النص المفهرس
صفحات 21-40
روي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وأنس ، وهو قول مكحول وعطاء
والحسن .
قال إسماعيل بن إسحاق : قد جاء في التفسير ما ذكر ، والظاهر -
والله أعلم - يدل على أنه الوجه والكفان ؛ لأن المرأة يجب عليها أن
تستر في الصلاة كل موضع منها إلا وجهها وكفيها ، وفي ذلك دليل
أن الوجه والكفين يجوز للغرباء أن يروه من المرأة ، والله أعلم بما أراد
من ذلك .
وسيأتي بقية الكلام في حديث أنس في باب من قام من مجلسه أو
بيته ولم يستأذن أصحابه وتهيأ للقيام ليقوم الناس / في هذا الجزء إن (٥٥٥/٤-ب]
شاء الله .
وقوله: (( وكنت أعلم الناس بشأن الحجاب)) [ فيه ] (١) : أنه
يجوز للعالم أن يصف ما عنده من العلم لسائله عنه على وجه التعريف
بما عنده منه لا على سبيل الفخر والإعجاب .
باب : الاستئذان من أجل البصر
فيه: سهل: ((اطلع رجل من جُحْر في حُجَر النبي 18 ومع النبي
مدرى يحك بها رأسه ، فقال: لو أعلم [ أنك ] (٢) تنظر لطعنت به في
عينك ، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر)).
فيه: أنس: (( اطلع رجل من بعض حجر النبي - عليه السلام - فقام
إليه النبي - عليه السلام - بمشقص - أو بمشاقص - فكأني أنظر إليه
يختل الرجل ليطعنه )) .
(١) من ( هـ)).
(٢) في (( الأصل)): أنه. والمثبت من (( هـ، ن)).
- ٢١ -
قال المؤلف : في هذا الحديث تبيين معنى الاستئذان وأنه إنما جعل
خوف النظر إلى عورة المؤمن وما لا يحل منه ، وفي الموطأ عن عطاء
ابن يسار: (( أن رجلا قال : يا رسول الله ، أستأذن على أمي ؟ قال:
نعم . قال : إني معها في البيت . قال : استأذن عليها ، أتحب أن
تراها عريانة ؟ قال: لا . قال: فاستأذن عليها)) ..
وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: ((لا يدخل الغلام إذا
احتلم على أمه ، ولا على أخته إلا بإذن )) وأصل هذا كله في قوله-
تعالى - : ﴿ يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم﴾ (١)
الآية .
قال أبو عبيد : فأما ذكور المماليك فعليهم الاستئذان في الأحوال
كلها .
وهذا الحديث مما يرد قول أهل الظاهر ، ويكشف غلطهم في
إنكارهم العلل والمعاني ، وقولهم إن الحكم للأسماء خاصةً ؛ لأنه
عليه السلام علل الاستئذان أنه إنما جعل من قبل البصر ، فدل ذلك
على أن النبي - عليه السلام - أوجب أشياء وحظر أشياء من أجل
معان علق التحريم بها ، ومن أبى هذا رد نص السنن .
وقد نطق القرآن بمثل هذا [ كثيرًاً ] (٢) من [ ذلك ] (٣) قوله تعالى:
{ وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم﴾ (٤) وقال : ﴿ ما أفاء الله
على رسوله من أهل القرى ﴾ إلى قوله: ﴿كي لا يكون دولةٌ بين
الأغنياء منكم ﴾ (٥) وقال: ﴿ لئلا يكون للناس على الله حجة
(١) النور : ٥٨ .
(٣) من ( هـ)).
(٢) في (( الأصل)): كثير. والمثبت من (( هـ)).
(٥) الحشر : ٧ .
(٤) الأنبياء : ٣١ .
- ٢٢ -
بعد الرسل﴾ (١) وقال - تعالى -: ﴿ذلك جزيئاهم ببغيهم﴾(٢) في
مواضع كثيرة يكثر عددها ، فلا يلتفت إلى من خالف ذلك .
باب : زنا الجوارح دون الفرج
فيه : ابن عباس: (( لم أر شيئًا أشبه باللمم من قول أبي هريرة عن النبي
- عليه السلام - : إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا ، أدرك ذلك لا
محالة ، فزنا العين النظر ، وزنا اللسان المنطق ، والنفس تمنى وتشتهي ،
والفرج يصدق ذلك ویکذبه )) .
[ قال المؤلف ] (٣): وزنا العين : فيما زاد على النظرة الأولى التي
لا تملك مما ( يديم ) (٤) النظر إليه على سبيل (الشره ) (٥) والشهوة،
وكذلك زنا المنطق : فيما يلتذ به من محادثة من لا يحل له ذلك منه ،
[ وزنا ] (٣) النفس: تمنى ذلك وتشتهيه ، فذلك كله سمي زنا ؛ لأنه
من دواعي زنا الفرج ، ودل قوله : (( إن الله كتب على ابن آدم حظه
من الزنا ، أدرك ذلك لا محالة )) أن ابن آدم لا يخلص من ذلك .
قال المهلب : وكل ما كتبه الله على ابن آدم فهو سابق في علم الله،
لا بد أن يدركه المكتوب عليه ، وإن الإنسان لا يملك دفع ذلك عن
نفسه غير أن الله - تعالى - تفضل على عباده وجعل ذلك لمما
[وصغائر] (٦) لا يطالب بها عباده إذا لم يكن للفرج تصديق لها ؛ فإذا
صدقها الفرج كان ذلك من الكبائر ؛ رفقًا من الله بعباده ، ورحمةً
لهم ، لما جبلهم عليه من ضعف الخلقة ، ولو آخذ عباده باللمم أو ما
(١) النساء : ١٦٥ .
(٣) من (( هـ )) .
(٢) الأنعام : ١٤٦.
(٤) في (( هـ)): يستديم.
(٥) في (( هـ)): اللذة .
(٦) في ((الأصل)): صغائرًا. والمثبت من (( هـ)).
- ٢٣ -
دونه من حديث النفس لكان ذلك عدلا منه في عباده وحكمة ، لا
يسأل عما يفعل وله الحجة البالغة ، لكن قبل منهم اليسير وعفا لهم
عن الكثير تفضلا منه وإحسانًا .
وقوله : (( لا محالة)) يعني : لا حيلة له في التخلص من إدراك ما
كتب عليه .
باب : التسليم / والاستئذان ثلاثًا
[٤/ ق٥٦ -٢]
فيه: أنس: ((كان النبي إذا سلّم سلّم ثلاثًا ، وإذا تكلم بكلمة أعادها
ثلاثًا )).
وفيه: أبو سعيد الخدري قال: (( كنت في مجلس من مجالس الأنصار
إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور ، فقال : استأذنت على عمر ثلاثًا فلم
يؤذن لي فرجعت . قال : ما منعك ؟ قلت : استأذنت ثلاثًا فلم يؤذن
فرجعت ، وقال رسول الله : إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له
فليرجع . فقال : والله لتقيمن عليه بينة ، أمنكم أحد سمعه من النبي -
عليه السلام ؟ قال أبي بن كعب : والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم .
قال أبو سعيد : فكنت أصغر القوم فقمت معه ، فأخبرت عمر أن
رسول الله صلى قال ذلك)).
قال المهلب : أما تسليمه صلى الله عليه ثلاثًا وكلامه ثلاثًا فهو
ليبالغ في الإفهام والإسماع ، وقد أورد الله ذلك في القرآن فكرر
القصص والأخبار والأوامر ليفهم عباده ، وليتدبر السامع في المرة الثانية
والثالثة ما لم يتدبر في الأولى ، وليرسخ ذلك في قلوبهم . والحفظ
إنما هو تكرر الدراسة للشيء المرة بعد المرة ، وقد كان النبي - عليه
السلام - يقول الشيء المرة الواحدة ، وقول أنس : إنه كان إذا تكلم
- ٢٤ -
بكلمة أعادها ثلاثًا . يريد في أكثر أمره ، وأخرج الحديث مخرج
العموم ، والمراد به الخصوص .
قال غيره: واختلف العلماء في تأويل قوله: ((الاستئذان ثلاثًّا))
فقالت طائفة : معنى قوله : فإن أذن له وإلا فليرجع إن شاء ، فإن
شاء زاد على الثلاث [ لا أنه ] (١) واجب عليه أن يرجع .
قال ابن نافع : لا بأس إن عرفت أحدًا أن تدعوه أن يخرج إليك ،
وتنادي به ما بدا لك .
وروى ابن وهب عن مالك قال : الاستئذان ثلاثًا ، لا أحب لأحد
أن يزيد عليها إلا من علم أنه لم يُسمع ، فلا بأس أن يزيد .
وظاهر حديث أبي موسى يرد هذا القول ؛ لأن أبا موسى حمل
الحديث على أنه لا يزاد على ثلاث مرات ، ودل [ أنه ] (٢) على ذلك
تلقى معناه ( من ) (٣) النبي - عليه السلام - ولو كان عند أبي موسى
أنه يجوز الزيادة على الثلاث في الاستئذان لم يكن مخالفًا لمذهب عمر
ابن الخطاب ، ولم يحتج أبو موسى أن ينزع بقوله عليه السلام :
((الاستئذان ثلاثًا)) حين أنكر عليه عمر ترك الزيادة على الثلاث .
وقد زعم قوم من أهل البدع أن مذهب عمر ردّ قبول خبر الواحد
العدل ، وهذا خطأ في التأويل وجهل بمذهب عمر وغيره من السلف.
وقد جاء في بعض طرق هذا الحديث أن عمر قال لأبي موسى :
((أما إني لم أتهمك ، ولكني أردت ألا يتجرأ الناس على الحديث عن
رسول الله)) .
(١) في ((الأصل)): لأنه. والمثبت من (( هـ)).
(٢) من (( هـ).
(٣) في ((هـ)): عن.
- ٢٥ -
ففيه من الفقه التثبت في خبر الواحد لما يجوز عليه من السهو وغيره،
وحكم عمر بخبر الواحد أشهر من أن يخفى ، وقد قبل خبر الضحاك
ابن سفيان وحده في ميراث المرأة من دية زوجها ، وقبل خبر حمل بن
مالك الهذلي الأعرابي في أن دية الجنين غرة عبد أو أمة ، وقبل خبر
عبد الرحمن بن عوف في الجزية وفي الطاعون ، ولا يشك ذو لبِّ أن
أبا موسى أشهر في العدالة من الأعرابي الهذلي .
وقد قال في حديث السقيفة : إني قائل مقالةً فمن حفظها ووعاها
فليحدث بها ، فكيف يأمر من سمع قوله أن يحدث به ، وينهى عن
الحديث عن رسول الله ولا يقبل خبر الواحد؟! هذا لا يقوله إلا معاندًا
وجاهل .
وفيه : أن العالم المستبحر قد يخفى عليه من العلم ما يعلمه من هو
دونه ، والإحاطة لله وحده .
باب : إذا دعي الرجل فجاء هل يستأذن
وقال سعيد، عن قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي تقدّر:
« هو إذنه )).
وفيه: مجاهد، عن أبي هريرة: ((دخلت مع النبي ◌ٍَّ فوجدنا لبنًا في
قدح، فقال : أبا هر ، الحق أهل الصفة فادعهم إلي . فأتيتهم فدعوتهم ،
فأقبلوا فاستأذنوا ، فأذن لهم فدخلوا )) .
قال المهلب: إذا دعي وأتى مجيبًا للدعوة، ولم [ تتراخ ] (١)
(١) في ((الأصل، وهـ)): تتراخى. والمثبت من (( هـ).
- ٢٦ -
المدة فهذا دعاؤه إذنه / فإذا دعي فأتى في غير حين الدعاء فإنه يستأذن، [٤/ق٥٦ -ب]
وكذلك إذا دعي إلى موضع لم يعلم أن به أحدًا مأذونًا له في الدخول
أنه لا يدخل حتى يستأذن، فإن كان فيه أحد [ مأذونًا له مدعواً ] (١)
قبله فلا بأس أن يدخل بالدعوة ، وإن تراخت الدعوة وكان بين
ذلك زمن يمكن الداعي أن يخلو في أمره أو يتعدى لبعض شأنه ، أو
يتصرف أهل داره فلا يفتئت بالدعوة على الدخول حتى يستأذن
كحديث مجاهد عن أبي هريرة ، هذا وجه تأويل الحديثين ، والله
أعلم .
*
باب : التسليم على الصبيان
فيه : أنس: (( أنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال : كان النبي - عليه
السلام - يفعله )).
قال المؤلف : سلام النبي - عليه السلام - على الصبيان من خلقه
العظيم ، وأدبه الشريف وتواضعه عليه السلام ، وفيه تدريب لهم على
تعليم السنن ، ورياضة لهم على آداب الشريعة ليبلغوا حد التكليف
وهم متأدبون ( بأدب ) (٢) الإسلام، وقد كان عليه السلام يمازح
الصبيان ويداعبهم ليقتدى به في ذلك ، فما فعل شيئًا وإن صغر إلا
ليسن لأمته الاقتداء به ، والاقتداء لأثره ، وفي ممازحته للصبيان تذليل
النفس على التواضع ونفي التكبر عنها .
(١) في ((الأصل)): مأذون له مدعو. والمثبت من (هـ).
(٢) في (( هـ)»: بآداب .
- ٢٧ -
باب : تسليم الرجال على النساء والنساء على الرجال
فيه : سهل قال : ( كنا نفرح بيوم الجمعة ، كانت لنا عجوز ترسل إلى
بضاعة - قال القعنبي : نخل بالمدينة - فتأخذ من أصول السلق فتطرحه
في قدر ، وتكركر حبات من شعير ، فإذا صلينا الجمعة انصرفنا نسلم
عليها فتقدمه [ لنا ] (١) فنفرح من أجله ، وما كنا نقيل ولا نتغدى إلا
بعد الجمعة )) .
وفيه : عائشة : قال النبي - عليه السلام -: (([ يا عائشة ، هذا جبريل
يقرأ عليك السلام . قالت: قلت : وعليه السلام ](١) ورحمة الله ، ترى
ما لا نرى - تريد رسول الله )) تابعه معمر ، وقال يونس والنعمان عن
الزهري : (( وبركاته )) .
قال المهلب : السلام على النساء جائز إلا على الشابات منهن ،
فإنه يخشى أن يكون في مكالمتهن بذلك خائنة أعين أو نزغة شيطان ،
وفي ردهن من الفتنة مما خيف من ذلك أن يكون ذريعةً يوقف عنه ؛ إذ
ليس ابتداؤه فريضة ، وإنما الفريضة منه الرد ، وأما المتجالات والعجائز
فهو حسن ؛ إذ ليس فيه خوف ذريعة ، هذا قول قتادة ، وإليه ذهب
مالك وطائفة من العلماء .
وقال الكوفيون : لا يسلم الرجال على النساء إذا لم يكن [منهن](٢)
ذوات محارم . وقالوا : لما سقط عن النساء الأذان والإقامة والجهر
بالقراءة في الصلاة سقط [ عنهن ] (٣) رد السلام ، فلا يسلم عليهن.
وقال ابن وهب: بلغني عن ربيعة أنه قال : ليس على النساء
التسليم على الرجال ، ولا على الرجال التسليم على النساء ، وحجة
(١) من ( هـ).
(٢) فى ((الأصل)): منهم
(٣) في ((الأصل)): عنهم. والمثبت من ((هـ)).
- ٢٨ -
مالك ومن وافقه حديث سهل أنهم كانوا يسلمون على العجوز يوم
الجمعة مع النبي - عليه السلام - ولم تكن ذات محرم منهم ، وأيضًا
حديث عائشة أن النبي بلغها سلام جبريل ، وفي ذلك أعظم الأسوة
والحجة .
وقال صاحب الأفعال : الكركرة : تصريف الرياح السحاب إذا
جمعته بعد تفرق ، وتكركر السحاب إذا تراد في الهواء .
باب : إذا قال من ذا فقال أنا
فيه: جابر: (( أتيت النبي - عليه السلام - في دين كان على أبي
(فدفعت ) (١) الباب، فقال: من ذا ؟ قلت: أنا . فقال: أنا [ أنا ] (٢)
كأنه كرهها » .
قال المهلب: إنما كره و9َّ قول جابر : أنا ؛ لأنه ليس في ذلك بيان
إلا عند من يعرف الصوت ، وأما عند من يمكن أن يشتبه عليه فهو من
التعنيت ، فلذلك / كرهه ، وقد قال بعض الناس : ينبغي أن يكون [٤/ ف٥٧-١]
لفظ الاستئذان بالسلام ، وزعم أن النبي إنما كره قول جابر : أنا
ليستأذن عليه بلفظ السلام .
وفيه : جواز ضرب باب الحاكم وإخراجه من داره لبعض ما يعزى
إليه ، و[ يبين ] (٣) هذا قصة كعب بن مالك، وابن أبي حدرد ،
وليس كما قال بعض الناس أنه لا يعرض للحكم إلا عند جلوسه .
*
(١) في ((هـ)): فدققت.
(٢) من (( هـ، ن)).
(٣) في ((الأصل)): بين. والمثبت من ((هـ).
- ٢٩ -
باب : من رد فقال عليك السلام
وقالت عائشة : وعليه السلام ورحمة الله وبركاته .
وقال النبي - عليه السلام - : رد الملائكة على آدم : السلام عليك
ورحمة الله .
فيه : أبو هريرة: (( أن رجلا دخل المسجد فصلى ، ثم جاء فسلم على
النبي - عليه السلام - فقال له النبي - عليه السلام - : ارجع فصل ... ))
الحدیث.
اختلفت الآثار في هذا الباب فروي أن النبي - عليه السلام - قال
في رد السلام : عليك السلام ، وقال في رد الملائكة على آدم :
السلام عليك ، وفي كتاب الله - تعالى - تقديم السلام على اسم
المسلم عليه ، وهو قوله تعالى: ﴿ سلام على إل ياسين﴾ (١)
و﴿سلام على موسى وهارون﴾ (٢) وقال في قصة إبراهيم: ﴿رحمة
الله وبركاته عليكم أهل البيت ﴾ (٣) وقد جاء حديث رواه أبو عفان عن
أبي تميمة الهجيمي ، عن أبي دريد - أو أبي جري -: (( أن رجلا قال
للنبي - عليه السلام -: عليك السلام يا رسول الله. فقال له: لا تقل
عليك السلام فهي تخية الموتى ، قل : السلام عليك )) وهذا الحديث
لا يثبت، وقد صح الوجهان عن النبي ◌َّ إلا أنه جرت عادة العرب
:
بتقديم اسم المدعو عليه في الشر خاصةً كقولهم: عليه لعنة الله وغضب
الله، قال تعالى: ﴿وأن عليك لعنتي إلى يوم الدين﴾ (٤) وقال في
المتلاعنين: ﴿والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ﴾ (٥) وفي
لعان المرأة: ﴿والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين﴾(٦)
(١) الصافات : ١٣٠
(٤) ص : ٧٨ .
(٢) الصافات : ١٢٠ .
(٥) النور : ٧ .
(٣) هود : ٧٣ .
(٦) النور : ٩
- ٣٠ -
وروى يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة أن رسول
الله قال: ((السلام اسم من أسماء الله ؛ فأفشوه بينكم)) فإذا صح
هذا الحديث ، فالاختيار في التسليم والأدب فيه تقديم اسم الله -
تعالى - على اسم المخلوق .
فإن فعل فاعل [ غير ] (١) ذلك وقدم اسم المسلم عليه على اسم
الله - تعالى - فلم يأت محرمًا ، ولا حرج عليه لثبوت ذلك عن
النبي - عليه السلام .
وأما قوله عليه السلام: ((عليك السلام تحية الموتى )) فقد ثبت عن
النبي أنه قال في سلامه على القبور: ((السلام عليكم دار قوم مؤمنين)»
وحياهم بتحية الأحياء ، وقال ابن أبي زيد : يقول السلام عليكم ،
فيقول الراد : وعليكم السلام ، أو يقول : سلام عليكم كما قيل له ،
وهو معنى قوله تعالى: ﴿أو ردوها﴾ (٢) وأكثر ما ينتهي السلام إلى
البركة ، وهو معنى قوله تعالى : ﴿فحيوا بأحسن منها﴾(٢) ولا تقل
في ردك : سلام عليك .
باب : إذا قال فلان يقرئك السلام
فيه: عائشة: أن النبي قال لها: ((إن جبريل يقرأ عليك السلام.
قالت: وعلیه السلام ورحمة الله )) .
هذا حجة في أن من بلغ إليه سلام غائب عنه أن يرد عليه السلام
كما يرد على الحاضر ، وروى أيوب، عن أبي قلابة: (( أن رجلا أتى
سلمان الفارسي فقال له : إن أبا الدرداء يقول : عليك السلام .
(١) من (( هـ)).
(٢) النساء : ٨٦ .
- ٣١ -
قال : متى قدمت ؟ قال : منذ ثلاث ، قال : أما إنك لو لم تؤدها
:
كانت أمانة عندك » .
باب : التسليم في مجلس فيه أخلاط
من المسلمين والمشركين
فيه : أسامة بن زيد: (( أن النبي ◌ّل# ركب حمارًا عليه إكاف تحته قطيفة
فدكية ، وأردف أسامة وراءه وهو يعود سعد بن عبادة ، حتى مر في
مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان [ واليهود ] (١)
[٤/ ٥٧٥- ب] وفيهم عبد الله بن أبيّ [ بن ](١) سلول ، فلما غشيت / المجلس عجاجة
الدابة خمّر عبد الله بن أبي أنفه بردائه ، ثم قال : لا تغبروا علينا . فسلم
عليهم النبي - عليه السلام - ثم نزل فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم
القرآن ... )) الحديث
قال الطبري : في هذا الحديث الإبانة أنه لا حرج على المرء في
جلوسه مع قوم فيهم منافق أو كافر ، وفي تسليمه عليهم إذا انتهى
إليهم وهم جلوس ، وذلك أن النبي سلم على القوم الذين فيهم
عبدالله بن أبي ، ولم يمتنع من ذلك لمكان عبد الله مع نفاقه وعداوته
للإسلام وأهله ، إذا كان فيهم من أهل الإيمان جماعة .
وقد روي عن الحسن البصري أنه قال : إذا مررت بمجلس فيه
مسلمون وكفار فسلم عليهم . وذلك خلاف ما يقول بعض الناس أن
التسليم غير جائز على من كان عن سبيل الحق منحرفًا ، إما لبدعة أو
ضلالة من الأهواء الرديئة ، أو لملة من ملل الكفار دان بها ، وتكليمه
(١) من (( هـ ، ن)).
(٢) من (( ن)).
- ٣٢ -
غير سائغ وذلك أنه لا ضلالة أشنع ولا بدعة أخبث ولا كفر أرجس
من النفاق، ولم يكن في نفاق عبد الله بن أبيّ يوم هذه القصة شك.
وإن قيل : إن رسول الله إنما سلم عليه يومئذ ونزل إليه ليدعوه إلى
الله وذلك فرض عليه .
قيل : لم يكن نزوله عليه السلام ليدعوه ؛ لأنه قد كان تقدم الدعاء
منه لعبد الله بن أبيّ ولجماعة المنافقين في أول الإسلام ، فكيف يُدعى
إلى ما يظهره ؟! وإنما نزل عليه السلام هناك استثلافًا لهم ورفقًا بهم ؛
رجاء في رجوعهم إلى الحق .
قال المهلب : وقد كان عليه السلام [ يستألف ] (١) بالمال ، فضلا
عن التحية والكلمة الطيبة ، ومن استئلافه أنه كناه عند سعد بن عبادة،
فقال له سعد : اعف عنه واصفح . أي لا تناصبه العداوة ، كل هذا
رجاء أن يراجع الإسلام ، وقد أجاز مالك تكنية اليهودي والنصراني .
قال الطبري : وقد روي عن السلف أنهم كانوا يسلمون على أهل
الكتاب ، روى جرير ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة قال:
كنت ردفًا لابن مسعود فصحبنا دهقان من القنطرة إلى زرارة ، فانشقت
له طريق فأخذ فيه ، فقال عبد الله : أين الرجل ؟ فقلت : أخذ في
طريقه ، فأتبعه بصره ، وقال : السلام عليكم . فقلت : يا أبا
عبدالرحمن : أليس يكره أن يبدءوا بالسلام ؟ قال : نعم ، ولكن حق
الصحبة .
وقال إبراهيم : إذا كانت لك إلى يهودي حاجة فابدأه بالسلام .
وكان أبو أمامة إذا انصرف إلى بيته لا يمر بمسلم ولا نصراني
(١) في ((الأصل)): استألف. والمثبت من (( هـ)).
- ٣٣ -
ولا صغير ولا كبير إلا سلم عليه ، فقيل له في ذلك ، فقال : أمرنا أن
نفشي السلام .
وقال كريب : كتب ابن عباس إلى يهودي حربًا فسلم عليه ، فقال
له كريب : سلمت عليه ! فقال : إن الله هو السلام .
وكان ابن محيريز يمر على السامرة فيسلم عليهم .
وقال قتادة : إذا دخلت بيوت أهل الكتاب فقل : السلام على من
اتبع الهدى . وسئل الأوزاعي عن مسلم مرّ بكافر فسلم عليه ، فقال:
إن سلمت فقد سلم الصالحون ، وإن تركت فقد ترك الصالحون.
فإن قال قائل: فما أنت قائل فيما رواه شعبة وسفيان [ عن
سهيل](١) بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال
رسول الله: (( لا تبدءوا النصارى واليهود بالسلام ، وإذا لقيتموهم في
الطريق فاضطروهم إلى أضيقه)) ؟
قيل : كلا الخبرين صحيح ، وليس في أحدهما خلاف للآخر،
وإنما في حديث أسامة معنى خبر أبي هريرة ، وذلك أن خبر أبي هريرة
مخرجه العموم ، وخبر أسامة مبين أن معناه الخصوص ، وذلك أن فيه
أن النبي - عليه السلام - لما رأى عبد الله بن أبيّ جالسًا وحوله رجال
من قومه تذمم أن يجاوزه ، فنزل فسلم فجلس ، فكان نزوله إليه.
قضاء ذمام .
وهو نظير ما ذكر علقمة عن عبد الله في تسليمه على الدهقان الذي
صحبه في طريق الكوفة فقال : إنه صحبنا وللصحبة حق ، وكما قال
النخعي : إذا كانت لك إلى يهودي حاجة / أو نصراني فابدأه [٤/ق٥٨-١]
(١) من (( هـ)).
- ٣٤ -
بالسلام . فبان بخبر أسامة أن قوله عليه السلام في خبر أبي هريرة :
((لا تبدءوهم بالسلام)) إنما هو لا تبدءوهم لغير سبب يدعوكم إلى أن
تبدءوهم : من قضاء ذمام أو حاجة تعرض لكم قبلهم ، أو حق
صحبة في جوار أو سفر )) .
قال المهلب : وفيه عيادة المريض على بعد والركوب إليه . وفيه :
ركوب الحمر الأشراف الناس والارتداف .
وقوله : خمرّ عبد الله [ أنفه ] (١) )) يعني غطاه ، وكل مغطى عند
العرب فهو مخمر ، ومنه قوله عليه السلام للرجل [ في الإناء ] (٢):
(( ألا خمرته ولو بعود تعرضه عليه)).
والبحرة : القرية ، وكل قرية لها نهر ماء جارٍ أو ناقع ، فإن العرب
تسميها بحراً .
وقد قيل في قوله تعالى : ﴿ظهر الفساد في البر والبحر﴾ (٣) أنه
عنى بالبحر الأمصار التي فيها أنهار ماء ، والعرب تقول : هذه
بحرتنا، أي : بلدتنا ، وقال ابن ميادة :
كان بقاياه ببحرة ملك نقية
سحق من رداء مخبر
13
وقوله : يعصبوه أي : يسودوه ، والسيد المطاع يقال له : المعصّب؛
لأنه يعصب الأمر برأسه . والتاج عندهم للملك ، والعصابة للسيد
المطاع .
وقوله : شرق بذلك ، أي : غص به ، يقال : غص الرجل
بالطعام وشرق بالماء وسجى بالعظم .
(١) في ((الأصل)): وجهه، والمثبت من (( هـ).
(٢) من ( هـ )).
(٣) الروم : ٤١ .
- ٣٥ -
باب : من لم يسلم على من اقترف ذنبًا
ولم يرد سلامه حتى [تتبين ] (١) توبته
وإلى متى [ تتبين ] (١) توبة العاصي وقال عبد الله بن عمرو
لا تسلموا على شربة الخمر
فيه : كعب حين تخلف عن غزوة تبوك: (( ونهى النبي - عليه السلام-
عن كلامنا وآتي النبي فأسلم عليه وأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد
السلام أم لا؟ حتى كملت خمسون ليلةً، وآذن النبي بتوبة الله علينا حين
صلى الفجر )) .
قال المهلب : ترك السلام على أهل المعاصي بمعنى التأديب لهم سنة
ماضية بحديث كعب بن مالك ( وأصحابه ) (٢) : الثلاثة الذين
خلفوا، وبذلك قال كثير من أهل العلم في أهل البدع : لا يسلم
علیھم ؛ أدبًا لهم .
وقد روي عن علي بن أبي طالب أنه قال : لا تسلموا على مدمن
الخمر ولا على الملتهي بأبويه . ذكره الطبري .
وكذلك كان في قطع الكلام عن كعب بن مالك وصاحبيه حين
تخلفوا عن رسول الله ، وإظهار الموجدة عليهم أبلغ في الأدب لهم ،
والإعراض أدب بالغ ، ألا ترى قوله تعالى : ﴿واللاتي تخافون
نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع﴾ (٣) .
وقوله : وإلى متى [ تثبين ] (١) توبة العاصي ليس في ذلك حد
محدود ، ولكن معناه أنه لا تتبين توبته من ساعته ولا يومه حتى يمر
عليه ما يدل على ذلك .
(١) في ((الأصل)): تبين. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٢) في (( هـ)) : صاحبيه .
(٣) النساء : ٣٤ .
- ٣٦ -
روى ابن وهب بإسناد أن يزيد بن أبي حبيب قال : لو مررت على
قوم يلعبون بالشطرنج ما سلمت عليهم .
وكان سعيد بن جبير إذا مر على أصحاب النرد لم يسلم عليهم .
ورخص مالك في السلام على من لم يدمن اللعب بها ، وإنما
يلعب ( به ) (١) المرة بعد المرة .
باب : كيف رد السلام على أهل الذمة
فيه: عائشة: (( دخل رهط من اليهود على النبي ◌َلقر فقالوا: السام
عليك، ففهمتها [ فقلت] (٢): عليكم السام واللعنة [فقال ] (٣) عليه
السلام: مهلا يا عائشة ، إن الله يحب الرفق في الأمر كله . قلت : أو لم
تسمع ما قالوا ؟! قال النبي : قد قلت : عليكم )) .
وفيه: ابن عمر وأنس أن النبي [ قال] (٤): ((إذا سلم عليكم - قال
ابن عمر : اليهود ، وقال أنس : أهل الكتاب - فقولوا : وعليك - لابن
عمر ، ولأنس : وعلیکم )) .
السام : فسره أبو عبيد قال : هو الموت . قال الخطابي : وتأوله
قتادة على خلاف ذلك ، روى عبد الوارث ، عن سعيد بن أبي عروبة
قال : كان قتادة يفسر السام عليكم : تسأمون دينكم ، وهو مصدر من
سئمته سآمة وسامًا مثل : رضعته رضاعةً ورضاعًا / ولذذته لذاذةً [٤/ ٥٨-ب]
ولذادًا .
(١) في (( هـ)»: بها .
(٢) في ((الأصل)): فقالت. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٣) في ((الأصل)): وقال. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٤) من (( هـ ).
- ٣٧ -
ووجدت هذا الذي فسره قتادة روي عن النبي - عليه السلام -
ذكر بقي بن مخلد في التفسير عن سعيد ، عن قتادة ، عن أنس
((أن النبي- عليه السلام - بينا هو جالس مع أصحابه ؛ إذ أتى يهودي
فسلم عليهم فردوا عليه ، فقال عليه السلام : هل تدرون ما قال ؟
قالوا : سلم يا رسول الله . قال : قال : سام عليكم ، أي تسأمون
دینکم )) .
قال أبو سليمان ورواية (( عليكم)) بغير واو أحسن من رواية
الواو؛ لأن معناه بغير واو : رددت ما قلتموه عليكم ، وإذا أدخلت
الواو صار المعنى عليّ وعليكم ؛ لأن الواو حرف [التشريك] (١).
واختلف العلماء في رد السلام على أهل الذمة فقالت طائفة : رد
السلام فريضة على المؤمنين والكفار ، قالوا : وهذا تأويل قوله
[تعالی] (٢) : ﴿ فحیوا بأحسن منها أو رُدّوها ﴾ (٣) قال ابن عباس
وقتادة وغيره : هي عامة في رد السلام على المؤمنين والكفار . قال :
وقوله تعالى : ﴿ أو ردوها﴾ (٣) يقول: وعليكم للكفار.
قال ابن عباس : ومن سلم عليك من خلق الله فاردد عليه ، ولو
كان مجوسيا .
وروى ابن وهب ، عن مالك : لا ترد على اليهودي والنصراني ،
فإن رددت فقل : عليك . وروى ابن عبد الحكم ، عن مالك أنه يجوز
تكنية اليهودي والنصراني وعيادته ، وهذا أكثر من رد السلام .
وروى يحيى عن مالك أنه سئل عمن سلم على يهودي أو نصراني
هل يستقيله ذلك ؟ قال : لا .
(١) في ((الأصل)): التشكيك .
(٣) النساء : ٨٦:
(٢) في ((الأصل)): عليه السلام. والمثبت من (( هـ).
- ٣٨ -
وقال ابن وهب : يسلم على اليهودي والنصواني ، وتلا قوله
تعالى: ﴿وقولوا للناس حسناً﴾ (١) .
وقالت طائفة : لا يرد السلام على أهل الذمة ، وقوله تعالى :
﴿فحيوا بأحسن منها أو ردوها ﴾ (٢) في أهل الإسلام خاصة. عن
عطاء . ورد عليه السلام على اليهود : (( وعليكم )) حجة لمن رأى الرد
على أهل الذمة ، فسقط قول عطاء .
قال المهلب : وفي الحديث من الفقه جواز انخداع الرجل الشريف
لمكايد أو عاصٍ، ومقارضته من حيث لا يشعر إذا رجا رجوعه وتوبته.
وفيه : الانتصار للسلطان ، ووجوب ذلك على حاشيته وحشمه .
باب : من نظر في كتاب من يحذر
على المسلمين ليستبين أمره
فيه: علي : (( بعثني النبي - عليه السلام - والزبير وأبا مرثد - وكلنا
فارس - إلى روضة خاخ ، فإن بها امرأة من المشركين معها صحيفة من
حاطب بن أبي بلتعة ، فأدركناها تسير على جمل ، فقلنا لها : أين
الكتاب الذي معك ؟ فأنخناها فابتغينا في رحلها فما وجدنا شيئًا ، فقال
صاحبي : ما نرى كتابًا . قلت : لقد علمت ما كذب النبي - عليه
السلام- والذي يحلف به لتخرجنّ الكتاب أو لأجردنك . فلما رأت
الجد مني أهوت بيدها إلى حجزتها - وهي محتجزة بكساء - فأخرجت
الكتاب، فانطلقنا به إلى النبي - عليه السلام- فقال: ما حملك يا حاطب
على ما صنعت ؟! قال: ما بي إلا أن أكون مؤمنًا بالله ورسوله، وما
(١) البقرة : ٨٣ .
(٢) النساء : ٨٦ .
- ٣٩ -
غيرت وما بدلت ، أردت أن يكون لي عند القوم يد يدفع الله بها عن
أهلي ومالي ، وليس من أصحابك هناك إلا وله من يدفع الله به عن أهله
وماله. قال: صدق، فلا تقولوا له إلا خيرًا ... )) الحديث ((فقال :
اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة . فدمعت عينا عمر ، وقال : الله
ورسوله أعلم )) .
قال المهلب : فيه : هتك ستر المذنب وكشف المرأة العاصية وأن
الحديث الذي روي أنه لا يجوز النظر في كتاب أحد ، وأن ذلك حرام
وما جاء من التغليظ فيه ، فإن ذلك لمن لم يظن به في كتابه إلا الخير،
فإن كان متهمًا على المسلمين فلا حرمة لكتابه ولا له .
ألا ترى أن المرأة لا يجوز النظر إليها عريانة لغير ذي محرم منها ؛
لأنها عورة ، وقد أراد علي تجريدها [ لو ] (١) لم تخرج الكتاب،
وأقسم إن لم تخرجه ليجردنها ، فحرمة المرأة أكثر من حرمة الكتاب ،.
[٤/ ق٥٩-١] وقد سقطت عند خيانتها فكذلك / حُرمة الكتاب.
وفيه : دليل أنه لا بأس بالنظر إلى عورة المرأة عند الأمر ينزل فلا يجد
من النظر إليها بدا ، ويشهد لصحة ذلك ما رواه مالك ، عن سهيل
ابن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة : (( أن سعد بن عبادة قال:
يا رسول الله ، أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي
بأربعة [ شهداء ] (٢) ؟ فقال رسول الله: نعم)).
قال الطبري : ولو كان الشهداء الأربعة إذا حضروا لم يجز لهم
النظر إلى فروجهما ، لم يكن حضورهم وغيبتهم إلا سواء ؛ لأن
الشهادة على الزنا لا تصح إلا أن يشهد الشهود أنهم رأوا ذلك
[منهما](٣) ( كالميل) (٤) في المكحلة .
(١) في ((الأصل)): إذ. والمثبت من ((هـ)). (٢) في ((الأصل)): تشهد.
(٤) فى (( هـ)) : كالمرود.
(٣) من (( هـ)) ..
- ٤٠ -