النص المفهرس

صفحات 461-480

وقول عمر: (( قتل الله سعدًا)) قال أبو عبيد: ولو علموا أن في
أمر أبي بكر شبهة [ وأن] (١) بين الخاصة والعامة فيه اختلافًا ما
استجازوا الحكم عليهم بعقد البيعة ، ولو استجازوه ما [ أجازه ] (٢)
الآخرون إلا بمعرفة منهم به متقدمة . ويدل على ذلك ما رواه النسائي
عن قتيبة ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن سلمة بن نبيط ، عن
نعيم ، عن أبي هند ، عن نبيط بن شريط ، عن سالم بن عبيد
(وذكر)(٣) موت النبي - عليه السلام - ثم قال : خرج أبو بكر
فاجتمع المهاجرون يتشاورون بينهم ، ثم قال : انطلقوا إلى إخواننا
الأنصار. فقالت : منا أمير ومنكم أمير . فقال عمر : سيفان في غمد
[إذًا] (٤) لا يصطلحان ، ثم أخذ بيد أبي بكر فقال : من له هذه
الثلاث : إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ، من صاحبه إذ هما
في الغار ، مع من هما ؟ ثم بايعه الناس أحسن بيعة وأجملها . فدل
هذا الحديث أن القوم لم يبايعوه إلا بعد التشاور والتناظر واتفاق الملأ
منهم الذين هم أهل الحل والعقد على الرضا بإمامته ، والتقديم لحقه.
ولقولهم (( كانت فلتة)) تفسير آخر . قال ثعلب وابن الأعرابي :
الفلتة عند العرب : آخر ليلة من الأشهر الحرم يشك فيها فيقول قوم :
هي من شعبان ، ويقول قوم : هي من رجب ؛ وبيان هذا أن العرب
كانوا يعظمون الأشهر الحرم ولا يقاتلون فيها ، ويرى الرجل قاتل أبيه
فلا يمسه ، فإذا كان آخر ليلة منها ربما شك قوم فقال قوم : هي من
الحل ، وقال بعضهم : من الحرم . فيبادر الموتور في تلك الليلة فينتهز
الفرصة في إدراك ثأره غير معلوم أن ينصرم الشهر الحرام عن يقين ،
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): فإن.
(٢) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): أجاروه .
(٣) من (( هـ)، وفي ((الأصل)): وحضر .
(٤) من (( هـ)) وفي ((الأصل)) : إذ .
- ٤٦١ -

[٤/ ق٢٧-١]
فيكثر تلك الليلة سفك الدماء وشن الغارات ، فشبه عمر [ أيام ] (١)
حياة رسول الله وما كان الناس عليه في عهده من اجتماع الكلمة
وشمول الألفة ووقع الأمنة بالشهر الحرام الذي لا قتال فيه ، ولا نزاع
وكان موته عليه السلام / شبيهة القصة بالفلتة التي هي خروج من
(الحرم) (٢) لما نجم عند ذلك من الخلاف وظهر من الفساد وما كان من
أهل الردة ، ومنع العرب الزكاة ، وتخلف من تخلف من الأنصار
جريًا منهم على عادة العرب ألا يسود القبيلة إلا رجل منها ؛ فوقى الله
شرها بتلك البيعة المباركة التي كانت جماعًا للخير ونظامًا (للكلمة)(٣)
وقد روينا نص هذا المعنى عن [ سالم ] (٤) بن عبد الله؛ روى سيف،
عن مبشر ، عن سالم [ بن عبد الله ] (١) قال : قال عمر : كانت
إمارة أبي بكر فلتة وفى الله شرها ، قلت : ما الفلتة ؟ قال : كان أهل
الجاهلية يتحاجزون في الحرم فإذا كانت الليلة التي [ يشك ] (٥) فيها
أدغلوا فأغاروا ، وكذلك كانوا يوم مات رسول الله أدغل الناس من
بين مدع إمارة أو جاحد زكاة ، فلولا اعتراض أبي بكر دونها لكانت
الفضيحة [ ذكره الخطابي ] (١) .
فإن قيل: فما معنى قول أبي بكر: (( وليتكم ولست بخيركم)) ؟
قيل : هذا من فضله ألا يرى لنفسه فضلا على غيره ، وهذه صفة
الخائفين لله الذين لا يعجبون بعمل ولا يستكثرون له مهج أنفسهم
وأموالهم .
قال الحسن : والله ما خلق الله بعد النبيين أفضل من أبي بكر .
قالوا: ولا مؤمن من آل فرعون ؟ قال : ولا مؤمن من آل فرعون .
(١) من ((هـ)).
(٣) في (( هـ )) : للألفة:
(٢) في (( هـ )): الحرام.
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): جابر.
(٥) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): شك.
- ٤٦٢ -

وروى الزهري عن أنس قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول حين
بويع [ أبو ] (١) بكر : إن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب
رسول الله وثاني اثنين إذ هما في الغار أبو بكر فبايعوه بيعة العامة .
قال المهلب : وقوله : ((قد خالف عنا علي والزبير )) فليس هذا
خلاف في الرأي [ والمذهب ] (٢) وإنما هو في الاجتماع والحضور .
وفي إشارة عمر على أبي بكر أن يأتي الأنصار دليل على أنه إذا
خشي من قوم فتنة وألا يجيبوا إلى الإقبال إلى أمر من فوقهم أن ينهض
إليهم من فوقهم ، ويبين لجماعتهم الحق قبل أن يحكم بذلك الرأي
ويقضي به ؛ ألا ترى إلى إجابة أبي بكر إلى ذلك وهو الإمام .
وأما قول الرجلين من الأنصار (( فلا تقربوهم واقضوا أمركم )» فإنه
يدل أن الأنصار لم تطبق على دعواها في الخلافة ، وإنما ادعى ذلك
الأقل .
وقول الأنصار: (( نحن كتيبة الله )) فإن ذلك لا ينكر من فضلهم
كما قال أبو بكر ، قال : ولكن لا يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من
قريش [ أي ] (٣) لا يخرج هذا الأمر عنهم .
وقوله: ((أوسط العرب نسبًا )) أي أعدل وأفضل ، ومنه قوله
تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمةً وسطًا﴾ (٤) أي : عدلا.
وقول أبي بكر: (( قد رضيت لكم أحد الرجلين )) هو أدب منه ،
خشي أن يزكي نفسه ، فيعد ذلك عليه .
وقوله : ((أحد هذين الرجلين)) يدل أنه لا يكون للمسلمين أكثر من
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): أبي. وهو خطأ.
(٣) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): إذ .
(٢) من (( هـ )).
(٤) البقرة : ١٤٣ .
- ٤٦٣ -

إمام واحد، وقد جاء عن النبي - عليه السلام -: (( اقتلوا الآخر
منهما)) وقد تؤول قوله: ((اقتلوا الآخر منهما)) بمعنى [ اخلعوه] (١)
واجعلوه كمن قتل ومات بألا تقبلوا له قولا ، ولا تقيموا له دعوة حتى
يكون في أعداد من قتل وبطل .
وفيه جواز إمامة المفضول إذا كان من أهل الغناء والكفاية ، وقد قدم.
رسول الله أسامة على جيش فيه أبو بكر وعمر .
وقول عمر: (( لم أكره من مقالته غيرها )) يعني إشارته بالخلافة إلى
عمر لما ذكر أن يقدم لضرب عنقه أحب إليه من التأمر والتقدم للخلافة
بحضرته .
[ وقوله] (١): ((إلا أن تسول لي نفسي)) محافظة لما حلف عليه،
ولمعرفته بالله من تقليب القلوب ، فأخذ في هذا بأبلغ العذر . :
وقول الحباب بن المنذر: (( أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب ))
قال أبو عبيد عن الأصمعي : الجذيل : تصغير جذل ، وجذل : وهو
عود ينصب للإبل الجربى ، تحتك به من الجرب ، فأراد أن يستشفي
برأيه كما كان تستشفي الإبل بالاحتكاك بذلك العود ، والعذيق :
تصغير عذق . والعذق - بفتح العين : النخلة نفسها ، فأينما مالت
النخلة الكريمة بنوا من ناحيتها المائل بناءً مرتفعًا يدعمها لكيلا تسقط ،
فذلك الترجيب ، ولا يرجبُ إلا كرام النخل ، والترجيب : التعظيم،
يقال : رجبت الرجل رجبًا : أي عظمته ، وإنما صغرهما جذيل
وعذيق على وجه المدح ، وإنما وصفهما بالكرم .
/ قال المهلب: وقول عمر: ((ابسط يدك يا أبا بكر)) وإجابة أبي
[٤/ق٢٧ -ب]
(١) من (( هـ ).
- ٤٦٤ -

بكر [ له ] (١) بعد أن قال: ( [ قد ] (١) رضيت لكم أحد الرجلين »
دليل على أنه لم يحل له أن يتخلف عما قدمه رسول الله بالدليل من
الصلاة ، وهي عمدة الإسلام ، وبقوله للمرأة : (( إن لم تجديني فائتي
أبا بكر)) فإن قيل : كيف جاز له أن يجعل الأمر لأحد هذين
الرجلين، وقد علم بالدليل الواضح استخلاف النبي له ؟
قيل : ليس في قوله ذلك تخلية له من الأمر إذا كان الرضى موقوفًا
إليه والاختيار ، وليس ذلك بمخرجه أن يرضى نفسه أهلا لها ، وإنما
تأدب إذ لم يقل رضيت لكم نفسي ، فلم [ يجز ] (٢) أحدهما أن
يرى نفسه أهلا لها في زمن فيه أبو بكر .
وقد روي أن عمر قال لهم: (( أيكم تطيب نفسه أن يؤخر أبا بكر
عن مقام أقامه فيه رسول الله ؟ فقال الأنصار بجمعهم : لا ، وكذلك
قال عمر : (( إنّا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمرنا أقوى من مبايعة
أبي بكر )) يعني في قطع الخلاف ، وبرضى الجماعة به ، وإقرارهم
بفضله .
وقوله: ((ونزونا على سعد بن عبادة )) أي درسناه ووثبنا عليه في
متابعتهم إلى البيعة ، و[ النزوان ] (٣) : الوثوب .
وفيه الدعاء على من تخشى منه الفتنة .
وقال الخطابي: معنى قوله: ((قتل الله سعدًاً)): أي ( اجعلوه
كمن قتل ، واحسبوه في عدد من مات ، ولا تعتدوا ) (٤) بمشهده،
وذلك أن سعدًا أراد في ذلك المقام أن ينصب [ أميرًا ] (٥) على قومه ،
(١) من (( هـ )).
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): يجد .
(٣) في ((الأصل)): والنزان. والمثبت من ((هـ)).
(٤) في ((هـ)): اجعله كمن قتل، واحسبوه في عدة من مات ولا تعدوا .
(٥) في ((الأصل، وهـ )) : أمير .
- ٤٦٥ -

على مذهب العرب في الجاهلية ألا يسود القبيلة إلا رجلا منها ، وكان
حكم الإسلام خلاف ذلك ، فرأى عمر إبطاله بأغلظ ما يكون من
القول وأشنعه ، وكل شيء أبطلت فعله وسلبت قوته فقد قتلته وأمته ،
وكذلك قتلت الشراب إذا مزجته لتكسر شدته .
وقوله: (( وليس فيهم من تقطع الأعناق له مثل أبي بكر )) يريد أن
السابق منكم لا يلحق شأوه في الفضل ، ولا يكون أحد مثله ، لأنه
أسبق السابقين .
وقوله: ((تغرة أن يقتلا)): قال أبو عبيد : التغرة : التغرير ،
يقال: غررت بالقوم تغريرًا وتغرة ، وكذلك يقال في المضاعف
خاصة، كقولك : حللت اليمين تحليلا وتحلة ، وإنما أراد عمر أن في:
بيعتهما تغريرًا بأنفسهما للقتل وتعرضًا له فنهاهما عنه ، وأمر ( ألا
يؤمَّر واحد منهم ) (١) لئلا يطمع في ذلك ، فيفعل هذا الفعل .
قال أبو عمرو : الدافة : القوم يسيرون جماعة سيرًا ليس بالشديد،
يقال : هم يدفون دفيفًا .
وقوله: ((تحصنونا من الأمر)) يقال: حصنت الرجل من الشيء
وأحصنته : أخرجته منه ، وقال الأصمعي : التزوير : إصلاح الكلام
وتهيئته . وقال أبو زيد : المزور من الكلام والمزوق واحد ، وهو
المصلح المحسن ، وكذلك الخط إذا قوم أيضًا .
(١) في (( هـ)): ألا يؤمروا أحد منهما.
- ٤٦٦ -

باب البكرين يجلدان وينفيان ﴿ الزانية والزاني فاجلدوا
كل واحد منهما مائة جلدة ﴾ الآية
قال ابن ( علية) (١): (رأفة) (٢) إقامة الحدود
فيه : زيد بن خالد، وأبو هريرة: (( سمعت النبي - عليه السلام - يأمر
فیمن زنا ولم يحصن جلد مائة وتغريب عام » .
قال عروة : إن عمر بن الخطاب غرب ثم لم تزل تلك السنة .
أجمع العلماء أن قوله تعالى : ﴿ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد
منهما مائة جلدة ﴾ في زنا الأبكار خاصة لما ثبت في حد الثيب أنه
الرجم، وقول عمر على رءوس الناس: (( الرجم في كتاب الله حق
على من زنا إذا أحصن ، ولم يكن في الصحابة مخالف فكان
إجماعًا، قال ابن المنذر : وهو قول الخلفاء الراشدين - يعني تغريب
البكر الزاني بعد جلده - روي ذلك عن أبي بكر الصديق ، وعمر بن
الخطاب ، وعثمان ، وعلي ، وأُبي بن كعب ، وابن عمر ، وبه قال
أئمة الأمصار / وخالف ذلك أبو حنيفة ومحمد، فقالا: لا نفي على [٤/ ٢٨-]
زان ، وإنما عليه الجلد خاصة . قالوا : وهو ظاهر كتاب الله -تعالى-
وليس فيه نفي ، ولا معنى لهذا القول بخلافه للسنة الثابتة ، ألا ترى
أنه عليه السلام أقسم في حديث العسيف ليقضين بينهما بكتاب الله ،
فقضى بالجلد والتغريب على العسيف ، فكان فعله بيانًا لكتاب الله وهو
إجماع الصحابة ، وعليه عامة العلماء ، فسقط قول من خالفه .
واختلفوا في المسافة التي ينفى إليها الزاني ، فروي عن عمر بن
(١) هكذا في ((الأصل، وهـ)) وفي ((ن، الفتح)): عيينة. وقال الحافظ في
الفتح (١٦٤/١٢): ولبعضهم: ((ابن علية)) بلام وتحتانية ثقيلة، وعليه
جرى ابن بطال ، والأول المعتمد ، وقد ذكر مغلطاي في شرحه أنه رآه في
تفسير سفيان بن عيينة .
(٢) في ((هـ )) : رأفة في .
- ٤٦٧ -

الخطاب أنه قال : فدك . ومثله عن ابن عمر . وعن علي بن أبي.
طالب : من الكوفة إلى البصرة . وقال الشعبي : ينفيه من عمله إلى
غير عمله . وقال مالك : يغرب عامًا في بلد يحبس فيه لئلا يرجع
إلى البلد الذي نفي منه .
وقال عبد الملك ينفي إلى فدك ، وإلى مثل الحار من المدينة .
و(قال)(١) أحمد : ينفى إلى قدر ما تقصر فيه الصلاة . وقال أبو ثور:
إلى ميل وأقل من ذلك . قال ابن المنذر : ويجزئ في ذلك ما يقع
عليه اسم النفي قل أو كثر ، ولا حجة لمن جعل لذلك حدا .
واختلفوا في المواضع التي تضرب ، فقال مالك : الحدود كلها أو
التعزير لا تضرب إلا في الظهر . وقال أبو حنيفة : تضرب الأعضاء
كلها إلا الفرج والرأس والوجه . وروي عن عمر وابن عمر أنهما
قالا: [ لا] (٢) يضرب الرأس. وقال الشافعي: يتقى الفرج
والوجه. وروي ذلك عن علي - رضي الله عنه .
باب : نفي أهل المعاصي والمخنثين
فيه ابن عباس قال: ((لعن النبي ◌َّ المخنثين من الرجال والمترجلات
من النساء ، وقال: أخرجوهم من بيوتكم. وأخرج فلانًا وفلانًا )).
وقد تقدم [ هذا الباب ] (٢) في كتاب الأشخاص [والملازمة: ] (٢)
وفي كتاب الأحكام إلا أنه ذكر فيهما حديث أبي هريرة: (( أن النبي -
عليه السلام - أراد أن يحرق بيوت المتخلفين عن الصلاة معه )) ولم
يخرج هذا الحديث [ وسيأتي في هذا الحديث في مثل هذا الباب بعينه
(١) في ((هـ)): عن.
(٢) من (( هـ )).
- ٤٦٨ -

في كتاب اللباس ، وهناك أولى أن نتكلم فيه إن شاء الله - تعالى -
ونذكر هنا منه طرفًا ] (١) قال المؤلف : إنما ذكر هذا الباب بعد نفي
الزاني ، وإن كان قد كرره في غير موضع من كتابه ليعرفك أن التغريب
على الزاني واجب ؛ لأن النبي - عليه السلام - لما نفى من أتى من
المعاصي ما لا حد فيه ، فنفي من أتى ما فيه من الحدّ أوجب
[وأوكد] (٢) في النظر لو لم يكن في نفي الزاني سنة ثابتة لتبين خطأ
أبي حنيفة في القياس .
وقال المهلب : لعنة النبي - عليه السلام - المخنثين من الرجال ،
والمترجلات من النساء ، وأمره بإخراجهم يدل على ( نفي ) (٣) كل
من خشيت منه فتنة على الناس في دين أو دنيا ، وهذا الحديث أصل
لذلك، والله الموفق .
باب : من أمر غير الإمام بإقامة الحد غائبًا عنه
فيه : حديث أبي هريرة وزيد في العسيف: (( واغد با أنيس على امرأة
هذا فارجمها ، فغدا أنيس فرجمها )) .
وترجم له : باب هل يأمر الإمام رجلا فيضرب الحد غائبًا عنه ؟ وقد
فعله عمر ، وهذان البابان معناهما واحد ، [ وترجم له في كتاب
الأحكام، باب: هل يجوز للإمام أن يبعث رجلا وحده للنظر في الأمور.
لا معنى للكلام في هذه الأبواب فقد تكرر ، وقد ذكر هذا المعنى
في كتاب الوكالات ، وترجم لحديث العسيف باب الوكالات في
الحدود، ومعناها كلها أن الإمام يجوز له أن يبعث رجلا واحداً يقوم
(١) في ((الأصل)): وسيأتي في كتاب اللباس، والمثبت من (( هـ)).
(٣) في (( هـ)) : أنه ينفي .
(٢) من (( هـ)).
- ٤٦٩ -

مقامه في إقامة الحدود ، وتنفيذ الأحكام ، وأن الواحد يجوز في
ذلك، وليس من باب الشهادات التي لا يجوز فيها إلا رجلان
فصاعداً](١) .
باب : قول الله ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات
[المؤمنات ) إلى قوله ﴿ فإذا أحصن فإن أتین بفاحشة فعليهن
نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ (٢) ] (٣) مسافحات :
زوان [ ولا متخذات ] (١) أخدان : أخلاء
فيه: أبو هريرة وزيد بن [ خالد] (٤): (( أن النبي - عليه السلام -
سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن ، قال : إن زنت فاجلدوها ، ثم إن
زنت فاجلدوها ... ثم بيعوها ولو بضفير )) قال ابن شهاب : لا أدري
أبعد الثالثة أم الرابعة.
اختلف العلماء في إحصان الأمة غير ذات الزوج ما هو .
فقالت طائفة : إحصان الأمة تزويجها ، فإذا زنت ولا زوج لها
[٤/ ق ٢٨-ب] فعليها الأدب ، ولا حد عليها . هذا قول ابن عباس وطاوس / وقتادة،
وبه قال أبو عبيد .
-٠
وقالت طائفة : إحصان الأمة إسلامها ، فإذا كانت الأمة مسلمة
وزنت وجب عليها خمسون جلدة [ سواء ] (١) كانت ذات زوج ، أو
لم تكن . روي هذا القول عن عمر بن الخطاب في رواية ، وهو قول
علي ، وابن مسعود ، وابن عمر ، وأنس ، والنخعي ، وإليه ذهب
مالك، والليث، والأوزاعي [ والكوفيون ] (٥) والشافعي.
(١) من ((هـ). (٢) النساء: ٢٥. (٣) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): الآية.
(٤) ليست في (( هـ ))، وفي ( الأصل)) ثابت، وهو تحريف، والمثبت من ( ن،
والفتح)) وهو الصواب، وانظر تحفة الأشراف (٢٣٧/٣ رقم ٣٧٥٦).
(٥) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): والكوفيين.
- ٤٧٠ -

وقال إسماعيل في قول من قال: فإذا أحصنّ : أسلمن بعد ؛ لأن
ذكر الإيمان قد تقدم لهن في قوله: ﴿من فتياتكم المؤمنات﴾ (١) فيبعد
أن يقال : من فتياتكم المؤمنات ، فإذا آمنٌ ، ويجوز في كلام الناس
على بعده في التكرير ، وأمر القرآن ينزل على أحسن وجوهه وأبينها .
وأما قول من قال : فإذا أحصن : تزوجن ، فلا حد على الأمة
حتى تزوج ، فإنهم ذهبوا في ذلك إلى ظاهر القرآن ، وأحسبهم لم
يعلموا هذا الحديث : (( أن النبي - عليه السلام - سُئل عن الأمة إذا
زنت، ولم تحصن. فقال: اجلدوها)) فالأمر عندنا أن الأمة إذا
زنت، وقد أحصنت مجلودة بكتاب الله ، وهو قوله : ﴿فإذا أحصن
فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ﴾ (١)
وإذا زنت قبل أن تحصن مجلودة بحديث رسول الله ◌َو المذكور في
هذا الباب ، وإنما استوى الإحصان فيها وغير الإحصان - والله أعلم -
لأنه جعل عليها إذا زنت نصف ما على الحرائر من العذاب ، وكان
عذاب الحرائر في الزنا الرجم في موضع ، والجلد في موضع فلما
جعل ما على الأمة نصف ما على الحرة من العذاب ؛ علمنا أن العذاب
الذي ينتصف هو الجلد ؛ لأن الجلد يكون له نصف ، والرجم
لا يكون له نصف .
وزعم أهل المقالة الأولى أنه لم يقل في هذا الحديث: (( ولم
تحصن)) غير مالك ، وليس كما زعموا ، وقد رواه يحيى بن سعيد ،
عن ابن شهاب كما رواه مالك ، ورواه كذلك أيضًا طائفة عن ابن
عيينة ، عن الزهري ، و[ إذا ] (٢) اتفق مالك ويحيى بن سعيد وابن
عيينة فهم حجة على من خالفهم ، وسيأتي [ ما بقي من معاني هذا
الباب بعد هذا - إن شاء الله تعالى ] (٣).
(١) النساء : ٢٥ .
(٢) من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): بعد. والمثبت من (( هـ).
- ٤٧١ -

باب : لا يثرب على الأمة إذا زنت ولا تنفی
فيه أبو هريرة : قال عليه السلام: (( إذا زنت الأمة فتبين [ زناها] (١).
فليجلدها ولا يثرب ... ثم إن زنت الثالثة ، فليبعها ولو بحبل من شعر)).
استدل بهذا الحديث من لم يوجب النفي على النساء ، أحرارًاً كن
أو إماء ، ولا على العبيد ، روي ذلك عن الحسن وحماد ، وهو قول
مالك ، والأوزاعي ، وعبيد الله بن الحسن ، وأحمد ، وإسحاق ،
وقال الشافعي وأبو ثور : على النساء النفي وعلى الإماء والعبيد.
وهو قول ابن عمر ، واحتج الشافعي بعموم قوله {وَله: ((من زنا
ولم يحصن فعليه جلد مائة وتغريب عام )) فعم ولم يخص ، واحتج
أيضًا بقوله تعالى : ﴿ فعليهن نصف ما على المحصنات من
العذاب﴾(٢) والتغريب له نصف.
واحتج عليه مخالفه بقوله عليه السلام: (( إذا زنت أمة أحدكم
فليجلدها ... ثم إن زنت الثالثة فليبعها)) فدل هذا على سقوط النفي
عنها ؛ لأنه محال أن يأمر ببيع من لا يقدر مبتاعه على قبضه من بائعه
إلا بعد مضي ستة أشهر ، وأيضًا فإن العبيد والإماء لا وطن لهم
فيعاقبوا بإخراجهم عنه ، وفي نفيهم قطع للسيد عن الخدمة وضرر ،
ومما يدل أنه لا نفي على النساء قوله عليه السلام : (( لا تسافر امرأة
يومًا وليلة إلا مع ذي محرم )) فإن أخرجتم معها ذا محرم عاقبتم من
زنا ومن لم يزن وهذا محال ، وإن قلتم إنها تغرب وحدها فقد خالفتم.
الخبر ؛ لأن النبي - عليه السلام - نهاها أن تسافر وحدها ، وفي قوله
[٢٩٥/٤-١] عليه السلام: فليجلدها / إباحة للسيد أن يقيم الحدود على عبيده .
1
(١) من ((هـ).
(٢) النساء : ٢٥ .
- ٤٧٢ -

وقد اختلف العلماء في ذلك ، فقال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو
ثور : للسيد أن يقيم الحدود كلها على عبيده . وقال مالك والليث :
يحده السيد في الزنا وشرب الخمر والقذف إذا شهد عنده الشهود لا
بإقرار العبد إلا القطع خاصة فإنه لا يقطعه إلا الإمام . وقال
الكوفيون: لا يقيم الحدود كلها إلا الإمام خاصة ، فإذا علم السيد أن
عبده زنا [ يوجعه ] (١) ضربًا ولا يبلغ به الحد . وحجتهم ما روي عن
الحسن ، وعبد الله بن محيريز ، وعمر بن عبد العزيز أنهم قالوا :
الجمعة والحدود والزكاة والنفي والحكم إلى السلطان خاصة .
وحجة القول الأول قوله عليه السلام: (( إذا زنت أمة أحدكم
فليجلدها )) وسائر الحدود قياسًا على الجلد الذي جعله النبي - عليه
السلام - إلى السيد ، وروي عن ابن عمر ، وابن مسعود ، وأنس
وغيرهم أنهم أقاموا الحدود على عبيدهم ، ولا مخالف لهم من
الصحابة .
وحجة مالك ظاهر حديث أبي هريرة ، وإنما استثنى القطع ؛ لأن
فيه مثلة بالعبد ، فيدعي السيد أن [ عبده ] (٢) سرق ليزيل عنه العتق
الذي يلزمه بالمثلة ، فمنع منه قطعًا للذريعة ، وحد الزنا وغيره لا مثلة
فيه ، فلا يتهم عليه .
وقد قال بعض أصحاب مالك : إن للسيد قطعه إذا قامت على ذلك
بينة .
وقال ابن المنذر : يقال الكوفيين إذا جاز ضربه تعزيرًا ، وذلك غير
واجب على الزاني ، ومنع مما أطلقته السنة، فذلك خلاف للسنة الثابتة.
(١) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): يوجبه.
(٢) في (( الأصل)) : غيره .
- ٤٧٣ -

وقوله : « فلیجلدها ولا يثرب » يدل أن کل من وجب عليه حد
وأقيم عليه أنه لا ينبغي أن يثرب عليه ولا يعدد ، وإنما يصلح التثريب
واللوم قبل مواقعة الذنب للردع والزجر عنه .
وقوله عليه السلام: ((ثم ليبعها ولو بضفير )) معناه عند الفقهاء
الندب والحض على مباعدة الزانية لما في السكوت على ذلك من خوف
الرضى به ، وذلك ذريعة إلى تكثير أولاد الزنا ، وقد قالت أم سلمة:
(( يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال: نعم إذا كثر الخبث».
قال بعض أهل العلم : الخبث : أولاد الزنا .
وقال أهل الظاهر بوجوب بيع الأمة إذا زنت [الرابعة](١) وجلدت،
ولم يقل به أحد من السلف ، وكفى بهذا جهلا ، ولا يشتغل بهذا
القول الشذوذه ، وقد نهى عليه السلام عن إضاعة المال فكيف يأمر ببيع
أمة لها قيمة بحبل من شعر لا قيمة له ؟ وإنما أراد بذلك النهي عنها ،
والأمر بمجانبتها ، فخرج لفظه عليه السلام على المبالغة في ذلك ،
وهذا من فصيح كلام العرب .
باب : أحكام أهل الذمة وإحصائهم إذا زنوا
ورفعوا إلى الإمام
فيه : ابن أبي أوفى: (( رجم النبي - عليه السلام - فقلت : أَقَبْلَ النور
أم بعد ؟ قال : لا أدري)) وقال بعضهم : المائدة ، والأول أصح .
فيه ابن عمر: (( أن اليهود جاءوا إلى النبي - عليه السلام - فذكروا له
أن رجلا منهم وامرأة زنيا . فقال لهم رسول الله : ما تجدون في التوراة
(١) من (( هـ)).
- ٤٧٤ -

في شأن الرجم ؟ فقالوا : نفضحهم ويجلدون . فقال عبد الله بن سلام:
كذبتم ، إن فيها الرجم . فأتوا بالتوراة فنشروها ، فوضع أحدهم بده
على آية الرجم ، فقرأ ما قبلها وما بعدها ، فقال له عبد الله بن سلام :
ارفع يدك . فرفع یده، فإذا فيها آية الرجم ، قالوا : صدق یا محمد ، فيها
آية الرجم ، فأمر بهما رسول الله فرجما ، فرأيت الرجل يحنى على المرأة
يقيها الحجارة )) .
اختلف العلماء في إحصان أهل الذمة ، فقالت طائفة في الزوجين
الكتابيين يزنيان ويرفعان إلينا : عليهما الرجم ، وهما محصنان ، هذا
قول الزهري والشافعي و[ قال ] (١) الطحاوي : وروي عن أبي
يوسف أن أهل الكتاب يحصن بعضهم بعضًا ، ويحصن / المسلم [٢٩٥/٤ سب]
النصرانية ، ولا تحصنه النصرانية ، واحتج الشافعي بحديث ابن عمر
أن النبي - عليه السلام - رجم اليهوديين اللذين زنيا ، وقال : إنما
رجمتهما لأنهما [ كانا ] (١) محصنين. وقال النخعي: لا [يكونان](٢)
محصنين حتى يجامعا بعد الإسلام . وهو قول مالك والكوفيين ،
قالوا : الإسلام من شرط الإحصان ، وقالوا في حديث ابن عمر :
إن رجم النبي - عليه السلام - اليهوديين اللذين زنيا بحكم التوراة
حين سأل الأحبار عن ذلك ، إنما كان من باب تنفيذ الحكم عليهم
بكتابهم التوراة ، وكان ذلك أول دخوله عليه السلام المدينة ، ثم نزل
عليه القرآن بعد ذلك الذي نسخ خطه وبقي حكمه ، فالرجم لمن زنا،
فليس رجمه اليهوديين من باب إحصان الإسلام في شيء ، وإنما هو
من باب تنفيذ الحكم عليهم بالتوراة ، وكان حكم التوراة بالرجم على
المحصن وغير المحصن ، وكان على النبي - عليه السلام - اتباعه
والعمل به ؛ لأن على كل نبي اتباع شريعة النبي الذي قبله حتى
(١) من (( هـ)).
(٢) من (( هـ)، وفي ((الأصل)): يكونا .
- ٤٧٥ -

يحدث الله له شريعة تنسخها ، فرجم رسول الله اليهوديين على ذلك
الحكم ، ثم نسخ الله تعالى [ ذلك ] (١) بقوله: ﴿واللاتي يأتين
الفاحشة﴾ إلى ﴿البيوت ... أو يجعل الله لهن سبيلا﴾ (٢) (فجعل)(٣)
هذا ناسخًا لما قبله ، ولم يفرق في ذلك بين المحصن ولا غيره ، ثم
نسخ ذلك بالآية التي بعدها ، ثم جعل الله لهن سبيلا ، فقال
رسول الله: (( خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا ؛ البكر بالبكر جلد
مائة وتغريب عام ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم )) ففرق حينئذ بين
حد المحصن وغير المخصن . هذا قول الطحاوي ، ونزل بعد هذا على
النبي - عليه السلام - : ﴿ أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى
عليهم﴾ (٤) فلم يحكم بعد هذه الآية بين أهل الكتاب إذا تحاكموا إليه
إلا بالقرآن ، إلا أن العلماء اختلفوا في أهل الذمة إذا تحاكموا إلينا ،
فقالت طائفة : الإمام مخير في ذلك إن شاء حكم بينهم ، روي هذا
عن ابن عباس ، وعطاء ، والشعبي ، والنخعي ، وهو قول مالك ،
وأحد قولي الشافعي ، وجعلوا قوله تعالى : ﴿ فاحكم بينهم أو
أعرض عنهم ﴾ (٥) محكمة غير منسوخة.
وقال آخرون : واجب على الحاكم أن يحكم بينهم ، وزعموا أن
قوله تعالى : ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ (٦) [ ناسخ للتخيير في
الحكم ] (٧) بينهم : روي هذا عن مجاهد وعكرمة ، وبه قال أبو
حنيفة وأصحابه، وقول الشافعي الثاني. [ وتأول ] (٨) الأولون
قوله: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ (٦) إن حكمت.
(١) من (( هـ)).
(٤) العنكبوت : ٫٥١
(٢) النساء : ١٥ .
(٥) المائدة : ٤٢ .
:
(٣) في (( هـ)) : فكان
(٦) المائدة : ٤٩
(٧) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): التخيير.
(٨) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): وتأولوا.
- ٤٧٦ -

باب : إذا رمى امرأته أو امرأة غيره بالزنا عند الحاكم والناس هل
للحاكم أن يبعث إليها فيسألها عما [ رميت ] (١) به
فيه : أبو هريرة وزید بن خالد : « أن رجلین اختصما إلی رسول الله ،
فقال أحدهما : اقض بيننا بكتاب الله ، وقال الآخر - وهو أفقههما - :
أجل يا رسول الله ، اقض بيننا بكتاب الله ، وائذن لي أن أتكلم . قال :
تكلم . قال : إن ابني كان عسيفًا على هذا - قال مالك : والعسيف :
الأجير - فزنا بامرأته ، فأخبروني أن [ على ] (٢) ابني الرجم ، فافتديت
[منه ] (٢) بمائة شاة وبجارية لي، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني إنما
على ابني جلد مائة وتغريب عام، وإنما الرجم على امرأته ، فقال رسول
الله : أما والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله ، أما غنمك
وجاريتك فرد عليك . وجلد ابنه مائة وغربه عامًا، وأمر [ أنيسًا ](٣)
الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت رجمها ، فاعترفت فرجمها )).
أجمع العلماء أن من قذف امرأته أو امرأة غيره أو رجلا بالزنا فلم
[يأت ] (٤) على ذلك بالبينة أن [الحد ] (٥) يلزمه إلا أن يقر له
المقذوف بالحدّ ويعترف به ، فلهذا وجب على الحاكم أن يبعث إلى
المرأة يسألها عما رميت به / لأنه لا يلزمها الحد عند عدم البيئة إلا [٤/ ف٣٠-١]
بإقرارها ، ولو لم تعترف المرأة في هذا الحديث لوجب على والد
العسيف الحد لقذفه لها ، ولم يلزمه الحد لو لم يعترف ابنه بالزنا ؛
لأنه يسقط عنه حد القذف لابنه .
واختلف العلماء فيمن أقر بالزنا بامرأة معينة وجحدت المرأة قال
مالك : يقام عليه حد الزنا ، وإن طلبت حد القذف أقيم عليه أيضًا ،
(١) من (( هـ، ن)) وفي ((الأصل)): رمت .
(٣) من (( هـ )) وفي ((الأصل)): أنيس.
(٤) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): يأته .
(٢) من (( هـ)).
(٥) في (( هـ)»: الجلد .
- ٤٧٧ -

وكذلك لو أقرت هي، و[ أنكر ] (١) هو ، وقال أبو حنيفة
والأوزاعي : عليه حد القذف ، ولا حد عليه للزنا . وقال أبو يوسف
ومحمد والشافعي : من أقر منهما فإنما عليه حد الزنا فقط . والحجة
لقول مالك أن حد الزنا واجب عليه بإقراره ، وليس إقراره دليلا على
صدقه على المقذوف ؛ لأنا لو علمنا صدقه بالبيئة أو بإقرار المرأة لم
يجب عليه الجد ، فلما لم يكن إلى البينة ولا إلى إقرار المرأة سبيل
وجب لها أن تطلب حقها من القاذف ، كما لو أقر رجل أن زوجته
أخته لحرمت عليه ولم يثبت نسبها بقوله وحده .
والحجة لأبي حنيفة والأوزاعي ، أنه لما قذفها ولم يأت بأربعة
شهداء لزمه حد القذف لقوله تعالى : ﴿والذين يرمون المحصنات﴾(٢).
الآية ، فلما حد لها استحال أن يحد في الزنا [ لحكمنا ] (٣) لها
بالإحصان ، وأيضًا فإنه لا يجوز أن يجتمع حدان أبدًا ، فإذا اجتمعا
ثبت ألزمهما ، وإنما كان عنده حد القذف ألزم من حد الزنا ؛ لأن من
أقر على نفسه بالزنا ثم رجع فإنه يقبل رجوعه ، ومن قذف أحدًا لم
ينفعه الرجوع ، وكذلك من وجب عليه حد الزنا والقذف وكان عليه
القتل ؛ فإنه يحد للقذف ويقتل ولا يحد للزنا .
والحجة لأبي يوسف ومحمد والشافعي أنا قد أحطنا علمًا أنه
لا يجب عليه الحدان جميعًا ؛ لأنه إن كان زانيًا فلا حد عليه للقذف ،
وإن كان قاذفًا لمحصنة فليس بزان، وهو قاذف فحُد للقذف ، وإنما
وجب عليه حد الزنا لأن من أقر على نفسه وعلى غيره لزمه ما أقر به
على نفسه ، وهو مدعٍ فيما أقر به على غيره ، فلذلك لم يقبل قوله
عليها ، ويؤخذ بإقراره على نفسه .
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): فر.
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): بحكمنا .
(٢) النور : ٤ .
- ٤٧٨ -

باب : من أدب أهله أو غيره دون السلطان
قال أبو سعيد عن النبي - عليه السلام -: (( إذا صلى فأراد أحد أن يمر
بین یدیه فلیدفعه ، فإن أبی فلیقاتله » وفعله أبو سعيد .
فيه : عائشة قالت : (( جاء أبو بكر ورسول الله واضع رأسه على
فخذي، فقال : أحبست رسول الله والناس ليسوا على ماء ؟ فعاتبني
وجعل يطعن [ بيده ](١) في خاصرتي ، ولا يمنعني من التحرك إلا مكان
رسول الله ... )) الحديث. وقالت مرة: (( لكزني لكزة شديدة ، وقال :
حبست الناس ( لقلادة ) (٢) فبي الموت لمكان النبي - عليه السلام -
وقد أوجعني )) .
في حديث أبي سعيد : أنه يجوز للرجل أن يؤدب غير أهله بحضرة
السلطان إذا كان ذلك في واجب وعلم أن السلطان يرضى بذلك ،
ولا ينكره لجوازه في الشريعة .
قال المهلب : وفي حديث عائشة أنه يجوز أن يؤدب ابنته بحضرة
زوجها لا سيما في أمر الدين ، وقد تقدم [ هذا الحديث ] (١) في
[كتاب] (١) التيمم [ وتقدم حديث أبي سعيد في كتاب الصلاة في باب
يرد المصلي من مَرَّ بين يديه] (١).
باب : من رأى مع امرأته رجلا فقتله
فيه : سعد بن عبادة قال: (( لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف
غير مصفح، فبلغ ذلك رسول الله وَلهم فقال : أتعجبون من غيرة سعد؟
لأنا أغير منه ، والله أغير مني )) .
(١) من ( هـ)).
(٢) في (( هـ ): في قلادة .
- ٤٧٩ -

قال المهلب : معنى قوله عليه السلام: ((أتعجبون من غيرة سعد؟
والله أغير مني )) يدل على وجود القود فيمن قتل رجلا وجده مع امرأته
لأن الله - تعالى - وإن كان أغير من عباده فإنه قد أوجب الشهود في
[٤/ ق٣٠-ب] الحدود / فلا يجوز لأحد أن يتعدى حدود الله ، ولا يسفك دمًا.
بدعوى . وقد روى مالك هذا المعنى في حديث سعد بينًا ، روى
مالك ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة : (( أن
سعد بن عبادة قال : يا رسول الله ، أرأيت إن وجدت مع امرأتي
رجلا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء ؟ فقال رسول الله : نعم )) ففي
هذا من الفقه قطع الذرائع والتسيب إلى قتل الناس والادعاء عليهم
بمثل هذا وشبهه ، وفي حديث سعد من رواية مالك : النهي عن إقامة
الحدود بغير سلطان وبغير شهود ؛ لأن الله - تعالى - عظم دم المسلم
وعظم الإثم فيه ، فلا يحل سفكه إلا بما أباحه الله به ، وبذلك أفتى
علي بن أبي طالب فيمن قتل رجلا وجده مع امرأته فقال: إن لم يأت
بأربعة شهداء ؛ فليعط برمته . أي يسلّم برمته للقتل ، وعلى هذا
جمهور العلماء .
وقال الشافعي وأبو ثور : يسعه فيما بينه وبين الله قتل الرجل
وامرأته إن كانا ثيبين وعلم أنه قد نال منها ما يوجب الغسل ولا يسقط
عنه القود في الحكم .
وقال أحمد بن حنبل : إن جاء ببينة أنه وجده مع امرأته وقتله يهدر
دمه إن جاء بشاهدين . وهو قول إسحاق وهذا خلاف قوله في
حديث مالك: (( أمهله حتى آتي بأربعة شهداء ؟ قال : نعم )) وقال
ابن حبيب: إذا كان المقتول محصنًا ، فالذي ينجي قاتله من القتل أن
يقيم أربعة شهداء أنه فعل بامرأته ، وأما إن كان المقتول غير محصن
فعلى قاتله القود ، وإن أتى بأربعة شهداء ، هذا وجه الحديث عندي،
- ٤٨٠ -