النص المفهرس

صفحات 141-160

روى القعنبي، عن حسين بن عبد الله قال: (( رأيت فاطمة بنت
رسول الله وفي عنقها قلادة ، وفي يدها مسكة في كل يد ، وقالت :
كان رسول الله يكره تعطيل النساء وتشبههن بالرجال)) .
باب : الأمر بإخراجهم
فيه : ابن عباس: (( لعن النبي - عليه السلام - [ المخنثين ] (١) من
الرجال ، والمترجلات من النساء ، وقال : أخرجوهم من بيوتكم . قال :
فأخرج النبي فلانة ، وأخرج عمر فلانًا )) .
وفيه: أم سلمة: (( أن النبي - عليه السلام - [ كان ] (٢) عندها وفي
البيت / [مخنث ] (٢) فقال لعبد الله أخي أم سلمة: يا عبد الله، إن فتح [٤/ ق٧٥ -ب]
لكم [ غدّاً] (٢) الطائف، فإني أدلك على ابنة غيلان ، فإنها تقبل بأربع،
وتدبر بثمان . قال النبي - عليه السلام -: لا يدخلن هؤلاء عليكن )).
قال الطبري : إن قال قائل : ما وجه لعن النبي - عليه السلام -
المخنثين من الرجال ، والخنث خلق الله لم يكتسبه العبد ولا له فيه
صنع ، وإنما يذم العبد على ما يكسبه مما له السبيل إلى فعله وتركه ،
ولو جاز ذمه على غير فعله ( لجاز ذمه ) (٣) على لونه وعرقه وسائر
أجزاء جسمه ؟
قيل : وجه لعن النبي إياه إنما هو لغير [ صورته ] (٤) التي لا يقدر
على تغييرها ، وإنما لعنه لتأنيثه وتشبهه في ذلك بخلق النساء ، وقد
(١) في ((الأصل)): المتخنثين. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٢) من (( هـ)).
(٣) في (( هـ)): لَذُم.
(٤) في (( الأصل)): صورتها. والمثبت من (( هـ)).
- ١٤١ -

خلقه الله بخلاف ذلك ، ومحاولته تغيير الهيئة التي خلقه الله عليها من
خلق الرجال إلى خلق النساء ، وله سبيل إلى اكتساب خلق الرجال
واجتلاب منه له إلى نفسه .
ولفعله من الأفعال ما يكرهه الله ونهى عنه رسول الله من التشبه
بالنساء في اللباس والزينة ، وذلك أن رسول الله إذ رأى المخنث لم
ينكر الخنث منه ، وقد رأى خضاب يديه ورجليه بالحناء ، حتى سمعه
يصف من أمر النساء ما كره سماعه ، وذلك وصفه للرجال نساء من
يدخل منزله ، وذلك مما كان النبي - عليه السلام - ينهى عنه النساء
فكيف الرجال ؟!
فأمر بنفيه وتقدم إليها بمنعه من دخوله عليها ، ولو كان ما عليه
المخنث من الهيئة والصورة التي هي ( له خلقة موجبة ) (١) اللعن
والنفي لكان ◌َّ[ إذ ] (٢) رآه قد أمر بطرحه من بيت زوجه ونفيه،
قال ما سمعه أو لم يقله ، وإنما وجب ذمه ، إذ أتى من محارم الله ما
يستحق عليه الذم .
فإن قيل : فإن حكمه حكم الرجال ، فكيف جاز أن يدخل على
أزواج النبي - عليه السلام - بعد أن نزل الحجاب ؟!
قيل : هو من جملة من استثناه الله من جملة الرجال غير أولي
الإربة من الرجال ، وقد تأول ذلك عكرمة أنه المخنث الذي لا حاجة
له في النساء ، وبذلك ورد الخبر عن النبي - عليه السلام .
روى معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : كان
مخنث يدخل على أزواج النبي - عليه السلام - يعدونه من غير أولي
(١) في (( هـ)): خلقة الله موجبًا.
(٢) في ((الأصل)): إذا. والمثبت من ((هـ).
- ١٤٢ -

الإربة ، فدخل عليه النبي وهو ( يصف ) (١) امرأة ... )) وذكر
الحديث (( فأمر عليه السلام ألا يدخل عليهن )) .
روى ابن وهب ، عن يحيى بن أيوب ، عن ابن جريج ، عن
عطاء ، عن ابن عباس قال : المؤنثون أولاد الجن . قيل له : وكيف؟!
قال : نهى الله ورسوله أن يأتي الرجل امرأته وهي حائض فإذا أتاها
سبقه الشيطان إليها فحملت منه فأتت بالمؤنث .
قال المؤلف : وفي حديث ابن عباس وأم سلمة إخراج كل من
يتأذى به الناس بإظهار المعاصي والمنكر ، ونفيهم عن مواضع التأذي
بهم، وقد تقدم [ في باب إخراج الخصوم وأهل الريب من البيوت](٢)
في كتاب الأحكام أنه يخرج كل من تأذى به جيرانه ، وتكرى عليه
داره ، ويمنع من السكنى فيها حتى يتوب .
باب : [ قص ] (٣) الشارب
وكان ابن عمر يحفي شاربه حتى ينظر إلى بياض [ الجلد ] (٤) ويأخذ
هذين - يعني : بين الشارب واللحية .
وفيه : ابن عمر : قال النبي - عليه السلام -: (( من الفطرة قص
الشارب )) .
وفيه: أبو هريرة قال: (( الفطرة خمس : الختان ، والاستحداد ، ونتف
الإبط، وتقليم الأظفار، وقص الشارب)).
وترجم له باب : ( قص ) (٥) الأظفار ، وزاد فيه عن ابن عمر
(١) في (( هـ)): ينعت.
(٣) من ( هـ، ن)).
(٢) من ( هـ )) .
(٤) في ((الأصل)): الجلدة. والمثبت من ((هـ، ن)). (٥) في (( هـ)»: تقليم.
- ١٤٣ -

قال: قال النبي - عليه السلام -: ((خالفوا المشركين وفروا اللحى ،
واحفوا الشوارب)) .
قال الطبري : اختلف السلف في صفة إحفاء الشارب ؛ فقال
بعضهم الإحفاء : الأخذ من الإطار . وروى مالك ، عن زيد بن
أسلم ، عن عامر بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه قال : رأيت عمر
ابن الخطاب إذا غضب فتل شاربه .
وقال أبو عاصم : سمعت عبد الله بن أبي عثمان يقول : رأيت ابن
عمر يأخذ من شاربه من أعلاه وأسفله . وكان عروة وعمر بن
[٧٦٥/٤-١) عبدالعزيز وأبو سلمة وسالم والقاسم / لا يحلق أحد منهم شاربه ،
وهذا قول مالك والليث ، وقال مالك : حلق الشارب مثلة ويؤدب
فاعله . وكان يكره أن يأخذ من أعلاه .
وقال آخرون : الإحفاء حلقه كله .
روى يحيى بن سعيد ، عن ابن عجلان قال : رآني عثمان بن
عبيد الله بن رافع أخذت من شاربي أكثر مما أخذت منه إلى أن
(يشبه)(١) الحلق ، فنظر إليَّ فقلت: ما تنكر ؟! قال : ما أنكر شيئًا،
رأيت أصحاب رسول الله يأخذون شواربهم شبه الحلق . قلت : من
هم؟ قال : جابر بن عبد الله ، وأبو سعيد الخدري ، وأبو أسيد
الساعدي، وابن عمر ، وسلمة بن الأكوع ، وأنس . وهو قول
الكوفيين وقالوا : الإحفاء هو الحلق ، والحلق أفضل من التقصير في
الرأس والشارب .
قال المؤلف : وحجة هذه المقالة في اللغة ما قال الخليل قال :
(١) في (( هـ)): أشبه .:
- ١٤٤ -

أحفى شاربه : استأصله واستقصاه . وكذلك قال ابن دريد ، إلا أنه
قال: حفوت شاربي أحفوه حفوًا استأصلته أخذت شعره .
وحجة المقالة الأولى قوله عليه السلام : (( من الفطرة قص
الشارب)». ومعلوم أن القص لا يقتضي الحلق والاستئصال . قال
صاحب الأفعال : يقال قص الشعر والأظفار قطع منها بالمقص ، ولما
جاء عنه عليه السلام: ((أحفوا الشوارب)) وجاء عنه (( من الفطرة
قص الشارب)) واحتمل قوله: ((أحفوا الشوارب)) أخذه كله
واستئصاله ، واحتمل أخذ بعضه ؛ لأن من أحفى بعض شاربه فقد
دخل في عموم الحديث ؛ إذ لم يرد عن النبي - عليه السلام - أن
المراد أخذ جميعه ، ولم يحتمل قوله: (( من الفطرة قص الشارب ))
حلقه واستئصاله علم أن المراد أخذ بعضه ، ووجب ترجيح هذه المقالة
على من قال باستئصال حلقه .
وقال الآخرون: لما جاء الحديث عنه وَله بلفظين، يحتمل أحدهما
استئصال حلقه وهو قوله: ((أحفوا الشوارب)) واللفظ الآخر يحتمل
[ أخذ] (١) بعضه وهو قوله: ((من الفطرة قص الشارب)) ولم يكن
أحدهما ناسخًا للآخر ولا دافعًا له ؛ دل ذلك على أن النبي - عليه
السلام - أطلق لأمته كلا الفعلين ، فمن أخذ بقص شاربه فهو
مصيب، ومن استأصل حلقه فهو مصيب [ لموافقة ] (٢) ذلك السنة ؛
ولذلك اختلف السلف في صفة حلقه لاختلاف الآثار ، والله أعلم .
(١) من (( هـ)).
(٢) في (( الأصل)) لموافقته. والمثبت من (( هـ)).
- ١٤٥ -

باب : إعفاء اللحى
عفوا : كثروا وكثرت أموالهم
:
فيه: ابن عمر قال : قال رسول الله: (( خالفوا المشركين ، وفروا اللحى
وأحفوا الشوارب . و کان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما
فضل أخذه )) .
فيه : ابن عمر قال النبي - عليه السلام -: (( أنهكوا الشوارب ، وأعفوا
اللحى )» .
وقال الطبري : إن قال قائل: ما وجه قوله عليه السلام ((أعفوا
اللحى)) وقد علمت أن الإعفاء الإكثار ، وأن من الناس من إن ترك
شعر لحيته اتباعًا منه لظاهر هذا الخبر تفاحش طولا وعرضًا ، وسمج
حتى صار للناس حديثًا ومثلا ؟ قيل : قد ثبتت الحجة عن النبي -
عليه السلام - على خصوص هذا الخبر وأن من اللحية ما هو محظور
إحفاؤه وواجب قصه على اختلاف من السلف في قدر ذلك وحده ،
فقال بعضهم : حد ذلك أن يزداد على قدر [ القبضة ] (١) طولا ،
وأن ينتشر عرضًا فيقبح ذلك ، فإذا زادت على قدر القبضة كان الأولى
جزّ ما زاد على ذلك ، من غير تحريم منهم ترك الزيادة على ذلك .
وروي عن [ عمر ] (٢) أنه رأى رجلا قد ترك لحيته حتى كثرت
فأخذ بحديها ثم قال : ائتوني ( بجلمين ) (٣) ثم أمر رجلا فجز ما
تحت يده ثم قال : اذهب فأصلح شعرك أو أفسده ، يترك أحدكم نفسه.
حتى كأنه سبع من السباع .
(١) من ((هـ)).
(٢) في ((الأصل)): عبد الله. والمثبت من (هـ)).
(٣) الجلم الذي يجز به الشعر والصوف ، والجلمان شفرتاه - أنظر لسان العرب
(مادة : جلم ) .
- ١٤٦ -

وكان أبو هريرة يقبض على لحيته فيأخذ ما فضل ، وعن ابن عمر
مثله .
وقال آخرون : يأخذ من طولها وعرضها ما لم يفحش أخذه ، ولم
يحدّوا في ذلك حدا غير أن معنى ذلك عندي - والله أعلم - ما لم
يخرج من عرف الناس .
وروي [ عن ] (١) الحسن أنه كان لا يرى بأسًا أن يأخذ من طول
لحيته / وعرضها ما لم يفحش الأخذ منها ، وكان إذا ذبح أضحيته يوم [٤/ ق٧٦-ب]
النحر أخذ منها شيئًا .
وقال عطاء : لا بأس أن يأخذ من لحيته الشيء القليل من طولها
وعرضها إذا كثرت ، وعلّة قائلي هذه المقالة : كراهية الشهرة في
اللبس وغيره [ فكذلك ] (٢) الشهرة في شعر [ اللحية] (٣).
وكان آخرون يكرهون الأخذ من اللحية إلا في حج أو عمرة ، روي
ذلك عن ابن عمر وعطاء وقتادة .
والصواب أن يقال : إن قوله عليه السلام : (( أعفوا اللحى )) على
عمومه إلا ما خص من ذلك ، وقد روي عنه حديث في إسناده نظر أن
ذلك على الخصوص ، وأن من اللحى ما الحق فيه ترك إعفائه ، وذلك
ما تجاوز طوله أو عرضه عن المعروف من خلق الناس وخرج عن
الغالب فيهم ، روى مروان بن معاوية ، عن سعيد بن أبي راشد
المكي، عن أبي جعفر محمد بن علي قال: (( كان رسول الله يأخذ
اللحية ، فما طلع على الكف جزّه ، وهذا الحديث وإن كان في إسناده
نظر [ فهو ] (١) جميل من الأمر وحسن من الفعال .
(٢) في ((الأصل)): كذلك. والمثبت من ((هـ ).
(١) من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): لحيه، والمثبت من (( هـ)).
- ١٤٧ -

قال غيره: وقوله عليه السلام: ((أنهكوا الشوارب)) أي : جزوا
منها ما يؤثر فيها ، ولا يستأصلها . قال صاحب الأفعال : يقال :
نهكته الحمى - بالكسر - نهكًا أثرت فيه ، وكذلك العبادة ، والتأثير
غير الاستئصال .
باب : ما يذكر في الشيب
فيه : ابن سيرين: (( سألت أنس بن مالك أخضب النبي ؟ قال : لم
يبلغ الشيب إلا قليلا ، وقال مرة : لم يبلغ ما يخضب ، ولو شئت أن
أعد شمطاته في حیته )» .
فيه: إسرائيل ، عن عثمان بن عبد الله بن موهب قال: ((أرسلني أهلي
إلى أم سلمة بقدح من ماء - وقبض إسرائيل ثلاث أصابع - من فضة
فيها شعر من شعر النبي - عليه السلام - وكان إذا أصاب الإنسان عين
أو شيء[ بعث إليها ](٣) مخضبة، فاطلعت في الجلجل فرأيت شعرات
[حمراً](١) )).
وقال عثمان مرة: (( دخلت على أم سلمة ، فأخرجت إلينا شعرًا من
شعر النبي - عليه السلام - مخضوبًا)) .
اختلفت الآثار هل خضب النبي أم لا ؟
فقال أنس : لم يبلغ النبي - عليه السلام- من الشيب ما يخضب،
وهو قول مالك ، وأكثر العلماء أنه عليه السلام لم يخضب.
(١) في ((الأصل)): بعثنا إليه. وفي (( هـ)): بعث إليه. والمثبت من (( ن)).
(٢) في ((الأصل)): حمر. والمثبت من (( هـ، ن).
- ١٤٨ -

وقال عثمان بن موهب : إن أم سلمة أخرجت ( إلينا ) (١) شعرًا
من شعر النبي - عليه السلام - مخضوبًا .
وروى الطبري ، عن العباس بن أبي طالب ، عن المعلى بن أسد،
حدثنا سلام بن أبي مطيع ، عن عثمان بن عبد الله بن موهب قال :
(أخرجت إليّ أم سلمة زوج النبي ◌َّه شعراً مخضوبًا بالحناء والكتم،
فقالت : هذا شعر رسول الله )) فزعمت طائفة من أهل الحديث أن
النبي - عليه السلام - خضب ، واحتجوا بهذا الحديث ، وبما رواه ابن
إسحاق ، عن سعيد المقبري ، عن [ عبيد] (٢) بن جريج أنه قال
لابن عمر: ((رأيتك تصفر لحيتك. فقال: إن رسول الله وَ ال كان
يصفر بالورس ؛ فأنا أحب أن أصفر به كما كان رسول الله يصنع )).
وروى القطان وحماد بن سلمة ، عن عبيد الله بن عمر ، عن سعيد
المقبري ، عن عبيد بن جريج أنه قال لابن عمر: ((رأيتك تصفر
لحيتك. فقال: رأيت رسول الله (وَ لا يصفر لحيته)).
وروى الطبري ، عن هلال بن العلاء ، عن الحسين بن عياش قال:
حدثنا جعفر بن برقان ، قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل ،
قال : (( قدم أنس بن مالك المدينة وعمر بن عبد العزيز والي عليها ،
فأرسلني عمر إلى أنس وقال : سله هل خضب النبي - عليه
السلام-؟ فإنا نجد هاهنا شعراً من شعره فيه بياض كأنه قد لون . فقال
أنس : إن رسول الله كان قد متع بسواد الشعر لو عددت خمس ما
أقبل من رأسه ولحيته ، ما كنت أدري هل أعد خمس عشرة
[شيبة](٣)؟ فما أدري ما هذا الذي تجدون إلا من الطيب الذي يطيب به
شعره وهو غير لونه )» .
(١) في (( هـ)): إليه.
(٣) في ((الأصل)): سنة .
(٢) من ( هـ )) .
- ١٤٩ -

وأما قوله : (( فاطلعت في الجلجل )) فروى النضر بن شميل ، عن
إسرائيل ، عن عثمان بن عبد الله بن موهب قال: (( كان عند أم
(٤/ ٧٧٥-١] سلمة أم المؤمنين / جلجل من فضة فيه شعرات من شعر رسول الله،
وكان إذا أصاب [ إنسانًا ] (١) عين أو اشتكى بعث بإناء [ فخضخض
فيه ، ثم شربه وتوضأ منه فبعثني أهلي فاطلعت فيه فإذا شعرات حمر.
وقوله : ] (٢) فخضخض فيه يعني : خضخض الشعر في الإناء
لتبقى بركته في ذلك الماء فيشربه المعين أو الوصب ، فيدفع الله عنه
ببركة ذلك الشعر ما به من شكوى .
*
باب : الخضاب
فيه : أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: ((إن اليهود والنصارى
لا يصبغون فخالفوهم )).
قال الطبري : إن قال قائل : ما معنى هذا [ الحديث ] (٢) ؟ وقد
روى شعبة ، عن الركين [ بن ] (٣) الربيع قال: سمعت القاسم بن
محمد يحدث عن [ عبد الرحمن ] (٤) بن حرملة ، عن ابن مسعود
((أن رسول الله كان يكره تغيير الشيب)).
روى ابن إسحاق ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أن
النبي - عليه السلام - قال: (( من شاب شيبة في الإسلام كانت له
نورًا يوم القيامة إلا أن ينتفها أو يخضبها )).
(١) في ((الأصل)): إنسان. والمثبت من (( هـ ).
(٢) من (( هـ)).
(٣) في ( الأصل)): أن. والمثبت من (هـ)).
(٤) في ((الأصل)): عبد الله. والمثبت من ((هـ)) وهو من رجال التهذيب.
- ١٥٠ -

قيل : قد اختلف السلف قبلنا في تغيير الشيب ، فرأى بعضهم أن
أمر النبي - عليه السلام - بصبغه ندب ، وأن تغييره أولى من تركه
أبيض .
ذكر من رأى ذلك : روي عن قيس بن أبي حازم قال : كان أبو
بكر الصديق يخرج إلينا وكأن لحيته صرام العرفج من الحناء والكتم .
وعن أنس أن أبا بكر وعمر كانا يخضبان بالحناء والكتم ، وكان
الشعبي وابن أبي مليكة يخضبان بالحناء والكتم ، وعن عمر بن
الخطاب أنه كان يأمر بالخضاب بالسواد ويقول : هو أسكن للزوجة
وأهيب للعدو ، وعن ابن أبي مليكة أن عثمان كان يخضب بالسواد ،
وعن عقبة بن عامر والحسن والحسين أنهم كانوا يخضبون بالسواد ،
ومن التابعين : علي بن عبد الله بن عباس وعروة بن الزبير وابن سيرين
وأبو بردة .
وروى ابن وهب ، عن مالك قال : لم أسمع في صبغ الشعر
بالسواد بنهي معلوم ، وغيره أحب إليّ .
وممن كان يخضب بالصفرة علي بن أبي طالب ، وابن عمر ،
والمغيرة بن شعبة، وجرير البجلي، [ وأبو ] (١) هريرة ، وأنس بن
مالك ، ومن التابعين عطاء ، وأبو وائل ، والحسن ، وطاوس ،
وسعيد بن المسيب .
واعتل مغيرو الشيب من حديث أبي هريرة وغيره ، بما رواه مطر
الوراق ، عن أبي رجاء ، عن جابر قال : جيء بأبي قحافة إلى النبي
ورأسه ولحيته كأنهما ثغامة بيضاء ، فأمر رسول الله أن يغيروه ،
فحمروه .
(١) في ((الأصل)): وأبي. والمثبت من (هـ)).
- ١٥١ -

ورأى آخرون ترك الشعر أبيض أولى من تغييره وأن الصحيح عنه
عليه السلام نهيه عن تغيير الشيب ، وقالوا : توفي النبي - عليه
السلام - وقد بدا في عنفقته ورأسه الشيب ، ولم يغيره بشيء ولو كان
تغييره الاختيار لكان هو قد آثر الأفضل .
ذكر من رأى ذلك : قال أبو إسحاق الهمداني : رأيت علي بن أبي
طالب أبيض الرأس واللحية . وقاله الشعبي ، وكان أبي بن كعب
أبيض اللحية ، وعن أنس [ و] (١) مالك بن أوس وسلمة بن الأكوع
أنهم كانوا لا يغيرون الشيب، وعن أبي الطفيل، وأبي [ برزة ] (٢)
الأسلمي مثله ، وكان [ أبو ] (١) مجلز وعكرمة وعطاء وسعيد بن
جبير وعطاء بن السائب لا يخضبون .
واعتلوا بما روى أبو إسحاق عن أبي جحيفة قال: (( رأيت النبي-
عليه السلام - عنفقته بيضاء )).
والصواب عندنا أن الآثار التي رويت عن النبي - عليه السلام -
بتغيير الشيب وبالنهي عن تغييره كلها صحاح ، وليس فيها شيء يبطل
[معنى ] (٣) غيره ؛ ولكن بعضها عام وبعضها خاص ؛ فقوله عليه
السلام : ((خالفوا اليهود وغيروا الشيب)) المراد منه الخصوص ،
ومعناه: غيروا الشيب الذي هو نظير شيب أبي قحافة ، وأما من كان
أشمط فهو الذي أمره النبي - عليه السلام - ألا [ يغيره ] (٤) وقال:
((من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورًاً)).
فإن قيل : ما الدليل على ذلك ؟
(١) في ((الأصل)): ابن. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في (( الأصل، هـ)) : بردة، وهو تحريف.
(٤) في ((الأصل)): يغيروه، والمثبت من (هـ)).
(٣) من (( هـ).
- ١٥٢ -

قيل : لا يجوز أن يكون من النبي - عليه السلام - قولان متضادان
في شيء واحد في حالة واحدة إلا وأحدهما ناسخ للآخر ، فإذا كان
[ذلك] (١) كذلك فغير جائز أن يكون الناسخ منهما إلا معلومًا عند
الأمة .
ولما وردت الأخبار بنقل العدول أنه أمر بتغيير الشيب ، وأنه نهى عن
تغييره ، ولم يعلم الناسخ منهما فينتهوا إليه كان القول في ذلك أن
الذين غيروا الشيب من أصحاب / النبي إنما غيروه في الحالة التي كان [٤/ق٧٧-ب]
فيها شيبهم كشيب أبي قحافة أو قريبًا منه ، وأما الذين ( أجازوا ) (٢)
ترك تغييره كان شيبهم [ مخالفًا لشيب أبي قحافة ] (٣) إما بالشمط أو
بغلبة السواد عليه ، كالذي روي عن النبي أنه لم يغير شيبه لقلته، مع
أن تغيير الشيب ندب لا فرض ، ولا أرى مغير ذلك وإن كان قليلا
[حرجًا] (١) بتغييره؛ إذ كان النهي عن ذلك نهي كراهة لا تحريمًا
[لإجماع] (٤) سلف الأمة وخلفها على ذلك ، وكذلك الأمر فيما أمر
به على وجه الندب ، ولو لم يكن كذلك كان تاركو التغيير قد أنكروا
على المغيرين ، أو [ أنكر ] (٥) المغيرون على تاركي التغيير ، وبنحو
معناه قال الثوري .
باب : الجعد
فيه: أنس: (( أن النبي - عليه السلام - كان ليس بالطويل البائن
ولا بالقصير ، وليس بالأبيض الأمهق ( ولا ) (٦) بالآدم ، وليس بالجعد
(٢) في (( هـ)) : اختاروا .
(١) من (( هـ).
(٣) في ((الأصل)): مغايرًا لشيبه. والمثبت من ((هـ)).
(٤) في ((الأصل)): إذ كان. والمثبت من ((هـ)).
(٥) في ((الأصل)): أنكروا، والمثبت من ((هـ)). (٦) في (( هـ)): وليس.
- ١٥٣ -

القطط ولا بالسبط ، بعثه الله على رأس أربعين سنة فأقام بمكة عشر سنين
وبالمدينة عشر سنين ، وتوفاه الله على رأس ستين سنة وليس في رأسه
ولحيته [عشرون] (١) شعرة بيضاء)).
وفيه : البراء : (( أن جمّة النبي لتضرب قريبًا من منكبيه)) وقال شعبة :
((شعره يبلغ شحمة أذنيه )) .
وفيه : ابن عمر (( أن النبي - عليه السلام - قال : أراني الليلة عند
الكعبة ، فرأيت رجلا آدم كأحسن ما أنت راء من أدم الرجال ، له لمة
كأحسن ما أنت راء من اللمم قد رجلها ؛ فهي تقطر ماءً ، متكئًا على
رجلين أو على عواتق رجلين يطوف بالبيت فسألت من هذا ؟ فقيل :
المسيح ابن مريم . وإذا أنا برجل جعد قطط أعور العين اليمنى كأنها
عنبة طافية ، فسألت من هذا؟ [ قيل: ] (٢) المسيح الدجال)).
وفيه : أنس: (( أن النبي - عليه السلام - كان يضرب شعره منكبيه)).
وقال مرة: ((كان شعر النبي [ رجلا](٣) ليس بالسبط [ولا](٣) الجعد
بين أذنيه وعائقه ، وكان ضخم اليدين)) .
وقال مرة: (( كان ضخم الرأس والقدمين ، حسن الوجه ، لم أر بعده
[ولا قبله ] (٣) مثله، وكان بسط الكفين )) .
وقال مرة: ((كان شئن القدمين والكفين)).
وفيه: جابر: ((كان النبي ◌َّر ضخم القدمين والكفين، لم أر بعده
شبیھًا له )) .
وفيه : ابن عباس (( ذكروا عنده الدجال فقال : إنه مكتوب بين عينيه
كافر . وقال ابن عباس : لم أسمعه قال ذلك ولكنه قال : أما إبراهيم
(١) في ((الأصل)): عشرين، والمثبت من ((هـ، ن)).
(٢) في ((الأصل)): قال. والمثبت من (( هـ)).
(٣) من (( هـ ، ن )
- ١٥٤ -
٠٠

فانظروا إلى صاحبكم ، وأما موسى فرجل آدم جعد [على] (١) جمل
أحمر، مخطوم بخلبة ، كأني أنظر إليه إذا انحدر في الوادي يلبي)) .
قال المؤلف : في أحاديث هذا الباب أن النبي - عليه السلام -
كانت له جمة تبلغ قريبًا من منكبيه ، وقيل : تبلغ شحمة أذنيه ،
وقيل: يضرب شعره منكبيه ، وليس ذلك بإخبار عن وقت واحد
[فتتضاد] (٢) الآثار، وإنما ذلك إخبار عن أوقات مختلفة ، يمكن فيها
زيادة الشعر بغفلته عليه السلام عن قصه ؛ فكان إذا غفل عنه بلغ
منكبيه ، وإذا تعاهده وقصه بلغ شحمة أذنيه أو قريبًا من منكبيه ،
فأخبر كل واحد عما شاهد وعاين .
وذكر عليه السلام أن عيسى ابن مريم كانت له لمة حسنة قد رجلها،
وأن موسى كان جعدًا ؛ فدل أنه كانت له لمة وأن الجعودة لا تبين إلا
في طول الشعر ، وهذه الآثار كلها تدل أن اتخاذ اللمم وترجليها من
سنن النبيين والمرسلين .
وقوله في صفة النبي: (( ليس بالأبيض الأمهق ) يعني : أن لونه
ليس بالشديد البياض الفاحش الخارج عن حد الحسن ، وذلك أن
المهق من البياض هو الذي لا يخالطه شيء من الحمرة كلون الفضة .
والقطط : الشعر الشديد التجعد .
والسبط : ضد الجعد .
والآدم : الأسمر .
وقوله : ((عنبة طافية )) يريد بارزة قد برزت وطفت كما يطفو
الشيء فوق الماء ، وترجيل [ الشعر ] (٣): مشطه وتقويمه، يقال :
شعر رجل ورجّل : مسرح ، عن صاحب العين .
(١) من (( هـ، ن)) .
(٢) فى ((الأصل)): فتضاد. والمثبت من ( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): الشيء. والمثبت من (( هـ)).
- ١٥٥ -

واختلف في معنى المسيح ابن مريم عليه السلام على خمسة أقوال :
فقال ابن عباس: سمي عيسى مسيحًا ؛ لأنه كان لا يمسح بيده ذا
[٧٨٥/٤-١) عاهة إلا برأ / وقال إبراهيم النخعي : المسيح : الصديق.
وقال ثعلب : سمي مسيحًا ؛ لأنه كان يمسح الأرض أي : يقطعها.
وروى عطاء ، عن ابن عباس أنه قال : سمي مسيحًا ؛ لأنه كان
أمسح الرجل ، فلم يكن لرجله أخمص وهو ما يتجافى عن الأرض
من وسطها فلا يقع عليها .
وقال آخرون : سمي مسيحًا ؛ لأنه خرج من بطن أمه ممسوحًا
بالدهن ، ذكر هذا كله ابن الأنباري ، وقال : إنما سمي الدجال
مسيحًا لأن إحدى عينيه ممسوحة ، والأصل فيه مفعول فصرف إلى
فعیل .
قال ثعلب : والدجال مأخوذ من قولهم : دجل في الأرض
ومعناه: ضرب فيها وطافها ، وقال مرة أخرى : نقول : قد دجل إذا
لَّس ومَوّه.
وقال ابن دريد : اشتقاقه من قولهم : دجلت الشيء إذا سترته ،
كأنه يستر الحق ويغطيه ويلبس بتمويهه ، ومنه سميت : دجلة كأنها
حين فاضت على الأرض سترت مكانها .
وقوله : (( شئن الكفين والقدمين)) قال الخليل : الشئن : الذي في
أنامله [ غلظ] (١) وقد شئن شئنًا. وقال أبو عبيد: هما إلى الغلظ
فكانت كف النبي - عليه السلام - ممتلئة لحمًا ، ويبين ذلك قول أنس:
(( وكان ضخم اليدين والقدمين )) غير أن كفه مع ضخامتها كانت لينة
(١) في ((الأصل)): غلظًا. والمثبت من (( هـ)).
:
- ١٥٦ -

كما روي عن أنس أنه قال : (( ما مسست حريرة ألين من كف النبي -
عليه السلام )) .
فإن قال قائل : قد قال أبو حاتم عن الأصمعي : الشئونة : غلظ
الكف وخشونتها وأنشد قول امرئ القيس :
وتعطوا برخص غير شئن [ كأنه ] (١)
أساريع ظبي أو مساويك إسحل
فعلى تأويل الأصمعي البيت يعارض قول أنس في صفة النبي أنه
كان [ خشن ] (٢) اليدين مع قوله: (( ما مسست حريرة ألين من كفه
وسشاه
فالجواب : أن ما فسره الأصمعي أن الشئن خشونة مع غلظ ؛ لم
يقله أحد من أهل اللغة غيره ، ولا فسر أحد بيت امرئ القيس عليه ،
فلا يوجه قول أنس إليه لئلا يتنافى قوله ويتضاد ، وقد شرح الطوسي
هذا البيت بما يوافق قول الخليل وأبي عبيد فقال : قوله : بكف غير
شئن أي غير غليظ جاف ، وهذا هو الصواب لأن الشاعر إنما وصف
كف جارية ، والمستحب فيها الرقة واللطافة ، ألا ترى أنه شبهها في
[الدقة] (٣) بالدود البيض الدقاق اللينة التي تكون في الرمل، أو
بمساويك رقاق ولم يصفها بالغلظ والامتلاء ، وذلك لا يستحب في
النساء وهو مستحب في الرجال ، ولا يمنع أحد أن تكون كفا ممتلئة
[لحمًا](٣) شديدة الرطوبة غير خشنة ، فلا تعارض بين الحديثين.
ولو صح تأويل من جعل الشئن الخشن لأمكن الجمع بين الحديثين،
(١) في ((الأصل)): كأنما. والمثبت من ((هـ)). انظر لسان العرب (٢٣٢/١٣).
(٣) من (( هـ).
(٢) في ((الأصل)): حسن، والمثبت من (( هـ)).
- ١٥٧ -

فيكون إخبار أنس عن لين كف النبي - عليه السلام - أنه كان في غير.
الحال التي تكون فيها خشنة ؛ وذلك إذا أمهن في أهله، قالت عائشة:
(( كان النبي - عليه السلام - في مهنة أهله يرقع الثوب ويخصف
النعل)). وفي حديث آخر (( ويحلب الشاة)) فإذا كان النبي - عليه.
السلام - يعتمل بيديه حدثت له الخشونة ، وإذا ترك ذلك عاد إلى
أصل جبلته سريعًا وهي لين الكف ، فأخبر أنس عن كلتا الحالتين
فلا تعارض في ذلك لو كان التأويل كما قال الأصمعي ، على أن قول
الخليل وأبي عبيد والطوسي في تفسير الشئن مغن عن هذا التخريج ..
وقوله : (( مخطوم بخلبة)) قال صاحب العين: هي حبل من ليف.
وذكر أنس في هذا الحديث أن النبي - عليه السلام - مات ابن ستين
سنة، وهو قول عروة بن الزبير ، وروي عن ابن عباس خلاف هذا
قال: (( أقام رسول الله بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه وبالمدينة عشراً
ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة)).
*
باب : التلبيد
فيه: عمر قال: (( من ضفر فليحلق ولا تشبهوا بالتلبيد . وكان ابن
عمر يقول : لقد رأيت رسول الله ملبداً )) .
وفيه حديث حفصة: أنه قال لها وَلير: ((لبدت رأسي)).
والتلبيد : أن يجعل الصمغ في الغسول ثم يلطخ بها رأسه عند
الإحرام ليمنعه ذلك من الشعث .
[ قال المؤلف ] (١) : وقد تقدم حكم التلبيد في كتاب الحج / ولم
[٤/ق٧٨ -ب]
(١) من (( هـ)).
- ١٥٨ -

يمض هناك معنى قول عمر لا تشبهوا بالتلبيد ويروى ((تُشبهوا)) أو
((تشبهوا)) بضم التاء وفتحها والصحيح فتحها والمعنى [ لا ] (١)
تتشبهوا ، ومن روى بضم التاء أراد لا تشبهوا علينا .
والضفر : أن يضفر شعره [ ذو ] (٢) الشعر الطويل ليمنعه ذلك من
الشعث ، ومن فعل هذا لم يجز له أن يقصر ؛ لأنه فعل ما يشبه
التلبيد الذي أوجب رسول الله فيه الحلاق [ فلذلك رأى عمر
الحلاق](١) على من فعل ذلك.
ومعنى قوله : لا تشبهوا بالتلبيد . أي : تفعلوا أفعالا تشبه التلبيد
في الانتفاع بها ، وهي العقص والضفر ، ثم تقصرون ولا تحلقون ،
وتقولون : لم نلبد ، فمن فعل ذلك فهو ملبد وعليه الحلاق .
باب : الفرق
فيه: ابن عباس : (( كان النبي - عليه السلام - يحب موافقة أهل
الكتاب فيما لم يؤمر فيه ، وكان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان
المشركون يفرقون رءوسهم ، فسدل النبي - عليه السلام - ناصيته ، ثم
فرق بعد )) .
وفيه : عائشة قالت: (( كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق النبي
وهو محرم)) قال عبد الله (٣): في مفرق النبي - عليه السلام.
[ قال المؤلف ] (١): فرق شعر الرأس سُنة ، وروى ابن وهب عن
(١) من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): دون. والمثبت من (( هـ).
(٣) هو عبد الله بن رجاء أحد رجال الإسناد ، فقد رواه البخاري عن شيخين عبد الله
ابن رجاء، وأبي الوليد الطيالسي، وأراد أن أبا الوليد إنما رواه بلفظ الجمع
(مفارق)) وعبد الله بن رجاء رواه بلفظ الإفراد فقال: ((مفرق))، انظر الفتح
(٣٧٥/١٠).
- ١٥٩ -

أسامة بن زيد أن عمر بن عبد العزيز كان إذا انصرف من الجمعة أقام
على باب المسجد حرسًا يجزون كل من لم يفرق شعره .
قال مالك : رأيت عامر [ بن عبد الله ] (١) بن الزبير وربيعة بن أبي
عبد الرحمن وهشام بن عروة يفرقون شعورهم ، وكانت لهشام جمّة
إلى كتفيه .
فإن قال قائل : قول ابن عباس (( كان النبي - عليه السلام - يحب
موافقة أهل الكتاب)) يعارض قول النبي - عليه السلام -: ((إن
اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم)).
:
فالجواب : أن حديث ابن عباس يحتمل أن يكون في أول الإسلام
في وقت قوي فيه طمع النبي - عليه السلام - برجوع أهل الكتاب
وإنابتهم إلى الإسلام ، وأحب موافقتهم على وجه التألف لهم
والتأنيس، مع أن أهل الكتاب كانوا أهل شريعة ، وكان المشركون
لا شريعة لهم ، فسدل عليه السلام ناصيته ؛ إذ كان ذلك مباحًاً لأنه
لم يأته نهي عن ذلك ، ثم أراد الله - تعالى - نسخ السدل بالفرق
فأمر نبيه بفرق شعره وترك موافقة أهل الكتاب والحديث يدل على
صحة هذا ، وهو قول ابن عباس (( كان رسول الله يحب موافقة أهل
الكتاب )) و(( كان)) إخبار عن فعل متقدم، وقوله: (( ثم فرق بعد))
إخبار عن فعل متأخر وقع منه عليه السلام بمخالفة أهل الكتاب ، وهذا
هو النسخ بعينه؛ لقوله وَله (( إن اليهود والنصارى لا يصبغون
فخالفوهم )) فأمر بمخالفتهم أمرًاً عاما.
باب : الذوائب
فيه : ابن عباس : (( بت ليلة عند ميمونة بنت الحارث خالتي ، وكان
(١) من ((هـ)).
- ١٦٠ -