النص المفهرس

صفحات 501-520

باب : إذا قتل بحجر أو بعضًا
فيه: أنس قال: (( خرجت جارية عليها أوضاح بالمدينة، فرماها يهودي
بحجر [ قال: ](١) فجيء بها إلى النبي - عليه السلام - وبها رمق ،
فقال لها رسول الله : فلان قتلك ؟ [ فرفعت رأسها ] (٢) فأعاد عليها
[قال] (١) : فلان قتلك ؟ فرفعت رأسها ، فقال لها في الثالثة : فلان
قتلك ؟ فخفضت رأسها ، فدعا به رسول الله فقتله بين الحجرين )) .
وترجم له : باب من أقاد بالحجر .
اختلف العلماء في صفة القود ؛ فقال مالك : إنه يقتل بمثل ما قتل
به ، فإن قتله بعصًا أو بحجر أو بالخنق أو بالتغريق ؛ قتل بمثله . وبه
قال الشافعي : إن طرحه في النار عمدًا حتى مات ؛ طرح في النار
حتى يموت . وذكره الوقار في (( مختصره )) عن مالك ، وهو قول
محمد بن عبد الحكم ، وقال ابن الماجشون : يقتل بالعصا وبالخنق
وبالحجر ولا يقتل بالنار .
وقال أبو حنيفة وأصحابه : بأي وجه قتل ؛ فلا يقتل إلا بالسيف .
وهو قول النخعي والشعبي .
واحتجوا بحديث / جابر: (( أن النبي - عليه السلام - قال: [٤/ق٣٤-١]
((لا قود إلا بحديدة)) . وبقول ابن عباس حين بلغه أن عليا حرق
[قومًا](١) بالنار، فقال: ((لو كنت أنا لقتلتهم . فإني سمعت النبي
﴿َ* يقول: لا يعذب بالنار إلا رب النار)).
وحجة القول الأول : القرآن والسنة، فأما القرآن : فقوله : ﴿وإن
عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ﴾ (٣) وقوله: ﴿ فمن اعتدى
(١) من ((هـ، ن)). (٢) من (( هـ، ن)) وفي (( الأصل)): فرمقت برأسها.
(٣) النحل : ١٢٦ .
- ٥٠١ -

عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ﴾ (١) فجعل تعالى لولي
المقتول أن يقتل بمثل ما قُتل به وليه .
وأما السنة: فحديث أنس: ((أن يهوديًا رض رأس جارية بين
حجرين ، فرضَّ الرسول رأسه بين حجرين)) .
وأما قوله: ((لا قود إلا بحديدة )) معناه إذا قتل بحديدة بدليل
حديث أنس .
فإن قيل: [ إن خبر ] (٢) اليهودي مع الجارية لا حجة لكم فيه ؛
لأن المرأة كانت حية ، والقود لا يجب (٣) في حي.
قيل : إنما قتله النبي - عليه السلام - بعد موتها ؛ لأن في الحديث
(( أن النبي - عليه السلام - قال لها : فلان قتلك ؟ )) فدل أنها ماتت
بعد ساعة؛ لأنها سيقت إلى النبي ◌َّه وهي تجود بنفسها ، فلم تقدر
إلا على الإشارة على النطق ، فلما ماتت استقاد لها النبي - عليه
السلام - من اليهودي بالحجر فكان ذلك سنة لا يجوز خلافها .
واختلف قول مالك إن لم يمت من ضربة واحدة بعصًا أو حجر ،
فروى عنه ابن وهب أنه يضرب بالعصا حتى يموت ، ولا يطول عليه ،
وروى عنه أشهب وابن نافع أنه يقتل بمثل ما قتل به ، إذا كانت الضربة
:
مجهزة ، فأما [ أن يضربه ] (٤) ضربات فلا .
قال ابن المنذر : وقول كثير من أهل العلم في الرجل يخنق الرجل:
عليه القود ، وخالف ذلك محمد بن الحسن فقال : لو خنق رجل
رجلا حتى مات ، أو طرحه في بئر فمات ، أو ألقاه من جبل أو
(١) البقرة : ١٩٤ .
(٢) من (( هـ )).
(٣) جاء هنا في (( الأصل)): إلا . وهي رائدة.
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): إن ضربه.
- ٥٠٢ -
۔

سطح فمات لم يكن عليه قصاص ، وكان على عاقلته الدية ، فإن كان
معروفًا بذلك قد خنق غير واحد فعليه القتل .
قال ابن المنذر : ولما أقاد عليه السلام من اليهودي الذي رض رأس
الجارية بالحجر ، كان هذا في معناه ، فلا معنى لقوله .
قال الطحاوي : واحتج بهذا الحديث من قال فيمن يقول عند موته:
إن مت ففلان قتلني ؛ أنه يقبل منه ، ويقتل الذي ذكر أنه قتله ؛ هذا
قول مالك والليث .
وخالفهم آخرون فقالوا : لا يجوز أن يقتل أحد بمثل هذا ، وإنما
قتل النبي اليهودي الذي رض رأس الجارية ، لأنه اعترف ؛ فقتله
بإقراره بما ادّعِيَ عليه لا بالدعوى ، وقد بين ذلك ما أجمعوا عليه ،
ألا ترى أن رجلا لو ادعى على رجل دعوى قتلا أو غيره ، فسئل
المدعى عليه عن ذلك فأومأ برأسه أي نعم ؛ أنه لا يكون بذلك مقرا
فإذا كان إيماء المدعى عليه برأسه لا يكون [إقرارًا ] (١) منه كان إيماء
المدعي برأسه أحرى أن لا يوجب له حقا .
وقد أجمعوا أن رجلا لو ادعى في حال موته أن له عند رجل درهمًا
ثم مات أن ذلك غير مقبول منه ، وأنه في ذلك كهو في دعواه في
حال الصحة ، فالنظر على ذلك أن يكون دعواه الدم في تلك الحال
كدعواه ذلك في حال الصحة .
وقال لهم أهل المقالة الأولى : قول المقتول : دمي عند فلان في
حال تخوفه الموت ، وعند إخلاصه وتوبته إلى الله عند معاينة فراقه
الدنيا ؛ أقوى من قولكم في إيجاب القسامة بوجود القتيل فقط في
محلة قوم وبه أثر ؛ فيحلف أهل ذلك الموضع أنهم لم يقتلوه ، ويكون
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): إقرار.
- ٥٠٣ -

عقله عليهم ، وألزموا العاقلة مالا بغير بينة ثبتت عليهم ولا إقرار
منهم، وألزموه جناية عمدٍ لم تثبت أيضًا ببينة ولا إقرار .
وقول المقتول : هذا قتلني ، أقوى من قول الشافعي أيضًا أن الولي
يقسم إذا كان قرب وليه وهو مقتول رجل معه سكين لجواز أن يكون
غيره قتله .
والأوضاح جمع وضح ، والوضح : حلي من فضة . عن صاحب
العين .
#
باب : قوله تعالى / : ﴿ أن النفس بالنفس﴾ (١) الآية
[٤/ ق٣٥٥-١]
فيه : عبد الله بن مسعود قال: قال النبي - عليه السلام -: (( لا يحل دم
امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث:
النفس بالنفس ، والثيب الزاني ، والمفارق لدينه التارك للجماعة)).
قال أبو عبيد : ذهب أهل العراق إلى أن قوله تعالى : ﴿النفس
بالنفس﴾ (١) ناسخة لآية ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد﴾ (٢) التي في
سورة البقرة ، وجعلوا بين الأحرار والعبيد القصاص في النفس
خاصة، ولا يرون فيما دون ذلك بينهم قصاصًا .
وذهب ابن عباس إلى أن ﴿ النفس بالنفس﴾ (١) غير ناسخة لآية
البقرة ، ولا مخالفة لها ، ولكنهما جميعًا محكمتان إلا أن ابن عباس
رأى قوله تعالى: ﴿ أن النفس بالنفس ﴾ (١) كالمفسرة للتي في البقرة،
فتأول أن قوله : ﴿النفس بالنفس﴾ (١) إنما هو على أن نفس الأحرار
متساوية [ فيما ] (٣) بينهم دون العبيد، وأنهم يتكافئون في دمائهم
(١) المائدة : ٤٥ .
(٣) من (( هـ)) ..
(٢) البقرة : ١٧٨ .
- ٥٠٤ -

ذكورًا كانوا أو إناثًّا ، وأن أنفس المماليك متساوية فيما بينهم دون
الأحرار ، يتكافئون فيما بينهم ذكورًا كانوا أو إناثًّا ، وأنه لا قصاص
على الأحرار في شيء من ذلك من نفس ولا ما دونها ؛ لقوله تعالى:
﴿الحر بالحر والعبد بالعبد﴾ (١) وهذا قول مالك وأهل الحجاز ، وهو
أولى من قول أهل العراق لوجهين : أحدهما : أن هذا تفسير ابن
عباس . الثاني : أنه قول يوافق بعضه بعضًا ولا يختلف ، والتنزيل إنما
هو على نسق واحد : أن النفس بالنفس ، والعين بالعين ، والأنف
بالأنف ، والأذن بالأذن ، والسن بالسن .
وقول أهل العراق ليس بمتفق ؛ لأنهم أخذوا بأول الآية وهو قوله
تعالى : ﴿ النفس بالنفس﴾ (٢) وتركوا ما وراء ذلك، وليس لأحد أن
يفرق بين ما جمع الله ، فيأخذ بعضه دون بعض إلا أن يفرق بين ذلك
كتاب أو سنة .
وقوله عليه السلام: (( الثيب الزاني )) لا يدخل فيه العبيد ، وقد
اتفق الكوفيون مع مالك في أن من شروط الإحصان الموجب للرجم
عندهم : الحرية والبلوغ والإسلام ؛ فإذا زنا العبد ، وإن كان ذا زوجة
فحده الجلد عندهم ، فكما لم يدخل العبيد في قوله عليه السلام :
(الثيب الزاني)) فكذلك لم يدخل في عموم قوله تعالى : ﴿النفس.
بالنفس﴾(٢) .
وأما قوله: ((المفارق لدينه التارك للجماعة)) فهو عام في جميع
الناس لإجماع الأمة أن بالردة يجب القتل على كل مسلم فارق دينه
عبدًا كان أو حرا ، فخص هذا بالإجماع .
وقال أبو الحسن بن القابسي قوله : (( المفارق لدينه )) يريد الخارج
(١) البقرة : ١٧٨ .
(٢) المائدة : ٤٥ .
- ٥٠٥ -

منه ، فيحتمل أن يكون خروجه بترك الجماعة أو ببغي عليها ؛ فيقاتل
على ذلك ، حتى يفيء إلى دينه وإلى الجماعة ، وليس بكافر
بخروجه، ويمكن أن يكون خروجه كفراً وارتدادًا، و[المروق ] (١):
الخروج ، وسيأتي [ بيانه عند قوله عليه السلام: ((يمرقون من الدين: ))
في آخر هذا الجزء - إن شاء الله تعالى ] (٢) .
1
باب : من قتل له قتيل فهو بخير النظرين
فيه : أبو هريرة : (( أن عام فتح مكة قتلت خزاعة رجلا من بني ليث
بقتيل لهم في الجاهلية ؛ فقام النبي - عليه السلام - فقال : إن الله قد
حبس عن مكة الفیل، وسلط علیهم رسوله والمؤمنین ، فمن قتل له قتیل
فهو بخير النظرين ، إما أن يودى ، وإما أن يقاد أهل القتيل
الحديث .
وفيه : ابن عباس : (( كانت في بني إسرائيل قصاص ، ولم تكن فيهم
الدية ، فقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في
القتلى ﴾ إلى: ﴿شيء﴾ (٣) قال ابن عباس: فالعفو أن يقبل الدية في
العمد ، واتباع بمعروف ، ويؤدي بإحسان )) .
اختلف العلماء في أخذ الدية من قاتل العمد ، فقالت طائفة: ولي
المقتول بالخيار ؛ إن شاء اقتص ، وإن شاء أخذ الدية ، وإن لم يرض
القاتل . روي هذا عن سعيد بن المسيب وعطاء والحسن ، ورواه
أشهب عن مالك ، وبه قال الليث والأوزاعي ، والشافعي وأحمد ،
وإسحاق وأبو ثور .
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): المرق . خطأ.
(٣) البقرة : ١٧٨ .
(٢) من (( هـ)).
- ٥٠٦ -

وقال آخرون : ليس لولي المقتول / عمدًا إلا القصاص، ولا يأخذ (٤/ ٣٥٥-ب]
الدية إلا أن يرضى القاتل ، رواه ابن القاسم عن مالك ، وهو
المشهور عنه ، وبه قال الثوري [ والكوفيون ] (١) .
وحجة القول الأول : قوله تعالى : ﴿ فمن عفي له من أخيه
شيء﴾ (٢) أي ترك له دمه، ورضي منه بالدية ﴿فاتباع بالمعروف﴾(٢)
أي : فعلى صاحب الدم اتباع بالمعروف في المطالبة بالدية ، وعلى
القاتل أداء إليه بإحسان ﴿ ذلك تخفيف من ربكم ﴾ (٢) ومعناه : أن من
كان قبلنا لم يفرض عليهم غير النفس بالنفس كما قال تعالى :
﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ (٣) فتفضل الله على هذه الأمة
بالتخفيف والدية إذا رضي بها ولي الدم .
واحتجوا أيضًا بقوله عليه السلام: ((ومن قتل له قتيل فهو بخير
النظرين إما أن يودى وإما أن يقاد )) وهذا نص قاطع في أنه جعل أخذ
الدية أو القود إلى أولياء الدم .
وأيضًا من طريق النظر فإنما لزمته الدية بغير رضاه ، لأن عليه فرضًا
إحياء نفسه ، وقد قال تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم
رحيمًا ﴾ (٤) .
قال الطحاوي : وحجة أهل المقالة الثانية : حديث أنس بن مالك
[في قصة] (٥) الرَّبَيِّع حين كسرت ثنية المرأة؛ فأمر النبي وَّه بكسر
ثنيتها ، فقال أنس بن النضر : أتكسر ثنية الربيع ؟ فقال رسول الله :
(( يا أنس ، كتاب الله القصاص )) فلما حكم رسول الله بالقصاص ولم
(١) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): والكوفيين.
(٣) المائدة : ٤٥ .
(٥) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): وقضية .
(٢) البقرة : ١٧٨ .
(٤) النساء : ٢٩ .
- ٥٠٧ -

يخيرها بين القصاص وأخذ الدية؛ ثبت بذلك أن الذي يجب بكتاب الله
وسنة رسوله في العمد هو القصاص ؛ إذ لو كان يجب للمجني عليه.
[الخيار] (١) بين القصاص والعفو لأعلمها النبي - عليه السلام - بما
لها أن تختار من ذلك ألا ترى أن حاكمًا لو تقدم رجل [ إليه] (٢)
في شيء يجب له فيه أحد شيئين ، فثبت عنده حقه أنه لا يحكم بأحد
الشيئين دون الآخر ، وإنما يحكم له بأن يختار ما أحب منهما فإن
تعدى ذلك فقد [ قصر ] (٣) عن فهم الحكم ، ورسوله عليه السلام.
أحكم الحكماء ، فلما حكم بالقصاص وأخبر أنه كتاب الله ثبت ما
قلناه ، ووجب أن يعطف عليه حديث أبي هريرة ، ويجعل قول
رسول الله ( فيهما ) (٤) فهو بالخيار بين أن يعفو ، أو يقتص ، أو
يأخذ الدية على الرضا من الجاني بغرم الدية حتى تتفق معاني الآثار .
وأما قولهم : إن عليه فرضًا إحياء نفسه ، فإنا رأيناهم قد أجمعوا.
أن الولي لو قال للقاتل : قد رضيت أن آخذ دارك هذه على ألا
أقتلك؛ أن الواجب على القاتل فيما بينه وبين الله تسليم ذلك وحقن دم
نفسه ، فإن أبى لم يجبره عليها ، ولم تؤخذ منه كرهًا ، ويدفع إلى
الولي ، فكذلك الدية لا يجبر عليها، ولا تؤخذ منه كرهًا .
قال المهلب : قوله عليه السلام: ((فهو بخير النظرين )) حضّ
وندبٌ لأولياء القتيل أن ينظروا خير نظر ، فإن كان القصاص خيراً من
أخذ الدية اقتصوا ولم يقبلوا الدية ، وإن كان أخذ الدية أقرب إلى
الألفة وقطع الضغائن بين المسلمين ؛ فعلت من غير جبر القاتل على
أخذها منه، ولا يقتضي قوله ((بخير النظرين)) إكراه [ أحد] (٥)
(١) في ((الأصل)): القصاص. وما أثبتناه من ((هـ)). (٢) من ((هـ)).
(٤) في (( هـ)): فيها .
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): تعدى.
(٥) من ((هـ)) وفي ((الأصل)»: إحدى.
- ٥٠٨ -

الفريقين كما لا يقتضي قوله : ﴿فاتباع بالمعروف﴾ (١) أخذ الدية من
القاتل كرهًا .
وفي حديث أبي هريرة حجة للثوري والكوفيين ، والشافعي وأحمد
وإسحاق في قولهم أنه يجوز العفو في قتل الغيلة ، وهو أن يغتال
الإنسان ، فيخدع ( بالشيء ) (٢) حتى يصير إلى موضع (فيخفى)(٣)
فيه ، فإذا صار إليه قتله .
وقال مالك : الغيلة : بمنزلة المحاربة ، وليس لولاة الدم العفو
فيها، وذلك إلى السلطان يقتل به القاتل .
قال ابن المنذر: وقوله عليه السلام: ((ومن قتل [ له قتيل ] (٤)
فأهله بين خيرتين : إن أحبوا العقل ، وإن أحبوا القود )» وظاهر
الكتاب يدل على أن ذلك للأولياء دون السلطان .
قال المهلب : وقوله : (( إن الله حبس عن مكة الفيل ، وسلط
عليهم رسوله والمؤمنين )) ليدخلوا في دين الله أفواجاً ، فكان ذلك
ساعة من نهار ، فلما دخلوا عادت / حرمتها المعظمة على سائر [1/ق٣٦-١]
الأرض من تضعيف إثم منتهك الذنوب فيها ، وزالت حرمتها الغير
مشروعة من الله ولا من رسوله ، من ترك من لجأ إليها ودخلها
مستأمنًا، فارًا بدم أو بحربه لقول النبي بَّهُ: (( من قتل [ له قتيل }(٤)
فهو بخير النظرين )) قاله في قتيل خزاعة المقتول في الحرم ، فلما
جعل الله القصاص في قتيل الحرم ، وعلمنا أنه يجوز الاقتصاص في
الحرم ، ولو لم يجز ذلك لبينه [النبي صَل قول ] (٥) وبين أن الحرمة الباقية
لمكة على ما كانت في الجاهلية وهو تعظيم الذنب فيها عند الله على
سائر الأرض .
(١) البقرة : ١٧٨ .
(٢) في (( هـ)): بالمشي. (٣) في (( هـ)): يختفي.
(٥) من (( هـ )).
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): قتيلا .
- ٥٠٩ -

قوله عليه السلام: ((أبغض الناس ( عند ) (١) الله ملحد في
الحرم)) فهذا نص من النبي - عليه السلام - على المعنى الباقي للحرم،
ويؤيد [ هذا ] (٢) قوله تعالى لما ذكر تحريم الأربعة الأشهر: ﴿فلا
تظلموا فيهن أنفسكم﴾ (٣) تعظيمًا للظلم فيهن ؛ إذ الظلم في غيرهن
محرم [ أيضًا ] (٢) فدل تخصيصهن بالنهي عن الظلم ؛ على أن لها
مزية على غيرها في إثم الظلم والقتل وغيره .
والساعة التي أحلت له لم يكن القتل فيها محرمًا لإدخاله إياهم في
شرائع الله ، فكذلك كل قتيل يكون على شرائع الله لا يعظم فيه ، ..
ويقتص فيها من صاحبه ، وقد تقدم [ اختلاف العلماء في هذه
المسألة](٢) في [ كتاب ] (٢) الحج .
باب : من طلب دم امرئ بغير حق
فیه : ابن عباس : قال النبي - عليه السلام - : « أبغض الناس إلى الله:
ملحد في الحرم ، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية ، ومطلب دم امرئ
بغیر حق لیھریق دمه )).
قال المهلب : قوله: (( أبغض الناس إلى الله : ملحد ... )) لا يجوز.
أن يكون هؤلاء أبغض إلى الله من أهل الكفر ، وإنما معناه أبغض أهل.
الذنوب ممن هو من جملة المسلمين ، وقد عظم الله الإلحاد في الجرم
في كتابه فقال تعالى : ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب
أليم) (٤) فاشترط أليم العذاب لمن ألحد في الحرم زائدًا على عذابه لو
ألحد في غير الحرم ، وقيل : كل ظالم فيه ملحد .
(١) في ((هـ )): إلى .
(٣) التوبة : ٣٦.
(٢) من (( هـ )).
(٤) الحج : ٢٥ .
- ٥١٠ -

وقال عمر بن الخطاب : احتكار الطعام بمكة إلحاد ، وقال أهل
اللغة: والمعنى : ومن يرد فيه إلحادًا بظلمٍ ، والباء زائدة .
وقال الزجاج : مذهبنا أن الباء ليست بزائدة ، والمعنى : ومن أراد
فيه بأن يلحد بظلم ، ومعنى الإلحاد في اللغة : العدول عن القصد .
وأما المبتغي في الإسلام سنة الجاهلية فهو طلبهم بالذحول غير القاتل،
وقتلهم كل من وجدوا من ( قومه ) (١) ومنها : انتهاك المحارم ،
واتباع الشهوات ؛ لأنها كانت مباحةً في الجاهلية فنسخها الله ( في
الإسلام)(٢) وحرمها على المؤمنين، وقال عليه السلام: ((قُيِّد [ الفتك
لا يفتك ] (٣) مؤمن)).
ومنها : النياحة والطيرة والكهانة وغير ذلك ، وقد قال عليه
السلام: (( من رغب عن سنتي فليس مني)) وأما إثم الدم الحرام : فقد
عظمه الله في غير موضع من كتابه ، وعلى لسان رسوله حتى قال
بعض الصحابة : إن القاتل لا توبة له . وقد [ ذكرنا مذاهب أهل
العلم في ذلك في أول كتاب الحدود ] (٤) .
باب : العفو في الخطأ بعد الموت
فيه: عائشة : (( صرخ إبليس يوم أحد في الناس : يا عباد الله !
أخراكم. فرجعت أولاهم على أخراهم فقتلوا اليمان ، فقال حذيفة :
أبي أبي . فقتلوه ، فقال حذيفة : غفر الله لكم . قال : وقد كان انهزم
منهم قوم حتى لحقوا بالطائف )) .
(١) فى (( هـ)): قبيله .
(٢) في (( هـ): بالإسلام .
(٣) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): الهتك لاهتك.
(٤) من (( هـ)) وفي (( الأصل)) : مضى.
- ٥١١ -

هذا أصل مجمع عليه أن عفو الولي لا يكون إلا بعد الموت ؛ إذ قد
يمكن أن يبرأ فلا يموت ، وأما عفو القتيل فإنه قبل الموت .
وزعم أهل الظاهر أن العفو لا يكون للقتيل ، ولا يكون إلا للولي
خاصة ، وهذا خطأ ؛ لأن الولي إنما جعل إليه القيام بما ( هو ) (١)
للقتيل من القيام عن نفسه من أجل ولايته له ومحله منه ، فالقتيل أولى
بذلك .
[٤/ق٣٦- ب] قال / المهلب: وإنما فهم العفو في هذا الحديث من قول حذيفة:
غفر الله لكم . وقد كان يتوجه الحكم إلى اليمان إلى أخذ الدية من
عاقلة القاتلين ، وإن لم يعرف من هم ، فقد اختلف العلماء في قتيل
الزحام على ما يأتي [ بيانه بعد هذا - إن شاء الله تعالى ] (٢).
باب : قوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطأ﴾(٣)
باب : إذا أقر بالقتل مرةً قتل به
فيه: أنس: ((أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين ، فقيل لها : من
فعل بك هذا ؟ أفلان ، أفلان ؟ حتى سمى اليهودي فأومأت برأسها
فجيء باليهودي ، فاعترف فأمر به النبي فرض رأسه بالحجارة » وقال
همام : بین حجرین .
وترجم له : (( باب قتل الرجل بالمرأة )) .
۔۔
قال ابن المنذر : حكم الله في المؤمن يقتل الخطأ (الدية ) (٤)
وأجمع أهل العلم على القول به.
(١) في (( هـ)): كان .
(٣) النساء : ٩٢ .
(٢) من (( هـ).
(٤) في (( هـ)): بالدية.
- ٥١٢ -

وقال الزجاج في هذه الآية : المعنى : ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا
إلا خطأ [ البتة، وإلا خطأ ] (١) استثناء ليس من الأول ، ويسميه
أهل العربية : الاستثناء المنقطع [والمعنى ] (٢): إلا أن يخطئ المؤمن
النية ، فكفارة خطئه تحرير رقبة مؤمنة في ماله ودية مسلمة [ تؤديه
عاقلته ] (١) إلى أهله إلا أن يصدقوا ، يقول : إلا أن يصدق أهل
القتيل خطأ على من لزمته دية قتيلهم ، فيعفوا عنه ، ويتجاوزوا عن
ديته ، فتسقط عنه .
قال الطبري : وذكر أن هذه الآية نزلت في عياش بن أبي ربيعة
المخزومي ، وكان قتل رجلا مسلماً ، ولم يعلم بإسلامه ، وكان ذلك
الرجل يعذبه بمكة مع أبي جهل ، فخرج ذلك الرجل مهاجرًاً إلى
النبي - عليه السلام - فلقيه عياش بالحرة ، فقتله وهو يحسبه كافرًا ،
ثم جاء إلى النبي وَ لّ فأخبره بذلك فأمره بعتق رقبة ، ونزلت الآية.
عن مجاهد وعكرمة .
وقوله تعالى : ﴿ فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن﴾(٣) بمعنى:
وإن كان هذا القتيل الذي قتله المؤمن خطأ من قوم ناصبوكم الحرب
على الإسلام فقتله مؤمن ؛ فتحرير رقبة مؤمنة ولا دية تؤدى إلى قومه؛
لئلا يتقووا بها عليكم ﴿وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ (٢)
أي: عهد وذمة، وليسوا أهل حرب لكم ؛ ﴿فدية مسلمة إلى
أهله﴾(٢) - يعني على عاقلته- ﴿وتحرير رقبة مؤمنة﴾(٢) كفارة (لقتله)(٤)
ثم اختلف أهل التأويل في صفة هذا القتيل الذي هو من قوم بيننا
وبينهم ميثاق ، هل هو مؤمن أو كافر ؟ فقال قوم : هو كافر إلا أنه
لزمت قاتله ديته ؛ لأن له ولقومه [ عهدًا ] (٥) ؛ فوجب أداء ديته إلى
(١) من (( هـ)).
(٢) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): ومعناه.
(٣) النساء : ٩٢ .
(٤) في (( هـ)): قتله .
(٥) في (( الأصل، وهـ ) : عهد .
- ٥١٣ -

قومه للعهد الذي بينهم وبين المؤمنين ، وأنها مال من أموالهم ، فلا
تحل للمؤمنين أموالهم بغير طيب أنفسهم . عن ابن عباس والشعبي
والنخعي والزهري .
قالوا : [ دية الذمي ] (١) كدية المسلم .
وقال آخرون : بل هو مؤمن . روي ذلك عن النخعي ، وجابر بن
زيد ، والحسن البصري .
قالوا في قوله تعالى: ﴿وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾(٢)
قالوا : وهو مؤمن
· قال الطبري : وأولى القولين : قول من قال : عنى بذلك المقتول
من أهل العهد ؛ لأن الله - تعالى - أبهم ذلك فقال : ﴿وإن كان من
قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ (٢) ولم يقل: وهو مؤمن ، كما قال في
القتيل من المؤمنين وأهل الحرب ﴿وهو مؤمن ﴾ ﴿فمن لم يجد فصيام
شهرين ﴾ (٢) يعني: فمن لم يجد رقبة مؤمنة فصيام شهرين متتابعين-
يعني عن الرقبة خاصة . عن مجاهد .
--
۔
وقال مسروق : صوم الشهرين عن الرقبة والدية ..
.-
قال الطبري : وأولى القولين : الصوم عن الرقبة دون الدية ؛ لأن
دية الخطأ على عاقلة القاتل ، والكفارة على القاتل بإجماع ، فلا يقضي
صوم صائم عما لزم آخر في ماله . ﴿توبة من الله﴾ (٢) يعني: رحمة
من الله لكم إلى التيسير عليكم بتخفيفه عنكم بتحرير الرقبة المؤمنة إذا
أيسرتم بها ﴿وكان الله عليمًا حكيمًا﴾ (٢) يقول: ولم يزل الله عليمًا بما
يصلح عباده فيما يكلفهم من فرائضه ، حكيمًا بما يقضي فيهم ويأمر.
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): ديته .
(٢) النساء : ٩٢ .
- ٥١٤ -

وقوله : إذا أقر بالقتل مرة قتل به ، فهو حجة على الكوفيين / في (٤/ ٣٧٥-١)
قولهم أنه لا بد من إقراره مرتين في القتل ، كما لا بد في الزنا من
إقراره أربع مرات .
وقولهم خلاف لهذا الحديث ؛ لأنه لم يذكر في الحديث أن
اليهودي أقر أكثر من مرة واحدة ، ولو كان في إقراره حدا معلومًا لبين
ذلك ، وبهذا قال مالك والشافعي [ وقد تقدم في باب سؤال الإمام
المقر بالزنا ، هل أحصنت - حكمُ الإقرار بالزنا وبالقتل ، ومذاهب
العلماء في ذلك فأغنى عن إعادته ] (١) .
وفيه من الفقه : أن الرجل يقتل بالمرأة [ وعلى هذا فقهاء الأمصار،
وكذلك تقتل المرأة بالرجل ] (١) وشذ الحسن البصري ، ورواية عن
عطاء فقالا : إن قتل أولياء المرأة الرجل بها أدوا نصف الدية ، وإن قتل
أولياء الرجل المرأة أخذوا من أوليائها نصف دية الرجل . وروي مثله
عن الشعبي عن علي ، وبه قال عثمان البتي .
وحجة الجماعة : أن النبي - عليه السلام - قتل اليهودي بالمرأة ،
فدل على ( ثبات ) (٢) القصاص بين الرجال والنساء.
باب : القصاص بين الرجال والنساء في الجراحات
وقال أهل العلم : يقتل الرجل بالمرأة . ويذكر عن عمر: تقاد المرأة من
الرجل في كل عمد يبلغ نفسه فما دونها من الجراح . وبه قال عمر بن
عبد العزيز وإبراهيم وأبو الزناد عن أصحابه . وجرحت أخت الربيع
إنسانًا ، فقال النبي - عليه السلام -: (( القصاص)).
(١) من ( هـ)).
(٢) في (( هـ): إثبات.
- ٥١٥ -

فيه: عائشة قالت: ((لددنا النبي - عليه السلام - في مرضه فقال :
لا تلدوني . فقلنا : کراهیة المریض للدواء ، فلما أفاق قال : لا یبقی أحد
منكم إلا لد ، غير العباس فإنه لم يشهدكم )) .
اتفق أئمة الأمصار على أن الرجل يقتل بالمرأة ، والمرأة بالرجل إذا
كان القتل عمداً ، حاشا الحسن البصري وعطاء وما روي عن علي .
وذهب مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأكثر الفقهاء إلى أن
القصاص بين الرجال والنساء في الجراحات كما هو في النفس .
وقال أبو حنيفة : لا قصاص بين الرجال والنساء فيما دون النفس.
من الجراحات
واحتج أصحابه بأن المساواة عندهم معتبرة في النفس وغير معتبرة في
الأطراف ، ألا ترى أن اليد الصحيحة لا تؤخذ بالشلاء ، والنفس:
الصحيحة تؤخذ بالمريضة [ وهذه ] (١) نكتتهم وعليها يبنون الكلام ،
(وكذلك ) (٢) لا يقطعون يد المرأة بيد الرجل ولا يد الحر بالعبد، وإن
جرى القصاص بينهما في النفس .
وقال ابن المنذر : ولما أجمعوا أن نفسه بنفسها ، وهي أكبر الأشياء،
واختلفوا فیما دون ذلك كان ما اختلفوا فيه مردودًا إلى ما أجمعوا علیه؛
لأن الشيء إذا ما أبيح منه الكثير ؛ كان القليل أولى .
قال المهلب : حديث الربيع يبين أن القصاص بين الرجل والمرأة .
قال ابن القصار : وإنما لم تؤخذ الصحيحة بالشلاء ؛ لأن الشلاء
ميتة والنفس الحية لا تؤخذ بالنفس الميتة ، فسقط اعتراضهم .
(١) في ((الأصل)): وهذا .
(٢) في (( هـ )): ولذلك.
- ٥١٦ -

قال المهلب : وأما حديث اللدود فدليل على أنه يؤخذ الناس
(بالقصاص) (١) في أقل من الجراحات ، لأنه عليه السلام أمر بأن
يقتص له ممن لده في مرضه وآلمه ، وهذا دون جراحه ولا قصد لأذى،
وفيه قصاص الرجل من المرأة ؛ لأن أكثر أهل البيت كانوا نساء ، وفيه
دليل على أخذ الجماعة بالواحد .
باب : من أخذ حقه أو اقتص دون السلطان
فيه : أبو هريرة قال : قال النبي - عليه السلام -: ((لو اطلع أحد في
بیتك ففقات عينه ما کان علیك من جناح )) .
وفيه: أنس: (( أن رجلا اطلع في بيت النبي - عليه السلام - فسدد
إليه مشقصًا )) .
اتفق أئمة الفتوى أنه لا يجوز لأحد أن يقتص من [ أحد ] (٢) حقه
دون السلطان ، وليس للناس أن يقتص بعضهم من بعض ، وإنما ذلك
للسلطان ، أو من نصبه السلطان لذلك ، ولهذا جعل الله السلطان
لقبض أيدي الناس ، وقد تأول أكثر الناس هذا الحديث أنه خرج على
التغليظ والوعيد والزجر عن الاطلاع على عورات الناس ، وإنما
اختلفوا فيمن أقام الحد على عبده أو أمته كما تقدم ، ويجوز عند
العلماء أن يأخذ حقه دون السلطان في المال خاصة إذا جحده إياه ،
ولم يقم له بينة على حقه على ما جاء في حديث هند مع أبي سفيان ،
وسيأتي بعد هذا .
(١) في (( هـ ) : في الجراح والقصاص.
(٢) من (( هـ)).
- ٥١٧ -

[٤/ ق٣٧ -ب]
/ باب : إذا مات في الزحام أو قتل
فيه : عائشة: (( لما كان يوم أحد هزم المشركون ، فصاح إبليس : أي
عباد الله ! أخراكم . فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم ، فنظر
حذيفة فإذا هو بأبيه اليمان ، فقال : أي عباد الله ! أبي أبي . قالت : فو الله
ما احتجزوا حتى قتلوه ، قال حذيفة : غفر الله لكم . قال عروة : فما
زالت في حذيفة منه بقیة حتى لحق بالله )) .
اختلف العلماء فيمن مات في الزحام ولا يدرى من قتله ، فقالت
طائفة : ديته في بيت المال . روي ذلك عن عمر بن الخطاب ، وعلي
ابن أبي طالب ، وبه قال إسحاق ، وقالت طائفة : ديته على من
حضر . هذا قول الحسن البصري والزهري ، وفيها قول آخر وهو أن
يقال لوليه : ادع على من شئت ، فإذا حلف على أحد بعينه أو جماعة.
يمكن أن يكونوا قاتليه في الجمع حلف ، واستحق على عواقلهم الدية
في ثلاث سنين . هذا قول الشافعي .
وقال مالك : دمه هدر ، ووجه قول من قال أنه في بيت المال ، أنا
قد أيقنا أن من مات من فعل قوم مسلمين ولم يتعين من قتله ؛ فحسن
أن يودى من بيت المال ؛ لأن بيت مالهم كالعاقلة ، ووجه قول من
قال أن ديته على من حضر ، أنا قد أيقنا أن من فعلهم مات فوجب أن
لا يتعدى ذلك إلى غيرهم ، وحديث هذا الباب أشبه بهذا القول من
غيره ؛ لأن حذيفة قال : (( غفر الله لكم)) فدل أنه لم يغفر لهم إلا ما
له مطالبتهم به ألا ترى قوله: (( فلم يزل في حذيفة منها بقية خير))
يريد أنها ظهرت عليه بركة ذلك العفو عنهم .
ووجه قول الشافعي أن الدماء والأموال لا تجب إلا بالطلب ، فإذا
ادعى أولياء المقتول على قوم وأتوا بما يوجب القسامة حلفوا واستحقوا.
- ٥١٨ -

ووجه قول مالك أنه لما لم يعلم قاتله بعينه علم يقين إستحال أن
يؤخذ أحد فيه بالظن ، فوجب أن يهدر دمه .
باب : إذا قتل نفسه خطأ فلا دية له
فيه: سلمة بن الأكوع قال: (( خرجنا مع النبي - عليه السلام - إلى
خيبر ، فقال رجل منهم : أسمعنا يا عامر من هنياتك ، فحدا بهم، فقال
النبي - عليه السلام - : من السائق؟ قالوا: عامر. قال: (( رحمه الله))
قالوا : يا رسول الله ! هلا أمتعتنا به ؟ فأصيب صبيحة ليلته ، فقال
القوم: حبط عمله ، قتل نفسه . فلما رجعت وهم يتحدثون أن عامرًا
حبط عمله ، فجئت إلى النبي - عليه السلام - فقلت : يا رسول الله ،
فداك أبي وأمي ، زعموا أن عامرًا حبط عمله . فقال : كذب من قالها ؛
إن له لأجرين اثنين : إنه لجاهد مجاهد ، وأي قتل يزيده عليه )) .
لم يذكر في هذا صفة قتل عامر لنفسه خطأ كما ترجم ، وجاء
ذلك بينًا في كتاب الأدب [ في باب ما يجوز من الشعر والرجز
والحداء ] (١) قال: ((فأتينا خيبر فحاصرناهم وكان سيف عامر قصيرًا
فتناول به يهوديًا ليضربه ، فرجع ذبابته فأصاب ركبته فمات منه ... ))
فذكر الحديث ، وقال في آخره : (( قل عربي نشأ بها مثله )) في مكان
قوله : (( وأي قتل يزيده عليه )) .
وفي رواية [ النسفي ] (٢) في حديث هذا الباب: (( وأي قتيل يزيد
عليه )) وهو الصواب .
واختلف العلماء في من قتل نفسه ، فقالت طائفة : لا تعقل العاقلة
(١) من ( هـ)).
(٢) من (( هـ) وفي ((الأصل)): البستي.
- ٥١٩ -

أحدًا أصاب نفسه بشيء عمدًا أو خطأ . هذا قول ربيعة ومالك
والثوري وأبي حنيفة والشافعي .
وقال الأوزاعي وأحمد وإسحاق : ديته على عاقلته ، فإن عاش فهي
له وإن مات فهي لورثته، واحتجوا بما روي (( أن رجلا كان يسوق
حمارًا ، فضربه بعصًا كانت معه ، فأصاب عينه ففقأتها ، فقضى عمر
بديته على عاقلته، وقال: أصابته [ يد من أيدي ] (١) المسلمين)).
وحديث سلمة بن الأكوع حجة للقول الأول ؛ لأن النبي - عليه
السلام - لم يوجب له دية على عاقلته ولا غيرها ، ولو وجبت على
العاقلة لبين ذلك ؛ لأن هذا موضع يحتاج إلى بيان بل يشهد له عليه
السلام أن له أجرين ، وأيضًا فإن الدية إنما وجبت على العاقلة تخفيفًا
[٣٨٥/٤-١] على الجاني / فإذا لم يجب على الجاني لأحدٍ شيء لم يحتج إلى
التخفيف عنه .
وجعلت الدية أيضًا على العاقلة معونة للجاني فتؤدى إلى غيره ،
فمحال أن يؤدى عنه إليه ، والنظر ممتنع أنه يجب للمرء على نفسه
دين، ألا ترى أنه لو قطع يد نفسه عمدًا لم تجب فيها الدية فكذلك إذا
قتل نفسه.
واحتج مالك في ذلك بقوله تعالى : ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل
مؤمنًا إلا خطأ﴾ (٢) ولم يقل من قتل نفسه خطأ ، وإنما جعل العقل
فيما أصاب به إنسان إنسانًا ، ولم يذكر ما أصاب به نفسه .
(١) من (( هـ )، وفي (( الأصل ) : أيدي من يد .
(٢) النساء : ٩٢.
- ٥٢٠ -