النص المفهرس
صفحات 581-600
يسلم ، فأما المسلم فيقتل بغير استتابة ، وهو قول : الليث والشافعي
وأحمد وإسحاق ، عن ابن المنذر .
وروى الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ومالك فيمن سب النبي -
عليه السلام - قالا : هي ردة يستتاب منها فإن تاب نكل ، وإن لم
يتب قتل .
وقال الكوفيون : من سب النبي أو عابه فإن كان ذميا عزر ولم
يقتل. وهو قول الثوري ( وأبي حنيفة ) (١) وإن كان مسلمًا صار مرتدا
بذلك .
واحتج الكوفيون بحديث أنس وعائشة وابن عمر ، قال الطحاوي:
وقول اليهودي للنبي : السام عليكم لو كان مثل [ هذا ] (٢) الدعاء
من مسلم لصار به مرتدا [ يقتل ولم يقتلهم ] (٣) النبي - عليه السلام-
بذلك ؛ لأن ما هم عليه من الشرك أعظم من سبه وَله .
وحجة من رأى القتل على [ الذمي بسبه ] (٤) أنه قد نقض العهد
الذي حقن دمه ؛ إذ لم يعاهد على سبه ، فلما تعدي عهده عاد إلى
حال كافر لا عهد له فوجب قتله إلا أن يسلم ؛ لأن القتل إنما كان
وجب عليه من أجل نقضه للعهد الذي هو من حقوق الله ، فإذا أسلم
ارتفع المعنى الذي من أجله وجب قتله .
وقال محمد بن سحنون : و[قولهم ] (٥) إن من دينهم سب النبي-
عليه السلام - فيقال لهم : وكذلك من دينهم قتلنا وأخذ أموالنا ، فلو
(١) في (( هـ): قال أبو حنيفة.
(٢) من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): ولم يقتل يقتلهم. والمثبت من (( هـ).
(٤) في (( الأصل)): الذي سبه. والمثبت من (( هـ).
(٥) في ((الأصل)): قوله. والمثبت من ( هـ).
- ٥٨١ -
قتل واحدًا منا لقتلناه لأنا لم نعطهم العهد على ذلك ، وكذلك سبه
عليه السلام إذا أظهر
فإن قيل : فهو إذا أسلم وقد سب النبي - عليه السلام - تركتموه،
وإذا أسلم وقد قتل مسلمًا قتلتموه .
قيل : لأن هذا من حقوق العباد لا يزول بإسلامه ، وذلك من
حقوق الله يزول بالتوبة من دينه إلى ديننا ، وحجة أخرى وهو أن
الرسول قال: (( من لكعب بن الأشرف؛ فإنه قد آذى الله ورسوله ))
فقتله محمد بن مسلمة ، والسب من أعظم الأذى ، وكذلك قتل عليه
السلام ابن خطل يوم فتح مكة والقينتين اللتين كانتا تغنيان بسبه ، ولم
ينفع ابن خطل استعاذته بالكعبة .
وقال محمد بن سحنون : و[ فرقنا ]. (١) بين من سب النبي - عليه
السلام - من المسلمين ، وبين من سبه من الكفار ، فقتلنا المسلم ولم
نقبل توبته ؛ لأنه لم ينتقل من دينه إلى غيره ، إنما فعل شيئًا حده عندنا
القتل ، ولا عفو فيه لأحد ، فكان كالزنديق الذي لا تقبل توبته ؛ لأنه
لم ينتقل من ظاهر إلى ظاهر ، والكتابي كان على الكفر ، فلما انتقل:
إلى الإسلام بعد أن سب النبي - عليه السلام - غفر له ما قد سلف ،
كما قال تعالى : [﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد.
سلف﴾(٢) ] (٣).
وقال غيره : فقياس الكوفيين المسلم إذا سب النبي ولو على المرتد
خطأ ؛ لأن المرتد كان مظهراً لدينه فتصح استتابته ، والمسلم لا يجوز
له إظهار سب النبي - عليه السلام - وإنما يكون مستترًا به ؛ فكيف
تصح له توبة ؟!
(١) في ((الأصل)): فرقًا. والمثبت من (هـ)).
(٢) الأنفال : ٣٨ .
(٣) من (( هـ)).
- ٥٨٢ -
وقال ابن القاسم ، عن مالك : كذلك من شتم نبيا من الأنبياء ،
أو تنقصه قتل ولم يستتب ، كمن شتم نبينا وَ﴾ ﴿ لا نفرق بين أحد من
رسله﴾ (١) وكذلك حكم الذمي إذا شتم أحدًا منهم يقتل إلا أن
يسلم، وهذا كله قول مالك وابن القاسم وابن الماجشون وابن عبد
الحكم وأصبغ .
قال أهل هذه المقالة : وإنما ترك النبي قتل اليهودي الذي قال له :
السام عليك ، كما ترك قتل المنافقين وهو يعلم نفاقهم ، ولا حجة
الكوفيين في أحاديث هذا الباب .
وأما حديث ابن مسعود في الذين ضربوا النبي وأدموه ، فإنهم كانوا
كفاراً، والأنبياء عليهم / السلام شأنهم الصبر على الأذى قال الله - [٤/ق٤٩-ب]
تعالى - لنبيه : ﴿فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل﴾ (١) فلا حجة
للکوفیین فيه .
باب : قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم
وقوله تعالى: ﴿ وما كان الله ليضل قومًا بعد إذ هداهم حتى يبين
لهم ما يتقون ﴾ (٢)
وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله ، وقال : إنهم انطلقوا إلى آيات
نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين .
فيه : علي - رضي الله عنه - قال: (( إذا حدثتكم عن رسول الله حديثًا ،
فوالله لأن أخر من السماء أحب إليّ من أن أكذب عليه ، وإذا حدثتكم
فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة ، وإني سمعت رسول الله يقول :
(١) الأحقاف : ٣٥ .
(٢) التوبة : ١١٥ .
- ٥٨٣ -
سيخرج قوم في آخر الزمان حُدَّث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من
خير قول البرية ، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم ، يمرقون من الدين كما
يمرق السهم من الرمية ، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا
لمن قتلهم يوم القيامة )) .
وفيه: أبو سلمة وعطاء بن يسار: (( أنهما أتيا أبا سعيد الخدري فسألاه
عن الحرورية ، أسمعت النبي ؟ فقال : لا أدري ما الحرورية ، سمعت
النبي يقول : يخرج في هذه الأمة (١) - ولم يقل : منها - قوم تحقرون
صلاتکم مع صلاتهم ، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من
الدین مروق السهم من الرمية ، فينظر الرامي إلى سهمه ، إلی نصله ،
إلى رصافه فيتمارى في الفوقة هل علق بها من الدم شيء )) .
وفيه : عبد الله بن عمر ، وذكر الحرورية فقال : قال النبي - عليه
السلام -: ((يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية)).
قال المهلب وغيره : أجمع العلماء أن الخوارج إذا خرجوا على
الإمام العدل وشقوا عصا المسلمين ونصبوا راية الخلاف ؛ أن قتالهم
واجب وأن دماءهم هدر ، وأنه لا يتبع منهزمهم ولا يجهز على
جريحهم .
قال مالك : إن خيف منهم عودة أجهز على جريحهم وأتبع
مدبرهم، وإنما يقاتلون من أجل خروجهم ( على ) (٢) الجماعة.
قال الطبري: والدليل على ذلك أن النبي وَ لو إنما أذن في قتلهم
عند خروجهم لقوله: (( يخرج في آخر الزمان قوم سفهاء الأحلام .
(١) ورد ((بالأصل، هـ)): قوم. وهي رائدة في هذا الموضع. والمثبت كما في
ان» .
(٢) في ((هـ): عن.
- ٥٨٤ -
ثم قال : فأينما لقيتموهم فاقتلوهم)) فبان بذلك أنه لا سبيل للإمام
على من كان يعتقد الخروج عليه أو يظهر ذلك بقول ، ما لم ينصب
حربًا أو يخف سبيلا .
وقال : هذا إجماع من سلف الأمة وخلفهم .
وقد سئل الحسن البصري عن رجل كان يرى رأي الخوارج ، فقال
الحسن: العمل أملك بالناس من الرأي إنما يجازي الله الناس بالأعمال.
قال الطبري : وهذا الذي قاله الحسن عندنا إنما هو فيما كان من
رأي لا يخرج صاحبه من ملة الإسلام ، فأما الرأي الذي يخرجه من
ملة الإسلام ، فإن الله قد أخبر أنه يحبط عمل صاحبه .
وأما قوله: ((يمرقون من الدين)) فالمروق عند أهل اللغة الخروج
يقال : مرق من الدين مروقًا خرج ببدعة أو ضلالة ، ومرق السهم من
الغرض إذا أصابه ثم نقره ، ومنه قيل للمرق مرق لخروجه .
وجمهور العلماء على أنهم في خروجهم ذلك غير خارجين من
جملة ( المؤمنين ) (١) لقوله عليه السلام: (( ويتمارى في الفوق)) لأن
التماري الشك ، وإذا وقع الشك في ذلك لم يقطع عليهم بالخروج
الكلي من الإسلام ؛ لأن من ثبت له عقد الإسلام بيقين لم يحكم له
بالخروج منه إلا بيقين ، وقد روي عن علي بن أبي طالب من طرق ،
أنه سئل عن أهل النهروان : أكفار هم ؟ قال : من الكفر فروا . قيل:
[ فمنافقون] (٢)؟ قال: [ المنافقون ] (٣) لا يذكرون الله إلا قليلا.
قيل : فما هم ؟ قال : هم قوم ضل سعيهم ، وعموا عن الحق ،
بغوا علينا فقاتلناهم .
(١) في (( هـ)): الدين. (٢) في ((الأصل)): فمنافقين. والمثبت من (( هـ )).
(٣) في ((الأصل)): المنافقين، والمثبت من (( هـ)).
- ٥٨٥ -
وروى وكيع ، عن مسعر، عن عامر بن [ شقيق ] (١) عن أبي
وائل، عن علي قال : لم نقاتل أهل النهروان على الشرك .
وقول ابن عمر: (( إنهم عمدوا إلى آيات في الكفار فجعلوها في
:
[٤/ ق. ٥-١] المؤمنين)) / يدل أنهم ليسوا كفارًا؛ لأن الكافر لا يتأول كتاب الله ؛
بل يرده ويكذب به .
وقال أشهب : وقعت الفتنة وأصحاب النبي - عليه السلام -
متوافرون فلم يروا على من قاتل على تأويل القرآن قصاصًا في قتل ،
ولا حدا في وطء .. وبهذا قال مالك وابن القاسم ، وخالف ذلك
أصبغ وقال : يقتل من قتل إن طلب ذلك وليه كاللص يتوب قبل أن:
يقدر عليه . وهذا خلاف للصحابة ولقول مالك وجميع أصحابه .
قال مالك : وما وجده أحد من ماله بعينه عندهم أخذه . وهو قول
الكوفيين والأوزاعي والشافعي ، وقد روي عن بعض أهل الكلام.
وأهل الحديث أن أهل البدع كفار ببدعتهم ، وهو قول أحمد بن
حنبل، وأئمة الفتوى بالأمصار على خلاف هذا ، فإن احتج من قال
بكفرهم بقول أبي سعيد الخدري: (( يخرج في هذه الأمة)) ولم يقل
(منها)) فدل أنهم ليسوا من جملة المؤمنين . فيقال لهم قد روي في
حديث أبي سعيد أنه عليه السلام قال: (( يخرج من أمتي قوم)).
روى مسدد قال : حدثنا عبد الواحد قال : حدثنا مجالد ، حدثنا
أبو الوداك جبر بن نوف قال : سمعت أبا سعيد الخدري يقول : قال
النبي - عليه السلام -: ((يخرج قوم من ( المؤمنين ) (٢) عند فرقة
أو اختلاف - من الناس، يقرءون القرآن كأحسن [ ما ] (٣) يقرؤه
(١) في ((الأصل)): سفيان. والمثبت من (( هـ)). وهو من رجال التهذيب.
(٣) في ((الأصل)): مما. والمثبت من ( هـ )).
(٢) في (( هـ)): أمتي
- ٥٨٦ -
الناس ، ويرعونه كأحسن ما يرعاه الناس ، يمرقون من الدين كما يمرق
السهم من الرمية ... )) وذكر الحديث .
قال ابن القاسم في العتبية : أما أهل الأهواء الذين على الإسلام
العارفون بالله مثل القدرية والإباضية وما أشبهها ممن هو على خلاف ما
عليه جماعة المسلمين من البدع والتحريف لتأويل كتاب الله فإنهم
يستتابون ، أظهروا ذلك أم أسروا ، فإن تابوا وإلا قتلوا ، وبذلك عمل
عمر بن عبد العزيز ، ومن قتل منهم فميراثه لورثته ؛ لأنهم مسلمون،
وهذا إجماع ، وإنما قتلوا لرأيهم السوء .
وذكر ابن المنذر عن الشافعي أنه قال : لا يستتاب القدري . وذم
الكلام ذما شديدًا ، وقال : لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا
الشرك خير له من أن يلقاه بشيء من الأهواء . وقال عبد الرحمن بن
مهدي : ما كنت لأعرض أحدًا من أهل الأهواء على السيف إلا
الجهمية فإنهم يقولون قولا منكرًاً .
وسئل سحنون عن قول مالك في أهل الأهواء : لا يصلى عليهم ،
فقال: لا أرى ذلك ، ويصلى عليهم ، ومن قال : لا يصلى عليهم
كفرهم بذنوبهم ، وإنما قال مالك : لا يصلى عليهم أدبًا لهم . قيل
له: فيستتابون ، فإن تابوا وإلا قتلوا كما قال مالك ؟ [ قال: ] (١) أما
من كان بين أظهرنا وفي جماعة أهل السنة فلا يقتل ، و[ إنما ] (٢)
الشأن فيه أن يضرب مرة بعد أخرى ، ويحبس وينهى الناس عن
مجالسته والسلام عليه تأديبًا له ، كما فعل عمر بضبيع خلى عنه بعد
أدبه ، ونھی الناس عنه .
فقد مضت السنة فيمن لم يبن من عمر وقضت فيمن بان من أبي
(١) من (( هـ).
(٢) في ((الأصل)): أما. والمثبت من ((هـ)).
- ٥٨٧ =
بكر الصديق - رضي الله عنهما - قيل له : فهؤلاء الذين نصبوا
الحرب ، وبانوا عن الجماعة وقتلهم الإمام هل يصلى عليهم ؟ قال
نعم ، وهم من المسلمين ، وليس بذنوبهم التي استوجبوا بها القتل
ترك الصلاة عليهم ، ألا ترى أن المحصن الزاني والمحارب والقاتل
عمدًاً قد وجب عليهم القتل ولا تترك الصلاة عليهم .
قيل له : فما تقول في الصلاة خلف أهل البدع ؟ قال : لا تعاد في
وقت ولا بعده ، وبذلك يقول أصحاب مالك : أشهب ، والمغيرة.
وغيرهما ، وإنما يعيد الصلاة من صلى خلف نصراني ، وهذا مسلم
فكما تجوز صلاته لنفسه كذلك تجوز لغيره إذا صلى خلفه ، وأما
النصراني فلا تجوز صلاته لنفسه فكذلك لا تجوز لغيره ، ومن يوجب
الإعادة أبدًا أنزله بمنزلة النصراني ، وركب قياس قول الإباضية
والحرورية الذين يكفرون الناس بالذنوب .
وقد تقدم في كتاب الصلاة [ في باب (( إمامة المفتون والمبتدع)
الاختلاف والصلاة خلفهم ] (١) .
واختلفوا في رد شهادتهم ، فذكر ابن المنذر عن شريك أنه لا تجوز
شهادة أهل الأهواء : الرافضة ، والخوارج ، والقدرية ، والمرجئة ،
وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور .
وقال مالك : لا تجوز شهادة القدرية .
[٤/ ف.٥- ب] وقال أبو عبيد / : البدع والأهواء كلها نوع واحد في الضلال ،
كما قال ابن مسعود : كل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار .
فلا أرى لأحد منهم شهادة إذا ظهر فيها غلوه وميله عن السنة للآثار.
(١) من (( هـ ).
- ٥٨٨ -
المتواترة، ألا ترى قوله وَ # في الخوارج: ((يمرقون من الدين كما
يمرق السهم من الرمية )) .
وقال فيهم سعد : أولئك قوم زاغوا فأزاغ الله قلوبهم .
وقال حذيفة : الذين يقولون : الإيمان قول بلا عمل ؛ لا حظ لهم
في الإسلام .
وقال أبو هريرة : القدرية هم نصارى هذه الأمة ومجوسها .
وأجازت طائفة شهادة أهل الأهواء إذا لم يستحل الشاهد منهم
شهادة الزور ، هذا قول ابن أبي ليلى والثوري وأبي حنيفة والشافعي .
قال الشافعي : لا أرد شهادة أحد بشيء من التأويل له وجه
يحتمله، إلا أن يكون منهم الرجل يباين المحالف له مباينة العداوة فأرده
من جهة العداوة .
قال : وشهادة من يرى إنفاذ الوعيد خير من شهادة من يستخف
بالذنوب .
وقال أبو حنيفة: كل من نسب إلى هوى فعرف [بالمجانة](١)
والفسق فأرده [ للمجانة ] (٢) التي ظهرت فيه .
وأما قوله: ((يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم )) فمعناه أنهم لما
تأولوه على غير تأويله لم يرتفع إلى الله ، ولا أثابهم عليه ؛ إذ كانت
أعمالهم له مخالفة بسفك دماء من حرم الله دمه وإخافتهم سبلهم ،
ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح
يرفعه ﴾ (٣) فبان أن الكلام الطيب يرتفع إلى الله إذا صحبه عمل
(١) في ((الأصل)): بالمحاربة.
(٣) فاطر: ١٠ .
(٢) في ((الأصل)): للمحاربة.
- ٥٨٩ -
صالح يصدقه ، ومتى خالفه العمل لم يعتد بالقول ، ولا كان لقائله.
فيه غير العناء ، وهذا يدل أن الإيمان قول وعمل .
وأما قول علي : ((إذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة)).
فإنما قال ذلك علي في وقت ( خروجه ) (١) للخوارج . ومعنى ذلك
أن المعاريض جائزة على ما جاء عن عمر أنه قال : في المعاريض
مندوحة عن الكذب . وليس في هذا جواز إباحة الكذب الذي هو
خلاف الحق ؛ لأن ذلك منهي عنه في الكتاب والسنة ، وإنما رخص
في الحرب وغيره في المعاريض فقط؛ لأن النبي وَ لّ قال: (( إياكم
والكذب فإنه يهدي إلى الفجور ، والفجور يهدي إلى النار )) 1 وقد
تقدم في كتاب الصلح في باب ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس
مذاهب العلماء فيما يجوز من الكذب وما لا يجوز ، وتقدم منه شيء
في باب الكذب في الحرب في كتاب الجهاد ، وسيأتي في باب
المعاريض مندوحة عن الكذب في كتاب الأدب بما يقتضيه التبويب - إن
شاء الله تعالى ] (٢).
--
وأما قول البخاري : باب قتال الخوارج بعد إقامة الحجة عليهم.
فمعناه أنه لا يجب قتال خارجي ولا غيره إلا بعد الإعذار إليه ،
ودعوته إلى الحق ، وتبيين ما ( ألبس ) (٣) عليه ، فإن أبى من الرجوع.
إلى الحق وجب قتاله بدليل قوله تعالى : ﴿ وما كان الله ليضل قومًا.
بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ﴾ (٤) فوجب التأسي به تعالى:
فيمن وجب قتاله أن يبين له وجه [ الصواب ] (٢) ويدعى إليه.
والنصل : حديدة السهم . والرصاف : العقب الذي فوق مدخل
السهم . والفوقة والفوق من السهم : موضع الوتر .
(١) في (( هـ )) : حربه
(٣) في (( هـ)): التبس.
.(٢) من (( هـ)).
(٤) التوبة : ١١٥ .
- ٥٩٠ -
باب : من ترك قتال الخوارج [ للتألف ] (١)
وألا ينفر الناس عنه
فيه : أبو سعيد: (( بينما النبي - عليه السلام - يقسم جاء عبد الله بن
ذي الخويصرة التميمي فقال : اعدل يا رسول الله . فقال : ويلك ، ومن
يعدل إن لم أعدل ؟! قال عمر بن الخطاب : ائذن لي فأضرب عنقه .
قال: دعه فإن له أصحابًا یحقر أحدکم صلاته مع صلاته ، وصيامه مع
صيامه ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ينظر إلى قذذه
فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء ، ثم رصافه
فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر في نضیّه فلا يوجد فيه شيء ، قد سبق
الفرث والدم ، آيتهم رجل إحدى يديه - أو قال : ثدييه - مثل ثدي
المرأة- أو قال : مثل البضعة - تدردر ، يخرجون على خير فرقة من
الناس . قال أبو سعيد : أشهد ، سمعت من النبي - عليه السلام -
وأشهد أن عليا قتلهم وأنا معه ، حتى جيء بالرجل على النعت الذي
نعت/ رسول الله فنزلت فيهم: ﴿ومنهم من يلمزك في الصدقات﴾(٢)).
[٤/ ق٥١-١]
وفيه : سهل بن حنيف [ سئل] (٣): ((هل سمعت في الخوارج شيئًا ؟
قال : سمعته يقول - وأهوى بيده قبل العراق - : يخرج منه قوم يقرءون
القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية )).
لا يجوز ترك قتال من خرج على الأمة وشق عصاها .
وأما ذو الخويصرة ، فإنما ترك النبي قتله ؛ لأنه عذره بجهله ، وأخبر
أنه من قوم يخرجون ويمرقون من الدين ، فإذا خرجوا وجب قتالهم .
(١) في ((الأصل)): للتأليف. والمثبت من ( هـ)).
(٢) التوبة : ٥٨ .
(٣) من (( هـ).
- ٥٩١ -
وقد أخبرت عائشة أنه عليه السلام كان لا ينتقم لنفسه ، إلا أن تنتهك
حرمة الله ، وكان يعرض عن الجاهلين . وقد وصف الله كرم خلقه
وَّةٍ فقال: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ (١).
قال المهلب : والتآلف إنما [ كان ] (٢) في أول الإسلام ؛ إذ كان
بالناس حاجة إلى تألفهم لدفع مضرتهم ولمعونتهم ، فأما إذا علَّى الله
الإسلام ورفعه على غيره فلا يجب التألف ، إلا أن ينزل بالناس
ضرورة يحتاج فيها إلى التألف ، فللإمام ذلك .
والمروق : الخروج . وقد تقدم .
والرمية : الطريدة المرمية . فعيلة بمعنى مفعولة ، يقال : شاة رمي:
إذا رُميت ، ويقال : بئس الرمية الأرنب . فيدخل الهاء .
والقذذ : ريش السهم ، كل واحدة قذة ، وقال ثابت : قذتا
الجناحين : جانباه وقال أبو حاتم : القذتان : الأذنان . وأما
النضي: فإن أبا عمرو الشيباني قال : هو نصل السهم .
وقال الأصمعي : هو القدح قبل أن ينحت ، فإذا نحت فهو
مخشوب .
والحديث يدل أن القول قول الأصمعي ؛ لأنه ذكر النصل قبل
النضي في الحديث .
قوله: (( يسبق الفرث والدم)) يعني أنه مرَّ مرا سريعًا في الرمية
وخرج ، ولم يعلق به من الفرث والدم شيء ، فشبه خروجهم من
الدين ولم يتعلق منه شيء بخروج ذلك السهم .
وقوله : تدردر : يعني تضطرب ، تذهب وتجيء ، ومثله تذبذب
وتقلقل وتزلزل . الخطابي . ومنه دردور الماء .
.(١) القلم : ٤ .
(٢) في ((الأصل)): يكون. والمثبت من (( هـ))
- ٥٩٢ -
باب : قول النبي عليه السلام لا تقوم الساعة
حتى تقتتل فئتان دعواهما واحدة
فيه : أبو هريرة: قال النبي - عليه السلام -: (( لا تقوم الساعة حتى
تقتتل فئتان دعواهما واحدة )) .
هذا إخبار عن الغيب وحدوث الفتنة ( وقتال المسلمين ) (١) بعضهم
لبعض، ويحتمل أن يكون معنى قوله: (( دعواهما واحدة)) :
[دينهما] (٢) واحد، ويحتمل أن يكون دعواهما [واحدة ] (٣) في
الحق عند أنفسهما واجتهادهما ، ويقتل بعضهم بعضًا ، وقد جاء في
الكتاب والسنة الأمر بقتال الفئة الباغية إذا تبين بغيها ، قال تعالى :
﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ، فإن بغت إحداهما
على الأخرى ... ﴾ (٤) الآية .
قال ابن أبي زيد : قال من لقينا من العلماء : معنى ذلك : إذا بغت
قبيلة على قبيلة فقاتلتها حميةً وعصبيةً وفسقًا وفخرًا بالأنساب وغيرها
من الثائرة ؛ رغبةً عن حكم الإسلام فعلى الإمام أن يفرق جماعتهم ،
فإن لم يقدر فليقاتل من تبين له أنه ظالم لصاحبه ، وحلت دماؤهم
حتى يقهروا ، فإن تحققت الهزيمة عليهم وأيس من عودتهم فلا يقتل
منهزمهم ، ولا يجهز على جريحهم ، وإن لم تستحق الهزيمة [ولم](٥)
يؤمن رجوعهم ؛ فلا بأس أن يقتل منهزمهم وجريحهم ولا بأس أن
يقتل الرجل في القتال معهم أخاه وقرابته وجده لأبيه وأمه ، فأما الأب
فلا .
(١) في ((الأصل)): وقتل المسلمون. والمثبت من (هـ )).
(٢) في ((الأصل)): حديثهما. والمثبت من (هـ)).
(٣) في (( الأصل)): واحد. والمثبت من (( هـ )).
(٤) الحجرات : ٩ .
(٥) في (( هـ)): ولا، وسقطت من ((الأصل)).
- ٥٩٣ -
وقال أصبغ : يقتل أباه وأخاه ، ولا تصاب أموالهم ولا حرمهم ؛
فإن قدر الإمام على كف الطائفتين بترك القتال فلكل فريق طلب الفريق
الآخر بما جرى بينهم في ذلك من دم ومال ، ولا يهدر شيء من ذلك
بخلاف ما كان على تأويل القرآن . وقال بعضه ابن حبيب .
باب : ما جاء في المتأولين
[٤/ق٥١-ب] / فيه : عمر بن الخطاب: (( أنه سمع هشام بن حكيم يقرأ سورة.
الفرقان في حياة رسول الله فاستمعت لقراءته ، فإذا هو يقرأ على حروف
كثيرة لم يقر ئنيها النبي پر ! فكدت أساوره في الصلاة ، فانتظرته حتى
سلم، فلما سلم [ لبيته بردائه! فقلت: من أقرأك هذه السورة ؟! قال :
النبي ◌َ*] (١) قلت: كذبت؛ فوالله إن رسول الله أقرأني هذه السورة
التي سمعتك تقرؤها، فانطلقت أقوده إلى رسول الله، فقلت: يا رسول الله،
إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها ، وأنت
أقرأنني سورة الفرقان ، فقال رسول الله : أرسله يا عمر ، اقرأ يا هشام .
فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرؤها ، فقال رسول الله : هكذا أنزلت .
ثم قال رسول الله : اقرأ يا عمر . فقرأت . فقال : هكذا أنزلت . ثم قال :
إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف ، فاقرءوا ما تيسر منه)) .
وفيه : ابن مسعود: (( لما أنزلت هذه الآية: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا
إيمانهم بظلم﴾ (٢) شق ذلك على أصحاب النبي ولي﴿ وقالوا: أينا لم
يظلم نفسه ! فقال رسول الله : ليس كما تظنون ؛ إنما هو كما قال لقمان
لابنه: ﴿يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم﴾)) (٣).
وفيه عتبان: ((غدا عليّ النبي ◌َله فقال رجل: أين مالك بن الدخشن؟
(١) من (( هـ، ن)).
(٢) الأنعام : ٨٢ .
(٣) لقمان : ١٣ .
- ٥٩٤ -
فقال رجل منا : ذلك رجل منافق لا يحب الله ورسوله . فقال رسول الله:
ألا تقولوه يقول : لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ؟ قالوا : بلى . قال :
فإنه لا يوافي بها عبد يوم القيامة إلا حرم الله عليه النار)) .
وفيه : أبو عبد الرحمن وحبّان بن عطية (( أنهما تنازعا ، فقال أبو
عبدالرحمن لحبّان : قد علمت ما الذي جرأ صاحبك على الدماء - يعني
عليا - قال : ما هو ، لا أبا لك؟ قال : شيء سمعته يقوله . قال : ما هو؟
قال: بعثني [ النبي ( 18] (١) والزبير بن العوام وأبا مرثد، وكلنا فارس
قال : انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ ، فإن بها امرأة معها صحيفة من
حاطب إلى المشركين ... )) الحديث (( فأخرجت الصحيفة ، فأتوا بها
النبي - عليه السلام - فقال [ عمر ] (٢) : يا رسول الله ، قد خان الله
ورسوله والمؤمنين ! دعني فأضرب عنقه . فقال النبي - عليه السلام - :
يا حاطب ، وما حملك على ما صنعت ؟ قال : ما لي لا أكون مؤمنًا
بالله ورسوله ، ولكني أردت أن یکون لي عند القوم ید [ يدفع ] (٣) بها
عن أهلي ومالي ، وليس من أصحابك أحد إلا له هناك من قومه من
يدفع الله به عن أهله وماله . قال : صدق . قال : ولا تقولوا له إلا خيرًاً.
قال : فعاد عمر فقال : يا رسول الله ، قد خان الله ورسوله والمؤمنين؛
دعني فلأضرب عنقه . فقال : أو ليس من أهل بدر ، وما يدريك لعل الله
اطلع عليهم فقال : اعملوا ما شئتم فقد أوجبت لكم الجنة . فبكى عمر
وقال : الله ورسوله أعلم )) .
قال المهلب وغيره : لا خلاف بين العلماء أن كل متأول معذور
(بتأوله) (٤) غير مأثوم فيه إذا كان تأويله ذلك مما يسوغ ويجوز في لسان
(١) من (( هـ )).
(٢) في (( الأصل)): يا عمر. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٣) في ((الأصل)): أنافع. وهو تحريف. والمثبت من ((هـ، ن).
(٤) في (( هـ)) : بتأويله .
- ٥٩٥ -
العرب ، أو كان له وجه في العلم ؛ ألا ترى أن النبي - عليه السلام -
لم يعنف عمر في تلبيبه لهشام مع علمه بثقته وعذره في ذلك لصحة
مراد عمر واجتهاده .
وأما حديث ابن مسعود فإن الرسول عذر أصحابه في تأويلهم الظلم
في الآية بغير الشرك لجواز ذلك في التأويل .
وأما حديث ابن الدخشن فإنهم استدلوا على نفاقه بصحبته للمنافقين
ونصيحته ، لهم فعذرهم النبي صل* باستدلالهم ، وكذلك حدیث
حاطب عذره النبي - عليه السلام - في تأويله ، وشهد بصدقه ..
وقد تقدم في الجهاد [ في باب الجاسوس، فأغنى عن ذكره ] (١).
وسيأتي في كتاب الاستئذان [ في باب من نظر في كتاب من بحذر.
على المسلمين ليستبين أمره - إن شاء الله تعالى ] (١) .
وقول أبي عبد الرحمن: ((لقد علمت ما الذي جرأ صاحبك على
الدماء)) يعني عليا - فإنه أراد قول النبي لأهل بدر: (( اعملوا ما شئتم
[٤/ ٥٢٥-١) فقد غفرت لكم)) / فكأنه [ أنس ] (٢) بهذا القول، فاجتراً بذلك
على الدماء ، ولا يجوز أن يظن بعلي أنه اجترأ على هذا دون أن يعطيه
ذلك صحيح التأويل والاجتهاد .
وإن كان قوله ◌َلي: ((لعل الله اطلع على أهل بدر )» دليل ليس
بحتم ، ولكنه على أغلب الأحوال ، وينبغي أن نحسن بالله الظن في
أهل بدر وغيرهم من أهل الطاعات .
وقد اعترض بعض أهل البدع بهذا الحديث على قصة مسطح حين
(١) من ( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): أسر .
- ٥٩٦ -
جلد في قذف عائشة وكان بدريا [ مغفورًا ] (١) له ، قالوا : وكان
ينبغي ألا يحد لذلك كما لم يعاقب حاطب ؛ لأنه كان بدريا
[مغفورًا](١) له .
فأجاب في ذلك أبو بكر بن الطيب الباقلاني ، وقال : المراد بقوله
عليه السلام: ((اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم )) أنه غفر لهم عقاب
الآخرة ، ولم يرد بذلك أنه غفر لهم عقاب الدنيا .
وقد أجمعت الأمة أن كل من ركب من أهل بدر ذنبًا بينه وبين الله
فيه حد ، أو بينه وبين الخلق من القذف أو الجرح أو القتل فإن عليه فيه
الحد والقصاص .
وليس يدل عقاب العاصي في الدنيا وإقامة الحدود عليه على أنه
معاقب في الآخرة لقوله {وَ ل# في ماعز والغامدية: ((لقد تابوا توبة لؤ
قسمت على أهل الأرض لوسعتهم )) لأن موضع الحدود أنها للردع ،
والزجر ، وحقن الدماء ، وحفظ الحريم [ وصيانة ] (٢) الأموال،
وليس في عقاب النار شيء من ذلك .
فبطل قول من قال : إنه كان ينبغي أن يسقط الحد عن مسطح لكونه
بدريا مغفوراً له ؛ لأن الخبر عن غفران ذنوبهم إنما هو عن غفران
عقاب الآخرة دون الدنيا ، ولو أسقط الله عقاب الدارين لكان جائزًا،
فغفر لحاطب عقوبته في الدنيا ؛ إذ رأى ذلك مصلحة لما غفر له عقاب
الآخرة ، وقد يجعل الله لنبيه إسقاط (بعض ) (٣) الحدود إذا رأى
ذلك مصلحة .
قال الطبري : وفي قوله عليه السلام: (( وما يدريك لعل الله اطلع
(١) في ((الأصل)): مغفور. والمثبت من ( هـ)).
(٢) من (( هـ).
(٣) كررت بالأصل .
- ٥٩٧ -
۔۔
على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم )) الدلالة البينة
على خطأ ما قالته الخوارج والمعتزلة أنه [ لا ] (١) يجوز في عدل الله.
وحكمته الصفح لأهل الكبائر من المسلمين عن كبائرهم ؛ لأنه لم یکن
مستنكراً عند النبي - عليه السلام - في عدل الله أن يصفح عن بعض
من سبقت له من الطاعة سابقة ، وسلفت له من الأعمال الصالحة
سالفة عن جميع أعماله السيئة التي تحدث منه بعدها صغائر وكبائر ،
فيتفضل بالعفو عنها إكرامًا له لما كان سلف منه قبل ذلك من الطاعة .
وخاخ : موضع قريبٍ من مكة .
وقوله: ((أهوت إلى حجزتها وهي محتجزة بكساء)). يعني :
ضربت بيدها إلى معقد نطاقها من جسدها ، وهو موضع حجزة
السراويل من الرجل ، وقد مر بعض ما فيه من الغريب في كتاب
الجهاد .
وأما قوله عليه السلام في قصة مالك بن الدخشن: ((ألا تقولوه
يقول : لا إله إلا الله)) هكذا جاءت والصواب: ((ألا تقولونه يقول :.
لا إله إلا الله)) بإثبات النون، والمعنى ألا تظنونه يقول: لا إله إلا
. الله، وقد جاء القول بمعنى الظن كثيرًا في لغة العرب بشرط كونه في
المخاطب، وكونه مستقبلا ، أنشد سيبويه لعمر بن أبي ربيعة المخزومي:
غد فمتی نقول الدار تجمعنا
أما الرحيل فدون بعد
:
يعني : فمتى نظن الدار تجمعنا ، ويحتمل أن يكون قوله : ((ألا
تقولوه)) خطابًا للواحد والجماعة ، فإن كان خطابًا للجماعة ، فلا
يجوز حذف النون ؛ إذ لا موجب لحذفها ، وإن كان خطابًا
(١) من (( هـ)).
- ٥٩٨ -
للواحد ، وهو أظهر في نسق الحديث ، فهو على لغة من يشبع الضمة
كما قال الشاعر :
من حيث ما سلكوا أذنوا فانظور
وإنما أراد انظر فأشبع ضمة الظاء / فحدثت عنها [واو ] (١) .
[٤/ ق٥٢-ب]
قوله في حديث عمر : (( فكدت أساوره )) تقول العرب : ساورته
من قولهم : سار الرجل يسور سورًا إذا ارتفع . ذكره ابن الأنباري
عن ثعلب ، وقد يكون أساوره من البطش ؛ لأن السورة البطش .
عن صاحب العين .
(١) في ((الأصل)): واوًا. والمثبت من (( هـ)).
- ٥٩٩ -