النص المفهرس

صفحات 561-580

وما ذكره البخاري عن حماد وشريح والشعبي أنهم كانوا لا يضمنون
النفحة إلا أن ينخس الدابة فعليه أكثر العلماء ؛ لأن ما فعلته من أداء
ذلك ، فإنما هو جناية راكبها أو سائقها ؛ لأنه الذي ولّدَ لها ذلك .
قال مالك : فإن رمحت من غير أن يفعل بها شيئًا ترمح له ، فلا
ضمان عليه ، وهو قول ( الكوفي ) (١) والشافعي.
وأما قول ابن سيرين : كانوا لا يضمنون النفحة ، ويضمنون من رد
العنان ، فالنفحة : ما أصابت برجلها .
وفرق الكوفيون بين ما أصابت بيدها ورجلها ، فقالوا : لا يضمن
ما أصابت برجلها أو ذنبها وإن كانت بسببه ، ويضمن ما أصابت بيدها
ومقدمها .
ولم يفرق مالك والشافعي [ بين ] (٢) ما أصابت بيدها أو برجلها أو
بفمها في وجوب الضمان على الراكب والقائد والسائق إذا كان ذلك
من نخسه أو كبحه .
واحتج الطحاوي للكوفيين فقال : لا يمكنه التحفظ من الرجل أو
الذنب فهو جبار ، ويمكنه التحفظ من اليد والفم فعليه ضمانه .
قالوا : وقد روى سفيان بن حسين ، عن الزهري ، عن سعيد بن
المسيب، عن أبي هريرة أن النبي وَّ قال: ((الرجل جبار)).
قال الشافعي : وهذا / الحديث غلط ؛ لأن الحفاظ لم يحفظوا (1/ق٤٥-ب]
هكذا .
قال ابن القصار : فإن صح فمعناه : الرجل جبار بهذا الحديث ،
وتكون اليد جباراً قياسًا على الرجل إذا كان ذلك بغير سببه ولا صنعه
(١) في ((هـ)): الكوفيين.
(٢) من ( هـ )).
- ٥٦١ -

وقد قال عليه السلام: (( العجماء جبار)) ولم يخص يدًا من رجل ،
فهو على العموم .
قال الشافعي : ومن اعتل أنه لا يرى رجلها فهو إذا كان سائقها
لا يرى يدها فينتفي أن يلزمه في القياس أن يضمن عن الرجل ولا
يضمن عن اليد .
وقول شريح : لا تضمن ما عاقبت به ، فقد قيل له : وما عاقبت؟
قال : أن يضربها فتضربه .
واختلفوا من هذا الباب فيما تفسده البهائم [ إذا انفلتت ] (١) في
الليل والنهار ، فقال مالك والشافعي : ما أفسدته المواشي إذا انفلتت
بالنهار فليس على أهلها منه شيء إلا أن يكون صاحبها معها ويقدر
على منعها ، وما أفسدته بالليل فضمانه على أرباب المواشي . وقال :
الكوفيون : لا ضمان على أرباب البهائم فيما تفسده لا في ليل ولا في
النهار إذا كانت منفلتة، إلا أن يكون راكبًا أو قائدًا أو سائقًا . وقال
الليث : يضمن بالليل والنهار .
واحتج الكوفيون بقوله {قَ ل: ((جرح العجماء جبار))، وقالوا :
لم يفرق بين جنایتها بالليل والنهار .
وحجة القول ( الأول ) (٢) : حديث مالك ، عن ابن شهاب،
عن حرام بن سعيد: (( أن ناقة للبراء دخلت حائط رجل فأفسدت
زرعًا ، فقضى رسول الله أن على أرباب الثمار حفظها بالنهار ، وعلى
أرباب المواشي حفظها بالليل وعليهم ضمان ما أفسدت بالليل )) وهذا
نص في أن ما أفسدت بالنهار لا ضمان عليهم فيه .
(١) من ( هـ).
(٢) في (( هـ)»: الآخر.
- ٥٦٢ -

قال ابن القصار : لما كان لأرباب الماشية تسريحها بالنهار [وكان](١)
على أرباب الثمار حفظها بالنهار ، فإذا فرطوا في الحفظ لم يتعلق لهم
على أرباب المواشي ضمان ، ولما كان على أرباب المواشي حفظ
مواشيهم بالليل فإن أصحاب الأموال ليس عليهم حفظ زروعهم
بالليل، وفرط أهل المواشي في ترك الحفظ لزمهم الضمان ، وعلى
هذا جرت العادة ورتبه النبي - عليه السلام - وهذا القول أولى
بالصواب لوجوب الجمع بين حديث العجماء جبار وحديث ناقة
البراء، وليس أحدهما أولى بالاستعمال من الآخر .
ووجه [ استعمالهما ] (٢) أن يكون قوله: ((العجماء جبار )) في
النهار ولا يكون جباراً في الليل لحديث ناقة البراء .
وأما قول الليث فمخالف لحديث ناقة البراء ولحديث العجماء جبار
فلا وجه له .
باب : إثم من قتل ذمیًا بغير جرم
فيه : عبد الله بن عمرو عن النبي - عليه السلام - قال: (( من قتل نفساً
معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عامًا)).
قال المهلب : هذا دليل أن المسلم إذا قتل الذميّ فلا يقتل به ؛ لأن
الرسول وَه إنما ذكر الوعيد للمسلم وعظم الإثم فيه في الآخرة ،
ولم يذكر بينهما قصاصًا في الدنيا ، وسيأتي بعد هذا .
وقوله وَلة: ((لم يرح رائحة الجنة)) معناه على الوعيد، وليس
على الحتم والإلزام ، وإنما هذا لمن أراد الله إنفاذ الوعيد عليه .
(١) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): وكانت .
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): استعمالها.
- ٥٦٣ -

٠
قال أبو عبيد : لم يرح رائحة الجنة ، ويُرِحْ ويَرَحْ من أرحت ، قال
أبو حنيفة: أرحت الرائحة وأروحتها [ ورحتها ] (١) إذا وجدتها .
فإن قال قائل: ما معنى قوله وَله: ((وإن ريحها ليوجد من مسيرة
أربعين عامًا)) وقد روى شعبة ، عن الحكم بن عتيبة ، سمعت
مجاهدًا يحدث عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي - عليه السلام -
قال: (( من ادعى إلى غير أبيه لم يجد رائحة الجنة ، وإن ريحها
يوجد من قدر مسيرة سبعين عامًا )) وقد جاء حديث في الموطأ :
(كاسيات عاريات ، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها ، وإن ريحها
يوجد من مسيرة خمسمائة عام )) فما وجه اختلاف المدد في وجود ربح
الجنة ؟
قيل : يحتمل - والله أعلم - أن تكون الأربعون هي أقصى أشد
العمر في قول أكثر أهل العلم ، فإذا بلغها ابن آدم زاد عمله ويقينه ،
واستحكمت بصيرته في الخشوع لله والتذلل له ، والندم على ما سلف
له ، فكأنه وجد ريح الجنة التي تبعثه على الطاعة وتمكن من قلبه
[٤/ ٤٦٥-١١ الأفعال الموصلة إلى الجنة ، فبهذا وجد ريح الجنة على مسيرة أربعين /
عامًا .
وأما ( السبعون ) (٢) فإنها آخر المعترك ، وهي أعلى منزلة من
الأربعين في الاستبصار ، ويعرض للمرء عندها من الخشية والندم.
لاقتراب أجله ما لم يعرض له قبل ذلك ، وتزداد طاعته بتوفيق الله ،
فيجد ريح الجنة على مسيرة سبعين عامًا .
وأما وجه الخمسمائة عام فهي فترة ما بين نبي ونبي ، فيكون من
(١) من (( هـ)).
(٢) في (( هـ)) : من وجد ريحها من مسيرة سبعين عامًا.
- ٥٦٤ -

جاء في آخر الفترة واهتدى باتباع النبي الذي كان قبل الفترة ، ولم
يضره طولها فوجد ريح الجنة على [ مسيرة ] (١) خمسمائة عام، والله
أعلم . .
باب : لا يقتل المسلم بالكافر
فيه : أبو جحيفة: (( سألت عليا، هل عندكم شيء ما ليس في القرآن؟
قال : العقل، وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر )).
ذهب جمهور العلماء إلى ظاهر هذا الحديث ، وقالوا : لا يقتل
مسلم بكافر على وجه القصاص ، روي ذلك عن عمر وعثمان وعلي
وزيد بن ثابت ، وبه قال جماعة من التابعين وهو مذهب مالك
والأوزاعي والليث والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور ، إلا
أن مالكًا والليث قالا : إن قتله غيلة قتل به . وقتل الغيلة عندهم أن
يقتله على ماله كما يصنع قاطع الطريق لا يقتله الثائرة ولا عداوة .
وذهب أبو حنيفة وأصحابه وابن أبي ليلى إلى أنه يقتل المسلم
بالذمي، ولا يقتل بالمستأمن والمعاهد ، وهو قول سعيد بن المسيب
والشعبي والنخعي ، وحكم المستأمن والمعاهد عندهم حكم أهل
الحرب .
واحتج الكوفيون بما رواه ربيعة عن ابن البيلماني: (( أن رسول الله
قتل رجلا من المسلمين برجل من أهل الذمة ، وقال : أنا أحق من
وفى بذمته )) .
قال ابن المنذر : وهذا حديث منقطع ، وقد أجمع أهل الحديث
على ترك المتصل من حديث البيلماني فكيف بالمنقطع ؟!
(١) من (( هـ).
- ٥٦٥ -

وقوله عليه السلام: (( لا يقتل مؤمن بكافر)) حجة قاطعة في هذا
الباب لثباته عنه الآن، فلا معنى لمن خالفه .
واحتج الكوفيون بالإجماع على أن المسلم تقطع يده إذا سرق من
مال ذمي ؛ فنفسه أحرى أن تؤخذ بنفسه ، وهذا قياس حسن لولا أنه
باطل بقوله وَ ل: ((لا يقتل مسلم بكافر)).
فإن قالوا : قد قال عليه السلام: (( لا يقتل مسلم بكافر ، ولا ذو
عهد في عهده )) يعني بكافر ؛ لأنه معلوم أن الإسلام يحقن الدم ،
والعهد يحقن الدم .
.-
قيل : بهذا الحديث علمنا أن المعاهد يحرم دمه ، وهي فائدة الخبر
ومحال أن يأمر [ تعالى] (١) بقتل الكافر حيث وجد ثم يقول : إذا
قتلوهم قتلوا بهم .
والمعنى : لا يقتل مؤمن بكافر على العموم في كل كافر ، ولا يقتل
ذو عهد في عهده قصة أخرى، وهو عطف على (( لا يقتل)) لأن هذا
الذي أضمر لو أظهر فقيل : لا يقتل مؤمن بكافر ، ولا يقتل ذو عهد
في عهده ، ولو أفرد وحده . فقيل : لا يقتل ذو عهد ولم یکن قبله
كلام لكان مستقيمًا ؛ وإنما ضم هذا الكلام إلى القصة التي قبلها -
والله أعلم - ليعلموا حين قيل لهم لا يقتل مؤمن بكافر أنهم نهوا عن
قتل ذي العهد في عهده فاحتمل ذلك في كل ذي عهد من أهل الذمة
المقيمين في دار الإسلام ، وفيمن دخل بأمان وهو في معنى قوله
تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره﴾ (٢) الآية، فأعلم الله
ذلك عباده . قاله إسماعيل بن إسحاق وابن القصار .
(١) من (( هـ).
(٢) التوبة : ٦ .
-٥٦٦ -

وأما قول مالك والليث أن المسلم إذا قتل الكافر قتل غيلة قتل به ،
فمعنى ذلك أن قتل الغيلة إنما هو من أجل المال ، والمحارب والمغتال
إنما يقتلان لطلب المال لا لعداوة بينهما ، فقتل العداوة والثائرة خاص
وقتل المغتال عام فضرره أعظم ؛ لأنه من أهل الفساد في الأرض ،
وقد أباح الله قتل الذين يسعون في الأرض بالفساد سواء قتل أو لم
يقتل ، فإذا قتل فقد تناهى فساده ، وسواء قتل مسلمًا أو كافرًا أو حرًاً
أو عبدًا .
[٤ / ق ٤٦ -ب)
باب : إذا لطم المسلم يهوديًا / عند الغضب
رواه أبو هريرة عن النبي مطعم
فيه : أبو سعيد قال: (( جاء رجل من اليهود إلى رسول الله قد لطم
وجهه ، فقال : يا محمد ، إن رجلا من أصحابك من الأنصار قد لطم
وجهي ، فقال : ادعوه . فدعوه فقال : ألطمت وجهه ؟ فقال : يا
رسول الله ، إني مررت باليهودي فسمعته يقول : والذي اصطفى موسى
على البشر ، قلت : أعلى محمد ؟ فأخذتني غضبة فلطمته . قال :
لا تخيروني من بين الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة ، فأكون أول
من يفيق ، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش ، فلا أدري أفاق
قبلي ، أو جوزي بصعقة الطور )).
فيه من الفقه : أنه لا قصاص بين مسلم وكافر وهو قول جماعة
الفقهاء ، والدليل على ذلك من هذا الحديث أن النبي لم يقاص
اليهودي من لطمة المسلم له ، ولو كان بينهما قصاص لبينه عليه
السلام؛ لأنه بعث معلمًا وعليه فرض التبليغ .
- ٥٦٧ -

فإن قيل : إن [الكوفيين ] (١) يرون قتل المسلم بالكافر فيجب أن
يكون على قولهم بينه وبين المسلم قصاص في اللطمة .
قيل : إن الكوفيين لا يرون القصاص بين المسلمين في اللطمة
ولا الأدب ، إلا أن يجرحه ففيه الأرش ، والكافر والمسلم أحرى ألا
يرون بينهما قصاصًا ، فالمسألة إجماع .
قال المهلب: وفيه جواز رفع المسلم إلى السلطان بشكوى الكافر به.
وفيه خلق النبي - عليه السلام - وما جبله الله عليه من التواضع
وحسن الأدب في قوله : ( لا تخیروني من بین الأنبياء » فذلك کقول
أبي بكر الصديق : وليتكم ولست بخيركم . وقد تقدم ، فينبغي لأهل
.الفضل الاقتداء بالنبي وأبي بكر في ذلك ، فإن التواضع من أخلاق
الأنبياء والصالحين .
وقد روى أبو هريرة عن النبي - عليه السلام - أنه قال : (( من
أحب أن ينظر إلى تواضع عيسى ابن مريم ، فلينظر إلى أبي ذر » ذكره
ابن أبي شيبة .
وفيه : أن العرش جسم وأنه ليس العلم كما قال سعيد بن جبير
لقوله : (( آخذ بقائمة من قوائم العرش » والقائمة لا تكون إلا جسماً،
ومما يؤيد هذا قوله تعالى : ﴿ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ
ثمانية﴾(٢) ومحال أن يكون المحمول غير جسم؛ لأنه لو كان روحانيًا
لم يكن في حمل الملائكة الثمانية له عجب ، ولا في حمل واحد ،
فلما عجب الله - تعالى - بحمل الثمانية له ؛ علمنا أنه جسم ؛ لأن
العجب في حمل الثمانية للعرش لعظمته وإحاطته .
(١) من ((هـ)) وفى ((الأصل)): الكوفيون .
(٢) الحاقة : ١٧ .
- ٥٦٨ -

كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم
باب : إثم من أشرك بالله وعقوبته في الدنيا والآخرة
قال الله تعالى: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ (١) وقال: ﴿لئن أشركت
ليحبطن عملك ﴾(٢) .
فيه: عبد الله قال: (( لما نزلت ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم
بظلم﴾(٣) شق ذلك على أصحاب رسول الله وقالوا: أينا لم يلبس إيمانه
بظلم ! فقال 18: إنه ليس بذلك ، ألا تسمعون إلى قول لقمان: ﴿إن
الشرك لظلم عظيم ﴾ (١) )).
وفيه: أبو بكرة قال: قال النبي ◌َله: ((أكبر الكبائر : الإشراك بالله،
وعقوق الوالدين ، وشهادة الزور ... )) الحديث .
وفيه : ابن مسعود: (( قال رجل : يا رسول الله ، أنؤاخذ بما عملنا في
الجاهلية ؟ قال : من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية ،
ومن أساء في الإسلام أخذ بما عمل في الأول والآخر )).
قال المؤلف : لا إثم أعظم من إثم الإشراك بالله، ولا عقوبة أعظم
من عقوبته في الدنيا والآخرة ؛ لأن الخلود الأبدي في النار لا يكون
في ذنب غير الشرك بالله - تعالى - ولا يحبط الإيمان غيره ؛ لقوله
تعالى : ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾(٤)
وإنما سمَّى الله الشرك ظلمًا ؛ لأن الظلم عند العرب وضع الشيء في
(١) لقمان : ١٣ .
(٣) الأنعام : ٨٢.
(٢) الزمر : ٦٥ .
(٤) النساء : ٤٨، ١١٦ .
- ٥٦٩ -

غير موضعه ؛ لأنه كان يجب عليه الاعتراف بالعبودية والإقرار
بالربوبية الله - تعالى - حين أخرجه من العدم إلى الوجود ، وخلقه
من قبل ولم يك شيئًا ، ومنَّ عليه بالإسلام والصحة والرزق إلى سائر
نعمه التي لا تحصى
[٤/ق٤٧-١]
وقد ذكر بعض / المفسرين في قوله تعالى : ﴿وأسبغ عليكم نعمه
ظاهرة وباطنة ﴾ (١) أن رجلا من العباد عد نفسه في اليوم والليلة ،
فوجد ذلك أربعة عشر ألف نفس ، فكم يرى لله على عباده من النعم
في غير النفس مما يعلم ومما لا يعلم ، ولا يهتدى إليه ، وقد أخبر
الله- تعالى - أن من بدل نعمة الله كفراً فهو صال في جهنم ، فقال
تعالى : ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار
جهنم يصلونها وبئس القرار﴾ (٢) .
قال المهلب : وأما حديث ابن مسعود فمعناه : من أحسن في
الإسلام بالتمادي عليه ومحافظته ، والقيام بشروطه ؛ لم يؤاخذ بما
عمل في الجاهلية ، وأجمعت الأمة أن الإسلام يَجُبُّ ما قبله .
وأما قوله : (( من أساء في الإسلام)) فمعناه : من أساء في عقد
الإسلام والتوحيد ، بالكفر بالله ، فهذا يؤخذ بكل كفر سلف له في
الجاهلية والإسلام ، فعرضت هذا القول على بعض العلماء فأجازوه ،
وقالوا : لا معنى لحديث ابن مسعود غير هذا ، ولا تكون هذه الإساءة
إلا الكفر ؛ لإجماع الأمة أن المؤمنين لا [يؤاخذون ] (٣) بما عملوا في
الجاهلية .
(١) لقمان : ٢٠ .
(٢) إبراهيم : ٢٨ - ٢٩.
(٣) في ((الأصل)): يؤاخذوا. والمثبت من ((هـ)).
- ٥٧٠ -

باب : حكم المرتد والمرتدة واستتابتهما
وقال ابن عمر والزهري وإبراهيم : تقتل المرتدة . وقال الله تعالى :
﴿كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم﴾ (١) الآيات ، وقال : ﴿ يا أيها
الذين آمنوا إن تطيعوا فريقًا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم
کافرین ﴾ (٢) .
وقال: ﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا﴾ إلى ﴿سبيلا﴾ (٣).
وقال : ﴿ من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم
ويحبونه﴾ (٤)
وقال : ﴿ولكن من شرح بالكفر صدرًا﴾ إلى ﴿ الغافلون لا جرم﴾
يقول حقا﴿ أنهم في الآخرة هم الخاسرون﴾ إلى ﴿الغفور الرحيم﴾(٥).
﴿ ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ﴾ إلى
﴿خالدون﴾ (٦).
فيه : عكرمة قال : « أُتي علي بزنادقة فأحرقهم ، فبلغ ذلك ابن عباس
فقال : لو كنت أنا لم أحرقهم ؛ لنهي رسول الله : لا تعذبوا بعذاب الله ،
ولقتلتهم ؛ لقول رسول الله : من بدل دينه فاقتلوه )) .
وفيه : أبو موسى: (( أن النبي ◌َّر بعثه إلى اليمن ، ثم أتبعه بمعاذ بن
جبل، فلما قدم عليه إذا رجل موثق ، قال : ما هذا ؟! قال : كان يهوديًا
فأسلم ، ثم تهود . قال : اجلس . قال : لا أجلس حتى بقتل ، قضاء الله
ورسوله، فأمر به فقتل )) .
اختلف العلماء في استتابة المرتد ، فروي عن عمر بن الخطاب
(١) آل عمران : ٨٦.
(٤ ) المائدة : ٥٤ .
(٢) آل عمران : ١٠٠ .
(٥) النحل : ١٠٦ - ١١٠ .
(٣) النساء : ١٣٧.
(٦) البقرة : ٢١٧ .
- ٥٧١ -

وعثمان وعلي وابن مسعود أنه يستتاب ؛ فإن تاب وإلا قتل ، وهو قول
أكثر العلماء .
وقالت طائفة : لا يستتاب ويجب قتله حين يرتد في الحال ، روي
ذلك عن الحسن البصري وطاوس [وذكره ] (١) الطحاوي عن أبي
يوسف، وبه قال أهل الظاهر ، واحتجوا بقوله عليه السلام : ((من:
بدل دينه فاقتلوه)) قالوا: ولم يذكر فيه 18 استتابةً ، وكذلك حديث
معاذ وأبي موسى قتلوا المرتد بغير استتابة .
قال الطحاوي : جعل أهل هذه المقالة حكم المرتد حكم الحربيين
إذا بلغتهم الدعوة أنه يجب قتالهم [ دون ] (٢) أن يؤذنوا (قال). (٣):
وإنما تجب الاستتابة لمن خرج عن الإسلام لا عن بصيرة منه ، فأما إن
خرج منه عن بصيرة فإنه يقتل دون استتابة .
قال أبو يوسف : إن بدر بالتوبة ، خليت سبيله ووكلت أمره إلى
الله - تعالى .
قال ابن القصار : والدليل على أنه يستتاب الإجماع ، وذلك أن
عمر بن الخطاب قال في المرتد : هلا حبستموه ثلاثة أيام ، وأطعمتموه
كل يوم رغيفًا لعله يتوب [ فيتوب ] (٤) الله عليه ، اللهم لم أحضر ،
ولم آمر ، ولم أرض إذ بلغني .
ولم يختلف الصحابة في استتابة المرتد ، فكأنهم فهموا من قوله
وَله: ((من بدل دينه فاقتلوه)) أن المراد بذلك إن لم يتب، والدليل
[٤/ ٤٧٥-ب] على ذلك قوله تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة / وآتوا الزكاة
فخلوا سبيلهم ﴾ (٥) فهو عموم في كل كافر .
(١) في ((الأصل)): وذكر. والمثبت من ((هـ).
(٢) في ((الأصل)): قبل. والمثبت من ((هـ)).
: (٤) من ( هـ )).
(٣) في (( هـ)): قالوا.
(٥) التوبة : ٥.
- ٥٧٢ -

وأما حديث معاذ وأبي موسى فلا حجة فيه لمن لم يقل بالاستتابة ؛
لأنه روي أنه قد كان استتابه أبو موسى ، روى أبو بكر بن أبي شيبة
قال : حدثنا عباد بن العوام ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن حميد بن
هلال: (( أن معاذًا أتى أبا موسى وعنده يهودي أسلم ، ثم ارتد ،
وقد استتابه أبو موسى شهرين فقال معاذ : لا أجلس حتى أضرب
عنقه)) .
واختلفوا في استتابة المرتدة ، فروي عن علي بن أبي طالب أنها لا
تستتاب وتسترق ، وبه قال عطاء [ وقتادة ] (١) وروى الثوري عن
بعض أصحابه ، عن عاصم بن بهدلة ، عن أبي رزين ، عن ابن
عباس قال : لا تقتل النساء إذا هن ارتددن عن الإسلام ، ولكن
يحبسن ويجبرن عليه .
ولم يقل بهذا جمهور العلماء ، وقالوا : لا فرق بين استتابة المرتد
والمرتدة ، وروي عن أبي بكر الصديق مثله .
وشذ أبو حنيفة وأصحابه فقالوا بما روي عن ابن عباس في ذلك،
وقالوا: إن ابن عباس روى عن الرسول: ((من بدل دينه فاقتلوه ))
ولم ير قتل المرتدة فهو أعلم بمخرج الحديث ، واحتجوا بأن الرسول
نهى عن قتل النساء ، قالوا : والمرتدة لا تقاتل ، فوجب أن لا تقتل
كالحربية .
وحجة الجماعة أنها تستتاب قوله عليه السلام: ((من بدل دينه
فاقتلوه)) ولفظ ((من)) يصلح للذكر والأنثى فهو عموم يدخل فيه
الرجال والنساء ؛ لأنه عليه السلام لم يخص امرأة من رجل .
قال ابن المنذر : وإذا كان الكفر من أعظم الذنوب وأجل جُرم
(١) من (( هـ).
- ٥٧٣ -

اجترمه المسلمون من الرجال والنساء ، ولله أحكام في ( كتابه ) (١)،
وحدود دون الكفر ألزمها عباده ، منها الزنا والسرقة وشرب الخمر وحد
القذف والقصاص وكانت الأحكام والحدود التي هي دون الارتداد
لازمة للرجال والنساء مع عموم قوله { ل: ((من بدل دينه فاقتلوه ))
فكيف يجوز أن يفرق أحد بين أعظم الذنوب فيطرحه عن النساء
ويلزمهن ما دون ذلك ؟! هذا غلط بيِّن .
وأما حديث ابن عباس فإنما رواه أبو حنيفة ، عن عاصم ، وقد قال
أحمد بن حنبل : لم يروه الثقات من أصحاب عاصم كشعبة وابن
عيينة وحماد بن زيد ، وإنما رواه الثوري ، عن أبي حنيفة ، وقد قال
أبو بكر بن عياش : قلت لأبي حنيفة : هذا الذي قاله ابن [ عباس](٢)
إنما قاله فيمن أتى بهيمة أنه لا قتل عليه ، لا في المرتدة ، فتشكك فيه
وتلون لم يقم به ، فدل أنه خطأ .
ولو صح لكان قول ابن [ عباس ] (٢) معارضه ؛ لأن أبا بكر
الصديق مخالف له ، وقد قال : تستتاب المرتدة . ثم يرجع إلى قوله
وَل: ((من بدل دينه فاقتلوه)) الذي هو الحجة على كل أحد .
وأما قياسهم لها على الحربية [ فالفرق بينهما أن الحربية ] (٣) إنما لم:
تقتل إذ لم تقاتل ؛ لأن الغنيمة تتوفر بترك قتلها ؛ لأنها تسبى
وتسترق، والمرتدة : لا تسبى ولا تسترق ، فليس في استبقائها غنم .
واختلفوا في الزنديق هل يستتاب ؟ فقال مالك و[الليث ] (٤)
وأحمد وإسحاق : يقتل ولا تقبل توبته . قال مالك : والزنادقة : ما
كان عليه المنافقون من إظهار الإيمان ( وستر ) (٥) الكفر .
(١) في (( هـ )): عباده ..
(٣) من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): عياش. والمثبت من ((هـ ).
(٤) في ((الأصل)): الثوري. والمثبت من (هـ)) وهو الصواب انظر الفتح (٢٨٥/١٢).
(٥) في ((هـ )) : كتمان .
...
- ٥٧٤ - .

واختلف قول أبي حنيفة وأبي يوسف ؛ فمرة قالا : يستتاب ، ومرة
قالا : لا يستتاب .
وقال الشافعي : يستتاب الزنديق كما يستتاب المرتد . وهو قول
عبيد الله بن الحسن .
وذكر ابن المنذر ، عن علي بن أبي طالب مثله .
وقيل لمالك : لم يقتل الزنديق ورسول الله لم يقتل المنافقين وقد
عرفهم ؟ فقال : لأن توبته لا تعرف ، وأيضاً فإن رسول الله لو قتلهم
وهم يظهرون الإيمان لكان قتلهم بعلمه ، ولو قتلهم بعلمه ؛ لكان
ذريعة إلى أن يقول الناس قتلهم الضغائن والعداوة ، ولامتنع من أراد
الإسلام من الدخول فيه إذا رأى النبي يقتل من دخل في الإسلام ؛
لأن الناس كانوا حديث عهد بالكفر . هذا معنى قوله ، وقد روي عن
النبي أنه قال: (( لئلا يقول الناس أنه يقتل أصحابه)).
واحتج الشافعي بقوله تعالى في المنافقين : ﴿ اتخذوا أيمانهم
جنة﴾(١) قال: وهذا يدل على أن إظهار الإيمان جنة من القتل / وقد [٤/ ٤٨٥-١]
جعل رسول الله الشهادة بالأيمان تعصم الدم والمال ، فدل أن من أهل
القبلة من يشهد بها غير مخلص ، وأنها تحقن دمه وحسابه على الله .
وقد أجمعوا أن أحكام الدين على الظاهر ، وإلى الله السرائر ،
وقد قال له لخالد بن الوليد حين قتل الذي استعاذ بالشهادة: ((هلا
شققت عن قلبه)) فدل أنه ليس له إلا ظاهره.
قال: وأما [ قولهم] (٢) أنه رَ له لم يقتل المنافقين لئلا يقولوا أنه
قتلهم بعلمه وأنه يقتل أصحابه ، قيل : وكذلك لم يقتلهم بالشهادة
عليهم كما لم يقتلهم بعلمه ، فدل أن ظاهر الإيمان جنة من القتل .
(١) المجادلة: ١٦، المنافقون: ٢.
(٢) في ((الأصل)): قوله. والمثبت من ( هـ )).
- ٥٧٥ -

وفي سنته عليه السلام في المنافقين دلالة على أمور : منها: أنه
لا يقتل من أظهر التوبة من كفر بعد إيمان . ومنها : أنه حقن دماءهم،
وقد رجعوا إلى غير يهودية ولا نصرانية ولا دين يظهرونه ، إنما أظهروا
الإسلام وأسروا الكفر، فأقرهم 18َ على أحكام المسلمين،
فناكحوهم ووارثوهم ، وأسهم لمن شهد الحرب منهم ، وتركوا في
مساجد المسلمين ، ولا أبين كفراً ممن أخبر الله - تعالى - عن كفره
بعد إيمانه .
باب : قتل من أبى قبول الفرائض وما نسبوا إلى الردة
فيه: أبو هريرة قال: (( لما توفي النبي - عليه السلام - واستخلف أبو
بكر ، كفر من كفر من العرب ، فقال عمر : يا أبا بكر ، كيف تقاتل
الناس ، وقد قال النبي - عليه السلام - : أمرت أن أقاتل الناس حتى
يقولوا : لا إله إلا الله ، فمن قالها عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه
وحسابه على الله . قال أبو بكر : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة
والزكاة، فإن الزكاة حق المال ، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى
رسول الله لقاتلتهم على منعها . قال عمر : فوالله ما هو إلا أن رأيت أن
قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال ، فعرفت أنه الحق )).
قال المهلب : من أبى قبول الفرائض فحكمه مختلف ، فمن أبى
من أداء الزكاة وهو مقر بوجوبها ، فإن كان بين ظهراني المسلمين ،
ولم ينصب الحرب ، ولا امتنع بالسيف ؛ فإنه يؤخذ من ماله جبراً ،
ويدفع إلى المساكين ولا يقتل .
وقال مالك في الموطأ : الأمر عندنا فيمن منع فريضة من فرائض
- ٥٧٦ -

الله، فلم يستطع المسلمون أخذها منه كان حقا عليهم جهاده حتى
يأخذوها منه .
ومعناه : إذا أقر بوجوبها ، لا خلاف في ذلك .
قال المهلب : وإنما قاتل أبو بكر الصديق الذين منعوا الزكاة ؛
لأنهم امتنعوا بالسيف ، ونصبوا الحرب للأمة .
وأجمع العلماء أن من نصب الحرب في منع فريضة ، أو منع حقا
يجب عليه لآدمي أنه يجب قتاله، فإن أبى القتل على نفسه فدمه هدر.
قال ابن القصار : وأما الصلاة فإن مذهب الجماعة أن من تركها
عامدًا جاحدًا لها فحكمه حكم المرتد يستتاب ، فإن تاب وإلا قتل،
وكذلك جحد سائر الفرائض ، وإنما اختلفوا فيمن تركها لغير عذر
[غير جاحد] (١) لها ، وقال: لست أفعلها ؛ فمذهب مالك : أن
يقال له صل ما دام الوقت باقيًا من الوقت الذي ظهر عليه ، فإن
صلى ترك ، وإن امتنع حتى خرج الوقت قتل .
قال ابن القصار : واختلف أصحابنا ، فقال بعضهم : يستتاب ،
فإن تاب وإلا قتل . وقال بعضهم : يقتل ؛ لأن هذا حد لله يقام
عليه، لا تسقطه التوبة بفعل الصلاة وهو بذلك فاسق ، كالزاني
والقاتل ، وليس بكافر ، وبهذا قال الشافعي .
قال الثوري وأبو حنيفة والمزني : لا يقتل بوجه ، ويخلى بينه وبين
الله - تعالى .
والمعروف من مذهب الكوفيين أن الإمام يعزره حتى يصلي .
وقال أحمد بن حنبل: تارك الصلاة مرتد كافر، وماله فيء لا يورث،
(١) في ((الأصل)): جاحدًا. والمثبت من ( هـ) ..
- ٥٧٧ -

ويدفن في مقابر المشركين ، وسواء ترك الصلاة جاحدًا لها أو
تكاسلا. ووافق الجماعة في سائر الفرائض أنه إذا تركها لا يكفر.
واحتج الكوفيون فقالوا : أجمع العلماء أن تارك الصلاة يؤمر
[٤/ ٤٨٥-ب) بفعلها، والمرتد / لا يؤمر بفعل الصلاة ، وإنما يؤمر بالإسلام ثم
بالصلاة. واحتجوا بقوله وَل: ((خمس صلوات كتبهن الله على
عباده ، فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئًا استخفافًا بحقهن كان له
عند الله [ عهد ] (١) أن يدخله الجنة ، ومن لم يأت بهن فليس له عند
الله [ عهد ] (١) إن شاء عذبه ، وإن شاء أدخله الجنة )) فدل أنه ليس
بكافر؛ لأن الكافر لا يدخل الجنة ، وحجة القول الأول قوله تعالى:
فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ (٢) فأمر بقتلهم
إلا أن يتوبوا ، والتوبة هي اعتقاد الإيمان الذي من جملته اعتقاد وجوب
الصلاة وسائر العبادات .
:
ألا ترى إلى قول أبي بكر الصديق : والله لأقاتلن من فرق بين
الصلاة والزكاة . فلم ينكر ذلك عليه أحد ، ولا قالوا : لا تشبه
الصلاة الزكاة .
وروى جابر عن النبي * أنه قال: ((بين الإيمان والكفر ترك
الصلاة ، فمن تركها فقد كفر)) . والرد على أحمد بن حنبل من قوله
وَل: ((من لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه، وإن
شاء غفر له )) وقد ثبت أن الكافر يدخل النار لا محالة ، فلا يجوز أن
يقال فيه مثل هذا ، فعلمنا أنه عليه السلام قصد من تركها وهو معتقد
لوجوبها لا جاحدًا ؛ لأن الجاحد يدخل النار لا محالة ، ولا حجة
لأحمد في إباءة إبليس من السجود وصار بذلك كافرًا ؛ لأنه عائد الله
(١) في ((الأصل)): عهدًا. والمثبت من (( هـ )).
(٢) التوبة : ٥ .
- ٥٧٨ -

واستكبر ، ورد على الله أمره فجاهر بالمعصية لله ، فهو أشد من
الجاحد أو مثله ؛ لأنه جحدها واستيقنتها نفسه .
وقال ابن أبي زيد : الدليل على أن تارك الفرائض غير جاحد لها
فاسق وليس بكافر ؛ إجماع الأمة أنهم يصلون عليه ، ويورث
بالإسلام، ويدفن مع المسلمين .
وروى عيسى ، عن ابن القاسم ، عن مالك أنه قال : من قال :
لا أحج فلا يجبر على ذلك ، وليس كمن قال : لا أتوضأ ، ولا أصوم
رمضان ، فإن هذا يستتاب ، فإن تاب وإلا قتل ، كقوله : لا أصلي .
قال المهلب : والفرق بين الحج وسائر الفرائض أن الحج لا يتعلق
وجوبه بوقت معين ، وإنما هو على التراخي والإمهال إلى الاستطاعة ،
وذلك موكول إلى دين المسلم وأمانته ، فلو لزم فيه الفور لقيده الله
بوقت كما قيد الصلاة والصيام بأوقات .
وما يدل أن الحج ليس على الفور ، وغير لازم في الفروض
الموقتة، ألا ترى أن المصلي لا تلزمه الصلاة عند [ زوال ] (١)
الشمس، وهو في سعة عن الفور إلى أن يفيء الفيء ذراعًا وإلى أن
يدرك ركعة من آخر وقتها ولم يكن بتأخيرها عن أول وقتها مضيعًا ،
كذلك فيما لم يوقت له وقت أولى بالإمهال والتراخي، والله الموفق .
وميراث المرتد مذكور في كتاب الفرائض ، وأما حكم ولد المرتد
فلا يخلو أن یکون ولده صغیراً أو کبیرًا ، فإن کان کبیرًا فحكمه حكم
نفسه لا حكم أبيه ، وكذلك إن كان صغيراً لم يبلغ ؛ لأنه قد صح له
عقد الإسلام إذا ولد وأبوه مسلم ، فلا يكون مرتدا بارتداد أبيه ، ولا
أعلم في ذلك خلافًا ، فإن ادعى الكفر عند بلوغه استتيب ، فإن
(١) في (( الأصل)): طلوع. والمثبت من ((هـ)).
- ٥٧٩ -

تاب وإلا قتل ، وقد تقدم في كتاب الزكاة وجه استرقاق الصديق.
[لورثتهم ] (١) وسبيهم ، وحكم عمر برد سبيهم إلى عشائرهم ،
ومذاهب العلماء في ذلك .
باب : إذا عرض الذمي وغيره بسب النبي
حمد الله
ولم يصرح نحو قوله السام عليكم
فيه: أنس: ((مر يهودي بالنبي ◌َّ فقال: السام عليك . فقال.
رسول الله : وعليك . ثم قال : أتدرون ما يقول ؟ قال : السام عليك .
قالوا : يا رسول الله : ألا نقتله؟ قال : لا ، إذا سلم عليكم أهل الكتاب
فقولوا : وعليكم)) .
وفيه : عائشة: (( استأذن رهط من اليهود على النبي : فقالوا: السام
عليكم . فقلت : بل عليكم السام واللعنة . فقال : يا عائشة ، إن الله
٤٦/ ٤٩٥-١) رفيق يحب الرفق في / الأمر كله. قلت: أو لم تسمع ما قالوا ؟ قال :
قولي : وعلیکم)».
وفيه: ابن عمر قال النبي ◌َله: ((إن اليهود إذا سلموا على أحدكم إنما
یقولون : سام علیك ، فقل : عليك )) ..
٠ ..
وفيه: ابن مسعود قال: (( كأني أنظر إلى النبي مل90 يحكي نبيا من
الأنبياء ضربه قومه فأدموه ، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول : رب اغفر
لقومي فإنهم لا يعلمون )» .
اختلف العلماء فيمن سب النبي - عليه السلام - فروى ابن القاسم
عن مالك أنه من سبه عليه السلام من اليهود والنصارى قتل إلا أن
(١) في ((الأصل)): لورثته. والمثبت من (( هـ)).
- ٥٨٠ -