هريرة قال النبي ◌َّه: ((كل أمتي معافى إلا (المجاهرون) (٢) وإن من ( المجاهرة )(٣) أن يعمل الرجل عملا بالليل ثم يصبح وقد ستره الله فيقول : يا فلان ، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه فیصبح یکشف ستر الله علیه )) . (١) من ((هـ)). (٣) في ((هـ)»: المجانة (٢) في (( هـ، ن)): المجاهرين. - ٢٦٢ - وفيه : ابن عمر: (( أن رجلا سأله كيف سمعت النبي - عليه السلام - يقول في النجوى ؟ قال : يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه فيقول : عملت كذا وكذا . فيقول : نعم. فيقرره، ثم يقول : إني سترت عليك في الدنيا ، وأنا أغفرها لك اليوم )) . قال المؤلف : وروي عن ابن مسعود أنه قال : ما ستر الله على عبد في الدنيا إلا ستر عليه في الآخرة . وهذا مأخوذ من حديث النجوى. وقال ابن عباس في قوله تعالى : ﴿وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة﴾ (١) قال : أما الظاهرة بالإسلام وما حسن من خلقك وأفضل عليك من الرزق ، وأما الباطنة فما ستر عليك من الذنوب والعيوب . وفي ستر المؤمن على نفسه منافع . منها : [ أنه ] (٢) إذا اختفى بالذنب عن العباد لم يستخفوا به ولا استذلوه ؛ لأن المعاصي تذل أهلها . ومنها : أنه إن كان ذنبًا يوجب الحد سقطت عنه المطالبة في الدنيا . وفي المجاهرة بالمعاصي استخفاف بحق الله وحق رسوله وضرب من العناد [ لهما ] (٣) فلذلك قال عليه السلام: (( كل أمتي معافى إلا ( المجاهرون ) (٤))) . قال المهلب : وأما قوله في حديث النجوى: (( يدنو أحدكم من ربه )" فقال ابن فورك : معناه يقرب من رحمته وكرامته ولطفه لاستحالة حمله على قرب المسافة والنهاية إذ لا يجوز ذلك على الله ؛ لأنه لا (١) لقمان: ٢٠ . (٢) من (( هـ )). (٣) في ((الأصل)): لهم. والمثبت من (( هـ)). (٤) في ((هـ)): المجاهرين. وانظر تعليق الحافظ عليها في الفتح (١٠/ ٥٠١). - ٢٦٣ - يحويه مكان ، ولا يحيط به موضع ، ولا تقع عليه الحدود ، والعرب تقول : فلان قريب من فلان يريدون قرب المنزلة وعلو الدرجة عنده . وأما قوله: (( فيضع الجبار عليه كنفه )) فإنه يبين ما أشرنا إليه في معنى الدنو أنه على تأويل قرب المنزلة والدرجة ، وذلك أن لفظ الكنف إنما يستعمل في مثل هذا المعنى ، ألا ترى أنه يقال : أنا في كنف فلان إذا أراد أن يعرف إسباغ فضله عليه وتوقيره عنده . وقال المهلب : عبر عليه السلام بالكنف عن ترك إظهاره جرمه للملائكة وغيرهم بإدامة الستر الذي مَنَّ به على العبد في الدنيا ؟ وجعله سببًا لمغفرته له في الآخرة ، ودليلاً للمذنب على عفوه ، وتنبيهًا له على نعمة [ الخلاص ] (١) من فضيحة الدنيا وعقوبة الآخرة التي هي أشد من عقوبة الدنيا ، لقوله تعالى : ﴿ ولعذاب الآخرة أشد وأبقى﴾ (٢) [فيشكر] (٣) ربه [ويذكر ] (٤) وهذا الحديث كقوله تعالى : ((إن رحمتي سبقت غضبي)) لأن تأخير غضبه عنه عند مجاهرة: ربه بالمعصية ، وهو يعلم أنه لا تخفى عنه خافية مما يعلم بصحيح النظر أنه لم يؤخر عقوبته عنه لعجز عن إنفاذها عليه إلا لرحمته التي حكم لها بالسبق لغضبه ؛ إذ ليس من صفة رحمته التي وسعت كل شيء أن تسبق في الدنيا بالستر من الفضيحة ويسبقها الغضب في ذلك. الذنب في الآخرة ، فإذا لم يكن بد من تغليب الرحمة على الغضب فليبشر المذنبون المستترون بسعة رحمة الله ، وليحذر المجاهرون بالمعاصي من وعيد الله النافذ على من شاء من عباده . وفي قوله تعالى : (( سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم)) (١) في ((الأصل)): الإخلاص. والمثبت من ((هـ)). (٣) في ( الأصل)): فشكر. والمثبت من ((هـ)). (٢) طه : ٢٠٧ . (٤) من ((هـ)) - ٢٦٤ - نص منه تعالى على صحة قول أهل السنة في ترك إنفاذ الوعيد على العصاة من المؤمنين ، والحجة فيه من طريق النظر أنه ليس مذمومًا من وجب له حق على غيره فوهبه له ، والمرء قد يقول لعبده : إن صنعت كذا عاقبتك بكذا على معنى أنك إن أتيت هذا الفعل [ كنت مستحقا] (١) عليه هذه المعاقبة، فإذا جنى العبد تلك الجناية كان السيد مخيرًا في حق نفسه إن شاء أمضاه وإن شاء تركه، وإذا [ قال ] (٢): إن فعلت كذا وكذا فلك عليّ كذا وكذا ففعل ما كلفه لم يجز أن يخلفه بما وعده ؛ لأن في تمام الوعد حقا للعبد ، وليس لأحد أن يدع حق غيره کما له أن يدع حق نفسه . والعرب تفتخر بخلف الوعيد ، ولو كان مذمومًا لما جاز أن تفتخر بخلفه وتمتدح به ، أنشد أبو عمرو الشيباني : وإني متى أوعدته ووعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي / قال المهلب : فإن أخذ الله المنفذين [ للوعيد ] (٣) بحكمهم أنفذه (٤/ ٩٦٥ -ب] عليهم دون غيرهم لقطعهم على الله الواسع الرحمة بإنفاذه الوعيد لظنهم بالله ظن السوء فعليهم دائرة السوء ، وكان لهم عند ظنهم كما وعد فقال: (( أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء)). باب : الکبر وقال مجاهد : ﴿ ثاني عطفه ﴾ (٤) مستكبر في نفسه ، عطفه: رقبته . فيه : حارثة بن وهب : قال النبي - عليه السلام -: (( ألا أخبركم بأهل (١) في ((الأصل)): عاقبتك. والمثبت من ((هـ)). (٢) في ((الأصل)): قلت. والمثبت من (( هـ ). (٣) في ((الأصل)): للوعد. والمثبت من ((هـ)). (٤) الحج : ٩ . - ٢٦٥ - الجنة : كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره ، ألا أخبركم بأهل النار : كل جواظ عتل مستكبر )» . فيه: أنس قال: (( كانت الأَمَة من [ إِماء ] (١) أهل المدينة تأخذ بيد النبي - عليه السلام - فتنطلق به حيث شاءت » . قال المؤلف : روى شعبة عن علي بن زيد ، عن أنس زيادة في هذا الحديث قال: ((إن كانت الوليدة من ولائد المدينة لتأخذ بيد النبي - عليه السلام - فما ينزع يدها من يده حتى تكون هي تنزعها )) . . وروى شعبة [ عن ] (٢) أبان بن تغلب، عن فضيل [الفقيمي](٣) عن النخعي، عن علقمة ، عن عبد الله ، عن النبي - عليه السلام - قال: (( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر . فقال رجل : إن الرجل ليجب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنًا ، قال : إن الله جميل يحب الجمال ، الكبر بطر الحق وغمص الناس)). روى عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي - عليه السلام - قال: (( إن المستكبرين يحشرون يوم القيامة أشباه الذر على صور الناس، يعلوهم كل شيء مِن الصغار ، يساقون حتى يدخلوا سجنًا في النار يسقون من طينة الخبال : عصارة أهل النار)). قال الطبري : فإن قيل : قد وصف النبي - عليه السلام - العتل الجواظ المستكبر أنه من أهل النار فبين لنا تكبره على من هو ؟ قيل : هو الذي باطنه منطوٍ على الكبر على الله، فهذا كافر لا شك في كفره، وذلك هو [ الكبر ] (٤) الذي عناه [النبي ◌َّو ] (٥) بقوله (١) من (( ن)). (٢) في ((الأصل)): بن. والمثبت من (( هـ)). (٣) في ((الأصل، هـ)): الفقيم . والمثبت من صحيح مسلم . (٤) من (( هـ ). (٥) في ((الأصل)): الله تعالى. والمثبت من (( هـ). - ٢٦٦ - في حديث ابن مسعود: (( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال (حبة)(١) من كبر)) . فإن قيل : فقد وصفت الكبر بغير ما وصفه به النبي - عليه السلام- وذلك أنك رويت عنه أنه قال: (( الكبر من سفه الحق وغمص الناس وازدراء [ الحق ] (٣))) ووصفت أنت الكبر بأنه التكبر على الله. قيل : الكبر الذي وصفناه هو خلاف خشوع القلب لله - تعالى - ولا ينكر أن يكون من الكبر ما هو استكبار على غير الله ، والذي قلنا من معنى الكبر على الله فإنه غير خارج من معنى ما روينا عنه عليه السلام أنه : (( غمص الناس وازدراء الحق )» وذلك أن معتقد الكبر على ربه لا شك أنه للحق مزدرٍ وللناس أشد استحقاراً . ومما يدل على أن المراد بمعنى الآثار في ذلك عن النبي - عليه السلام - ما قلناه ما حدثناه يونس ، عن ابن وهب ، عن عمرو بن الحارث أن دراجًا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله وَ ل* قال: ((من تواضع لله درجة رفعه الله درجة ، ومن يتكبر على الله درجة يضعه الله درجة حتى [يجعله] (٣) في أسفل سافلين )) فدل هذا الحديث أن غمص الحق وحقر الناس استكبارًا على الله . وقد روى حماد بن سلمة عن قتادة ، و[ علي ] (٤) بن زيد عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ، عن النبي ◌َّ﴾ فيما حكى عن ربه- تعالى - قال: (( الكبرياء ردائي فمن نازعني ردائي قصمته )) (١) في (( هـ )) : ذرة . (٢) في (( الأصل)): الناس. والمثبت من (( هـ)). (٣) في ((الأصل)): يجعلها. والمثبت من ( هـ). (٤) في ((الأصل)): عن، والمثبت من (( هـ)). - ٢٦٧ - فالمستكبر على الله - تعالى - لا شك أنه [ منازعه ] (١) رداءه، ومفارق دينه، وحرام عليه جنته كما قال عليه السلام أنّه: (( لا يدخلها. إلا نفس مسلمة )) ومن لم يخشع لله قلبه فهو عليه مستكبر ؛ إذ معنى الخشوع التواضع وخلاف الخشوع والتواضع التكبر والتعظم ، فالحق لله على كل مكلف إشعار قلبه الخشوع بالذلة والاستكانة له بالعبودية خوف أليم عقابه ، وقد روي عن محمد بن علي أنه قال: (( ما دخل قلب امرئ شيء من الكبر إلا نقص من عقله مثله قل ذلك أو كثر)) . وقد تقدم تفسير العتل والجواظ [ في باب قول الله - تعالى - : ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم﴾ (٢) ] (٣) في كتاب الأيمان والنذور. باب : الهجرة [٤/ ق٩٧-١] / وقول الرسول : (( لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث)). فيه : عائشة: (( أن عبد الله بن الزبير قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة : والله لتنتهين عائشة أو لأحجرن عليها . فقالت : أهو قال هذا ؟ قالوا : نعم . قالت : هو الله عليّ نذر أن لا أكلم ابن الزبير أبدًا . فاستشفع ابن. الزبير إليها حين طالت الهجرة ، فقالت : لا والله لا أشفع فيه أبداً ،. ولا أتحنث إلى نذري . فلما طال ذلك على ابن الزبير كلم المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث ، وهما من بني زهرة فقال لهما : أنشدكما بالله لما ادخلتماني على عائشة ؛ فإنها لا يحل لها أن تنذر قطيعتي. فأقبل [ به ] (٤) عبد الرحمن والمسور مشتملين بأرديتهما (١) في ((الأصل)): نازعه. والمثبت من (( هـ)). (٢) الأنعام: ١٠٩، النحل : ٣٨. (٣) من ( هـ)). . (٤) من ((هـ ، ن)). : - ٢٦٨ - حتى استأذنا على عائشة فقالا : السلام عليك ورحمة الله وبركاته أندخل؟ قالت عائشة: ادخلوا. قالوا : كلنا؟ قالت : نعم ادخلوا كلكم. ولا تعلم أن معهم ابن الزبير ، فلما دخلوا دخل ابن الزبير الحجاب فاعتنق عائشة فطفق يناشدها ويبكي ، وطفق المسور و[عبد الرحمن] (١) يناشدانها إلا ما كلمته وقبلت منه ويقولان : إن النبي - عليه السلام - قد نهى عما [ قد علمت ] (٢) من الهجرة، وإنه لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث [ ليال ] (٣) قال: فلما أكثروا على عائشة من التذكرة والتحريج طفقت تذكرهما وتبكي وتقول : إني نذرت والنذر شديد ! فلم يزالا بها حتى كلمت ابن الزبير و[ أعتقت ] (٤) في نذرها أربعين رقبة ، و کانت تذکر نذرها بعد ذلك فتبكي حتى تبل دموعها خمارها )) . وفيه أنس : قال النبي - عليه السلام -: (( لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا ، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا ، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)». قال الطبري : في حديث أنس وأبي أيوب البيان الواضح أنه غير جائز لمسلم أن يهجر مسلمًا أكثر من ثلاثة أيام ، وأنه إن هجره أكثر من ثلاثة أيام أثم ، وكان أمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه ؛ لأنه عليه السلام أخبر أنه لا يحل ذلك ومن فعل ما هو محظور عليه فقد اقتحم حمى الله وانتهك حرمته . وفيه دليل أن هجرته دون ثلاثة أيام مباح لهما ولا تبعة عليهما فيها. وقال غيره : تجاوز الله لهما عما يعرض لهما من ذلك في ثلاثة (١) في ((الأصل)): مخرمة. والمثبت من ((هـ، ن)). (٢) فى ((الأصل)): عملت. والمثبت من ((هـ، ن)). (٤) في (( الأصل)): اعتق، والمثبت من ( هـ ، ن). (٣) من (( هـ، ن)). - ٢٦٩ - أيام لما فطر الله العباد [ عليه ] (١) من ضعف الحيلة ، وضيق الصدر وحرم عليهما ما زاد على الثلاث ؛ لأنه من الغل الذي لا يحل وروى عيسى عن ابن القاسم في الرجل يهجر أخاه إلا أنه يسلم عليه من غير أن يكلمه بغير السلام هل يبرأ من الشحناء ؟ فقال : سمعت مالكًا يقول : إن كان مؤذيًا له فقد برئ من الشحناء ، وإن كان غير مؤذ فلا يبرأ من الشحنا . وقاله أحمد بن حنبل . وروى ابن وهب عن مالك [قولا ] (٢) آخر : إذا سلم عليه فقد قطع الهجرة ، وقوله عليه السلام: (( وخيرهما الذي يبدأ بالسلام )) حجة لهذا القول . وقيل لابن القاسم : هل ترى شهادته عليه جائزة باجتنابه كلامه وهو غير مؤذ له ؟ قال : لا تقبل شهادته عليه . قال الطبري : فإن قيل : فما أنت قائل في حديث عائشة حين هجرت عبد الله بن الزبير وحلفت أن لا تكلمه أبدًا فتحمل عليها بالشفعاء حتى كلمته ؟ قال : معنى الهجرة هو ترك الرجل كلام أخيه مع تلاقيهما واجتماعهما وإعراض كل واحد منهما عن صاحبه مصارمة له ( وتركه السلام ) (٣) عليه، وذلك أن من حق المسلم على المسلم إذا تلاقيا أن يسلم كل واحد منهما على صاحبه ، فإذا تركا ذلك بالمصارمة فقد دخلا فيما حظر الله ، واستحقا العقوبة إن لم يعف الله عنهما . فعائشة لم تكن ممن يلقى ابن الزبير فتعرض عن السلام عليه صرمًا له، وإنما كانت من وراء حجاب ، ولا يدخل عليها أحد إلا بإذن ، (١) من (( هـ ). (٢) في ((الأصل)): قول .. والمثبت من ((هـ). (٣) في (( هـ )) : وتركًا للسلام. - ٢٧٠ - وكان لها منع ابن الزبير دخول منزلها ، وليس ذلك من الهجرة المنهي عنها ، كما لو كانت في بلدة وهو في أخرى لا يلتقيان لم يكن ذلك من الهجرة التي يأثمان بتركهما الاجتماع ، وإن مرت لهما أعوام كثيرة، ولم يكونا يجتمعان فيعرض أحدهما عن صاحبه . ويبين صحة ما قلناه قوله في حديث أبي أيوب : (( لا يحل لمسلم / أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا )) فأخبر [٤/ ق٩٧-ب] عليه السلام [ بسبب حظر ] (١) الله - تعالى - هجرة المسلم أخاه إنما ذلك من أجل تضييعهما ما أوجب الله عليهما عن تلاقيهما فإذا لم يلتقيا فيفرط كل واحد منهما في واجب أخيه عليه ، وذلك بعيد من معنى الهجرة . وقد تأول غير الطبري في هجرة عائشة لابن الزبير وجهًا آخر فقال: إنما ساغ لعائشة ذلك ؛ لأنها أم المؤمنين وواجب توقيرها وبرها لجميع المؤمنين ، وتنقصها كالعقوق لها فهجرت ابن الزبير أدبًّا له ، ألا ترى أنه لما نزع عن قوله ، وندم عليه وتشفع إليها رجعت إلى مكالمته وكفرت يمينها ، وهذا من باب إباحة هجران من عصى والإعراض عنه حتى يفيء إلى الواجب عليه . باب : ما يجوز من الهجران لمن عصى قال كعب حين تخلف عن رسول الله : ونهى الرسول عن كلامنا . وذكر خمسين ليلة . فيه : عائشة: أن النبي - عليه السلام - قال: (( إني لأعرف غضبك (١) في ((الأصل)): بحظر. والمثبت من (( هـ ). - ٢٧١ - ورضاك . قلت : وكيف تعرف ذلك يا رسول الله ؟ قال : إذا كنت راضية قلت : بلى ورب محمد ، وإذا كنت ساخطة قلت : لا ورب إبراهيم. قالت : أجل لست أهاجر إلا اسمك)). قال المهلب : غرضه في هذا الباب أن يبين صفة الهجران الجائز وأن [ ذلك ] (١) متنوع على قدر الإجرام ، فمن كان جرمه كبيرًا فينبغي هجرانه واجتنابه وترك مكالمته كما جاء في أمر كعب بن مالك وصاحبيه، وما كان من المغاضبة بين الأهل والإخوان فالهجران الجائز فيهما هجران التحية والتسمية وبسط الوجه كما فعلت عائشة في مغاضبتها مع رسول الله . قال الطبري : وفي حديث كعب بن مالك أصل في هجران أهل المعاصي والفسوق والبدع ، ألا ترى أنه عليه السلام نهى عن كلامهم بتخلفهم عنه ، ولم يكن ذلك كفرًاً ولا ارتدادًا ، وإنما كان معصية ركبوها ، فأمر بهجرتهم حتى تاب الله عليهم ، ثم أذن في مراجعتهم، فكذلك الحق فيمن أحدث ذنبًا خالف به أمر الله ورسوله فيما لا شبهة فيه ولا تأويل ، أو ركب معصية على علم أنها معصية لله أن يهجر غضبًا لله ورسوله ، ولا يكلم حتى يتوب وتعلم توبته علمًا ظاهراً كما قال في قصة الثلاثة الذين خلفوا . فإن قيل : فيحرج مكلم أهل المعاصي والبدع على كل وجه ؟! قيل : إن كلمهم بالتقريع لهم والموعظة والزجر لهم عما يأتونه لم يكن [ حرجًا ] (٢) فإن كلمهم على غير ذلك خشيت أن يكون إثمًا ، إلا من أمر لا يجد من كلامه فيه بدا فيكلمه وهو كاره لطريقته وعليه (١) في ((الأصل)): كان. والمثبت من (( هـ)). (٢) في ((الأصل)): حردًا. والمثبت من ((هـ)). - ٢٧٢ - واجد كالذي كان من أبي قتادة في كعب بن مالك إذ ناشده الله هل تعلم أني أحب الله ورسوله ؟ كل ذلك لا يجيبه ، ثم أجابه أن قال: الله ورسوله أعلم ، ولم يزده على ذلك . فإن قيل : إنك تبيح كلام أهل الشرك بالله ، ولا توجب على المسلمين هجرتهم فكيف ألزمتنا هجرة أهل البدع والفسوق ، وهم بالله ورسوله مقرون ؟ قيل : إن حظرنا ما حظرنا وإطلاقنا ما أطلقنا لم يكن إلا عن أمر من لا يسعنا خلاف أمره ، وذلك لنهيه عليه السلام عن كلام النفر المتخلفين عن تبوك وهم بوحدانية الله [ مقرون ] (١) ونبوة نبيه [مصدقون] (٢) وأما المشركون [ فإنما ] (١) أطلقت لأهل الإيمان كلامهم الإجماع الجميع على إجازتهم البيع والشراء منهم والأخذ والإعطاء ، وقد يلزم من هجرة كثير من المسلمين في بعض الأحوال ما لا يلزم من هجرة كثير من أهل الكفر . وذلك أنهم أجمعوا على أن [ رجلا ] (٣) من المسلمين لو لزمه حد من حدود الله في غير الحرم ثم استعاذ بالحرم أنه لا يبايع ولا يكلم ولا يجالس حتى يخرج من الحرم [ فيقام ] (٤) عليه حد [ الله تعالى](٥) ولله أحكام في خلقه جعلها بينهم مصلحة لهم هو أعلم بأسبابها وعليهم التسليم لأمره فيها ؛ لأن الخلق والأمر لله ، تبارك الله رب العالمين . (١) من ( هـ )) . (٢) في ((الأصل)): مقرون. والمثبت من (( هـ)). (٣) في ((الأصل)): رجل، والمثبت من (( هـ). (٤) في ((الأصل)): حتى يقام، والمثبت من ((هـ)). (٥) في ((الأصل)): حده. والمثبت من (( هـ)). - ٢٧٣ - ٠٠ باب : هل یزور صاحبه كل يوم أو بكرة وعشيا فيه : عائشة: قالت: « لم أعقل أبويّ إلا وهما یدینان الدين ، ولم يمر [٤/ ق٩٨- ١] علينا يوم إلا يأتينا فيه النبي / 4# طرفي النهار بكرة وعشيا ، فبينا نحن جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة ، قال قائل : هذا رسول الله في ساعة لم يكن يأتينا فيها ... )) الحديث . قال المؤلف : في هذا الحديث جواز زيارة الصديق الملاطف مرتين كل يوم، وليس [ بمعارض] (١) لحديث أبي هريرة أن النبي وَ خلال قال: ((زر غبا تزدد حبا)» ذكره أبو [ عبيد] (٢) في كتاب الأمثال، وإنما في قوله هذا إعلام منه عليه السلام أن إغباب الزيارة أزيد في المحبة وأثبت للمودة ؛ لأن مواترة الزيارة والإكثار منها ربما أدت إلى الضجر ، وأبدت أخلافًا كامنة لا تظهر عند الإغباب فآلت إلى البغضة ، وكانت سببًا للقطيعة أو للزهد في الصديق. وفي حديث عائشة في هذا الباب جواز زيارة الصديق [الملاطف](٣) لصديقه كل يوم على قدر حاجته إليه والانتفاع به في مشاركته له ، فهما حديثان مختلفان لكل واحد منهما معنى غير معنى صاحبه وليسا بمتعارضين . باب : الزيارة ومن زار قومًا [فطعم ] (٤) عندهم وزار سلمان أبا الدرداء في عهد النبي فأكل عنده . فيه: أنس: (( أن رسول الله زار أهل بيت من الأنصار فطعم عندهم (١) في ((الأصل)): يعارض. والمثبت من (( هـ)). (٣) من ( هـ ). (٢) في ((الأصل)): عبيدة. والمثبت من (( هـ )). (٤) في ((الأصل)): يطعم. والمثبت من (( هـ، ن)). - ٢٧٤ - طعامًا فلما أراد أن يخرج أمر بمكان من البيت فنضح [ له ] (١) على بساط فصلى عليه ودعا لهم )) . قال المؤلف : من تمام الزيارة إطعام الزائر ما حضر وإتحافه بما تيسر وذلك من كريم الأخلاق ، وهو مما يثبت المودة ويؤكد المحبة . وفيه : أن الزائر إذا أكرمه المزور أنه ينبغي له أن يدعو له ولأهل بيته ويبارك في طعامهم وفي رزقهم . باب : من تجمل للوفود فيه: يحيى بن أبي [ إسحاق ] (٢) قال: (( قال لي سالم بن عبد الله: ما الإستبرق؟ قلت : ما غلظ من الديباج وحسن منه ، قال: سمعت عبد الله يقول : رأى عمر على رجل حلة من إستبرق فأتى بها النبي - عليه السلام - فقال : يا رسول الله ، اشتر هذه فالبسها لوفد الناس إذا قدموا عليك . فقال : إنما يلبس الحرير من لا خلاق له ... )) الحديث . قال المؤلف : فيه : جواز تجمل الخليفة والإمام للوفود القادمين عليه بحسن الزي وجميل الهيئة ألا ترى قول عمر للنبي: (( اشتر هذه فالبسها لوفد الناس إذا قدموا عليك )) وهذا يدل أن عادة النبي كانت جارية بالتجمل لهم ، فينبغي الاقتداء بالنبي في ذلك ، ففيه تفخيم الإسلام ومباهاته للعدو وغيظ الكفار . وقد تقدم في كتاب اللباس ما للعلماء في لباس الحرير . (١) في (( الأصل)): ماء. والمثبت من ((هـ، ن)). (٢) في ((الأصل)): شعبة. والمثبت من (( هـ، ن). - ٢٧٥ - باب : الإخاء والحلف وقال أبو جحيفة : آخى النبي بين سلمان وأبي الدرداء . وقال عبد الرحمن بن عوف : لما قدمنا المدينة آخى النبي بيني وبين سعد ابن الربيع . فيه: أنس: (( قدم علينا عبد الرحمن بن عوف فآخى النبي بينه وبين سعد بن الربيع )) . وفيه : عاصم قلت لأنس بن مالك: (( بلغك أن النبي - عليه السلام - قال: لا حلف في الإسلام ؟ فقال : قد حالف النبي بين قريش والأنصار في داري » . قال المؤلف : آخى النبي بين المهاجرين والأنصار أول قدومه المدينة وحالف بينهم ، وكانوا يتوارثون بذلك الإخاء والحلف دون ذوي الرحم ، قال سعيد بن جبير : وقد عاقد أبو بكر رجلا فورثه . قال الحسن : كان هذا قبل آية المواريث ، وكان أهل الجاهلية يفعلون ذلك .. وقال ابن عباس : فلما نزلت : ﴿ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان﴾ (١) يعني: ورثة، نسخت ثم قال: ﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ﴾ (٢) يعني : من النصر والرفادة والنصيحة وقد ذهب الميراث قال الطبري : ولا يجوز الحلف اليوم في الإسلام لما حدثنا به أبو كريب وغيره قالا : حدثنا محمد بن بشير ، حدثنا زكريا بن أبي زائدة، حدثنا سعد بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن جبير بن مطعم: ، عن النبي - عليه السلام - أنه قال: (( لا حلف في الإسلام وما كان من [٩٨٥/٤-ب] حلف في الجاهلية فلا يزيده الإسلام إلا شدة)) / وقال ابن عباس : (١) النساء : ٣٣. (٢) الأحزاب : ٦ . - ٢٧٦ - نسخ الله حلف الجاهلية وحلف الإسلام بقوله: ﴿ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ (١) ورد المواريث إلى القرابات . فإن قيل : فما معنى قوله عليه السلام: ((وما كان من حلف في الجاهلية فلا يزيده الإسلام إلا شدة)). قيل : الذي أمر به النبي - عليه السلام - بالوفاء به من ذلك هو ما لم ينسخه الإسلام ولم يبطله حكم القرآن ، وهو التعاون على الحق والنصرة على الأخذ على يد الظالم الباغي . باب : التبسم والضحك وقالت فاطمة : أسر إليّ النبي عليه السلام فضحكت . ذكر في هذا الباب أحاديث كثيرة فيها أن النبي - عليه السلام - ضحك وفي بعضها أنه تبسم وذكر حديث عائشة قالت : (( ما رأيت النبي - عليه السلام - مستجمعًا قط ضاحكًا حتى أرى منه لهواته ، إنما كان يتبسم)) . وفي حديث أبي هريرة في الذي وقع على أهله في رمضان: (( أنه عليه السلام ضحك حتى بدت نواجذه )) . والنواجذ آخر الأسنان ، وهي أسنان الحلم عند العرب . فإن قيل : إن هذا خلاف لما روته عائشة: ((أنها لم تره عليه السلام مستجمعًا ضحكًا قط حتى تبدو لهواته )) ولا تبدو النواجذ على ما قال أبو هريرة إلا عند الاستغراق في الضحك وظهور اللهوات . . (١) الأنفال : ٧٥ . - ٢٧٧ - قيل : ليس هذا بخلاف لأن أبا هريرة شهد ما لم تشهد عائشة ، وأثبت ما ليس في خبرها ، والمثبت أولى وذلك زيادة يجب الأخذ بها، وليس في قول عائشة قطع منها أنه لم يضحك قط حتى تبدو لهواته في وقت من الأوقات ، وإنما أخبرت بما رأت كما أخبر أبو هريرة بما رأى ، وذلك إخبار عن وقتين مختلفين . ووجه تأويل هذه الآثار - والله أعلم - أنه كان عليه السلام في أكثر أحواله يتبسم ، وكان أيضًا يضحك في أحوال أخر ضحكًا أعلى من التبسم ، وأقل من الاستغراق الذي تبدو فيه اللهوات، هذا كان شأنه، وكان في النادر عند إفراط تعجبه ربما ضحك حتى تبدو نواجذه ، ويجري على عادة البشر في ذلك لأنه قد قال: ((إنما أنا بشر)) فبين لأمته بضحكه [ الذي ] (١) بدت فيه نواجذه أنه غير محرم على أمته ، وبان بحديث عائشة: أن التبسم والاقتصار في الضحك هو الذي ينبغي لأمته فعله والاقتداء به فيه للزومه عليه السلام له في أكثر أحواله . وفيه وجه آخر ؛ من الناس من يسمي الأنياب الضواحك نواجذ واستشهد بقول لبيد : وإذا الأسنة أشرعت لنحورها أبرزن حد نواجذ الأثياب فتكون النواجذ الأنياب على معنى إضافة الشيء إلى نفسه ، وذلك جائز إذا اختلف اللفظان كما يجوز عطف الشيء على نفسه إذا اختلف اللفظان ، ومن إضافة الشيء إلى نفسه قوله تعالى : ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ﴾ (٢) ﴿وحب الحصيد﴾ (٣)، وقولهم: مسجد الجامع ، وقال رؤبة : إذا استعبرت من جفون الأغماد (١) في ((الأصل)): التي. والمثبت من ((هـ)). (٢) ق : ١٦ . (٣) ق : ٩ . - ٢٧٨ - والجفون هي الأغماد ، وإضافة الشيء إلى نفسه مذهب الكوفيين ، وقد وجدنا أن النواجذ يعبر عنها بالأنياب [ في ] (1) حديث الذي وقع على أهله في رمضان وقع في هذا الباب: (( أن النبي - عليه السلام - ضحك حتى بدت نواجذه )) ووقع في كتاب الصيام في هذا الحديث : (( أنه ضحك حتى بدت أنيابه)) فارتفع اللبس بذلك وزال الاختلاف بين الأحاديث ، وهذا الوجه أولى ، والله أعلم . وهذا الباب يرد ما روي عن الحسن البصري أنه كان لا يضحك ، وروى جعفر عن أسماء قالت : ما رأيت الحسن في جماعة ولا في أهله ولا وحده ضاحكً قط إلا متبسمًا . ولا أحد زهد كزهد النبي - عليه السلام - وقد ثبت عنه أنه ضحك، وكان ابن سيرين يضحك ويحتج على الحسن ويقول : الله هو الذي أضحك وأبكى . وكان الصحابة يضحكون ، وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة قال: سئل ابن عمر [هل] (٢) كان أصحاب النبي وَّ يضحكون ؟ قال : نعم ، والإيمان في قلوبهم أعظم من الجبال . وفي رسول الله وأصحابه المهتدين الأسوة الحسنة . وأما المكروه من هذا الباب فهو الإكثار من الضحك كما قال لقمان لابنه : يا بني إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب / فالإكثار منه [٤/ ق٩٩-١] وملازمته حتى يغلب على صاحبه مذموم منهي عنه ، وهو من فعل أهل السفه والبطالة . (١) في ((الأصل)): و. والمثبت من ((هـ)). (٢) من (( هـ)). - ٢٧٩ - باب : قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ﴾ (١) وما ينهى عنه من الكذب فيه : عبد الله عن النبي - عليه السلام - أنه قال: ((إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقًا ، وإن الكذب ليهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا )) . وفيه : أبو هريرة قال: قال النبي - عليه السلام -: (( آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان)) . وفيه : سمرة قال: قال النبي - عليه السلام -: (( رأيت الليلة [رجلين] (٢) أتياني قالا : الذي رأيته يشق شدقه فكذاب يكذب الكذبة تحمل عنه حتى تبلغ الآفاق ، فيصنع به إلى يوم القيامة )) . قال المؤلف : مصداق حديث عبد الله في كتاب الله: ﴿ إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم ﴾ (٣) والصدق أرفع خلال المؤمنين ألا ترى قوله : ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾(١) فجعل الصدق مقارنًا للتقوى ، وقيل للقمان الحكيم : ما بلغ بك ما نرى ؟ قال : صدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وتركي ما لا يعنيني . وروى مالك عن صفوان بن سليم أنه [ قيل ] (٤) للنبي - عليه السلام - : أيكون المؤمن كذابًا ؟ قال : لا . وظاهر هذا معارض لحديث عبد الله ، والتأويل الجامع بينهما أن معنى حديث صفوان لا [ يكون ] (٥) المؤمن المستكمل لأعلى درجات (١) التوبة : ١١٩ . (٢) في ((الأصل)): رجلان. والمثبت من ( هـ)). (٣) الانفطار: ١٣، ١٤. (٤) في ((الأصل)) قال. والمثبت من ((هـ). (٥) في ((الأصل)): يكذب. والمثبت من (( هـ)). - ٢٨٠ -