النص المفهرس

صفحات 181-200

تعالى، وترك التعرض لكل ما يشغل المصلي عن الخشوع ، ألا ترى
أن رسول الله نبه على هذا المعنى بقوله: (( فإنه لا تزال تصاويره
تعرض لي في صلاتي )) وهذا مثل ما عرض له عليه السلام في
الخميصة التي أهداها له أبو جهم فقال: ((اذهبوا بها إلى أبي جهم ،
فإني نظرت إلى علمها في الصلاة فكاد يفتنني)) .
وفيه من الفقه : أن ما يعرض للمرء في صلاته من الفكرة في أمور
الدنيا وما يخطر بباله من ذلك ، وما ينظر إليه بعينه أنه لا يقطع
صلاته ، كما لم يقطع صلاة النبي اعتراض التصاوير له فيها ؛ إذ لم
يسلم أحد من ذلك .
باب : لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة
فيه : ابن عمر: (( وعد النبي - عليه السلام - جبريل ، فراث عليه
[حتى](١) اشتد على النبي - عليه السلام - فخرج النبي فلقيه ، فشكا
إليه ما وجد، فقال له: ((إنا لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا صورة)).
قال ابن وضاح : الملائكة في هذا الحديث ملائكة الوحي مثل
جبريل وإسرافيل ، فأما الحفظة فيدخلون كل بيت ولا يفارقان الإنسان
على كل حال ، وقاله الداودي أيضًا .
قال الطبري : إن قال قائل : أفحرام دخول البيت الذي فيه التماثيل
والصور ؟
قيل : لا ، ولكنه مكروه أعني ما كان من ذلك من ذوات
الأرواح، وأما ما كان من ذلك علمًا في ثوب أو رقمًا فيه ، وكان مما
(١) في ((الأصل)): حين. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٢) من (( هـ )).
- ١٨١ -

:
يوطأ ويجلس عليه فلا بأس به [ وما كان مما ينصب ، فإن كان من
صورة ما لا روح فيه فلا بأس به ] (١) كصور الأشجار والزرع
والنبات، وإن كان من صور ما فيه الروح فلا أستحبه لما حدثنا محمد
ابن عبد الملك بن أبي الشوارب ، حدثنا يزيد ، حدثنا داود بن أبي
هند ، حدثنا عزرةُ ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن سعد بن
هشام، عن عائشة قالت: ((كان لنا ستر فيه تمثال طير مستقبل باب
البيت فقال النبي - عليه السلام - : حوليه فإني كلما دخلت فرأيته
ذكرت الدنيا . قالت : وكان لنا قطيفة لها علم حرير فكنا نلبسها ))
فلم يقطعه ، ولم يأمر عائشة بفساد تمثال الطير الذي كان في الستر ،
ولكنه أمر بتنحيته عن موضعه الذي كان معلقًا فيه من أجل كراهيته
الرؤىته إياه ، لما يذكر من الدنيا وزينتها ، وفي قوله عليه السلام :
(«فإني كلما رأيته ذكرت الدنيا)» دليل بين على أنه [ كان ] (١) يدخل
البيت الذي ذلك فيه فيراه، ولا ينهى عائشة عن تعليقه ، وذلك يبين
[٨٢٥/٤-بـ] صحة ما قلنا من / أن ذلك إذا كان رقمًا في ثوب وعلمًا فيه فإنه
مخالف معنى ما كان منه مثالا ممثلا قائمًا بنفسه .
:
وقوله : فراث عليه يعني أبطأ ، ومنه قولهم : رُبّ عجلة تهب
ريثًا .
باب : من لعن المصور
فيه : أبو جحيفة: ((أن النبي - عليه السلام - لعن المصور ... )) الحديث.
وفيه: ابن عباس قال: ((سمعت محمدً وَلّ يقول : من صور صورة
في الدنيا كلف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح ، وليس بنافخ » .
(١) من ( هـ)).
- ١٨٢ -

قال المهلب : إن قال قائل : كيف أدخل البخاري حديث ابن عباس
في باب من لعن المصور ، وليس ذلك في الحديث ؟
قيل : وجه ذلك - والله أعلم - أن اللعن في لغة العرب الإبعاد
من رحمة الله بالعذاب ، ومن كلفه الله أن ينفخ الروح فيما صور وهو
لا يقدر على ذلك أبدًا فقد أبعده الله من رحمته ، فأين أكثر من هذا
اللعن ؟!
قال الطبري : وفي قوله عليه السلام: (( من صور صورة كلف أن
ينفخ فيها الروح)) دليل بين أن الوعيد إنما جاء في تصوير ما له روح
من الحيوان ، وأما تصوير الشجر والجمادات فليس بداخل في معنى
الحديث .
وروى سفيان عن عوف [ عن ] (١) سعيد بن أبي الحسن قال :
(«كنت عند ابن عباس فأتاه رجل فقال : إن معيشتي من هذه التصاوير،
فقال ابن عباس : قال النبي - عليه السلام - : من صور صورة كلف
أن ينفخ فيها وليس بنافخ . فاصفر الرجل ، فلما رأى صفرته قال :
إن كنت لابد صانعًا فعليك بهذا الشجر وكل شيء ليس فيه روح )).
باب : الارتداف على الدابة
فيه : أن الرسول أردف أسامة على حمار .
وقد تقدم في الحج .
(١) في ((الأصل)): بن. والمثبت من ((هـ).
- ١٨٣ -

باب : الثلاثة على الدابة
فيه : ابن عباس قال: (( لما قدم النبي - عليه السلام - مكة استقبله
أغيلمة بني عبد المطلب فحمل واحدًا بين يديه وآخر خلفه )) .
قال الطبري : فإن قال قائل : هذا حديث صحيح ، فما أنت قائل
فيما حدثك إسحاق بن زيد الخطابي قال : حدثنا محمد بن سليمان ،
عن أبيه قال : حدثنا عطاء ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال
رسول الله: (( لا يركب الدابة فوق اثنين)) ؟
قيل : قد اختلف السلف في ذلك فقال بعضهم بخبر ابن عباس ،
وقالوا : جائز أن يركب الدابة ثلاثة إذا أطاقت حملهم ، روي ذلك
عن ابن عمر قال : ما أبالي أن أكون عاشر عشرة على دابة إذا أطاقت
حمل ذلك . رواه شعبة عن عاصم ، عن الشعبي عنه .
وكره آخرون ركوب دابة أكثر من اثنين ، واحتجوا بحديث أبي
سعيد ، روي ذلك عن علي بن أبي طالب قال : إذا رأيتم ثلاثة نفر
على دابة فارجموهم حتى ينزل أحدهم .
قال الطبري : وكلا الخبرين [ صحيحان ] (١) فأما معنى حمله اثنين
على دابة هو راكبها حتى صاروا ثلاثة عليها ؛ فلأنها كانت مطيقة
حملهم ، غير فادح ركوبهم عليها ولا مضر بها .
وقد قال ابن أبي مليكة عن ابن عباس أن مركب النبي -عليه
السلام- الذي حمل الاثنين عليه معه كان ناقة . ولا شك أن ركوب
ثلاثة أنفس [ على ناقة ] (٢) غير فادحها ، ولا مضر بها ، وإن كان
ذلك فرسًا أو بغلا فلا شك أنه غير فادحه حمل رجل وصبيين يسير
(١) في ((الأصل)): صحيحًا. والمثبت من ((هـ)).
(٢) من (( هـ )).
- ١٨٤ -

مسافة من الأرض لا يتعذر على الصبيان قطعها مشيًا ، وروى ابن
مهدي ، عن حماد بن سلمة ، عن عاصم ، عن زر ، عن ( ابن)(١)
مسعود قال : كان يوم بدر ثلاثة على بعير .
وأما معنى نهيه عليه السلام عن ركوب أكثر من اثنين على الدابة
فإنما هو نهي عن ركوب ما لم يطق من الدواب حمل أكثر من
راكبين، وذلك معنى قول علي : إذا رأيتم ثلاثة على دابة فارجموهم
حتى ينزل أحدهم . ونظير ما روي عن النبي - عليه السلام - وعن
علي بن أبي طالب في ذلك روي عن عمر بن الخطاب أيضًا . حدثنا
مطر بن محمد ، حدثنا أبو داود ، حدثنا ابن خالد ، حدثنا المسيب
ابن دارم قال: رأيت عمر بن الخطاب / ضرب جمالا وقال : تحمل [٤/ ٨٣٥-١]
على بعيرك ما لا يطيق ؟!
باب : حمل صاحب الدابة غيره بين يديه
وقال بعضهم : صاحب الدابة أحق بصدر دابته إلا أن يأذن له .
فيه: أبو كريب: (( ذكر شر الثلاثة عند عكرمة فقال : قال ابن عباس :
أتى رسول الله وقد حمل قثم بين يديه ، والفضل خلفه - أو قثم خلفه
والفضل بين يديه - فأيهم أشر أو أيهم أخير؟!)) .
قال البخاري : وقال بعضهم : صاحب الدابة أحق بصدر دابته إلا
أن يأذن له ، قد روي عن النبي - عليه السلام - ذكره أبو عيسى
الترمذي في مصنفه قال : حدثنا [ أبو عمار الحسين ] (٢) بن حريث ،
حدثنا علي بن الحسين بن واقد قال : حدثني أبي قال : حدثنا عبد الله
(١) في ((هـ)): أبي وهو تحريف .
(٢) في ((الأصل)): عمار الحسن. والمثبت من ((هـ)).
- ١٨٥ -

ابن بريدة [ قال: سمعت أبي بريدة] (١) يقول: (( بينما رسول الله
يمشي إذ جاءه رجل ومعه حمار فقال : يا رسول الله ، اركب .
وتأخر الرجل ، فقال رسول الله : لأنت أحق بصدر دابتك إلا أن
تجعله لي . قال : جعلته لك . قال : فركب )) قال أبو عيسى : هذا
حديث حسن غريب .
وحديث ابن عباس يدل على معنى هذا الحديث ؛ لأن النبي - عليه
السلام - كان أحق بصدر دابته ، فلما حمل [ قثم ] (٢) أو الفضل بين
يديه كان مقام الإذن في ذلك ، وأظن البخاري لم يرض بإسناد حديث
[ ابن ] (٣) بريدة فأدخل حديث ابن عباس ليدل على معناه.
باب
فيه : معاذ قال : (( بينا أنا رديف النبي - عليه السلام - ليس بيني وبينه
إلا أخرة الرحل . فقال : يا معاذ . قلت : لبيك يا رسول الله وسعديك .
ثلاثًا ... )) الحديث ..
فيه : إرداف الإمام والشريف لمن هو دونه وركوبه معه ، وذلك من
التواضع أيضًا وترك الكبر، وكان ينبغي أن يدخل البخاري هذا الحديث
مع حديث أسامة بن زيد في كتاب الارتداف على الدابة قبل هذا .
وقد تقدم معنى قوله: (( هل تدري ما حق الله على عباده )) في
كتاب السلام والاستئذان في باب من أجاب بلبيك وسعديك .
(١) سقطت من ((الأصل، هـ)) والمثبت من سنن الترمذي (٩٢/٥ برقم ٢٧٧٣).
(٢) في ((الأصل، هـ)): قئمًا. والمثبت هو الصواب.
(٣) في ((الأصل)): أبي، والمثبت من (( هـ)).
- ١٨٦ -

باب : إرداف المرأة خلف الرجل
فيه : أنس: (( أقبلنا مع النبي - عليه السلام - من خيبر ، وإني لرديف
أبي طلحة وهو يسير ، وبعض نساء رسول الله رديف رسول الله إذ عثرت
الناقة ، فقلت : المرأة . فنزلت ، فقال رسول الله : إنها أمكم . فشددت
الرحل وركب رسول الله ... )) الحديث .
فيه : جواز إرداف المرأة خلف الرجل كما ترجم ، وفيه أنه لا بأس
أن يتدارك الرجل امرأة غيره إذا سقطت أو همت بالسقوط ويعينها على
التخلص مما يخشى حدوثه عليها ، وإن كانت ممن لا يجوز له رؤيتها؛
لأن المؤمنين إخوة وقد أمرهم الله بالتعاون .
وذكر هاهنا باب الاستلقاء ووضع الرجل على الأخرى ، وقد تقدم
في كتاب الاستئذان والسلام ، وفي كتاب الصلاة فأغنى عن إعادته.
- ١٨٧ -

كتاب الأدب
وقول الله تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنًا﴾ (١)
فيه: عبد الله: (( سألت النبي - عليه السلام - : أي العمل أحب إلى
الله ؟ قال : الصلاة على وقتها . قال : ثم أي ؟ قال : بر الوالدين . قال :
ثم أي ؟ قال : الجهاد في سبيل الله . قال : حدثني بهن ولو استزدته
لزادني )» .
قال المؤلف : ذكر أهل التفسير أن هذه الآية التي في سورة لقمان
نزلت في سعد بن أبي وقاص ، قالت أمه حين هاجر : لا يظلني بيت
حتى ترجع فنزلت: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنًا وإن جاهداك
[لتشرك] (٢) بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما﴾ (١) فأمره تعالى أن
يحسن إليهما ولا يطيعهما في الشرك . وقيل : نزلت في عياش بن
أبي ربيعة .
فأخبر النبي - عليه السلام - أن بر الوالدين أفضل الأعمال بعد
الصلاة التي هي أعظم دعائم الإسلام ، ورتب ذلك بثم التي تقتضي
الترتيب، وتدل على أن الثاني بعد الأول وبينهما مهلة، وقد دل التنزيل
[٤/ ٨٣٥-ب] / على ذلك قال تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين
إحسانًا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما ﴾ (٣) يعني ما يبولان
ويحدثان ﴿ فلا تقل لهما أف﴾ (٣) قال مجاهد: والمعنى لا تستقدرهما
(١) العنكبوت : ٨.
(٢) في (( الأصل ، هـ)» : على أن تشرك .
(٣) الإسراء : ٢٣ .
٠ - ١٨٨ -

كما لم يكونا يستقذرانك . وقال عطاء : لا تنغض يديك عليهما ولا
تنهرهما أى لا تغلظ لهما ﴿وقل لهما قولا كريمًا﴾ (١) أى سهلا لينًا
عن قتادة وغيره .
وقال ابن المسيب : قول العبد الذليل للسيد الفظ الغليظ ﴿واخفض
لهما جناح الذل من الرحمة﴾ (٢) أى كن بمنزلة الذليل المقهور إكرامًا
لهما ، وجعل تعالى شكر الأبوين بعد شكره فقال : ﴿ أن اشكر لي
ولوالديك ﴾ (٣) وقال أبو هريرة : لا تمش أمام أبيك، ولا تقعد قبله،
ولا تدعه باسمه .
وقيل : تمشي في الظلمة بين يديه. وقال مالك : من لم يدرك أبويه
أو أحدهما ، فلا بأس أن يقول : رب ارحمهما كما ربياني صغيراً .
باب : من أحق الناس [ بحسن ] (٤) الصحبة
فيه: أبو هريرة: (( جاء رجل إلى النبي - عليه السلام - فقال : يا
رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال : أمك . قال: ثم من؟
قال : أمك . قال : ثم من ؟ قال : أمك . قال: ثم من ؟ قال : أبوك)).
قال المؤلف : في هذا الحديث دليل أن محبة الأم والشفقة عليها
ينبغي أن تكون ثلاثة أمثال محبة الأب؛ لأنه ◌َّله كرر ذكر الأم ثلاث
مرات ، وذكر الأب في المرة الرابعة فقط ، وإذا تؤمل هذا المعنى شهد
له العيان ، وذلك أن صعوبة الحمل وصعوبة الوضع وصعوبة الرضاع
والتربية تنفرد بها الأم ، وتشقى بها دون الأب فهذه ثلاث منازل يخلو
منها الأب .
(١) الإسراء : ٢٣ .
(٣) لقمان : ١٤ .
(٢) الإسراء : ٢٤ .
(٤) في ((الأصل)): بحق. والمثبت من (( هـ، ن)).
- ١٨٩ -

وقد جرى لأبي الأسود الدؤلي مع زوجته قصة ( أثار ) (١) فيها
هذا المعنى ، ذكر أبو حاتم عن أبي عبيدة أن أبا الأسود جرى بينه وبين
امرأته كلام فأراد أخذ ولده منها ، فسار إلى زياد وهو والي البصرة ،.
فقالت المرأة : أصلح الله الأمير ، هذا بطني وعاؤه وحجري فناؤه
وثديي سقاؤه ، أكلؤه إذا نام ، وأحفظه إذا قام ، فلم أزل بذلك
[سبعة أعوام حتى إذا استوفى فصاله وكملت خصاله وأملت نفعه
ورجوت رفعه ] (٢) أراد أن يأخذه مني كرهًا . فقال أبو الأسود :
أصلحك الله، هذا ابني حملته قبل أن تحمله ، ووضعته قبل أن تضعه،
وأنا أقوم عليه في أدبه ، وأنظر في أوده . فقالت المرأة : صدق
أصلحك الله ، حمله خفا ، وحملته ثقلا ، ووضعه شهوة ، ووضعته
كرهًا . فقال له زياد : اردد على المرأة ولدها فهي أحق به منك ،
ودعني من سجعك .
وروي عن مالك أن رجلا قال له: [ إن أبي في بلد ] (٣)
السودان، وقد كتب إلي أن أقدم إليه ، وأمي تمنعني من ذلك ، فقال
له : أطع أباك ولا تعص أمك .
فدل قول مالك هذا أن برهما عنده متساو لا فضل لواحد منهما فيه
على صاحبه ؛ لأنه قد أمره بالتخلص منهما جميعًا ، وإن كان لا سبيل
إلى ذلك في هذه المسألة ، ولو كان لأحدهما عنده فضل في البر على
صاحبه لأمره بالمصير إلى [ أمره ] (٤) .
:
وقد سئل الليث عن هذه المسألة فأمره بطاعة الأم ، وزعم أن لها
(١) في (( هـ)): أبان.
(٢) في ((الأصل)): نفعه. والمثبت من ((هـ)).
(٣) في ((الأصل)): أراني وليد. والمثبت من (( هـ)).
(٤) في ((الأصل)): أمه .. والمثبت من (( هـ)).
- ١٩٠ -

ثلثي البر ، وحديث أبي هريرة يدل على أن لها ثلاثة أرباع البر ، وهو
الحجة على من خالفه ، وزعم المحاسبي أن تفضيل الأم على الأب في
البر والطاعة هو إجماع العلماء .
*
باب : لا يجاهد إلا بإذن الأبوين
فيه : عبد الله بن عمر قال : قال رجل للنبي - عليه السلام - : أجاهد ؟
قال : لك [ أبوان ] (١) ؟ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد )).
قال المؤلف : هذا موافق لحديث ابن مسعود أن بر الأبوين أفضل من
الجهاد ؛ لأنه رتب ذلك عليه السلام بثم التي تدل على الرتبة ، وهذا
إنما يكون في وقت [ قوة ] (٢) الإسلام وغلبة أهله للعدو ، وإذا كان
الجهاد من فروض الكفاية ، فأما إذا قوي أهل الشرك وضعف
المسلمون؛ فالجهاد متعين على كل نفس ، ولا يجوز التخلف عنه وإن
منع منه الأبوان .
وقال ابن المنذر : في هذا الحديث أن النهي عن الخروج بغير إذن
الأبوين ما لم يقع النفير ، فإذا وقع وجب الخروج على الجميع ،
وذلك بين في حديث أبي قتادة: (( أن / رسول الله بعث جيش
الأمراء، فذكر ( وصية ) (٣) زيد بن حارثة ، وجعفر بن أبي طالب ،
وابن رواحة أن منادي رسول الله نادى بعد ذلك إن الصلاة جامعة ،
فاجتمع الناس فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس اخرجوا
فأمدوا إخوانكم ولا يتخلفن أحد . فخرج الناس مشاة وركبانًا في حر
شديد)) فدل قوله: (( اخرجوا فأمدوا إخوانكم)) أن العذر في التخلف
[٤/ق٨٤-١]
(١) في ((الأصل)): أبوين. والمثبت من ((هـ، ن)). (٢) من (( هـ)).
(٣) في ((هـ)): قصة .
- ١٩١ -

عن الجهاد إنما هو ما لم يقع (النفر) (١) مع قوله اَله: ((وإذا
استنفرتم فانفروا )) .
واختلفوا في الوالدين المشركين ، هل يخرج بإذنهما إذا كان الجهاد
من فروض الكفاية ؟
وكان الثوري يقول : لا يغزو إلا بإذنهما [ وقال الشافعي : له أن
يغزو بغير إذنهما ] (٢).
قال ابن المنذر : والأجداد آباء ، والجدات أمهات ، فلا يغزو المرء
إلا بإذنهم ، ولا أعلم دلالة توجب ذلك لغيرهم من الإخوة وسائر
القرابات ، وكان طاوس يرى السعي على الأخوات أفضل من الجهاد
في سبيل الله .
باب : لا يسب الرجل ( والده ) (٣)
فيه : عبد الله بن عمر: قال: قال النبي - عليه السلام -: ((إن من أكبر
الكباثر أن يلعن الرجل والديه . قيل : يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل
والديه ؟ قال : يسب الرجل أبا الرجل ، فيسب أباه (ويسب أمه) (٤))).
قال المؤلف : هذا الحديث (٥) أصل في قطع الذرائع ، وأن من آل
فعله إلى محرم وإن لم يقصده فهو كمن قصده وتعمده في الإثم ، ألا
ترى أنه عليه السلام نهى أن يلعن الرجل والديه ؟ فكان ظاهر هذا أن
يتولى الابن لعنهما بنفسه ، فلما أخبر النبي - عليه السلام - أنه إذا
(١) في (( هـ)): النفير.
(٣) في (( ن)): والديه .
(٢) من (( هـ)).
(٤) في (( هـ ): ويسب أمه فيسب أمه ..
(٥) زاد في (( الأصل)»: في . وهي مقحمة .
- ١٩٢ -

سب أبا الرجل وسب الرجل أباه وأمه ، كان كمن تولى ذلك بنفسه ،
وكان [ ما آل إليه فعل ابنه ] (١) كلعنه في المعنى ؛ لأنه كان سببه ،
ومثله قوله تعالى : ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله
عدوًا بغير علم ﴾ (٢) وهذه من إحدى آيات قطع الذرائع في كتاب
الله - تعالى. والثانية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا﴾ (٣).
والثالثة: ﴿ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن﴾ (٤).
باب : إجابة دعاء من بر والديه
فيه : ابن عمر : قال النبي - عليه السلام -: (( بينما ثلاثة نفر
[يتماشون] (٥) فأخذهم المطر فآووا إلى غار في جبل فانحطت على فم
غارهم صخرة من الجبل فانطبقت عليهم ، فقال بعضهم لبعض : انظروا
أعمالاً عملتموها لله صالحة فادعوا الله بها لعله يفرجها . فقال
(بعضهم)(٦) : اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران ، ولي
(صبية)(٧) صغار كنت أرعى عليهم، فإذا رحت عليهم فحلبت بدأت
بوالدي ... )) وذكر الحديث (( ففرج عنهم)) .
قال المؤلف : كل من دعا إلى الله - تعالى - بنية صادقة
و[توسل](٨) إليه بما صنعه لوجهه خالصًا ترجى له الإجابة ، ألا ترى
أن أصحاب الغار توسلوا إلى الله - تعالى - بأعمال عملوها خالصةً
(١) في ((الأصل)): كما آل الله - تعالى - أنه، والمثبت من (( هـ )).
(٤) النور : ٣١ .
(٣) البقرة : ١٠٤ .
(٢) الأنعام : ١٠٨.
(٥) في ((الأصل)): يتمشاون. وفي ((هـ )): يتمشون. والمثبت من (( ن)).
(٦) في (( هـ، ن)) : أحدهم .
(٧) في ((الأصل)): أصبية. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٨) في ((الأصل)): يتوسل، والمثبت من (هـ )).
- ١٩٣ -

لوجهه ، و[ رجوا] (١) الفرج بها ، فذكر أحدهم بر أبويه ، وذكر
الثاني أنه قعد من المرأة التي كان يحبها مقعد الرجل من المرأة ، وأنه
ترك الزنا بها لوجه الله ، وذكر الثالث أنه تجر في أجرة الأجير حتى
صار منها [ غنم ] (٢) وراعها، وأنه دفعه إليه حين طلب منه أجره ،
فتفضل الله عليهم بإجابة دعائهم ونجاهم من الغار ، فكما أجيبت
دعوة هؤلاء النفر ، فكذلك ترجى إجابة دعاء كل من أخلص فعله لله
وأراد به وجهه .
باب : عقوق الوالدين من الكبائر
فيه: أبو بكرة قال النبي - عليه السلام -: (( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟
قلنا : بلى يا رسول الله . قال : الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين . وكان
متکثًا فجلس فقال : ألا وقول الزور وشهادة الزور ، ألا وقول الزور
وشهاة الزور . فما زال يقولها حتى قلت : لا یسکت )).
وفيه: أنس قال: (( ذكر رسول الله الكبائر أو سُئل / عن الكبائر ،
[٤/ ق ٨٤ -ب]
فقال: الشرك بالله ، وقتل النفس ، وعقوق الوالدين ، فقال : ألا أنبئكم
بأکبر الكبائر ؟ فقال : قول الزور أو شهادة الزور)) .
قال المؤلف : ذكر البخاري في كتاب الأيمان والنذور حديث
عبد الله بن عمر وفيه زيادة اليمين الغموس ، وفي كتاب الديات
والاعتصام حديث ابن مسعود (( أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك))
وفيه الزنا بحليلة الجار من الكبائر .
وروى الزنا من الكبائر عن النبي - عليه السلام - عمران بن
(١) في ((الأصل)): روجوا. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل، هـ)): غنمًا. والمثبت هو الصواب.
- ١٩٤ -

حصين، وعبد الله بن أنيس، و[ أبو ] (١) هريرة ، وفي حديث أبي
هريرة: (( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن )) وفي كتاب الحدود ،
وفي حديث أبي هريرة قال النبي - عليه السلام - : (( اجتنبوا السبع
الموبقات))، وفيه: ((السحر ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ،
والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)) .
وفي باب عقوق الوالدين من الكبائر حديث المغيرة عن النبي -
عليه السلام - : (( إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ، ومنع وهات،
ووأد البنات ... )) الحديث ، وفي حديث ابن عباس أن النميمة وترك
التحرز من البول من الكبائر .
وروى السرقة من الكبائر وشرب الخمر من الكبائر عمران بن حصين
في غير كتاب البخاري، وفي كتاب البخاري: (( لا يسرق حين يسرق
وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ، ولا ينتهب
نهبة وهو مؤمن)) وفي غير البخاري من حديث ابن عباس: ((الإضرار
في الوصية من الكبائر، والقنوط من رحمة الله من الكبائر)).
وفي حديث أبي أيوب الأنصاري عن النبي - عليه السلام - : ((منع
ابن السبيل من الكبائر)) وروى بريدة عن النبي وَ ل: (( منع ابن السبيل
الماء من الكبائر)) وفي حديث ابن عمر: (( والإلحاد في البيت الحرام
قبلتكم أحياء وأمواتًا من الكبائر )) وفي حديث عبد الله بن عمر :
«وأكبر الكبائر أن يشتم الرجل والديه ، قالوا : وكيف ؟ قال : يساب
الرجل [ فيسب ] (٢) أباه )).
فهذه آثار رويت عن النبي - عليه السلام - بذكر الكبائر ، فجميع
الكبائر في هذه الآثار ست وعشرون كبيرة وهي : الشرك ، وقتل
(١) في (( الأصل)): أبي، والمثبت من ((هـ)).
(٢) في ((الأصل)): فيسبه. والمثبت من ((هـ)).
- ١٩٥ -

النفس ، وعقول الوالدين ، وشهادة الزور ، واليمين الغموس ، وأن
تقتل ولدك خشية أن يأكل معك ، والزنا ، والسحر ، وأكل الربا ،
وأكل مال اليتيم ، والفرار من الزحف، وقذف المحصنات ، والسرقة،
وشرب الخمر ، والإضرار في الوصية ، والقنوط من رحمة الله ،
ومنع ابن السبيل الماء ، والإلحاد في البيت الحرام ، والذي
[يستسب](١) لوالديه، وفي حديث المغيرة: ((حرم عليكم (منعًا)(٢).
وهات ووأد البنات)) والنميمة ، وترك التحرز من البول ، والغلول ..
فهذه [ ست ] (٣) وعشرون كبيرة وتستنبط كبائر أخر من الأحاديث
منها: حديث ابن المسيب عن النبي وَ طلو أنه قال: ((إن من أ أربى
الربا] (٤) استطالة الرجل في عرض أخيه)) وقد ثبت أن [ الربا ] (٥).
من الكبائر ، ومنها حديث أبي سعيد وأبي هريرة أن النبي - عليه
السلام - قال: ((أسوأ السرقة الذي يسرق صلاته )).
وقد ثبت أن السرقة من الكبائر ، وفي التنزيل الجور في الحكم قال
تعالى : ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ (٦)
و﴿الظالمون﴾ (٧) و﴿ الفاسقون﴾ (٨) وقال تعالى: ﴿وأما
القاسطون فكانوا لجهنم حطبًا ﴾ (٩) فهذه تسع وعشرون كبيرة .
قال الطبري : واختلف أهل التأويل في الكبائر التي وعد الله عباده
بالنهي عنها من أول سورة (١٠) النساء إلى رأس الثلاثين آية منها هذا
قول ابن مسعود والنخعي .
(١) في ((الأصل)): يسب. والمثبت من ((هـ)).
(٢) في (( هـ)): منع .
(٣) في ((الأصل)): ستة. والمثبت من ((هـ)).
(٤) في ((الأصل)): أزنى الزنا. والمثبت من (( هـ)).
(٥) فى ((الأصل)): الزنا. والمثبت من ((هـ)).
(٧) المائدة : ٤٥ .
(٦) المائدة : ٤٤ .
(٧) المائدة : ٤٧ .
(٩) الجن : ١٥ .
(١٠) في ((الأصل)): إلى. وهي مقحمة.
- ١٩٦ -

وقال آخرون : الكبائر سبع روي هذا عن علي بن أبي طالب ،
وهو قول عبيد بن عمير وعبيدة وعطاء ، قال عبيد : ليس من هذه
كبيرة إلا وفيها آية من كتاب الله - تعالى - قال تعالى: ﴿ومن يشرك
بالله فكأنما خر من السماء ﴾ (١) وقال : ﴿ الذين يأكلون أموال اليتامى
ظلمًا ... ﴾ (٢) الآية، وقال تعالى: ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون
إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ﴾ (٣) و﴿ الذين يرمون
المحصنات الغافلات المؤمنات ... ﴾ (٤) الآية، والفرار من الزحف ،
وقال تعالى : ﴿ يا أيها الذين / آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا
فلا تولوهم الأدبار ﴾ (٥) والسابعة : التعرب بعد الهجرة ﴿إن الذين
ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى﴾(٦) [وقتل النفس](٧).
[٤/ق٨٥-١]
وقال آخرون : هي تسع . روي هذا عن عبد الله بن عمر ، وزاد
فيه السحر والإلحاد في المسجد الحرام .
وقال آخرون : هي أربع، رواه الأعمش عن [ وبرة ] (٨) بن عبد
الرحمن ، عن أبي الطفيل ، عن ابن مسعود قال : الكبائر أربع:
الإشراك بالله ، والقنوط من رحمته ، والإياس من روح الله ، والأمن
من مكر الله .
ففي حديث أبي الطفيل مما لم يمض في الآثار : الأمن من مكر
الله، وفي حديث عبيد بن عمير : التعرب بعد الهجرة ، فتمت إحدى
وثلاثين كبيرة .
وقال آخرون : كل ما نهى الله عنه [ فهو ] (٩) كبيرة ، روي ذلك
(١) الحج : ٣١ .
(٣) البقرة : ٢٧٥ .
(٢) النساء : ١٠.
(٤) النور : ٢٣ .
(٦) محمد : ٢٥ .
(٥) الأنفال : ١٥ .
(٧) سقط من ((الأصل، هـ))، والمثبت من تفسير الطبري (٢٥/٥).
(٨) في ((الأصل)): برة. والمثبت من (( هـ)).
(٩) في (( الأصل)): فهي، والمثبت من (( هـ)).
- ١٩٧ -

عن ابن عباس قال : وقد ذكرت الطرفة وهي النظرة، قال ابن الحداد:
وهذا قول الخوارج : قالوا : كل ما عصي الله به فهو كبيرة يخلد
صاحبه في النار ، واحتجوا بقوله : ﴿ ومن يعص الله ورسوله فإن له نار
جهنم ﴾ (١) قالوا: فالكلام على العموم في جميع المعاصي .
قال الطبري : وعن ابن عباس قول آخر، قال: كل ذنب ختمه الله
بنار أو لعنة أو غضب فهو كبيرة ، وقال طاوس : قيل لابن عباس
الكبائر سبع ؟ قال : هي إلى السبعين أقرب . وقال سعيد بن جبير
قال رجل لابن عباس : الكبائر سبع ؟ قال : هي إلى [ السبعمائة](٢)
أقرب منها إلى سبع ، غير أنه لا كبيرة مع استغفار ، ولا صغيرة مع
إصرار . وذهب جماعة أهل التأويل إلى أن الصغائر تغفر باجتناب
الكبائر ، وهو قول عامة الفقهاء ، وخالفهم في ذلك الأشعرية.
[أبو] (٣) بكر بن الطيب وأصحابه ، فقالوا : معاصي الله كلها عندنا
كبائر، وإنما يقال لبعضها صغيرة بالإضافة [ إلى ما هو أكبر منها، كما.
يقال : الزنا صغيرة بإضافته ] (٤) إلى الكفر ، والقبلة المحرمة صغيرة :
بإضافتها إلى الزنا ، وکلها کبائر ، ولا ذنب عندنا يغفر واجبًا باجتناب
ذنب آخر ؛ بل كل لك كبيرة ومرتكبه في المشيئة غير الكفر لقوله
تعالى : ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾(٥).
واحتجوا بقراءة من قرأ (( إن تجتنبوا كبير ما تنهون عنه)) (٦) على
التوحيد يعنون الشرك، وقال الفراء : من قرأ ﴿ كبائر ﴾ فالمراد بها
كبير ، وكبير الإثم الشرك ، وقد يأتي لفظ الجمع یراد به الواحد قال
تعالى : ﴿ كذبت قوم نوح المرسلين﴾ (٧) ولم يأتهم إلا نوح وحده ،
(١) الجن : ٢٣ .
(٢) في ((الأصل)): الستمائة. والمثبت من (( هـ).
(٣) في ((الأصل)): أبا: والمثبت من ( هـ)).
(٤) من (( هـ )).
(٥) النساء : ١٤٦ .
(٦) النساء : ٣١.
.(٧) الشعراء : ١٠٥ .
- ١٩٨ -

ولا أرسل إليهم رسولا قبله ، بدليل قوله في حديث الشفاعة :
«ولكن ائتوا نوحًا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض)).
قالوا : فجواز العقاب عندنا على [الصغيرة كجوازه على الكبيرة](١)
وقوله عليه السلام : (( إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يظن
أنها تبلغ حيث بلغت يكتب الله له بها سخطه إلى يوم القيامة)).
وحجة أهل التأويل [ والفقهاء ] (٢) ظاهر قوله تعالى: ﴿ إن
تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ (٣).
قال الطبري : يعني نكفر عنكم أيها المؤمنون باجتناب الكبائر صغائر
سيئاتكم ؛ لأن الله - تعالى - قد وعد مجتنبها تكفير ما عداها من
سيئاته ولا يخلف الميعاد .
واحتجوا بما رواه موسى بن عقبة ، عن عبيد الله بن [ سليمان ] (٤)
الأغر ، عن أبيه ، عن أبي أيوب الأنصاري قال : قال رسول الله :
((ما من عبد يعبد الله لا يشرك به شيئًا ، ويقيم الصلاة ، ويؤتي
الزكاة، ويصوم شهر رمضان ، ويجتنب الكبائر إلا دخل الجنة )) وقال
أنس : إن الله تجوز عما دون الكبائر فما لنا ولها وتلا الآية .
وأما قول الفراء من قرأ ((كبائر)) فالمراد بها كبير الإثم وهو الشرك،
فهذا خلاف ما ثبت في الآثار ، وذلك أن في حديث أبي بكرة أن
النبي - عليه السلام - قال: (( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر . فذكر الشرك،
وعقوق الوالدين ، وكان متكئًا فجلس وقال : ألا وقول الزور ، فما
زال يقولها حتى قلت: لا يسكت)) وفي حديث ابن مسعود (( قلت :
(١) في ((الأصل)): الصغير كجوازه على الكبير. والمثبت من ( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): ولفظها. والمثبت من (( هـ)).
(٤) في (( الأصل)) : سلمان . وهو تحريف .
(٣) النساء : ٣١ .
- ١٩٩ -

يا رسول الله ، أي الذنب أعظم ؟ قال : أن تجعل لله ندا وهو
خلقك، وأن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك ، وأن تزاني بحليلة.
جارك)) فجعل عليه السلام في حديث أبي بكرة قول الزور وعقوق
الوالدين من أكبر الكبائر ، وجعل في حديث ابن مسعود أن يقتل ولده
خشية أن يأكل معه ، والزنا بحليلة جاره من أعظم الذنوب ، فهذا يرد
(٤/ ٨٥- ب] تأويل الفراء / أن كبائر يراد بها كبير وهو الشرك خاصة ، ولو عكس
قول الفراء فقيل له من قرأ (( كبير الإثم)) فالمراد به كبائر كان أولى في
التأويل بدليل هذه الآثار الصحاح ، وبالمتعارف المشهور في كلام
العرب ، وذلك أنه يأتي لفظ الواحد يراد به الجمع كقوله تعالى :
﴿يخرجكم طفلاً﴾ (١) وقوله: ﴿لا نفرق بين أحد من رسله﴾ (٢)
والتفريق لا يكون إلا بين اثنين فصاعدًا والعرب تقول : فلان كثير
الدينار والدرهم ، يريدون الدنانير والدراهم .
وقولهم : إن الصغائر كلها كبائر فهذه دعوى وقد ميز الله بين
الكبائر وبين ما سماه ( سيئة ) (٣) من غيرها بقوله تعالى: ﴿إن
تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ وأخبر أن [الكبائر] (٤)
إذا جونبت كفر ما سواها ، وما سوى الشيء هو غيره ولا يكون هو،
ولا ضد للكبائر إلا الصغائر ، والصغائر معلومة عند الأمة ، وهي ما
أجمع المسلمون على رفع التحريج في شهادة من أتاها ، ولا يخفى
هذا على ذي لب .
وأما احتجاجهم بقوله عليه السلام: ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة
من سخط الله لا يظن أنها تبلغ حيث بلغت )) فليس فيه دليل أن تلك
الكلمة ليست من الكبائر ، ومعنى الحديث : إن الرجل ليتكلم بالكلمة
(١) غافر : ٦٧ .
(٣) في (( هـ)) : سيئات.
(٢) البقرة : ٢٨٥ .
(٤) في ((الأصل، هـ)): السيئات . وهو سبق قلم .
- ٢٠٠ -