النص المفهرس
صفحات 181-200
تعالى، وترك التعرض لكل ما يشغل المصلي عن الخشوع ، ألا ترى أن رسول الله نبه على هذا المعنى بقوله: (( فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي )) وهذا مثل ما عرض له عليه السلام في الخميصة التي أهداها له أبو جهم فقال: ((اذهبوا بها إلى أبي جهم ، فإني نظرت إلى علمها في الصلاة فكاد يفتنني)) . وفيه من الفقه : أن ما يعرض للمرء في صلاته من الفكرة في أمور الدنيا وما يخطر بباله من ذلك ، وما ينظر إليه بعينه أنه لا يقطع صلاته ، كما لم يقطع صلاة النبي اعتراض التصاوير له فيها ؛ إذ لم يسلم أحد من ذلك . باب : لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة فيه : ابن عمر: (( وعد النبي - عليه السلام - جبريل ، فراث عليه [حتى](١) اشتد على النبي - عليه السلام - فخرج النبي فلقيه ، فشكا إليه ما وجد، فقال له: ((إنا لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا صورة)). قال ابن وضاح : الملائكة في هذا الحديث ملائكة الوحي مثل جبريل وإسرافيل ، فأما الحفظة فيدخلون كل بيت ولا يفارقان الإنسان على كل حال ، وقاله الداودي أيضًا . قال الطبري : إن قال قائل : أفحرام دخول البيت الذي فيه التماثيل والصور ؟ قيل : لا ، ولكنه مكروه أعني ما كان من ذلك من ذوات الأرواح، وأما ما كان من ذلك علمًا في ثوب أو رقمًا فيه ، وكان مما (١) في ((الأصل)): حين. والمثبت من (( هـ، ن)). (٢) من (( هـ )). - ١٨١ - : يوطأ ويجلس عليه فلا بأس به [ وما كان مما ينصب ، فإن كان من صورة ما لا روح فيه فلا بأس به ] (١) كصور الأشجار والزرع والنبات، وإن كان من صور ما فيه الروح فلا أستحبه لما حدثنا محمد ابن عبد الملك بن أبي الشوارب ، حدثنا يزيد ، حدثنا داود بن أبي هند ، حدثنا عزرةُ ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن سعد بن هشام، عن عائشة قالت: ((كان لنا ستر فيه تمثال طير مستقبل باب البيت فقال النبي - عليه السلام - : حوليه فإني كلما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا . قالت : وكان لنا قطيفة لها علم حرير فكنا نلبسها )) فلم يقطعه ، ولم يأمر عائشة بفساد تمثال الطير الذي كان في الستر ، ولكنه أمر بتنحيته عن موضعه الذي كان معلقًا فيه من أجل كراهيته الرؤىته إياه ، لما يذكر من الدنيا وزينتها ، وفي قوله عليه السلام : («فإني كلما رأيته ذكرت الدنيا)» دليل بين على أنه [ كان ] (١) يدخل البيت الذي ذلك فيه فيراه، ولا ينهى عائشة عن تعليقه ، وذلك يبين [٨٢٥/٤-بـ] صحة ما قلنا من / أن ذلك إذا كان رقمًا في ثوب وعلمًا فيه فإنه مخالف معنى ما كان منه مثالا ممثلا قائمًا بنفسه . : وقوله : فراث عليه يعني أبطأ ، ومنه قولهم : رُبّ عجلة تهب ريثًا . باب : من لعن المصور فيه : أبو جحيفة: ((أن النبي - عليه السلام - لعن المصور ... )) الحديث. وفيه: ابن عباس قال: ((سمعت محمدً وَلّ يقول : من صور صورة في الدنيا كلف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح ، وليس بنافخ » . (١) من ( هـ)). - ١٨٢ - قال المهلب : إن قال قائل : كيف أدخل البخاري حديث ابن عباس في باب من لعن المصور ، وليس ذلك في الحديث ؟ قيل : وجه ذلك - والله أعلم - أن اللعن في لغة العرب الإبعاد من رحمة الله بالعذاب ، ومن كلفه الله أن ينفخ الروح فيما صور وهو لا يقدر على ذلك أبدًا فقد أبعده الله من رحمته ، فأين أكثر من هذا اللعن ؟! قال الطبري : وفي قوله عليه السلام: (( من صور صورة كلف أن ينفخ فيها الروح)) دليل بين أن الوعيد إنما جاء في تصوير ما له روح من الحيوان ، وأما تصوير الشجر والجمادات فليس بداخل في معنى الحديث . وروى سفيان عن عوف [ عن ] (١) سعيد بن أبي الحسن قال : («كنت عند ابن عباس فأتاه رجل فقال : إن معيشتي من هذه التصاوير، فقال ابن عباس : قال النبي - عليه السلام - : من صور صورة كلف أن ينفخ فيها وليس بنافخ . فاصفر الرجل ، فلما رأى صفرته قال : إن كنت لابد صانعًا فعليك بهذا الشجر وكل شيء ليس فيه روح )). باب : الارتداف على الدابة فيه : أن الرسول أردف أسامة على حمار . وقد تقدم في الحج . (١) في ((الأصل)): بن. والمثبت من ((هـ). - ١٨٣ - باب : الثلاثة على الدابة فيه : ابن عباس قال: (( لما قدم النبي - عليه السلام - مكة استقبله أغيلمة بني عبد المطلب فحمل واحدًا بين يديه وآخر خلفه )) . قال الطبري : فإن قال قائل : هذا حديث صحيح ، فما أنت قائل فيما حدثك إسحاق بن زيد الخطابي قال : حدثنا محمد بن سليمان ، عن أبيه قال : حدثنا عطاء ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله: (( لا يركب الدابة فوق اثنين)) ؟ قيل : قد اختلف السلف في ذلك فقال بعضهم بخبر ابن عباس ، وقالوا : جائز أن يركب الدابة ثلاثة إذا أطاقت حملهم ، روي ذلك عن ابن عمر قال : ما أبالي أن أكون عاشر عشرة على دابة إذا أطاقت حمل ذلك . رواه شعبة عن عاصم ، عن الشعبي عنه . وكره آخرون ركوب دابة أكثر من اثنين ، واحتجوا بحديث أبي سعيد ، روي ذلك عن علي بن أبي طالب قال : إذا رأيتم ثلاثة نفر على دابة فارجموهم حتى ينزل أحدهم . قال الطبري : وكلا الخبرين [ صحيحان ] (١) فأما معنى حمله اثنين على دابة هو راكبها حتى صاروا ثلاثة عليها ؛ فلأنها كانت مطيقة حملهم ، غير فادح ركوبهم عليها ولا مضر بها . وقد قال ابن أبي مليكة عن ابن عباس أن مركب النبي -عليه السلام- الذي حمل الاثنين عليه معه كان ناقة . ولا شك أن ركوب ثلاثة أنفس [ على ناقة ] (٢) غير فادحها ، ولا مضر بها ، وإن كان ذلك فرسًا أو بغلا فلا شك أنه غير فادحه حمل رجل وصبيين يسير (١) في ((الأصل)): صحيحًا. والمثبت من ((هـ)). (٢) من (( هـ )). - ١٨٤ - مسافة من الأرض لا يتعذر على الصبيان قطعها مشيًا ، وروى ابن مهدي ، عن حماد بن سلمة ، عن عاصم ، عن زر ، عن ( ابن)(١) مسعود قال : كان يوم بدر ثلاثة على بعير . وأما معنى نهيه عليه السلام عن ركوب أكثر من اثنين على الدابة فإنما هو نهي عن ركوب ما لم يطق من الدواب حمل أكثر من راكبين، وذلك معنى قول علي : إذا رأيتم ثلاثة على دابة فارجموهم حتى ينزل أحدهم . ونظير ما روي عن النبي - عليه السلام - وعن علي بن أبي طالب في ذلك روي عن عمر بن الخطاب أيضًا . حدثنا مطر بن محمد ، حدثنا أبو داود ، حدثنا ابن خالد ، حدثنا المسيب ابن دارم قال: رأيت عمر بن الخطاب / ضرب جمالا وقال : تحمل [٤/ ٨٣٥-١] على بعيرك ما لا يطيق ؟! باب : حمل صاحب الدابة غيره بين يديه وقال بعضهم : صاحب الدابة أحق بصدر دابته إلا أن يأذن له . فيه: أبو كريب: (( ذكر شر الثلاثة عند عكرمة فقال : قال ابن عباس : أتى رسول الله وقد حمل قثم بين يديه ، والفضل خلفه - أو قثم خلفه والفضل بين يديه - فأيهم أشر أو أيهم أخير؟!)) . قال البخاري : وقال بعضهم : صاحب الدابة أحق بصدر دابته إلا أن يأذن له ، قد روي عن النبي - عليه السلام - ذكره أبو عيسى الترمذي في مصنفه قال : حدثنا [ أبو عمار الحسين ] (٢) بن حريث ، حدثنا علي بن الحسين بن واقد قال : حدثني أبي قال : حدثنا عبد الله (١) في ((هـ)): أبي وهو تحريف . (٢) في ((الأصل)): عمار الحسن. والمثبت من ((هـ)). - ١٨٥ - ابن بريدة [ قال: سمعت أبي بريدة] (١) يقول: (( بينما رسول الله يمشي إذ جاءه رجل ومعه حمار فقال : يا رسول الله ، اركب . وتأخر الرجل ، فقال رسول الله : لأنت أحق بصدر دابتك إلا أن تجعله لي . قال : جعلته لك . قال : فركب )) قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب . وحديث ابن عباس يدل على معنى هذا الحديث ؛ لأن النبي - عليه السلام - كان أحق بصدر دابته ، فلما حمل [ قثم ] (٢) أو الفضل بين يديه كان مقام الإذن في ذلك ، وأظن البخاري لم يرض بإسناد حديث [ ابن ] (٣) بريدة فأدخل حديث ابن عباس ليدل على معناه. باب فيه : معاذ قال : (( بينا أنا رديف النبي - عليه السلام - ليس بيني وبينه إلا أخرة الرحل . فقال : يا معاذ . قلت : لبيك يا رسول الله وسعديك . ثلاثًا ... )) الحديث .. فيه : إرداف الإمام والشريف لمن هو دونه وركوبه معه ، وذلك من التواضع أيضًا وترك الكبر، وكان ينبغي أن يدخل البخاري هذا الحديث مع حديث أسامة بن زيد في كتاب الارتداف على الدابة قبل هذا . وقد تقدم معنى قوله: (( هل تدري ما حق الله على عباده )) في كتاب السلام والاستئذان في باب من أجاب بلبيك وسعديك . (١) سقطت من ((الأصل، هـ)) والمثبت من سنن الترمذي (٩٢/٥ برقم ٢٧٧٣). (٢) في ((الأصل، هـ)): قئمًا. والمثبت هو الصواب. (٣) في ((الأصل)): أبي، والمثبت من (( هـ)). - ١٨٦ - باب : إرداف المرأة خلف الرجل فيه : أنس: (( أقبلنا مع النبي - عليه السلام - من خيبر ، وإني لرديف أبي طلحة وهو يسير ، وبعض نساء رسول الله رديف رسول الله إذ عثرت الناقة ، فقلت : المرأة . فنزلت ، فقال رسول الله : إنها أمكم . فشددت الرحل وركب رسول الله ... )) الحديث . فيه : جواز إرداف المرأة خلف الرجل كما ترجم ، وفيه أنه لا بأس أن يتدارك الرجل امرأة غيره إذا سقطت أو همت بالسقوط ويعينها على التخلص مما يخشى حدوثه عليها ، وإن كانت ممن لا يجوز له رؤيتها؛ لأن المؤمنين إخوة وقد أمرهم الله بالتعاون . وذكر هاهنا باب الاستلقاء ووضع الرجل على الأخرى ، وقد تقدم في كتاب الاستئذان والسلام ، وفي كتاب الصلاة فأغنى عن إعادته. - ١٨٧ - كتاب الأدب وقول الله تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنًا﴾ (١) فيه: عبد الله: (( سألت النبي - عليه السلام - : أي العمل أحب إلى الله ؟ قال : الصلاة على وقتها . قال : ثم أي ؟ قال : بر الوالدين . قال : ثم أي ؟ قال : الجهاد في سبيل الله . قال : حدثني بهن ولو استزدته لزادني )» . قال المؤلف : ذكر أهل التفسير أن هذه الآية التي في سورة لقمان نزلت في سعد بن أبي وقاص ، قالت أمه حين هاجر : لا يظلني بيت حتى ترجع فنزلت: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنًا وإن جاهداك [لتشرك] (٢) بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما﴾ (١) فأمره تعالى أن يحسن إليهما ولا يطيعهما في الشرك . وقيل : نزلت في عياش بن أبي ربيعة . فأخبر النبي - عليه السلام - أن بر الوالدين أفضل الأعمال بعد الصلاة التي هي أعظم دعائم الإسلام ، ورتب ذلك بثم التي تقتضي الترتيب، وتدل على أن الثاني بعد الأول وبينهما مهلة، وقد دل التنزيل [٤/ ٨٣٥-ب] / على ذلك قال تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما ﴾ (٣) يعني ما يبولان ويحدثان ﴿ فلا تقل لهما أف﴾ (٣) قال مجاهد: والمعنى لا تستقدرهما (١) العنكبوت : ٨. (٢) في (( الأصل ، هـ)» : على أن تشرك . (٣) الإسراء : ٢٣ . ٠ - ١٨٨ - كما لم يكونا يستقذرانك . وقال عطاء : لا تنغض يديك عليهما ولا تنهرهما أى لا تغلظ لهما ﴿وقل لهما قولا كريمًا﴾ (١) أى سهلا لينًا عن قتادة وغيره . وقال ابن المسيب : قول العبد الذليل للسيد الفظ الغليظ ﴿واخفض لهما جناح الذل من الرحمة﴾ (٢) أى كن بمنزلة الذليل المقهور إكرامًا لهما ، وجعل تعالى شكر الأبوين بعد شكره فقال : ﴿ أن اشكر لي ولوالديك ﴾ (٣) وقال أبو هريرة : لا تمش أمام أبيك، ولا تقعد قبله، ولا تدعه باسمه . وقيل : تمشي في الظلمة بين يديه. وقال مالك : من لم يدرك أبويه أو أحدهما ، فلا بأس أن يقول : رب ارحمهما كما ربياني صغيراً . باب : من أحق الناس [ بحسن ] (٤) الصحبة فيه: أبو هريرة: (( جاء رجل إلى النبي - عليه السلام - فقال : يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال : أمك . قال: ثم من؟ قال : أمك . قال : ثم من ؟ قال : أمك . قال: ثم من ؟ قال : أبوك)). قال المؤلف : في هذا الحديث دليل أن محبة الأم والشفقة عليها ينبغي أن تكون ثلاثة أمثال محبة الأب؛ لأنه ◌َّله كرر ذكر الأم ثلاث مرات ، وذكر الأب في المرة الرابعة فقط ، وإذا تؤمل هذا المعنى شهد له العيان ، وذلك أن صعوبة الحمل وصعوبة الوضع وصعوبة الرضاع والتربية تنفرد بها الأم ، وتشقى بها دون الأب فهذه ثلاث منازل يخلو منها الأب . (١) الإسراء : ٢٣ . (٣) لقمان : ١٤ . (٢) الإسراء : ٢٤ . (٤) في ((الأصل)): بحق. والمثبت من (( هـ، ن)). - ١٨٩ - وقد جرى لأبي الأسود الدؤلي مع زوجته قصة ( أثار ) (١) فيها هذا المعنى ، ذكر أبو حاتم عن أبي عبيدة أن أبا الأسود جرى بينه وبين امرأته كلام فأراد أخذ ولده منها ، فسار إلى زياد وهو والي البصرة ،. فقالت المرأة : أصلح الله الأمير ، هذا بطني وعاؤه وحجري فناؤه وثديي سقاؤه ، أكلؤه إذا نام ، وأحفظه إذا قام ، فلم أزل بذلك [سبعة أعوام حتى إذا استوفى فصاله وكملت خصاله وأملت نفعه ورجوت رفعه ] (٢) أراد أن يأخذه مني كرهًا . فقال أبو الأسود : أصلحك الله، هذا ابني حملته قبل أن تحمله ، ووضعته قبل أن تضعه، وأنا أقوم عليه في أدبه ، وأنظر في أوده . فقالت المرأة : صدق أصلحك الله ، حمله خفا ، وحملته ثقلا ، ووضعه شهوة ، ووضعته كرهًا . فقال له زياد : اردد على المرأة ولدها فهي أحق به منك ، ودعني من سجعك . وروي عن مالك أن رجلا قال له: [ إن أبي في بلد ] (٣) السودان، وقد كتب إلي أن أقدم إليه ، وأمي تمنعني من ذلك ، فقال له : أطع أباك ولا تعص أمك . فدل قول مالك هذا أن برهما عنده متساو لا فضل لواحد منهما فيه على صاحبه ؛ لأنه قد أمره بالتخلص منهما جميعًا ، وإن كان لا سبيل إلى ذلك في هذه المسألة ، ولو كان لأحدهما عنده فضل في البر على صاحبه لأمره بالمصير إلى [ أمره ] (٤) . : وقد سئل الليث عن هذه المسألة فأمره بطاعة الأم ، وزعم أن لها (١) في (( هـ)): أبان. (٢) في ((الأصل)): نفعه. والمثبت من ((هـ)). (٣) في ((الأصل)): أراني وليد. والمثبت من (( هـ)). (٤) في ((الأصل)): أمه .. والمثبت من (( هـ)). - ١٩٠ - ثلثي البر ، وحديث أبي هريرة يدل على أن لها ثلاثة أرباع البر ، وهو الحجة على من خالفه ، وزعم المحاسبي أن تفضيل الأم على الأب في البر والطاعة هو إجماع العلماء . * باب : لا يجاهد إلا بإذن الأبوين فيه : عبد الله بن عمر قال : قال رجل للنبي - عليه السلام - : أجاهد ؟ قال : لك [ أبوان ] (١) ؟ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد )). قال المؤلف : هذا موافق لحديث ابن مسعود أن بر الأبوين أفضل من الجهاد ؛ لأنه رتب ذلك عليه السلام بثم التي تدل على الرتبة ، وهذا إنما يكون في وقت [ قوة ] (٢) الإسلام وغلبة أهله للعدو ، وإذا كان الجهاد من فروض الكفاية ، فأما إذا قوي أهل الشرك وضعف المسلمون؛ فالجهاد متعين على كل نفس ، ولا يجوز التخلف عنه وإن منع منه الأبوان . وقال ابن المنذر : في هذا الحديث أن النهي عن الخروج بغير إذن الأبوين ما لم يقع النفير ، فإذا وقع وجب الخروج على الجميع ، وذلك بين في حديث أبي قتادة: (( أن / رسول الله بعث جيش الأمراء، فذكر ( وصية ) (٣) زيد بن حارثة ، وجعفر بن أبي طالب ، وابن رواحة أن منادي رسول الله نادى بعد ذلك إن الصلاة جامعة ، فاجتمع الناس فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس اخرجوا فأمدوا إخوانكم ولا يتخلفن أحد . فخرج الناس مشاة وركبانًا في حر شديد)) فدل قوله: (( اخرجوا فأمدوا إخوانكم)) أن العذر في التخلف [٤/ق٨٤-١] (١) في ((الأصل)): أبوين. والمثبت من ((هـ، ن)). (٢) من (( هـ)). (٣) في ((هـ)): قصة . - ١٩١ - عن الجهاد إنما هو ما لم يقع (النفر) (١) مع قوله اَله: ((وإذا استنفرتم فانفروا )) . واختلفوا في الوالدين المشركين ، هل يخرج بإذنهما إذا كان الجهاد من فروض الكفاية ؟ وكان الثوري يقول : لا يغزو إلا بإذنهما [ وقال الشافعي : له أن يغزو بغير إذنهما ] (٢). قال ابن المنذر : والأجداد آباء ، والجدات أمهات ، فلا يغزو المرء إلا بإذنهم ، ولا أعلم دلالة توجب ذلك لغيرهم من الإخوة وسائر القرابات ، وكان طاوس يرى السعي على الأخوات أفضل من الجهاد في سبيل الله . باب : لا يسب الرجل ( والده ) (٣) فيه : عبد الله بن عمر: قال: قال النبي - عليه السلام -: ((إن من أكبر الكباثر أن يلعن الرجل والديه . قيل : يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه ؟ قال : يسب الرجل أبا الرجل ، فيسب أباه (ويسب أمه) (٤))). قال المؤلف : هذا الحديث (٥) أصل في قطع الذرائع ، وأن من آل فعله إلى محرم وإن لم يقصده فهو كمن قصده وتعمده في الإثم ، ألا ترى أنه عليه السلام نهى أن يلعن الرجل والديه ؟ فكان ظاهر هذا أن يتولى الابن لعنهما بنفسه ، فلما أخبر النبي - عليه السلام - أنه إذا (١) في (( هـ)): النفير. (٣) في (( ن)): والديه . (٢) من (( هـ)). (٤) في (( هـ ): ويسب أمه فيسب أمه .. (٥) زاد في (( الأصل)»: في . وهي مقحمة . - ١٩٢ - سب أبا الرجل وسب الرجل أباه وأمه ، كان كمن تولى ذلك بنفسه ، وكان [ ما آل إليه فعل ابنه ] (١) كلعنه في المعنى ؛ لأنه كان سببه ، ومثله قوله تعالى : ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم ﴾ (٢) وهذه من إحدى آيات قطع الذرائع في كتاب الله - تعالى. والثانية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا﴾ (٣). والثالثة: ﴿ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن﴾ (٤). باب : إجابة دعاء من بر والديه فيه : ابن عمر : قال النبي - عليه السلام -: (( بينما ثلاثة نفر [يتماشون] (٥) فأخذهم المطر فآووا إلى غار في جبل فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل فانطبقت عليهم ، فقال بعضهم لبعض : انظروا أعمالاً عملتموها لله صالحة فادعوا الله بها لعله يفرجها . فقال (بعضهم)(٦) : اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران ، ولي (صبية)(٧) صغار كنت أرعى عليهم، فإذا رحت عليهم فحلبت بدأت بوالدي ... )) وذكر الحديث (( ففرج عنهم)) . قال المؤلف : كل من دعا إلى الله - تعالى - بنية صادقة و[توسل](٨) إليه بما صنعه لوجهه خالصًا ترجى له الإجابة ، ألا ترى أن أصحاب الغار توسلوا إلى الله - تعالى - بأعمال عملوها خالصةً (١) في ((الأصل)): كما آل الله - تعالى - أنه، والمثبت من (( هـ )). (٤) النور : ٣١ . (٣) البقرة : ١٠٤ . (٢) الأنعام : ١٠٨. (٥) في ((الأصل)): يتمشاون. وفي ((هـ )): يتمشون. والمثبت من (( ن)). (٦) في (( هـ، ن)) : أحدهم . (٧) في ((الأصل)): أصبية. والمثبت من ((هـ، ن)). (٨) في ((الأصل)): يتوسل، والمثبت من (هـ )). - ١٩٣ - لوجهه ، و[ رجوا] (١) الفرج بها ، فذكر أحدهم بر أبويه ، وذكر الثاني أنه قعد من المرأة التي كان يحبها مقعد الرجل من المرأة ، وأنه ترك الزنا بها لوجه الله ، وذكر الثالث أنه تجر في أجرة الأجير حتى صار منها [ غنم ] (٢) وراعها، وأنه دفعه إليه حين طلب منه أجره ، فتفضل الله عليهم بإجابة دعائهم ونجاهم من الغار ، فكما أجيبت دعوة هؤلاء النفر ، فكذلك ترجى إجابة دعاء كل من أخلص فعله لله وأراد به وجهه . باب : عقوق الوالدين من الكبائر فيه: أبو بكرة قال النبي - عليه السلام -: (( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا : بلى يا رسول الله . قال : الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين . وكان متکثًا فجلس فقال : ألا وقول الزور وشهادة الزور ، ألا وقول الزور وشهاة الزور . فما زال يقولها حتى قلت : لا یسکت )). وفيه: أنس قال: (( ذكر رسول الله الكبائر أو سُئل / عن الكبائر ، [٤/ ق ٨٤ -ب] فقال: الشرك بالله ، وقتل النفس ، وعقوق الوالدين ، فقال : ألا أنبئكم بأکبر الكبائر ؟ فقال : قول الزور أو شهادة الزور)) . قال المؤلف : ذكر البخاري في كتاب الأيمان والنذور حديث عبد الله بن عمر وفيه زيادة اليمين الغموس ، وفي كتاب الديات والاعتصام حديث ابن مسعود (( أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك)) وفيه الزنا بحليلة الجار من الكبائر . وروى الزنا من الكبائر عن النبي - عليه السلام - عمران بن (١) في ((الأصل)): روجوا. والمثبت من (( هـ)). (٢) في ((الأصل، هـ)): غنمًا. والمثبت هو الصواب. - ١٩٤ - حصين، وعبد الله بن أنيس، و[ أبو ] (١) هريرة ، وفي حديث أبي هريرة: (( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن )) وفي كتاب الحدود ، وفي حديث أبي هريرة قال النبي - عليه السلام - : (( اجتنبوا السبع الموبقات))، وفيه: ((السحر ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)) . وفي باب عقوق الوالدين من الكبائر حديث المغيرة عن النبي - عليه السلام - : (( إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ، ومنع وهات، ووأد البنات ... )) الحديث ، وفي حديث ابن عباس أن النميمة وترك التحرز من البول من الكبائر . وروى السرقة من الكبائر وشرب الخمر من الكبائر عمران بن حصين في غير كتاب البخاري، وفي كتاب البخاري: (( لا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ، ولا ينتهب نهبة وهو مؤمن)) وفي غير البخاري من حديث ابن عباس: ((الإضرار في الوصية من الكبائر، والقنوط من رحمة الله من الكبائر)). وفي حديث أبي أيوب الأنصاري عن النبي - عليه السلام - : ((منع ابن السبيل من الكبائر)) وروى بريدة عن النبي وَ ل: (( منع ابن السبيل الماء من الكبائر)) وفي حديث ابن عمر: (( والإلحاد في البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتًا من الكبائر )) وفي حديث عبد الله بن عمر : «وأكبر الكبائر أن يشتم الرجل والديه ، قالوا : وكيف ؟ قال : يساب الرجل [ فيسب ] (٢) أباه )). فهذه آثار رويت عن النبي - عليه السلام - بذكر الكبائر ، فجميع الكبائر في هذه الآثار ست وعشرون كبيرة وهي : الشرك ، وقتل (١) في (( الأصل)): أبي، والمثبت من ((هـ)). (٢) في ((الأصل)): فيسبه. والمثبت من ((هـ)). - ١٩٥ - النفس ، وعقول الوالدين ، وشهادة الزور ، واليمين الغموس ، وأن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك ، والزنا ، والسحر ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، والفرار من الزحف، وقذف المحصنات ، والسرقة، وشرب الخمر ، والإضرار في الوصية ، والقنوط من رحمة الله ، ومنع ابن السبيل الماء ، والإلحاد في البيت الحرام ، والذي [يستسب](١) لوالديه، وفي حديث المغيرة: ((حرم عليكم (منعًا)(٢). وهات ووأد البنات)) والنميمة ، وترك التحرز من البول ، والغلول .. فهذه [ ست ] (٣) وعشرون كبيرة وتستنبط كبائر أخر من الأحاديث منها: حديث ابن المسيب عن النبي وَ طلو أنه قال: ((إن من أ أربى الربا] (٤) استطالة الرجل في عرض أخيه)) وقد ثبت أن [ الربا ] (٥). من الكبائر ، ومنها حديث أبي سعيد وأبي هريرة أن النبي - عليه السلام - قال: ((أسوأ السرقة الذي يسرق صلاته )). وقد ثبت أن السرقة من الكبائر ، وفي التنزيل الجور في الحكم قال تعالى : ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ (٦) و﴿الظالمون﴾ (٧) و﴿ الفاسقون﴾ (٨) وقال تعالى: ﴿وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبًا ﴾ (٩) فهذه تسع وعشرون كبيرة . قال الطبري : واختلف أهل التأويل في الكبائر التي وعد الله عباده بالنهي عنها من أول سورة (١٠) النساء إلى رأس الثلاثين آية منها هذا قول ابن مسعود والنخعي . (١) في ((الأصل)): يسب. والمثبت من ((هـ)). (٢) في (( هـ)): منع . (٣) في ((الأصل)): ستة. والمثبت من ((هـ)). (٤) في ((الأصل)): أزنى الزنا. والمثبت من (( هـ)). (٥) فى ((الأصل)): الزنا. والمثبت من ((هـ)). (٧) المائدة : ٤٥ . (٦) المائدة : ٤٤ . (٧) المائدة : ٤٧ . (٩) الجن : ١٥ . (١٠) في ((الأصل)): إلى. وهي مقحمة. - ١٩٦ - وقال آخرون : الكبائر سبع روي هذا عن علي بن أبي طالب ، وهو قول عبيد بن عمير وعبيدة وعطاء ، قال عبيد : ليس من هذه كبيرة إلا وفيها آية من كتاب الله - تعالى - قال تعالى: ﴿ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء ﴾ (١) وقال : ﴿ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا ... ﴾ (٢) الآية، وقال تعالى: ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ﴾ (٣) و﴿ الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات ... ﴾ (٤) الآية، والفرار من الزحف ، وقال تعالى : ﴿ يا أيها الذين / آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا فلا تولوهم الأدبار ﴾ (٥) والسابعة : التعرب بعد الهجرة ﴿إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى﴾(٦) [وقتل النفس](٧). [٤/ق٨٥-١] وقال آخرون : هي تسع . روي هذا عن عبد الله بن عمر ، وزاد فيه السحر والإلحاد في المسجد الحرام . وقال آخرون : هي أربع، رواه الأعمش عن [ وبرة ] (٨) بن عبد الرحمن ، عن أبي الطفيل ، عن ابن مسعود قال : الكبائر أربع: الإشراك بالله ، والقنوط من رحمته ، والإياس من روح الله ، والأمن من مكر الله . ففي حديث أبي الطفيل مما لم يمض في الآثار : الأمن من مكر الله، وفي حديث عبيد بن عمير : التعرب بعد الهجرة ، فتمت إحدى وثلاثين كبيرة . وقال آخرون : كل ما نهى الله عنه [ فهو ] (٩) كبيرة ، روي ذلك (١) الحج : ٣١ . (٣) البقرة : ٢٧٥ . (٢) النساء : ١٠. (٤) النور : ٢٣ . (٦) محمد : ٢٥ . (٥) الأنفال : ١٥ . (٧) سقط من ((الأصل، هـ))، والمثبت من تفسير الطبري (٢٥/٥). (٨) في ((الأصل)): برة. والمثبت من (( هـ)). (٩) في (( الأصل)): فهي، والمثبت من (( هـ)). - ١٩٧ - عن ابن عباس قال : وقد ذكرت الطرفة وهي النظرة، قال ابن الحداد: وهذا قول الخوارج : قالوا : كل ما عصي الله به فهو كبيرة يخلد صاحبه في النار ، واحتجوا بقوله : ﴿ ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم ﴾ (١) قالوا: فالكلام على العموم في جميع المعاصي . قال الطبري : وعن ابن عباس قول آخر، قال: كل ذنب ختمه الله بنار أو لعنة أو غضب فهو كبيرة ، وقال طاوس : قيل لابن عباس الكبائر سبع ؟ قال : هي إلى السبعين أقرب . وقال سعيد بن جبير قال رجل لابن عباس : الكبائر سبع ؟ قال : هي إلى [ السبعمائة](٢) أقرب منها إلى سبع ، غير أنه لا كبيرة مع استغفار ، ولا صغيرة مع إصرار . وذهب جماعة أهل التأويل إلى أن الصغائر تغفر باجتناب الكبائر ، وهو قول عامة الفقهاء ، وخالفهم في ذلك الأشعرية. [أبو] (٣) بكر بن الطيب وأصحابه ، فقالوا : معاصي الله كلها عندنا كبائر، وإنما يقال لبعضها صغيرة بالإضافة [ إلى ما هو أكبر منها، كما. يقال : الزنا صغيرة بإضافته ] (٤) إلى الكفر ، والقبلة المحرمة صغيرة : بإضافتها إلى الزنا ، وکلها کبائر ، ولا ذنب عندنا يغفر واجبًا باجتناب ذنب آخر ؛ بل كل لك كبيرة ومرتكبه في المشيئة غير الكفر لقوله تعالى : ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾(٥). واحتجوا بقراءة من قرأ (( إن تجتنبوا كبير ما تنهون عنه)) (٦) على التوحيد يعنون الشرك، وقال الفراء : من قرأ ﴿ كبائر ﴾ فالمراد بها كبير ، وكبير الإثم الشرك ، وقد يأتي لفظ الجمع یراد به الواحد قال تعالى : ﴿ كذبت قوم نوح المرسلين﴾ (٧) ولم يأتهم إلا نوح وحده ، (١) الجن : ٢٣ . (٢) في ((الأصل)): الستمائة. والمثبت من (( هـ). (٣) في ((الأصل)): أبا: والمثبت من ( هـ)). (٤) من (( هـ )). (٥) النساء : ١٤٦ . (٦) النساء : ٣١. .(٧) الشعراء : ١٠٥ . - ١٩٨ - ولا أرسل إليهم رسولا قبله ، بدليل قوله في حديث الشفاعة : «ولكن ائتوا نوحًا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض)). قالوا : فجواز العقاب عندنا على [الصغيرة كجوازه على الكبيرة](١) وقوله عليه السلام : (( إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يظن أنها تبلغ حيث بلغت يكتب الله له بها سخطه إلى يوم القيامة)). وحجة أهل التأويل [ والفقهاء ] (٢) ظاهر قوله تعالى: ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ (٣). قال الطبري : يعني نكفر عنكم أيها المؤمنون باجتناب الكبائر صغائر سيئاتكم ؛ لأن الله - تعالى - قد وعد مجتنبها تكفير ما عداها من سيئاته ولا يخلف الميعاد . واحتجوا بما رواه موسى بن عقبة ، عن عبيد الله بن [ سليمان ] (٤) الأغر ، عن أبيه ، عن أبي أيوب الأنصاري قال : قال رسول الله : ((ما من عبد يعبد الله لا يشرك به شيئًا ، ويقيم الصلاة ، ويؤتي الزكاة، ويصوم شهر رمضان ، ويجتنب الكبائر إلا دخل الجنة )) وقال أنس : إن الله تجوز عما دون الكبائر فما لنا ولها وتلا الآية . وأما قول الفراء من قرأ ((كبائر)) فالمراد بها كبير الإثم وهو الشرك، فهذا خلاف ما ثبت في الآثار ، وذلك أن في حديث أبي بكرة أن النبي - عليه السلام - قال: (( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر . فذكر الشرك، وعقوق الوالدين ، وكان متكئًا فجلس وقال : ألا وقول الزور ، فما زال يقولها حتى قلت: لا يسكت)) وفي حديث ابن مسعود (( قلت : (١) في ((الأصل)): الصغير كجوازه على الكبير. والمثبت من ( هـ)). (٢) في ((الأصل)): ولفظها. والمثبت من (( هـ)). (٤) في (( الأصل)) : سلمان . وهو تحريف . (٣) النساء : ٣١ . - ١٩٩ - يا رسول الله ، أي الذنب أعظم ؟ قال : أن تجعل لله ندا وهو خلقك، وأن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك ، وأن تزاني بحليلة. جارك)) فجعل عليه السلام في حديث أبي بكرة قول الزور وعقوق الوالدين من أكبر الكبائر ، وجعل في حديث ابن مسعود أن يقتل ولده خشية أن يأكل معه ، والزنا بحليلة جاره من أعظم الذنوب ، فهذا يرد (٤/ ٨٥- ب] تأويل الفراء / أن كبائر يراد بها كبير وهو الشرك خاصة ، ولو عكس قول الفراء فقيل له من قرأ (( كبير الإثم)) فالمراد به كبائر كان أولى في التأويل بدليل هذه الآثار الصحاح ، وبالمتعارف المشهور في كلام العرب ، وذلك أنه يأتي لفظ الواحد يراد به الجمع كقوله تعالى : ﴿يخرجكم طفلاً﴾ (١) وقوله: ﴿لا نفرق بين أحد من رسله﴾ (٢) والتفريق لا يكون إلا بين اثنين فصاعدًا والعرب تقول : فلان كثير الدينار والدرهم ، يريدون الدنانير والدراهم . وقولهم : إن الصغائر كلها كبائر فهذه دعوى وقد ميز الله بين الكبائر وبين ما سماه ( سيئة ) (٣) من غيرها بقوله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ وأخبر أن [الكبائر] (٤) إذا جونبت كفر ما سواها ، وما سوى الشيء هو غيره ولا يكون هو، ولا ضد للكبائر إلا الصغائر ، والصغائر معلومة عند الأمة ، وهي ما أجمع المسلمون على رفع التحريج في شهادة من أتاها ، ولا يخفى هذا على ذي لب . وأما احتجاجهم بقوله عليه السلام: ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يظن أنها تبلغ حيث بلغت )) فليس فيه دليل أن تلك الكلمة ليست من الكبائر ، ومعنى الحديث : إن الرجل ليتكلم بالكلمة (١) غافر : ٦٧ . (٣) في (( هـ)) : سيئات. (٢) البقرة : ٢٨٥ . (٤) في ((الأصل، هـ)): السيئات . وهو سبق قلم . - ٢٠٠ -