النص المفهرس
صفحات 1-20
شْخُ ضِيعُ الَّارِىُّ
لابْن بطّاك
أُميّ الحَيَسْ عَلِي بْ خَفْتُ بْن عَبْ آْلَيْ
ضَبَطَ نِصَّهُ وَعَلْقٍ عَليْه
أُبُوتِيْمَ يَاسْرِبِنَّ إِبْرَاهِيم
الجزء الثَّاسِعْ
مكتبة الرشد
الرياض
كتاب الاستئذان
باب : بَدْءَ [ السلام ] (١)
فيه : أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: (( خلق الله آدم على صورته
طوله ستون ذراعًا ، فلما خلقه الله قال : اذهب فسلم على أولئك - نفر
من الملائكة جلوس - فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك ،
فقال : السلام عليكم . فقالوا : عليك [ السلام ] (٢) ورحمة الله . فزادوه
ورحمة الله ، فكل من يدخل - يعني الجنة - على صورة آدم ، فلم يزل
الخلق ينقص بعد [ حتى ] (٢) الآن)).
قال المهلب : هذا الحديث يدل أن الملائكة في الملأ الأعلى يتكلمون
بلسان العرب ، ويتحيون بتحية الله ، وأن التحية بالسلام هي التي أراد
الله أن [ يتحيا ] (٣) بها .
وفيه : الأمر بتعليم العلم من أهله والقصد إليهم فيه ، وأنه من أخذ
العلم ممن أمره الله بالأخذ عنه فقد بلغ العذر في العبادة وليس عليه
ملامة ؛ لأن آدم أمره الله أن يأخذ عن الملائكة ما يحيونه ، وجعلها له
تحيّةٌ باقيةً ، وهو تعالى أعلم من الملائكة ، ولم يعلمه إلا لتكون سنة.
وقوله : ((فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن)) فهو [ في ] (٢) معنى
قوله تعالى : ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل
سافلين ﴾ (٤) ووجه الحكمة في ذلك أن الله خلق العالم بما فيه دالا
(١) في ((الأصل)): المسلم. وما أثبتناه من (( هـ)).
(٢) من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): يحيا. والمثبت من ((هـ )).
(٤) التين : ٤ - ٥ .
- ٥ -
على خالق حكيم ، وجعل في حركات ما خلق دليلا على فناء هذا
العالم وبطلانه خلافًا للدهرية التي تعبد الدهر وتزعم أنه لا يفنى ،
فأبقى الله هذا النقص دلالة على بطلان قولهم ؛ لأنه إذا جاز النقص
في البعض جاز الفناء في الكل .
وأما قوله {َّة: ((خلق الله آدم على صورته)) فإن العلماء اختلفوا:
في رجوع الهاء من ((صورته)) إلى من ترجع الكناية بها .
قال ابن فورك : ( فذهب ) (١) طائفة إلى أن الهاء من (( صورته )»
راجعة إلى آدم - عليه السلام - وأفادنا بذلك عليه السلام إبطال قول
الدهرية أنه لم يكن قط إنسان إلا من نطفة ، ولا نطفة إلا من إنسان
فيما مضى ويأتي وليس لذلك أول ولا آخر ، فعرفنا عليه السلام.
تكذيبهم ، وأن أول البشر هو آدم خلق على صورته التي كان
عليها من غير أن كان عن نطفة قبله أو عن تناسل ، ولم يكن قط في
صلب ولا رحم ، ( ولا خلق ) (٢) علقةً، ولا مضغةً، ولا طفلا ،
ولا مراهقًا ؛ بل خلق ابتداء بشرا سويا كما شوهد .
وقد قال آخرون : المعنى في رجوع الهاء إلى آدم تكذيب القدرية ،
لما زعمت أن من صور آدم وصفاته ما لم يخلقه الله ، وذلك أن
القدرية تقول : إن صفات آدم على نوعين منها ما خلقها الله ، ومنها
ما خلقها آدم لنفسه ، فأخبر عليه السلام بتكذيبهم وأنه خلق آدم على
جميع صورته وصفاته وأعراضه .
وقال آخرون : يحتمل أن يكون رجوع الهاء إلى آدم وجهًا آخر
على أصول أهل السنة أن الله خلق السعيد سعيدًا والشقي شقيا ،
(١) في ((هـ): فذهبت.
(٢) في ((هـ): ولا كان .
- ٦ -
فخلق آدم وقد علم أنه يعصيه ويخالف أمره ، وسبق العلم بذلك وأنه
يعصي ثم يتوب ، فيتوب الله عليه تنبيهًا على وجوب جريان قضاء الله
على خلقه ، وأنه إنما تحدث الأمور وتتغير الأحوال على حسب ما
يخلق عليه المرء وييسر له .
وذهبت طائفة إلى أن هذا الحديث إنما خرج على سبب ، وذلك :
((أن النبي وَلّ مرّ برجل يضرب ابنه أو عبده في وجهه (لطخًا) (١)،
ويقول: قبح الله وجهك، ووجه من أشبه وجهك، فقال عليه السلام:
إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه ؛ فإن الله خلق آدم على صورته ))
فزجره النبي عن ذلك ؛ لأنه قد سبَّ الأنبياء عليهم / [السلام] (٢) [٤/ قـ٥٣-١]
والمؤمنين وخص آدم بالذكر ؛ لأنه هو الذي ابتدئت خلقة وجهه على
الحد الذي تخلّق عليها سائر ولده ، فالهاء على هذا الوجه كناية عن
المضروب في وجهه .
وذهبت طائفة إلى أن الهاء كناية عن الله - تعالى - وهذا أضعف
الوجوه ؛ لأن حكم الهاء أن ترجع إلى أقرب المذكور ، إلا أن تدل
دلالة على خلاف ذلك ، وعلى هذا التأويل يكون [ معنى الصورة ](٢)
معنى الصفة كما يقال : عرفني صورة هذا الأمر أي [ صفته ] (٣)
ولا صورة للأمر [ على الحقيقة إلا على معنى الصفة ] (٤) ويكون
تقدير التأويل أن الله خلق آدم على صفته أي خلقه حيا عالمًا سميعًا
بصيرًا متكلماً مختارًا مريدًا ، فعرفنا بذلك إسباغ نعمه عليه وتشريفه
بهذه الخصال .
(١) في (( هـ )): لطمًا .
(٢) من (( هـ ).
(٣) في ((الأصل)): صورته. وما أثبتناه من (( هـ)).
(٤) في ((الأصل)): على معنى الحقيقة إلا معنى الصفة. والمثبت من ((هـ).
- ٧ -
ونظرنا في الإضافات إلى الله فوجدناها على وجوه ، منها إضافة
الفعل ، كما يقال : خلق الله ، وأرض الله ، وسماء الله ، وإضافة
الملك فيقال : رزق الله ، ووعيد الله ، وإضافة اختصاص وتنويه بذکر
المضاف إليه ، كقولهم : الكعبة بيت الله ، وكقوله : ﴿ونفخت فيه
من روحي ﴾ (١) ووجه آخر من الإضافة نحو قولهم : كلام الله ،
وعلم الله ، وقدرة الله ، وهي إضافة اختصاص من طريق القيام به ، ..
وليس من جهة الملك [ والتشريف ] (٢) بل ذلك على معنى إرادته غير
متعرية منها قيامًا بها ووجوداً .
ثم نظرنا إلى إضافة الصورة إلى الله فلم يصح أن يكون وجه
إضافتها إليه على نحو إضافة الصفة إلى الموصوف بها من حيث تقوم
به ؛ لاستحالة أن يقوم بذاته تعالى حادث فبقي من وجوه الإضافة
الملك والفعل والتشريف ، فأما الملك والفعل فوجهه عام وتبطل فائدة
التخصيص فبقي أنها إضافة تشريف ، وطريق ذلك أن الله هو الذي
ابتدأ تصوير آدم لا على مثال سبق بل اخترعه ، ثم اخترع من بعده
على مثاله ، فشرفت صورته بالإضافة إليه لا أنه أريد به إثبات صورة
لله - تعالى - على التحقيق هو بها مصور ؛ لأن الصورة هي
(التألف) (٣) والهيئة، وذلك لا يصح إلا على الأجسام المؤلفة، والله
تعالى عن ذلك .
(١) الحجر : ٢٩، ص : ٧٢ .
(٣) في (( هـ)): التأليف.
(٢) من (( هـ)).
- ٨ -
باب : قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا
بيوتاً غير بيوتكم﴾ (١) الآية
وقال سعيد بن أبي الحسن للحسن : إن نساء العجم يكشفن صدورهن
ورءوسهن . قال : اصرف بصرك .
وقول الله : ﴿ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا
فروجهم﴾(٢) . وقال قتادة: عما لا يحل لهم .
﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن﴾ (٣)
خائنة الأعين : النظر إلى ما نهوا عنه .
وقال الزهري في النظر إلى التي لم تحض من النساء : لا يصلح النظر
إلى شيء منهن يشتهى النظر إليه ، وإن كانت صغيرة . وكره عطاء النظر
إلى [ الجواري ] (٤) التي يبعن بمكة إلا أن يريد أن يشتري.
فيه : ابن عباس: (( أردف النبي وَلي الفضل بن عباس يوم النحر خلفه
علی عجز راحلته ، وكان الفضل رجلا وضيئًا ، فوقف الرسول للناس
يفتبهم ، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي رسول الله ، فطفق
الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها ، فالتفت النبي والفضل ينظر إليها ،
فأخلف بيده فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها ... ))
الحديث .
وفيه: أبو سعيد أن النبي وَل﴾ قال: (( إياكم والجلوس بالطرقات.
قالوا: يا رسول الله ، ما لنا من مجالسنا بد ، نتحدث بها . قال : فإذا
أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق حقه . قالوا : وما حق الطريق ؟
(١) النور : ٢٧ .
(٣) النور : ٣١.
(٢) النور : ٣٠.
(٤) في ((الأصل، هـ)): الجوار. والمثبت من (( ن)).
- ٩ -
قال : غض البصر ، وكف الأذى ، ورد السلام ، والأمر بالمعروف ،
والنهي عن المنكر )) .
قال المؤلف : قال قتادة وإبراهيم ومجاهد في قوله تعالى : ﴿حتى
تستأنسوا﴾ (١) قالوا ؛ حتى تستأذنوا وتسلموا .
وقال سعيد بن جبير : الاستئناس : الاستئذان ، وهو فيما أحسب
[٥٣٥/٤-ب] من خطأ الكاتب ، وروى أيوب / عنه ، عن ابن عباس : إنما
(هو) (٢) حتى تستأذنوا ، سقط من الكاتب .
قال إسماعيل بن إسحاق : قوله : (( من خطأ الكاتب )» هو قول.
سعيد بن جبير أشبه منه بقول ابن عباس ؛ لأن هذا مما لا يجوز أن
يقوله أحد ؛ إذ كان القرآن محفوظًا قد حفظه الله من أن يأتيه الباطل
من بين يديه ولا من خلفه .
وقد روي عن مجاهد أن الاستئناس : التنحنح والتنخم إذا أراد أن
يدخل . وروى ابن وهب عن مالك قال : الاستئناس : الجلوس قال .
تعالى: ﴿ولا مستأنسين لحديث﴾ (٣) وقال عمر [ حين ] (٤) دخل
على النبي في حديث المشربة: (( أستأنس يا رسول الله ؟ قال : نعم.
فجلس عمر )) .
قال إسماعيل بن إسحاق : وأحسب معنى الاستئناس - والله أعلم-
إنما هو أن يستأنس بأن الذي يدخل عليه لا يكره دخوله ، يدل على
ذلك قول عمر للنبي : (( أستأنس يا رسول الله ؟ قال: نعم
[فجلست] (٥))) قال إسماعيل: فدل قوله: ((أستأنس)) على أنه
(١) النور : ٢٧ .
(٣) الأحزاب : ٥٣ .
(٢) في (( هـ)): هي .
(٤) في (( الأصل)): فیمن ، والمثبت من ( هـ )
(٥) من (( هـ)).
- ١٠ -
أحب أن يعلم أن النبي لا يكره جلوسه ، وهذا مما يضعف ما روي عن
سعيد بن جبير ، عن ابن عباس .
قال المهلب : ومعنى الاستئذان هو خوف أن يفجأ الرجل أهل
البيت على عورة فينظر ما لا يحل له ، يدل على ذلك قوله عليه
السلام: ((إنما جعل الاستئذان للبصر)) وغض البصر مأمور به ؛ لقوله
تعالى : ﴿ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ﴾ (١) ﴿وقل للمؤمنات
يغضضن من أبصارهن﴾ (٢) ألا ترى صرف النبي وجه الفضل عن
المرأة ونهيه ◌َّله عن الجلوس على الطرقات إلا أن يغض البصر، وإنما
أمر الله بغض الأبصار عما لا يحل لئلا يكون البصر ذريعةً إلى الفتنة ،
فإذا أمنت الفتنة فالنظر مباح ؛ ألا ترى أن النبي حول وجه الفضل حين
علم بإدامته النظر إليها أنه أعجبه حسنها فخشي عليه فتنة الشيطان .
وفيه : مغالبة طباع البشر لابن آدم وضعفه عما ركب فيه من الميل
إلى النساء والإعجاب بهن .
وفيه : أن نساء المؤمنين ليس لزوم الحجاب لهن فرضًا في كل حال
كلزومه لأزواج النبي ، ولو لزم جميع النساء فرضًا لأمر النبي الخثعمية
بالاستتار ، ولما صرف وجه الفضل عن وجهها ، بل كان يأمره بصرف
بصره، ويعلمه أن ذلك فرضه، فصرف وجهه وَ ﴿و وقت خوف الفتنة
وتركه قبل ذلك الوقت .
وهذا الحديث يدل أن ستر المؤمنات وجوههن عن غير ذوي
محارمهن سنة ؛ لإجماعهم أن للمرأة أن تبدي وجهها في الصلاة ،
ويراه منها الغرباء ، وأن قوله : ﴿ قل للمؤمنين يغضوا من
أبصارهم﴾(١) على الفرض في غير الوجه ، وأن غض البصر عن
(١) النور : ٣٠.
(٢) النور : ٣١ .
- ١١ -
جميع المحرمات وكل ما يخشى منه الفتنة واجب ، وقد قال النبي -
عليه السلام -: (( لا تتبع النظرة النظرة ، فإنما لك الأولى ، وليست
لك الثانية)) وهذا معنى دخول (( من)) في قوله: ﴿من أبصارهم﴾(١) ..
لأن النظرة الأولى لا تملك فوجب التبعيض لذلك ، ولم يقل ذلك في
الفروج ؛ لأنها تملك .
وقوله: (( فأخلف يده فأخذ بذقن الفضل )) قال صاحب الأفعال :
يقال : أخلف الرجل بيده إلى سيفه : مدها إليه ليأخذه عند حاجته
إليه، وأخلف [ إلى ](٢) مؤخر راحلته أو فرسه كذلك.
باب : السلام اسم من أسماء الله تعالى
وقوله تعالى : ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾(٣)
فيه : عبد الله قال: (( كنا إذا صلينا مع النبي - عليه السلام - قلنا:
السلام على الله قبل عباده، السلام على جبريل ، السلام على ميكائيل ،
السلام على فلان ، فلما انصرف النبي أقبل علينا بوجهه فقال : إن الله
هو السلام ... )) الحديث .
قال المؤلف : مصداق هذا الحديث في قول الله - تعالى - :
﴿القدوس السلام المؤمن﴾ (٤) والأسماء إنما تؤخذ توقيفًا من الكتاب
والسنة ، ولا يجوز أن يسمى الله بغير ما سمى به نفسه ، ولما كان
السلام من أسماء الله لم يجز أن يقال : السلام على الله ، وجاز أن
[٤/ ق٥٤-١) يقال: السلام عليكم ؛ لأن معناه / الله عليكم .
(١) النور : ٣٠ .
(٣) النساء : ٨٦ .
(٢) في ((الأصل)): من. والمثبت من ((هـ )
(٤) الحشر : ٢٣ .
- ١٢ -
والعلماء مجمعون أن الابتداء بالسلام سُنة [ مرغب فيها ، ورده
فريضة لقوله تعالى : ﴿فحيوا بأحسن منها أو ردوها ﴾ (١) ومن الدليل
أن الابتداء به سنة ] (٢) قوله عليه السلام في المتهاجرين: ((وخيرهم
الذي يبدأ بالسلام )) وذهب مالك والشافعي إلى أنه إذا سلم رجل على
جماعة فرد عليه واحد منهم أجزأ عنهم ، ودخل في معنى قوله :
﴿فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾ (١) لأنه قد رد عليه مثل قوله ،
وشبهوه بتشميت العاطس ، وقالوا : هو من فروض الكفاية كالجهاد ،
وطلب العلم ، ودفن الموتى ، وصلاة الجماعة ، يقوم بها البعض ،
ولا يحل الإجماع على تضييعها .
وروى مالك ، عن زيد بن أسلم (( أن النبي - عليه السلام - قال :
إذا سلم واحد من القوم أجزأ عنهم )) .
وروى أبو داود ، عن علي بن أبي طالب مثله ، وقال : يجزئ من
الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم ، ويجزئ عن الجلوس (إذا رد) (٣)
أحدهم .
وذهب الكوفيون إلى أن رد السلام من الفروض المتعينة على كل
إنسان بعينه ، ولا ينوب فيها غيره .
قالوا : والسلام خلاف رد السلام . لأن الابتداء به تطوع ، ورده
فريضة ، ولو رد غير المسلم عليهم لم يسقط ذلك عنهم فرض الرد ،
فدل أن السلام يلزم كل إنسان بعينه .
وأنكر أبو يوسف مرسل مالك ، ورد عليهم أهل المقالة الأولى
فقالوا : قد يكون من السنن ما يسد مسد الفرائض ، كغسل الجمعة
(١) النساء : ٨٦.
(٣) في (( هـ) : أن يرد.
(٢) من ( هـ )).
- ١٣ -
!
يجزئ عن غسل الجنابة - عند جماعة من العلماء - وكغسل اليدين
قبل الوضوء يجزئ عن غسلهما مع الذراعين في الوضوء - في قول.
عطاء .
وقولهم : لو رد غير المُسَلَّم عليهم لم يجزئ ، فكذلك نقول وإنما
[يجزئ] (١) أن يرد واحد ممن سلم عليهم لقوله تعالى : ﴿ فحيوا
بأحسن منها أو ردوها ﴾ (٢) فإنما أمر الله - تعالى - بالرد المسلم
عليهم لا غيرهم ، ألا ترى لو أن العدو حل ببلدة، فلم ( يقاتل ) (٣).
أهلها المسلمون ، وقاتل عنهم قوم من أهل الكتاب ما سقط الفرض
عنهم ، فكذلك إذا رد عن المسلم من لم يسلم عليه ، لم يجزئ عن
الرادين فحكم السلام حكم الرد ؛ لأن الرد سلام عند العرب .
وقد قال عليه السلام: (( يسلم القليل على الكثير )) ولما أجمعوا أن
الواحد يسلم على الجماعة ، ولا يحتاج إلى تكريره على عدد
الجماعة، كذلك يرد الواحد من الجماعة على الواحد ، وينوب عن
الباقين ، وإنكارهم لمرسل مالك لا وجه له ؛ لأنهم لا مسند عندهم
في قولهم ولا مرسل ، فالمصير إلى المرسل أولى من المصير إلى رأى
يعارض بمثله .
باب : يسلم القليل على الكثير
وفيه: أبو هريرة قال: قال النبي ◌َّير: ((يسلم الصغير على الكبير ،
والمار على القاعد، والقليل على الكثير )) .
وترجم له باب تسليم الراكب على الماشي ، وقال فيه عن الرسول:
(١) في ((الأصل)): يجوز. والمثبت من (( هـ)).
(٣) في (( هـ ) : يقاتلهم.
(٢) النساء : ٨٦ .
- ١٤ -
(( يسلم الراكب على الماشي ، والماشي على القاعد ، والقليل على
الكثير )) .
قال المهلب: هذه آداب من النبي وَل وأما وجه تسليم الصغير على
الكبير فمن أجل حق الكبير على الصغير أمر الصغير بالتواضع له
والتوقير ، وتسليم المار على القاعد هو من باب الداخل على القوم
فعليه أن يبدأهم بالسلام ، وكذلك فعل آدم بالملائكة حين [ قيل ] (١)
له : اذهب فسلم على أولئك نفر من الملائكة جلوس . وتسليم القليل
على الكثير من باب التواضع أيضًا ؛ لأن حق الكثير أعظم من حق
القليل ، وكذلك فعل أيضًا آدم كان وحده والملأ من الملائكة كثير حين
أمر بالسلام عليهم .
وسلام الراكب على الماشي لئلا يتكبر بركوبه على إطايشي فأمر
بالتواضع .
باب : إفشاء السلام
فيه: البراء قال: (( أمرنا النبي - عليه السلام - بسبع: بعيادة المريض ،
واتباع الجنائز ، وتشميت العاطس ، ونصر الضعيف ، وعون المظلوم ،
وإفشاء السلام، وإبرار القسم ... )) الحديث .
قال الطبري : إن قال قائل : هذه الخلال التي أمر النبي - عليه
السلام - بها من حق المسلم ، هل هي من الحقوق التي إن لم يؤدها
/ كان بتركها حرجاً ولربه عاصيًا أم لا ؟
[٤/ق٥٤-ب]
قيل : منها ما يكون بتركها حرجًا ، ومنها ما يكون غير حرج ،
ومنها ما يكون بتركها حرجًا في حال وغير حرج في أخرى .
(١) في ((الأصل)): قال. والمثبت من ((هـ).
- ١٥ -
۔۔
فإن قيل : فبين لنا ذلك .
[ قيل ] (١) : أما ( الذي ) (٢) یکون بفعلها محمودًا وبترکها حرجًا
في كل حال فنصر الضعيف وعون المظلوم، وذلك أن النبي وَّ قال:
(( انصر أخاك ظالما أو مظلومًا)) وقال: إن المؤمنين جميعًا كالجسد
الواحد ، وعلى المرء أن يسعى لصلاح كل عضو من أعضاء جسده
سعيه لبعضها ؛ فكذلك عليهم في إخوانهم في الدين وشركائهم في
الملة ، وإنصارهم على الأعداء من نصرهم وعونهم مثل ما عليهم من
ذلك في أنفسهم لأنفسهم ؛ إذ كان بعضهم عونًا لبعض وجميعهم يد
على العدو .
ولذلك خاطبهم تعالى في كتابه فقال : ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم إن الله
كان بكم رحيمًا ﴾ (٣) إذ كان القاتل منهم غيره بمنزلة القاتل نفسه،
ولم يقل لهم لا يقتل بعضكم بعضًا ؛ إذ كان المؤمن لأخيه المؤمن
بمنزلة نفسه في التعاون [ على ] (٤) البر والتقوى، يؤلم كل واحد
منهما ما يؤلم الآخر ، ألا ترى أن [ الله - تعالى ] (٥) نهى المؤمنين
أن يلمز بعضهم بعضًا ، وأن يتنابزوا بالألقاب ، فقال تعالى :.
﴿ولا تلمزوا أنفسكم ﴾ (٦) فجعل اللامز أخاه لامزًا نفسه ؛ إذ كان
أخوه بمنزلة نفسه ، ومعلوم أنه لا أحد صحيح العقل يلمز نفسه ،
فعلم أن معناه لا يلمز أحدكم أخاه المؤمن .
ومما هو فرض في كل حال إبرار القسم ، قال الله - تعالى - :
,واحفظوا أيمانكم ﴾ (٧).
(١) في ((الأصل)): قال. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في (( هـ)): التي .
(٣) النساء : ٢٩ ..
(٤) في (( الأصل)): في. والمثبت من (( هـ)) ..
(٥) في ((الأصل)): النبي ◌َّهر. والمثبت من ((هـ).
(٧) المائدة : ٨٩ .
(٦) الحجرات : ١١ .
- ١٦ -
وأما التي هي فرض في بعض الأحوال دون بعض وفضل في
بعضها؛ فشهود جنازة الأخ المؤمن ، فالحال التي هو فيها فرض إذا لم
يكن للجنازة قيم غيره ، أو يكون ولا يستغنى عن حضوره إياها ، فلا
يسعه حينئذ ترك حضورها ، وذلك أن الذي يلزم من أمر موتى
المسلمين للأحياء غسلهم وتكفينهم والصلاة عليهم ودفنهم ، وذلك
فرض على الكفاية ، فمن قام بذلك منهم سقط فرضه عن سائرهم .
ومنه أيضًا تشميت العاطس إذا حمد الله ، فإنه فرض على جميع
من سمع عطاسه وحمده لله تشميته ، حتى إذا شمته بعضهم سقط
فرض ذلك عن سائرهم .
وأما الذي هو بفعلها [ محمود ] (١) وبتركها غير مذموم فالسلام
عليه إذا لقيه ، فإن المبتدئ أخاه بالسلام له [ الفضل ] (٢) كما قال
عليه السلام في المتهاجرين: ((وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)).
ومن ذلك عيادته لأخيه إذا مرض ، وإجابته إلى طعام إذا دعاه إليه؛
فإن تارك ذلك تارك فضل لا تارك فرض ؛ لإجماع الجميع على ذلك،
وقد تقدم جملة من معنى هذا الحديث في كتاب الجنائز ، وكتاب
المظالم في باب نصر المظلوم ، وفي كتاب النكاح في باب إجابة دعوة
الوليمة، وسيأتي بقيته في كتاب اللباس .
باب : السلام للمعرفة وغير المعرفة
فيه: عبد الله بن عمرو: (( أن رجلا سأل النبي ◌َكلية: [أي الإسلام
(١) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): محمودًا .
(٢) في ((الأصل)): أفضل. والمثبت من (( هـ)).
- ١٧ -
خير؟] (١) قال : تطعم الطعام ، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم
تعرف )) .
وفيه : أبو أيوب عن النبي - عليه السلام - قال: (( لا يحل لمسلم أن
يهجر أخاه فوق ثلاث ، يلتقيان [ فيصد هذا ويصد ] (٢) هذا،
وخيرهما الذي يبدأ بالسلام » .
هذا أيضًا من باب الأدب والتواضع ، وفي السلام لغير المعرفة
استفتاح للخلطة ، وباب الأنس ليكون المؤمنون كلهم إخوة ،
ولا يستوحش أحد من أحد ، وترك السلام لغير المعرفة يشبه صدود
المتصارمين المنهي عنه ؛ فينبغي للمؤمن أن يجتنب مثل ذلك .
وقد روى ابن مسعود عن النبي 100 أنه قال: ((من أشراط الساعة
السلام للمعرفة)) وروى عبد الرزاق عن ابن عمر: (( أنه كان يدخل
[٥٥٥/٤-) السوق فما يلقى صغيرًا ولا كبيرًا إلا سلّم عليه، ولقد مر بعبد /
أعمى فجعل يسلم عليه والآخر لا يرد عليه ، فقيل له : إنه أعمى ))
وكان السلف من المحافظة على (رد ) (٣) السلام كما ذكر معمر قال :
((كان الرجلان من أصحاب النبي - عليه السلام - مجتمعين فتفرق
بينهما شجرة ، ثم يجتمعان فيسلم أحدهما على الآخر)).
ومما يدل على تأكيد السلام على كل أحد أن الله - تعالى - قد أمر:
الداخل بيتًا غير مسكون بالسلام عند دخوله .
وروي عن ابن عباس والنخعي وعلقمة وعطاء وعكرمة وقتادة
في قول الله - تعالى - : ﴿ فإذا دخلتم بيوتًا فسلموا على
(١) في ((الأصل)): حين.
(٢) في ((الأصل)): فيصر هذا ويصر. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٣) فى (( هـ): بذل.
- ١٨ -
أنفسكم ﴾ (١) قالوا: إذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد [ فقل ] (٢):
السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين . فإن الملائكة ترد عليك ، وهذا
يدل أن الداخل بيتًا مسكونًا أولى بالسلام .
وروى ابن وهب ، عن حفص بن ميسرة ، عن زيد بن أسلم أن
رسول الله وَ لّ قال: ((إذا دخلتم بيوتكم فسلموا على أهلها واذكروا
اسم الله ، فإن أحدكم إذا سلم حين يدخل بيته وذكر اسم الله على
طعامه ؛ يقول الشيطان لأصحابه : لا مبيت لكم هاهنا ولا عشاء.
وإذا لم يسلم إذا دخل ولم يذكر اسم الله على طعامه ؛ قال الشيطان
لأصحابه : أدركتم المبيت والعشاء)) .
باب : آية الحجاب
فيه: أنس: (( أنه كان ابن عشر سنين مقدم النبي - عليه السلام -
[المدينة] (٣) فخدمت رسول الله عشراً حياته ، وكنت أعلم الناس بشأن
الحجاب ، فكان أبي بن كعب يسألني عنه ، وكان أول ما نزل في مبتنى
النبي بزينب بنت جحش أصبح النبي بها عروسًا فدعا القوم فأصابوا
من الطعام ، ثم خرجوا وبقي منهم رهط عند رسول الله فأطالوا المكث،
فقام رسول الله وَ﴾ فخرج وخرجت معه كي يخرجوا ، فمشى رسول الله
ومشيت معه حتى جاء عتبة بيت عائشة ، ثم ظن رسول الله أنهم خرجوا،
فرجع ورجعت معه ، حتى دخل على زينب ؛ فإذا هم جلوس لم
يتفرقوا، فرجع رسول الله ورجعت معه حتى بلغ عتبة حجرة عائشة فظن
(١) النور : ٦١ .
(٢) في ((الأصل)): قال. والمثبت من (( هـ)).
(٣) من (( هـ ، ن)) .
- ١٩ -
أنهم خرجوا، فرجع ورجعت معه ، فإذا هم [ قد خرجوا ] (١) فأنزل
الحجاب فضرب بيني [ وبينه ] (٢) سترًّاً)).
وفيه : عائشة : (( كان عمر يقول للنبي - عليه السلام - : احجب
نساءك . فلم يفعل ، وكن نساء النبي يخرجن ليلا إلى الليل قبل
المناصع، فخرجت سودة بنت زمعة - وكانت امرأةً طويلةً - فرآها عمر
وهو في المجلس ، فقال : عرفناك يا سودة - حرصًا على أن ينزل
الحجاب - فأنزل الله الحجاب)) .
قال الطبري : في حديث عائشة فرض الحجاب على أزواج النبي -
عليه السلام - لقول عمر للنبي : (( احجب نساءك )) وقال في حديث
آخر: ((يا رسول الله، لو حجبت أمهات المؤمنين [ فإنه يدخل
عليهن البر والفاجر ، فنزلت آية الحجاب)) ] (٣).
قال غيره : ويدل على [صحة ] (٣) ذلك قول الفقهاء أن إحرام
المرأة في وجهها وكفيها ، وإجماعهم أن لها أن تبرز وجهها للإشهاد
عليها ، ولا يجوز ذلك في أمهات المؤمنين .
وقد اختلف السلف في [ تأويل ] (٣) قوله تعالى: ﴿ ولا يبدين
زينتهن إلا ما ظهر منها ﴾ (٤) فذهبت طائفة إلى أن قوله: ﴿إلا ما ظهر
منها﴾ (٤): الكحل والخاتم [وقيل ] (٥): الخضاب والسوار،
والقرط والثياب .
وقال أكثر أهل العلم : ﴿إلا ما ظهر منها﴾ (٤) الوجه والكفان،
(١) في ((الأصل)): جلوس. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٢) في ((الأصل)): بينهم. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٣) من ( هـ)).
(٤) النور : ٣١ .
(٥) في (( الأصل)): والقيل. والمثبت من (( هـ)).
- ٢٠ -