النص المفهرس

صفحات 541-560

وقال القاسم بن مسعدة : قلت للنسائي : مالك لا يقول بالقسامة
إلا بلوث، فلم أورد حديث القسامة ولا لوث [ فيه ] (١) ؟ قال
النسائي : أنزل مالك العداوة التي كانت بينهم وبين اليهود بمنزلة
اللوث، وأنزل اللوث أو قول الميت بمنزلة العداوة .
وقال الشافعي: إذا كان من السبب الذي حكم فيه رسول الله عَليه
وجبت القسامة ، كانت خيبر دار يهود محضة ، وكانت العداوة بينهم
وبين الأنصار ظاهرة ، وخرج عبد الله بن سهل بعد العصر فوجد قتيلا
قبل الليل ، ( فيكاد ) (٢) يغلب على من سمع هذا أنه لم يقتله إلا
بعض اليهود . وكذلك قال أحمد : إذا كان بين القوم عداوة كما كان
بين أصحاب النبي وَ خلّ وبين اليهود .
ووجه قول مالك أن قول المقتول تجب به القسامة ، أن الغالب من
الإنسان أنه يتخوف عند الموت ويجهد في التخلص من المظالم ،
ويرغب فيما عند الله ويحدث توبة ولا يقدم على دعوى القتل ظلمًا
فصار أقوى من شهادة الشاهد ، وأقوى من قول الشافعي أن الولي
يقسم إذا كان بقرب وليه وهو مقتول ومع الرجل سكين ؛ لأنه يجوز
أن يكون غيره قتله ، فضعف هذا اللوث ، ووجب أن يستعمل ما هو
أقوى منه ، وهو قول المقتول : دمي عند فلان .
قال ابن أبي زيد : وأصل هذا في قصة بني إسرائيل حين أحيا الله
الذي ضرب بالبقرة ، وقال : قتلني فلان ، فهذا يدل على قبول قول
المقتول : دمي عند فلان ؛ لأنه كان في شرع بني إسرائيل ، وسواء
كان قبل الموت أو بعده .
واختلفوا في العدد ( الذين ) (٣) يحلفون ويستحقون الدم ، فقال
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)) فيها.
(٣) فى (( هـ)) : الذي.
(٢) في (( هـ)): فكاد .
- ٥٤١ -

مالك: لا يقسم في ( دم ) (١) العمد إلا اثنان فصاعدًا [ ترد الأيمان
عليهما حتى يحلفا خمسين يمينًا وذلك الأمر عندنا ، والحجة أن النبي
حُّل عرضها على ولاة الدم بلفظ جماعة، فقال: ((أتحلفون
وتستحقون )) وأقل الجماعة اثنان فصاعدًا] (٢) .
وقال الليث : ما سمعت أحدًا ممن أدركت يقول أنه يقتصر على أقل
من ثلاثة .
وقال الشافعي : إذا ترك وارثًا استحق الدية بأن يقسم وارثه
[خمسين] (٣) يمينًا .
[٤/ ق٤٢-١)
واحتج له أبو ثور، فقال : قد جعل الله للأولياء / أن يقسموا ،
فإذا لم يكن إلا واحدًا كان له ذلك ، ولو لم تكن إلا ابنة وهي مولاته
حلفت خمسين يمينًا، وأخذت الكل : النصف بالنسب والنصف
بالولاء .
قال ابن المنذر : وفي قوله: (( تستحقون )» دليل على ألا يمين لغير
مستحق ، وعلى ألا يخلف إلا وارث .
وفي الحديث من الفقه : أن يسمع حجة الخصم على الغائب ، وفيه
أن أهل الذمة إذا منعوا حقا رجعوا حربًا . وفيه مقاتلة من منع حقا
حتى يؤديه ، وفيه أن من صح عنده أمر ولم يحضره أن له أن يحلف
عليه ؛ لأن النبي وَلل عرض على أولياء المقتول اليمين ولم يحضروا
بخيبر ، وفيه وجوب رد اليمين على المدعي في الحقوق .
واختلف العلماء في ذلك ، فقالت طائفة أنه من ادعى حقا على
(١) في ((هـ): قتل .
(٢) من (( هـ )).
(٣) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): خمسون.
- ٥٤٢ -

آخر ولا بينة له ؛ فالقول قول المدعى عليه مع يمينه"، فإن حلف برئ ،
وإن لم يحلف ردت اليمين على المدعي [ فإن حلف استحق ، وإن لم
يحلف فلا شيء له ] (١) روي هذا عن عمر بن الخطاب وعثمان بن
عفان ، وهو قول شريح والشعبي والنخعي ، وبه قال مالك والشافعي
وأبو ثور .
وذهب الكوفيون أن المدعى عليه إن لم يحلف لزمه الحق ولا ترد
اليمين على المدعي ، وكان أحمد لا يرى رد اليمين ، وحجتهم في
ذلك أن النبي وَّه حكم بالبينة على المدعي واليمين على المدعى عليه،
فلما لم يجز نقل حجة المدعي [ وهي البينة عن الموضع الذي جعلها
فيه النبي (وَ﴿ إلى جهة المدعى عليه] (١) كذلك لم يجز نقل حجة
المدعى عليه وهي اليمين إلى المدعي؛ لأن قوله وَ ول اليمين على
المدعى عليه إيجاب عليه أن يحلف ، فإذا امتنع مما يجب عليه أخذه
الحاكم بالحق ، هذا قول ابن أبي ليلى وغيره من أهل العلم ، واحتج
أهل المقالة الأولى بحديث القسامة ، وقالوا : إن النبي - عليه
السلام- جعل اليمين في جهة المدعي بقوله للأنصار: (( تحلفون
وتستحقون دم صاحبكم)) فلما أبوا حولها إلى اليهود ليبرءوا بها ،
فلما وجدنا في سنته عليه السلام أن المدعي قد تنتقل إليه اليمين في
الدماء وحرمتها أعظم ؛ جعلناها عليه في الحقوق لنأخذ بالأوثق .
قال ابن القصار : والمدعى عليه إذا نكل عن اليمين ضعفت جهته ،
وصار متهمًا ، وقويت جهة المدعي ؛ لأن الظاهر صار معه ، فوجب.
أن تصير اليمين في جهته [ لقوة أمره ] (١) .
وقد احتج الشافعي على الكوفيين فقال : رد اليمين في كتاب الله -
تعالى - في آية اللعان أيضًا ، وذلك أن الله جعل اليمين على الزوج
(١) من (( هـ )).
- ٥٤٣ -

القاذف لزوجته إذا لم يأت بأربعة شهداء وجعل له بيمينه البراءة من حد
القذف ، وأوجب الحد على الزوجة إن لم [ تلتعن ] (١) ، فهذه يمين
ردت على مدع كانت عليه البيئة في رميه زوجته [ فكيف ينكر ](٢) من
له فهم وإنصاف رد اليمين على المدعي .
وقال ابن القصار : قد ذكر الله [ في كتابه رد اليمين ] (٣) على
المدعي الصادق؛ فقال لنبيه وَ له: ﴿ويستنبئونك أحق هو قل إي
وربي إنه لحق﴾ (٤)، وقال: ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى
وربي لتبعثن ﴾ (٥)، ﴿ وقال الذین کفروا لا تأتينا الساعة قل بلی وربي
لتأتينكم﴾ (٦) واحتج أيضًا بقوله تعالى: ﴿أدنى أن يأتوا بالشهادة
على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم﴾ (٧) وقال أهل التفسير:
يعني تبطل أيمانهم وتؤخذ أيمان هؤلاء .
والتشحط الاضطراب في الدم .
وقوله: ((أترضون نفل خمسين)) قال صاحب العين : يقال :
انتفلت من الشيء [ انتفيت ] (٨) منه [ فنفل ] (٩) اليهود هو أيمانهم
أنهم ما قتلوه وانتفاؤهم عن ذلك .
فإن قال قائل : قد اختلفت ألفاظ حديث القسامة ، فرواه سعيد بن
عبيد، عن بشير بن يسار: ((فوداه النبي [ مائة ] (١٠) من إبل
الصدقة)) ورواه سائر الرواة عن يحيى بن سعيد ، عن بشير بن بشار: (
فوداه رسول الله ﴿ ﴿ من عنده)) فما وجه هذا الاختلاف، وإبل
(١) من ((هـ)) وغير واضحة بالأصل.
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): فكيف عليه ينظر ..
(٣) من: ((هـ)) وفي ((الأصل)) : اليمين في كتابه.
(٤) يونس : ٥٣ .
(٧) المائدة : ١٠٨ .
(٥) التغابن : ٧ .
(٦) سبأ : ٣ .
(٨) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): ابتغيت.
(٩) في ((الأصل)): ففعل .
(١٠) من (( هـ )
:
- ٥٤٤ -

الصدقة للفقراء والمساكين ، ولا تؤدى في الديات ، فما وجه تأديتها
عن اليهود ؟
فالجواب أن رواية من روى : (( فوداه رسول الله من عنده )) تفسير
رواية من روى: (( دفع من إبل الصدقة)) وذلك [ أن ] (١) الرسول
لما عرض الحكم في القسامة على ولاة الدم بأن يحلفوا ويستحقوا
الدم من اليمين ثم نفلهم / إلى أن تحلف لهم يهود ويبرءوا من المطالبة [٤/ ٤٢٥- ب]
بالدم .
قالوا : كيف نأخذ أيمان قوم كفار ، وتعذر إنفاذ الحكم ، خشي
عليه السلام أن يبقى في نفوس الأنصار ما تتقى عاقبته من مطالبتهم
لليهود بعد حين، فرأى ◌َلّ من المصلحة أن يقطع ذلك بينهم ووداه
من عنده وتسلف ذلك من إبل الصدقة حتى يؤديها مما أفاء الله عليه من
خمس المغنم ؛ لأن النبي - عليه السلام - لم يكن يجتمع عنده مما
يصير له في سهمانه من الإبل ما يبلغ مائة لإعطائه لها وتفريقها على
أهل الحاجة لقوله: (( ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس وهو مردود
( إليكم ) (٢))) فمن روى ((من إبل الصدقة)) أخبر عن ظاهر الأمر
ولم يعلم باطنه ، والذي روى (( من عنده )) علم وجه القصة وباطنها،
فلم يذكر إبل الصدقة ، وكان في غرم النبي لها صلحًا عن اليهود
وجهان من المصلحة : أحدهما : أنه عوض أولياء ( المقتول ) (٣) دية
قتيلهم ، فسكن بذلك بعض ما في نفوسهم وقطع العداوة بينهم وبين
اليهود . والثاني : أنه استألف اليهود بذلك ، وكان حريصًا على
إيمانهم .
(١) من (( هـ)).
(٣) في (( هـ): الدم.
(٢) في (( هـ )): فيكم .
- ٥٤٥ -

باب : من اطلع في بيت قوم ففقئوا عينه فلا دية له
فيه: أنس: (( أن رجلا اطلع من حُجْر في حجر النبي - عليه السلام -
فقام إليه بمشقص - أو مشاقص - وجعل بختله ليطعنه ) .
وفيه : سهل: ((أن رجلا اطلع في جحر في باب رسول الله ، ومع
رسول الله مدرى يحك به رأسه ، فلما رآه رسول الله قال : لو أعلم
(أن)(١) تنتظرني لطعنت به في عينك. قال رسول الله إنما جعل الإذن من
قبل البصر )) .
وفيه : أبو هريرة قال: قال رسول الله وَلخير: ((إن امرؤ اطلع عليك بغير
(إذنك) (٢) فحذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح)).
اختلف العلماء في هذه المسألة ، فروي عن عمر بن الخطاب وأبي
هريرة أنه لا دية فيه ولا قود ، وبه قال الشافعي . وذكر ابن أبي زيد
في النوادر عن مالك مثله .
قال الطحاوي : لم أجد لأبي حنيفة وأصحابه نصا في هذه المسألة
غير أن أصلهم أن من فعل شيئًا دفع به عن نفسه مما له فعله أنه لا يضمن
ما تلف به ، مثل ذلك المعضوض إذا انتزع يده من في العاض فسقطت
ثنيتاه أنه لا شيء عليه ؛ لأنه دفع به عن نفسه عضه ، فلما كان من
حق صاحب البيت ألا يطلع أحد في بيته قاصدًا لذلك ؛ لأن له منعه
ودفعه عنه كان ذهاب عينه هدرًا ، على هذا يدل مذهبهم .
1
!
وقال أبو بكر الرازي : ليس هذا بشيء ومذهبهم أنه يضمن ؛ لأنه
يمكنه أن يمنعه من الاطلاع في بيته من غير فقء عينه بأن يزجره بالقول
أو ينحيه عن الموضع ، ولو أمكن المعضوض أن ينتزع يده من غير كسر
سن العاض وكسرها ضمن .
(١) في ((هـ)) : أنك
(٢) في (( هـ)): إذن .
- ٥٤٦ -

وروى ابن عبد الحكم ، عن مالك أن عليه القود ، واحتج
[الشافعي](١) بأن النبي - عليه السلام - قام إلى الذي اطلع عليه
بالمدرى وقال: ((لو أعلم أنك تنتظرني لفقأت عينك )) ومثله عليه
السلام لا يقول ما لا يجوز له أن يفعله ، ومن فعل ما يجوز له لم
يجب عليه قود .
واحتج المالكيون بقوله تعالى: ﴿والعين بالعين﴾ (٢) وقوله:
﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ (٣) قالوا: وهذه النصوص
تدل على أن قوله: ((لو أعلم أنك تنتظرني لطعنت به في عينك )) إنما
خرج منه على وجه التغليظ والزجر لا على أنه حكم وهذا كقوله عليه
السلام: (( ومن قتل عبده قتلناه ، ومن جدعه جدعناه ، ومن غل
فأحرقوا رحله واحرموه سهمه )) ومثل ما هم بإحراق [ بيوت ] (١)
المتخلفين عن الصلاة ولم يفعل .
ومما يدل على أن الحديث خرج على التغليظ إجماعهم لو أن رجلا
اطلع على عورة رجل أو سوءته أو على بيته ، أو دخل داره بغير إذنه
أنه لا يجب عليه فقء عينه ، وهجوم الدار أشد عليه وأعظم
[أيضًاً] (١)، فلو وجب فقء عينه لاطلاعه لوجب عليه ذلك بعد
انصرافه ؛ لأن الذنب والجرم الذي استحق ذلك من أجله قد حصل،
وقد اتفقوا / على أن من فعل فعلا استحق عليه العقوبة من قتل أو [٤/ ٤٣٥-١]
غيره أنه لا يسقط عنه ، سواء كان في موضعه أو قد فارقه .
وقد روي عن أصحاب النبي - عليه السلام - أنهم توعدوا بما لم
ينفذوه فروى الزهري ، عن عمر بن الخطاب أنه قال لقيس بن مكسوح
المرادي : (( نبئت أنك تشرب الخمر . قال: والله يا أمير المؤمنين لقد
(١) من (( هـ)).
(٣) النحل : ١٢٦ .
(٢) المائدة : ٤٥ .
- ٥٤٧ -

أقللت وأسأت ، أما والله ما مشيت خلف ملك قط إلا حدثت نفسي
بقتله . قال : فهل حدثت نفسك بقتلي ؟ قال : لو هممت فعلت .
قال : أما لو قلت نعم لضربت عنقك ، اخرج لعنك الله ، والله لا تبيت
الليلة معي فيها ، فقال له عبد الرحمن بن عوف : لو قال نعم ضربت.
عنقه ؟ قال : لا ، والله، ولكن استرهبته بذلك)).
وروى جرير بن [ عبد] (١) الحميد ، عن عطاء بن السائب ، عن
أبي عبد الرحمن قال : قال علي : لا أوتى برجل وقع بجارية امرأته
إلا رجمته ، فما كان إلا يسيراً حتى [ أتي] (٢) برجل وقع على جارية
امرأته فقال : أخرجوه عني أخزاه الله .
باب : العاقلة
فيه: أبو جحيفة: (( سألت عليا هل عندكم شيء ( ما ) (٣) ليس في
القرآن - وقال مرة : ما ليس عند الناس ؟ - فقال : والذي فلق الحبة
وبرأ النسمة ، ما عندنا إلا ما في القرآن إلا فهمًا يعطى رجل في
(كتابه)(٤) وما في الصحيفة ، قلت : وما في الصحيفة ؟ قال : العقل ،
وفكاك الأسير ، وألا پقتل مسلم بكافر )) .
أجمع العلماء على القول بالعقل في الخطأ لثبات ذلك عن النبي
وَّ* وقد روى مالك ، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو
ابن حزم عن أبيه أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله لعمرو بن حزم
في العقول : (( أن في النفس مائة من الإبل ، وفي الأنف إذا ادعى
جدعًا مائة من الإبل ، وفي المأمومة ثلث الدية ، وفي الجائفة مثلها ،
(١) من (( هـ)).
(٣) في (( هـ)»: مما .
(٢) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): أوتي
(٤) في (( هـ)): كتاب الله .
- ٥٤٨ -

وفي العين خمسون ، وفي اليد خمسون ، وفي كل أصبع مما هنالك
عشر من الإبل ، وفي السن خمس ، وفي الموضحة خمس )) أرسل
مالك حديث العقول ، وزاد فيه معمر عن عبد الله بن أبي بكر بن
محمد بن عمرو بن حزم ، عن أبيه ، عن جده ، إن كان جده لم
يدرك النبي - عليه السلام - وإنما الذي أدركه عمرو بن حزم ، وفي
إجماع العلماء على القول به ما يغني عن الإسناد فيه .
واختلف العلماء في هذا الحديث في الإبهام وفي الأسنان على ما
تقدم قبل هذا ، وأجمعوا على ما في سائر الحديث من الديات، قال:
وجعل النبي - عليه السلام - في النفس مائة من الإبل ، وقومها عمر
ابن الخطاب بالذهب والورق ، فجعل على أهل الذهب ألف دينار ،
وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم .
وقال مالك : أهل الذهب أهل الشام ومصر ، وأهل الورق أهل
العراق ، كان صرفهم ذلك الوقت الدينار باثني عشر درهمًا ، وكانت
قيمة الإبل ألف دينار ، وإنما تقوم الأشياء بالذهب والورق خاصة على
ما صنع عمر، هذا قول مالك والليث والكوفيين وأحد قولي الشافعي.
وقال أبو يوسف ومحمد : يؤخذ في الدية أيضًا البقر والخيل
والشاء، وروي عن عمر أيضًا ، وبه قال الفقهاء السبعة المدنيون .
وقد قال مالك : لا يؤخذ في الدية بقر ولا غنم ولا خيل إلا أن
يتراضوا بذلك فيجوز ، ولو جاز أن يقوم بالشاء والبقر والخيل لوجب
تقويمها على أهل الخيل بالخيل ، وعلى أهل الطعام بالطعام ، وهذا
لا يقوله أحد .
(١) من ( هـ).
- ٥٤٩ -

.-
وأجمعوا أن الدية تقطع في ثلاث سنين للتخفيف على العاقلة
ليجمعوها في هذه المدة ، وقد تقدم في كتاب العلم .
باب : جنين المرأة
فيه: أبو هريرة: (( أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى
فطرحت جنينها ، فقضى رسول الله فيها بغرَّة عبد أو أمة )) .
وفيه: عروة: (( أن عمر نشد الناس : من سمع النبي قضى في السقط؟:
قال المغيرة : أنا سمعته قضی فیه بغرة عبد أو أمة . قال : ائت بمن یشهد
معك على هذا . قال محمد بن مسلمة : أنا أشهد على النبي بمثل هذا .
وقال المغيرة مرة: إن عمر ( استشار) (١) في إملاص المرأة)).
قال مالك : دية جنين الحرة / عشر ديتها ، والعشر خمسون دينارًا.
[٤/ ق٤٣-ب)
أو ستمائة درهم ؛ لأن دية الحرة المسلمة خمسمائة دينار أو ستة [آلاف
درهم ] (٢) وعلى هذا جمهور العلماء .
وخالف ذلك الثوري وأبو حنيفة ، فقالا : قيمة [ الغرة ] (٣)
خمسمائة درهم ؛ لأن دية المرأة عندهم خمسة آلاف درهم على ما
روي عن عمر بن الخطاب أنه جعل الدية على أهل الورق عشرة آلاف
درهم ، وهو مذهب ابن مسعود .
وحجة مالك ومن وافقه أن النبي وَيّر لما حكم في الجنين بغرة عبد
أو أمة ، جعل أصحاب رسول الله قيمة ذلك خمسًا من الإبل وهي
عشر دية أمه ، وذلك خمسون دينارًا أو ستمائة درهم ، ورواية أهل
(١) في ((هـ )): استشارهم. (٢) في ((الأصل)): ألف هم. والمثبت من (هـ)).
=
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): الحرة.
- ٥٥٠ -

الحجاز أنهم قوموا الدية اثني عشر ألف درهم أصح عن عمر ، وهو
مذهب عثمان وعلي وابن عباس .
قال مالك في الموطأ : ولم أسمع أن أحدًا يخالف في الجنين أنه
لا تكون فيه الغرة حتى يزايل أمه ويسقط من بطنها ميتًا ، وإن خرج من
بطنها حيا ثم مات ، ففيه الدية كاملة .
قال غيره : والحجة لهذا القول أن الجنين إذا لم يزايل أمه في حال
حياتها فحكمه حكم أمّهِ ولا حكم له في نفسه ؛ لأنه كعضو منها
فلا غرة فيه ؛ لأنه تبع لأمه ، وكذلك لو ماتت وهو في جوفها لم
يجب فيه شيء لا دية ولا قصاص، فإن [ زايلها ] (١) قبل موتها ولم
يستهل ففيه غرة عبد أو أمة؛ لأن النبي ◌َِّ إنما حكم في جنين زايل
أمه ميتًا وهذا مجمع عليه ، وسواء كان الجنين ذكراً أو أنثى إنما فيه
غرة، فإذا زايل أمه واستهل ففيه الدية كاملة ؛ لأن حكمه قد انفرد عن
حکم أمه وثبتت حیاته ، فكان له حكم نفسه دون حكم أمه ، ألا ترى
أنها لو أعتقت أمه لم يكن عتقًا له ، ولو أعتقت وهي حامل به كان
حرا بعتقها ولا خلاف في هذا أيضًا .
قال أبو عبيد : إملاص المرأة : أن تلقي جنينها ميتًا يقال منه :
أملصت المرأة إملاصًا ، وإنما سمي بذلك ؛ لأنها تزلقه ، ولهذا قيل :
أزلقت الناقة وغيرها ، وكل شيء زلق من يدك فهو ملص يملص
ملصًا، وأنشد الأحمر :
فرَّ وأعطاني رِشاءَ مَلِصا (٢)
(١) فى (( الأصل)): زايل. والمثبت من (هـ)).
(٢) رشاء ملص : إذا كانت الكف تزلق عنه ولا تستمكن من القبض عليه . وأنشده
الراجز يصف حبل الدلو . لسان العرب (٧/ ٩٤).
- ٥٥١ -

يعني : أنه تزلق من يدي فإذا فعلت أنت ذلك به قلت : أملصته
إملاصًا .
باب : جنين المرأة وأن العقل على الوالد
وعَصَبة الوالد لا على الولد
فيه : أبو هريرة : (( أن رسول الله قضى في جنين امرأة من بني حيان
بغرة عبد أو أمة ، ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت فقضى
رسول الله أن ميراثها لبنيها وزوجها وأن العقل على عصبتها)) .
وقال أبو هريرة مرة: (( اقتتلت امرأتان من هذيل ، فرمت إحداهما
الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها ، فاختصموا إلى النبي - عليه
السلام - فقضى النبي أن [ دية ] (١) جنينها غرة عبد أو وليدة، وقضى
بدية المرأة على عاقلتها )) .
قال المؤلف : قوله في آخر الحديث : (( وأن العقل على عصبتها )).
يريد عقل دية المرأة المقتولة لا عقل دية الجنين ، يبين ذلك قوله في
الحديث الآخر: (( وقضى أن دية المرأة على عاقلتها)) وقوله في
الترجمة : إن العقل على الوالد [ وعصبة الوالد ] (٢) لا على الولد :
يعني عقل المرأة المقتولة على والد القاتلة وعصبته .
وقوله: ((لا على الوالد)) فإنما يريد بذلك أن ولد المرأة إذا كان من.
غير [ عصبتها ] (٣) لا يعقلون عنها ، وكذلك الإخوة من الأم لا
يعقلون عن أختهم لأمهم شيئًا ؛ لأن العقل إنما جعل على العصبة دون.
(١) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): غرة .
(٣) في ((الأصل)): عصبته.
(٢) من (( هـ)).
- ٥٥٢ -

ذوي الأرحام ، ألا ترى قوله (( أن ميراثها لزوجها وبنيها وعقلها على
عصبتها )" يريد أن من ورثها لم يعقل عنها حين لم يكن من عصبتها .
قال ابن المنذر : وهذا قول مالك والكوفيين ، والشافعي وأحمد بن
حنبل ، وأبي ثور وكل من أحفظ عنه .
واختلفوا في عقل الجنين ، وهي الغرة على من تجب .
فقالت طائفة : هي على العاقلة أيضًا ، هذا قول النخعي والثوري
والكوفيين والشافعي .
وقال آخرون : هي في مال الجاني ، روي ذلك عن الحسن
والشعبي / وبه قال مالك والحسن بن صالح .
[٤/ق٤٤- ١]
والحجة لقول مالك قوله في الحديث ((وقضى دية المرأة على
عاقلتها)) ولم يذكر في ذلك دية الغرة ، هذا ظاهر الحديث ، وأيضًا
فإن عقل الجنين لا يبلغ ثلث الدية ، ولا تحمل العاقلة عند مالك إلا
الثلث فصاعدًا ، هذا قول الفقهاء السبعة ، وهو الأمر القديم عندهم.
وحجة القول الأول : ما رواه أبو موسى الزمني قال : حدثنا عثمان
ابن عمر ، عن يونس ، عن الزهري في حديث أبي هريرة : (( أن
الرسول قضى بديتها ودية جنينها على عاقلتها )) وبما رواه مجالد بن
سعيد ، عن الشعبي ، عن جابر (( أن الرسول جعل غرة الجنين على
عاقلة القاتلة )) .
وقال آخرون: إن المجالد بن [ سعيد ] (١) ليس بحجة فيما انفرد
به، وأبو موسى الزمني ، وإن كان ثقة ، فلم يتابعه أحد على قوله :
(ودية جنينها)).
(١) في (( الأصل)): شعبة .
- ٥٥٣ -

واختلفوا لمن تكون الغرة التي تجب في الجنين فذكر ابن حبيب أن
مالكًا اختلف قوله في ذلك فمرة قال : الغرة لأم الجنين ، وهو قول
الليث ، وقال مرة : هي بين الأبوين ، الثلثان للأب والثلث للأم .
وهو قول أبي حنيفة والشافعي .
وحجة القول الأول : أن الغرة إنما وجبت لأم الجنين ؛ لأنه لم يعلم
إن كان الجنين حيا في وقت وقوع الضربة بأمه أم لا .
وحجة القول الثاني : أن المرأة المضروبة لما ماتت من الضربة قضى
رسول الله فيها بالدية مع قضائه بالغرة ، فلو كانت الغرة للمرأة المقتولة.
إذًا لما قضى فيها بالغرة ، ولكان حكم امرأة ضربتها [ امرأة] (١)
فماتت من ضربتها فعليها ديتها ، ولا تجب عليها للضربة أرش .
وقد أجمعوا أنه لو قطع يدها خطأ فماتت من ذلك لم يكن لليد
دية، ودخلت في دية النفس ، فلما حكم رسول الله مع دية المرأة
بالغرة ثبت بذلك أن الغرة دية الجنين لا لها ، فهي موروثة عن الجنين.
کما یورث ماله لو كان حيا فمات .
قال الطحاوي: وفي حكم النبي بَ لّفي الجنين بغرة ولم يحكم فيه.
بكفارة ؛ حجة لمالك وأبي حنيفة على الشافعي في إيجابه كفارة عتق
رقبة على من تجب عليه الغرة ولا حجة له ولو [ وجبت فيه ] (٢).
كفارة لحكم بها عليه السلام ، والكفارة إنما تجب في إتلاف روح ،
ولسنا على يقين في أن الجنين كان حيا وقت ضرب أمه ولو أيقنا ذلك
لوجبت فيه الدية كاملة ، فلما أمكن أن يكون حيا تجب فيه الدية
كاملة، وأمكن أن يكون ميتًا لا يجب فيه شيء؛ قطع النبي ◌َّو التنازع
(١) من ((هـ).
(٢) من (( هـ )) وفي (( الأصل)): وجب فله.
:
- ٥٥٤ -

والخصام بأن جعل فيه غرة [عبدًا] (١) أو أمة ، ولم يجعل فيه كفارة.
قاله ابن القصار .
[ وفي هذا الحديث حجة] (٢) لمن أوجب دية شبه العمد على
العاقلة ، وهو قول الثوري والكوفيين والشافعي . قالوا : من قتل
إنسانًا بعصىّ أو حجر أو شبهه ، مما يمكن أن يموت به القتيل ، ويمكن
ألا يموت فمات من ذلك أن فيه الدية على عاقلة القاتل كما حكم
النبي في هذه القضية بدية المرأة على عاقلة القاتلة ، قالوا : وهذا شبه
العمد ، والدية فيه مغلظة ولا قود فيه .
وأنكر مالك والليث شبه العمد ( وقال مالك ) (٣): هو باطل فكل
ما عمد به القتل فهو عمد ، وفيه القود .
والحجة [ لهم ما ] (٤) روى أبو عاصم النبيل ، عن ابن جريج ،
عن عمرو بن دينار ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، عن عمر « أنه
نشد الناس : ما قضى به رسول الله في الجنين ؟ فقام حمل بن مالك،
فقال : كنت بين امرأتين فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها
وجنينها ، فقضى رسول الله في جنينها بغرة وأن تقتل المرأة )).
قالوا : وهذا مذهب عمر بن الخطاب ، روي عنه أنه قال : يعمد
أحدكم فيضرب أخاه بمثل أكلة اللحم - قال الحجاج : يعني العصا -
ثم يقول : لا قود عليّ ، لا أوتى بأحد فعل ذلك إلا أقدته .
قال المؤلف : فسألت بعض شيوخي عن حديث ابن جريج ، عن
عمرو بن دينار ، فقال : الأحاديث التي أخرج البخاري التي جاء فيها
الدية على العاقلة أصح منه ؛ لأن ابن عيينة قد رواه عن عمرو بن دينار
(١) في ((الأصل، هـ): عبد.
(٢) من (( هـ)) وفى ((الأصل)): الحجة.
(٤) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): لما.
(٣) في (( هـ)): وقالوا .
- ٥٥٥ -

..-
ولم يذكر فيه قتل المرأة الضاربة بالمسطح ، وكذلك رواه الحميدي ،
عن هشام [ بن ] (١) سليمان المخزومي ، عن ابن جريج [ مثل ] (٢)
[٤٤٥/٤-ب) رواية ابن عيينة ولم يذكر فيه قتل المرأة ، وروى / شعبة ، عن قتادة ،
عن أبي المليح، عن حمل بن مالك بن النابغة قال: (( كانت لي
امرأتان فضربت إحداهما الأخرى بحجر فأصابتها فقتلتها وهي حامل؛
فألقت جنينًا وماتت فقضى رسول الله بالدية على العاقلة ، وقضى في
الجنين بغرة عبد أو أمة)) .
قال الطحاوي : فلما اضطرب حديث حمل بن مالك كان بمنزلة ما
لم يرد فيه شيء ، وثبت ما روى أبو هريرة والمغيرة فيها وهو نفي
القصاص ، ولما ثبت أن النبي جعل دية المرأة على العاقلة ثبت أن دية
شبه العمد على العاقلة ، وقد روي عن علي بن أبي طالب أنه قال :
شبه العمد بالعصا والحجر الثقيل ، وليس فيهما قود .
وقد تأول الأصيلي حديث أبي هريرة والمغيرة على مذهب مالك ،
فقال : يحتمل أن يكون لما وجب قتل المرأة تطوع قومها عاقلتها ببذل
الدية لأولياء المقتولة ، ثم ماتت القاتلة ، فقبل أولياء المقتولة الدية ،
وقد يكون ذلك قبل موتها ، فقضى عليهم النبي بأداء ما تطوعوا به
إلى أولياء المقتولة .
باب : من استعان عبدا أو صبيًا
ويذكر أن أم سلمة بعثت إلى معلم الكُتّاب : ابعث إلي غلملنًا ينفشون
صوفًا ، ولا تبعث ( إلا) (٣) حرا .
۔۔
(١) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): عن.
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): مثله .
(٣) كذا في ((الأصل، هـ)) وفي ((ن، الفتح)): إليّ، وقال الحافظ في الفتح
(٢٦٤/١٢): وذكره ابن بطال بلفظ: ((إلا)) بحرف الاستثناء، وشرحه على
ذلك وهو عكس معنى رواية الجمهور .
-٥٥٦ -

فيه : أنس: (( لما قدم النبي - عليه السلام - المدينة أخذ أبو طلحة بيدي
فانطلق بي إلى رسول الله فقال : يا رسول الله، إن أنسًا [ غلام ] (١)
كيس فليخدمك . قال : فخدمته في الحضر والسفر ، فوالله ما قال لي في
شيء صنعته لم صنعت هذا هكذا، ولا لشيء لم أصنعه لِمَ لَمْ تصنع
هذا هكذا)).
قال المهلب : في هذا دليل على جواز استخدام الأحرار وأولاد
الجيران فيما لا كبير مشقة عليهم فيه وفيما لا يخاف عليهم منه التلف ،
كما استخدم النبي و 18 أنسًا وهو صغير فيما أطاقه وقوي عليه.
قال غيره : اشتراط أم سلمة ألا يرسل إليها حرا ؛ فلأن جمهور
العلماء يقولون : من استعان صبيا حرا لم يبلغ أو عبدًا بغير إذن مولاه
فهلكا في ذلك العمل ؛ فهو ضامن [ لقيمة العبد ، وهو ضامن ] (٢)
لدية الصبي الحر [وهي ] (٢) على عاقلته .
فإن حمل الصبي على دابة يسقيها أو يمسكها فوطئت الدابة رجلا
فقتلته ، فقال مالك في المدونة : الدية على عاقلة الصبي ، ولا ترجع
على عاقلة الرجل . وهو قول الثوري .
فإن استعان حرًا بالغًا متطوعًا أو بإجارة فأصابه شيء ؛ فلا ضمان
عليه عند جميعهم إن كان ذلك العمل لا غرر فيه ، وإنما يضمن من
جنى أو تعدى .
واختلفوا إذا استعمل عبدًا بالغًا في شيء فعطب . فقال ابن
القاسم: إن استعمل عبدًا في بئر يحفرها ولم يؤذن له في الإجارة فهو
ضامن إن عطب ، وكذلك إن بعثه بكتاب إلى سفر .
وروى ابن وهب ، عن مالك قال : سواء أذن له سيده في الإجارة
(١) من (( هـ) وفي ((الأصل)): غلامًا.
(٢) من (( هـ )).
- ٥٥٧ -

أم لا ، لا ضمان عليه فيما أصابه إلا أن يستعمله في غرر كثير ؛ لأنه
لم يؤذن له في الغرر .
قال سحنون : وهذه الرواية أحسن من قول ابن القاسم وغيره .
فإن قيل: فما وجه قوله: (( ما قال لي لشيء لم أصنعه لِمَ لَمْ
تصنع هذا هكذا)) . وظاهره أنه تكرير يدخل في القسم الأول.
قيل : إنما أراد أنه لم يلمه في القسم الأول على شيء فعله ، وإن
كان ناقصًا عن إرادته ، ولا لامه في القسم الآخر على شيء ترك فعله
خشية الخطأ فيه ، فتركه أنس من أجل ذلك ، فلم يلمه النبي - عليه
السلام - على تركه إذا كان يتجوزه منه لو فعله ، وإن كان ناقصًا عن
إرادته، وإلى هذا أشار بقوله هذا ((هكذا)) لأنه كما تجوز عنه ما
فعله ناقصًا عن إرادته كذلك كان يتجوز عنه ما لم يفعله خشية مواقعةٍ
الخطأ فيه لو فعله ناقصًا لشرف خُلقه وحلمه عليه السلام .
باب : المعدنُ جبار والبئر جُبار
فيه : أبو هريرة أن النبي - عليه السلام - قال : العجماء جرحها جبار،
والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس)).
قال أبو عبيد: قوله عليه السلام: ((البئر جبار)) هي البئر العادية
القديمة التي لا يعلم لها حافر ولا مالك تكون في البوادي يقع فيها
[٤/ ق٤٥-١] إنسان أو دابة، فذلك هدر ، وإذا حفرها في / ملكه أو حيث يجوز
حفرها فيه ؛ لأنه صنع من ذلك ما يجوز له فعله ، قال مالك :
والذي يجوز له من ذلك البئر يحفرها للمطر ، والدابة ينزل [عنها] (١)
۔۔
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): عليها.
- ٥٥٨ -

الرجل لحاجة فيقفها ( في ) (١) الطريق ؛ فليس على أحد في هذا
غرم، وإنما يضمن إذا فعل من ذلك ما لا يجوز له أن يصنعه على
طريق المسلمين ، فما أصابت من جرح أو غيره ، وکان عقله دون ثلث
الدية فهو في ماله ، وما بلغ الثلث فصاعدًا فهو على العاقلة ، وبهذا
كله قال الشافعي وأبو ثور .
وخالف ذلك أبو حنيفة وأصحابه فقالوا : من حفر بئرًا في موضع
يجوز له ذلك فيه أو أوقف دابة فليس ببئره من الضمان ما جاز إحداثه
له كراكب الدابة يضمن ما عطب بها ، وإن كان له أن يركبها أو يسير
عليها ، وهذا خلاف للحديث ، ولا قياس مع النصوص .
وقال أبو عبيد: أما قوله: ((المعدن جبار)) فإنها هذه المعادن التي
يستخرج منها الذهب والفضة ، فيجيء قوم يحفرونها بشيء مسمى
لهم فربما انهارت عليهم المعدن فقتلتهم فنقول : دماؤهم هدر ، ولا
خلاف في ذلك بين العلماء .
واختلف مالك والليث في رجل حفر بئرًا في داره للسارق ، أو
وضع حبالات أو شيئًا يقتله به فعطب به السارق أو غيره فهو ضامن .
وقال الليث : لا ضمان عليه .
والحجة لمالك أنه لا يجوز له أن يقصد بفعل ذلك ليهلك به
[أحداً] (٢) لأنه متعد بهذا القصد، وقد يمكنه التحرز بغير ذلك، فإن
حفر الحفير في حائطه للسباع فعطب به إنسان فلا ضمان عليه ؛ لأنه
فعل ما له فعله ، ولا غنى به عنه ، ولم يقصد بالحفر تلف إنسان
فيكون متعديًا ، وقد روى معمر ، عن همام بن منبه ، عن أبي
هريرة: أن النبي وَ لا قال: ((البار جبار)).
(١) في (( هـ)): على.
(٢) من ((هـ )) وفي ((الأصل)): أحد .
- ٥٥٩ -

وقال يحيى بن معين : أصله البئر جبار ، ولكنه تصحف .
قال ابن المنذر : وأهل اليمن يقولون : البار ، فكتبها بعضهم
بالياء، فرأى القارئ البير فظنها البار على لغته ، فصحفها وإنما هو
البئر جبار .
باب : العجماء جبار
وقال ابن سیرین : کانوا لا يضمنون من النفحة ، ویضمنون من رد
العنان . وقال حماد : لا تضمن النفحة إلا أن ينخس إنسان الدابة
وقال شريح : لا تضمن ما عاقبت أن يضربها فتضرب برجلها .
وقال الحكم وحماد: إذا ساق المكاري حماراً عليه امرأة [ فتخر ] (١)؛
لا شيء عليه .
وقال الشعبي : إذا ساق دابة ( فاتبعها ) (٢) فهو ضامن لما أصابت ،
وإن كان خلفها مترسلا لم يضمن .
فيه : أبو هريرة ، عن النبي - عليه السلام - قال: (( العجماء عقلها
جبار، والمعدن جبار، والبئر جبار، وفي الركاز الخمس)).
قال أبو عبيد : العجماء : الدابة ، وإنما سميت عجماء لأنها
لا تتكلم ، وكذلك كل ما لا يقدر على الكلام فهو أعجم وأعجمي .
والجُبارُ : الهدر الذي لا دية فيه ، وإنما جعلت هدرًا إذ كانت منفلتة
ليس لها قائد ولا راكب .
قال ابن المنذر : وأجمع العلماء أنه ليس على صاحب الدابة المنفلتة
ضمان فيما أصابت
(١) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): فنحس.
-
(٢) فى (( هـ، ن)): فأتعبها .
- ٥٦٠ -