النص المفهرس

صفحات 421-440

وليسوا بمرتدين لفسادهم في الأرض ، كذلك يحل قتل المحاربين وإن
لم يكونوا قتلوا ولا ارتدوا لفسادهم في الأرض .
(واختلف ) (١) في صفة نفي المحارب ، فعند مالك أنه ينفيه إلى
غير بلده ويحبسه فيه حتى يظهر توبته ، وقال أبو حنيفة : نفيهم من
الأرض هو أن يحبسوا في بلدهم . وقال الشافعي : نفيهم هو إذا
هربوا بعث الإمام خلفهم وطلبهم ليأخذهم ويقيم عليهم الحد .
قال ابن القصار : والنفي بعينه أشبه بظاهر القرآن لقوله تعالى :
﴿أو ينفوا من الأرض﴾ (٢) وهذا يقتضي أن ينفيهم الإمام كما يقتلهم
أو يصلبهم ، وما قاله أبو حنيفة من الحبس في بلدهم فالنفي ضد
الحبس [ وليس يعقل من النفي حبس الإنسان ] (٣) في بلده ، وإنما
يعقل منه إخراجه من وطنه وهو أبلغ في ردعه ثم يحبس في المكان
الذي يخرج إليه حتى يظهر توبته ، هذا حقيقة النفي ، وهو أشد في
الردع والزجر وقد قرن الله مفارقة الوطن بالقتل [ فقال: ﴿ولو أنا
كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم﴾ (٤) الآية ](٥).
باب : لم يحسم النبي عليه السلام المحاربين
من أهل الردة حتى هلكوا
فيه: أنس: ((أن النبي (988 قطع العرنيين ولم يحسمهم حتى ماتوا)).
إنما لم يحسم النبي - عليه السلام - [ العرنيين ] (٥) والله أعلم -
لأن قتلهم كان واجبًا بالردة ، فمحال أن يحسم يد من يطلب نفسه وأما
(١) في (( هـ)): واختلفوا.
(٢) المائدة : ٣٣ .
(٣) في (( الأصل)): وليس من يعقل من الحبس الانتشار.
(٤) النساء : ٦٦ .
(٥) من ( هـ ).
- ٤٢١ -

من وجب قطع يده في حد من الحدود فالعلماء مجمعون أنه لا بد من
حسمها ؛ لأنه أقرب إلى البر وأبعد من التلف .
قال ابن المنذر : وقد روي عن النبي أنه أمر بقطع يد رجل سرق ثم
قال: ((احسموها)) وفي إسناده مقال .
واختلف العلماء في فعل النبي - عليه السلام - بالعرنيين فقالت
طائفة من السلف : كان (١) هذا قبل نزول الآية في المحاربين ، ثم
نزلت الحدود بعد ذلك على النبي - عليه السلام - ونهي عن المثلة
:
فنسخ ذلك حديث العرنيين ، روي هذا عن ابن سيرين وسعيد بن
جبير وأبي الزناد .
وقالت طائفة : حديث العرنيين غير منسوخ ، وفيهم نزلت آية
المحاربين، وإنما فعل النبي وَّ بهم ما فعل قصاصًا ؛ لأنهم فعلوا
بالرعاء مثل ذلك ، ذكره أهل السير . وروى محمَّد بن فليح ، عن
[موسى بن عقبة] (٢) عن ابن شهاب: أن العرنيين قتلوا يسارًا راعي.
النبي - عليه السلام - ثم مثلوا به واستاقوا اللقاح .
وذكر ابن إسحاق قال : حدثني بعض أهل العلم [ عمن ] (٣)
حدثه ، عن محمد بن طلحة ، عن عثمان بن عبد الرحمن قال :
(«أصاب رسول الله في غزوة محارب بني ثعلبة عبدًا يقال له يسار ،
فجعله في لقاح له يرعى في ناحية الحمى فخرجوا إليها ، فقدم إلى
النبي - عليه السلام - نفر من قيس ( بعطية ) (٤) من نخيلة فاستوبئوا.
وطحلوا ، فأمرهم أن يخرجوا إلى اللقاح يشربوا من أبوالها وألبانها،
(١) زاد في هذا الموضع بالأصل: قبل . وهي مقحمة.
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)) : أبي موسى ، عن عقبة.
(٣) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): عن .
(٤) في ( هـ)): بعكنة .
- ٤٢٢ -

فخرجوا إليها ، فلما صحّوا وانطوت بطونهم عدوا على راعي
رسول الله يسار فذبحوه وغرزوا الشوك في عينيه ... )) وذكر
الحديث. وروى أبو عيسى الترمذي : حدثنا الفضل بن سهل الأعرج،
حدثنا / يحيى بن غيلان ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا سليمان (٤/ ق١٩ -ب]
التيمي، عن أنس بن مالك قال: (( إنما سمل النبي - عليه السلام -
أعين العُرنيين ؛ لأنهم سملوا أعين الرعاء )) . قال أبو عيسى : وهذا
حديث غريب .
قال المؤلف : فلما اختلفوا في تأويل هذا الحديث أردنا أن نعلم أي
التأويلين أولى فوجدناه قد صحب حديث العرنيين عمل من الصحابة
فدل أنه غير منسوخ . روي عن أبي بكر الصديق أنه حرق عبد الله بن
إياس بالنار حيا لارتداده ومقاتلته الإسلام ، وحرق علي بن أبي طالب
الزنادقة . وقد رأى جماعة من العلماء تجريق مراكب العَدو وفيها
أسرى المسلمين ، ورجموا الحصون بالمجانيق [ والنيران ] (١) وتحريق
من فيها من الذراري .
قال المهلب : وهذا كله يدل أن نهيه عليه السلام عن المثلة ليس بذي
تحريم وإنما هو على الندب والحض ، فوجب أن يكون فعل النبي -
عليه السلام - بالعرنيين غير مخالف الآية .
وذكر ابن المنذر عن بعض أهل العلم قالوا : فحكم النبي في
العرنيين ثابت لم ينسخه شيء ، وقد حكم الله في كتابه بأحكام فحكم
النبي - عليه السلام - بها وزاد في الحكم ما لم يذكر في كتاب الله
أوجب الله على الزاني جلد مائة ، وأوجب النبي عليه ذلك وزاد في
سنته نفي سنة ، وأوجب الله اللعان بين المتلاعنين وفرق النبي - عليه
السلام - بينهما ، وليس ذلك في كتاب الله ، وألحق الولد بالأم ونفاه
عن الزوج وأجمع العلماء على قبوله والأخذ به .
(١) من ( هـ).
- ٤٢٣ -

وحسمت الشيء : قطعته . عن صاحب العين .
وفي كتاب الأفعال حَسم العرق حسمًا : كواه بالنار لينقطع دمه .
باب : لم يسق المرتدون والمحاربون حتى ماتوا
فيه : أنس: (( قدم رهط من عكل على النبي - عليه السلام - كانوا في:
الصفة فاجتووا المدينة . فقالوا : يا رسول الله ، أبغنا رسلا ، قال : ما أجد
لكم إلا أن تلحقوا بإبل رسول الله ، فأَتوها فشربوا من ألبانها وأبوالها
حتى صحوا وسمنوا وقتلوا الراعي واستاقوا الذود ، فأتى النبي الصريخ
فبعث الطلب في آثارهم فما ترجل النهار حتى أتي [ بهم ] (١) فأمر
بمسامير فأحميت ، فكحلهم وقطع أيديهم وأرجلهم وما حسمهم . ثم
ألقوا في الحرة يستسقون فما ( أسُقوا ) (٢) حتى ماتوا)) قال أبو
[قلابة](٣): سرقوا وقتلوا، وحاربوا الله ورسوله وكفروا . وروي:
وسمر أعينهم .
وترجم له باب : سمر النبي أعين المحاربين .
أجمع العلماء فيمن وجب عليه حد ، سواء كان ذلك الحد يبلغ
النفس أم لا أنه لا يمنع شرب الماء لئلا يجتمع عليه عذابان . وقد أمر
النبي القاتل بإحسان القتلة ، وأمر ذابح الحيوان بحد الشفرة والإجهاز
عليه ..
ومعنى ترك سقي العرنيين حتى ماتوا كمعنى ترك حسمهم
قال المهلب : ويحتمل أن يكون ترك سقيهم - والله أعلم - عقوبة
لما جازوا سقي النبي - عليه السلام - لهم اللبن حتى انتعشوا
(١) من (( هـ).
(٢) في (( هـ)): سقوا.
(٣) في ((الأصل)): قتادة. والمثبت من ((هـ، ن)).
- ٤٢٤ -

[بالارتداد] (١) والحرابة والقتل، فأراد أن يعاقبهم على كفر السقي
بالإعطاش فكانت العقوبة مطابقة [ للذنب ] (٢).
وفيه وجه آخر قريب من هذا ، روى ابن وهب عن معاوية بن
صالح ويحيى بن أيوب ، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب-
وذكر هذا الحديث - ((فعمدوا إلى الراعي غلام لرسول الله و ◌َالو
فقتلوه واستاقوا اللقاح فزعم أن رسول الله بَ لّه قال: عطش الله من
عطش آل محمد الليلة. فكان ترك سقيهم إجابة لدعوته عليه السلام».
وسمل وسمر لغتان بمعنى واحد .
فإن قيل : قال أنس في هذا الحديث (( بإبل النبي )) وقال في أول
كتاب المحاربين ((بإبل الصدقة)) فما وجه ذلك ؟
قيل : وجهه - والله أعلم - أن النبي كانت له إبل من نصيبه من
المغنم ، وكان يشرب لبنها ، وكانت ترعى مع إبل الصدقة فأخبر مرة
في هذا الحديث عن إبله ، وأخبر / مرة عن إبل الصدقة فإنها كانت (٤/ ٢٠-١]
لا تخفى لكثرتها من أجل رعيها معها ومشاركتها في المسرح والمرتع .
*
باب : فضل من ترك الفواحش
فيه : أبو هريرة قال عليه السلام : (( سبعة يظلهم الله يوم القيامة في ظله
يوم لا ظل إلا ظله ، إمام عادل ، وشاب نشأ في عبادة الله ، ورجل ذكر
الله في خلاء ففاضت عيناه ، ورجل قلبه معلق بالمساجد ، ورجلان تحابا
في الله ، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال إلى نفسها فقال : إني
أخاف الله ، ورجل تصدق فأخفی حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه )) .
(١) من (( هـ) وفي ((الأصل)): بالالتذاذ.
(٢) من ((هـ )) وفي ((الأصل)): للذنوب .
- ٤٢٥ -

وفيه : سهل بن سعد الساعدي قال عليه السلام : (( من توكل لي ما بين
رجلیه وما بین لحییه تو کلت له بالجنة )) .
قوله عليه السلام: (( سبعة يظلهم الله في ظله)) معناه : يسترهم في
ستره ورحمته .
تقول العرب : أنا في ظل فلان : أي في ستره وكنفه ، وتسمي
العرب الليل ظلا لبرده وروحه .
ويدخل في معنى قوله (( إمام عادل)) : من حكم بين اثنين فما
فوقهما لقوله عليه السلام: (( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)).
وروى عبد الله بن عمر عن النبي - عليه السلام - أنه قال :
(([المقسطون] (١) يوم القيامة على منابر النور عن يمين الرحمن - عز
وجل - الذين يعدلون في حكمهم وأهاليهم وما ولُوا )).
وقوله : (( شاب نشأ في عبادة الله)) فروى عقبة بن عامر قال: قال:
رسول الله: (( عجب ربك تعالى لشاب ( ليس ) (٢) له صبوة )) وفي
قوله : (( شاب نشأ في عبادة الله )) فضل من يسلم من الذنوب وشغل
بطاعة ربه طول عمره .
وهذا حجة لمن قال : إن الملائكة أفضل من بني آدم ؛ لأن الملائكة
يسبحون الليل والنهار لا يفترون .
وفيه : فضل البكاء من خشية الله ، وفي اشتراطه الخلوة بذلك
حصر وندب على أن يجعل المرء وقتًا من خلوته للندم على ذنوبه ويفزع
إلى الله بإخلاص من قلبه ، وتضرع إليه في غفرانها فإنه يجيب المضطر
إذا دعاه ، وألا يجعل خلوته كلها في لذاته كفعل البهائم التي قد
(١) في ((الأصل)): المقسطين. وما أثبتناه من (( هـ)).
(٢) فى (( هـ): ليست.
- ٤٢٦ -

أمنت الحساب والمساءلة عن الفتيل والقطمير على رءوس الخلائق فينبغي
لمن لم يأمن ذلك وأيقن به أن يطول في الخلوة بكاؤه ويتبرم (لحياته)(١)
وتصير الدنيا سجنه لما سلف من ذنوبه .
روى أبو هريرة عن النبي - عليه السلام - أنه قال: ((لا يلج النار
أحد بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع)).
روى أبو عمران عن أبي الجلد قال : قرأت في مسألة داود - عليه
السلام - ربه : ((إلهي ما جزاء من بكى من خشيتك حتى تسيل دموعه
على وجهه قال : أسلم وجهه من لفح النار وأؤمنه يوم الفزع )).
وفيه فضل الحب في الله قال مالك : الحب في الله والبغض في الله
من الفرائض .
روى أبو مسعود والبراء بن عازب عن النبي - عليه السلام - : أن
ذلك من أوثق عُرى الإيمان . وروى ثابت عن أنس قال النبي - عليه
السلام - (٢): (( ما تحاب رجلان في الله إلا كان أفضلهما أشدهما
حبا لصاحبه)) وروى أبو [ رزين ] (٣) قال: ((قال لي النبي - عليه
السلام: يا أبا رزين إذا خلوت فحرك لسانك بذكر الله ، وحب في الله
وأبغض في الله ، فإن المسلم إذا زار أخاه في الله - تعالى - يشيعه
سبعون ألف ملك يقولون : اللهم وَصَلَه فيك فصِلْه )».
ومن فضل المتحابين في الله أن كل واحد منهما إذا دعا لأخيه بظهر
الغيب أمَّنَ الملك على دعائه، رواه أبو الدرداء عن النبي - عليه السلام.
وأما الذي دعته امرأة ذات منصب إلى نفسها فقال : إني أخاف الله.
فهو رجل عصمه الله ومنّ عليه بفضله حتى خافه بالغيب فترك ما يهوى
(١) في (( هـ )) : بحياته.
(٢) ورد هنا : قال . وهي زائدة .
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)) : زين .
- ٤٢٧ -

لقوله تعالى : ﴿ وأما من خاف مقام ربه ونھی النفس عن الهوى فإن
الجنة هي المأوى ﴾ (١) وقال : ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ (٢)
[فتفضل ](٣) الله على عباده بالتوفيق والعصمة وأثابهم على ذلك روى
[٤/ ق٢٠- ب) أبو معمر عن [ سلمة ] (٤) بن / نبيط عن عبيد بن أبي الجعد ، عن
كعب الأحبار قال : إن في الجنة لدار ، درة فوق درة ، ولؤلؤة فوق
لؤلؤة ، فيها سبعون ألف قصر ، في كل قصر سبعون ألف دار، في
كل دار سبعون ألف بيت ، لا ينزلها إلا نبي أو صديق أو شهيد أو
محكم في نفسه أو إمام عادل ، قال سلمة : فسألت عبيدًا عن المحكم
في نفسه قال : هو الرجل يطلب الحرام من النساء أو من المال فيعرض
له فإذا ظفر به تركه مخافة الله فذلك المحكم في نفسه .
وقوله : ((رجل تصدق بصدقة فأخفاها )) يعني صدقة التطوع ؛ لأن
صدقة [ الفرض ] (٥) إعلانها أفضل من إخفائها ليقتدى به في ذلك
ويظهر دعائم الإسلام ..
وقوله : (( حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه )) إخفاء بذلك،
ومصداق هذا الحديث في قوله تعالى : ﴿إن تبدوا الصدقات فنعمًا هي
وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ﴾ (٦).
وقوله: (( من ضمن لي ما بين لحبيه)) يريد لسانه ((وما بين رجليه))
یرید فرجه .
i
وأكثر [ بلاء ] (٧) الناس من قبل فروجهم وألسنتهم ، فمن سلم
من ضرر هذين فقد سلم وكان النبي - عليه السلام - له كفيلا بالجنة.
(١) النازعات : ٤٠.
(٢) الرحمن : ٤٦.
(٣) في ((الأصل)): وتفضل.
(٤) من (( هـ )).
(٥) في ((الأصل)): السر. والمثبت من (هـ)). (٦) البقرة : ١٧١.
(٧) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): بلى.
- ٤٢٨ -

باب : إثم الزناة وقوله تعالى : ﴿ ولا يزنون ﴾(١)
﴿ولا تقربوا الزنا إنّه كان فاحشة وساء سبيلا﴾ (٢)
فیه : أنس قال: « لأحدثکم حديثًا لا يحدثکموه أحد بعدي سمعته من
النبي ◌َ سمعت (٣) النبي - عليه السلام - يقول: لا تقوم الساعة -
وإما قال : من أشراط الساعة - أن يرفع العلم ويظهر الجهل ، ويشرب
الخمر ، ويظهر الزنا ، ويقل الرجال ويكثر النساء حتى يكون لخمسين
امرأة القيم الواحد )) .
وفيه : ابن عباس قال: قال رسول الله وَله: (( لا يزني ( الزاني) (٤)
حين يزني وهو مؤمن ، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا يشرب
حين يشرب وهو مؤمن ، ولا يقتل وهو مؤمن )) . قال عكرمة : قلت
لابن عباس : كيف ينزع الإيمان منه؟ قال : هكذا وشبك بين أصابعه ثم
أخرجها ، فإن تاب عاد إليه هكذا وشبك بين أصابعه .
وفيه : أبو هريرة مثله ، غير قول عكرمة، قال أبو هريرة: (( والتوبة
معروضة بعد ) .
وفيه : عبد الله قال: (( قلت : يا رسول الله أي الذنب أعظم ؟ قال : أن
تجعل لله ندا وهو خلقك . قلت : ثم أي ؟ قال : أن تقتل ولدك من أجل
أن يطعم معك . قلت : ثم أي ؟ قال : أن تزاني حليلة جارك )) قال
یحیی مثله .
أجمعت الأمة أن الزنا من الكبائر وأخبر عليه السلام في حديث
أنس أن ظهوره من أشراط الساعة .
(١) الفرقان : ٦٨ .
(٣) ورد هنا: من . وهي زائدة.
(٢) الإسراء : ٣٢ .
(٤) في (( هـ)): العبد.
- ٤٢٩ -

!
قال المهلب : في حديث عبد الله ترتيب الذنوب في العظم ، وقد
يجوز أن يكون بين الذنبين المرتبين ذنب غير مذكور ، وهو أعظم من
المذكور ، وذلك أنه لا خلاف بين الأمة أن عمل قوم لوط أعظم من
الزنا . وكان عليه السلام إنما قصد بالتعظيم من الذنوب إلى ما يخشى
مواقعته وبه الحاجة إلى بيانه وقت السؤال كما فعل في الإيمان بوفد
عبد القيس وغيرهم .
وإنما عظم الزنا بحليلة الجار ، وإن كان الزنا كله عظيمًا ؛ لأن الجار
له من الحرمة والحق ما ليس لغيره ، فمن لم يراع حق الجوار فذنبه
مضاعف ؛ لجمعه بين الزنا وبين خيانة الجار الذي وصى الله - تعالى-
بحفظه .
--
۔۔
- ٤٣٠ -
٠ ٠

كتاب الرجم
باب: رجم المُحَصن
وقال الحسن : من زنا بأخته حُدَّ حدًّ الزنا
فيه: علي: ((حين رجم المرأة يوم الجمعة قال: رجمتها بسنة رسول الله)).
وفيه : الشيباني سألت عبد الله بن أبي أوفى : (( هل رجم رسول الله ؟
قال : نعم. قلت : قبل سورة النور [ أم ] (١) بعدها؟ قال: لا أدري)).
[٤/ ق٢١-٢]
وفيه : جابر : « أن رجلا من أسلم / أتی رسول الله فحدثه أنه قد زنا ،
فشهد على نفسه أربع شهادات ، فأمر به رسول الله فرجم وكان قد
أحصن )).
قال ابن المنذر : وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله
وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ﴾ (٢) وقال: ﴿من يطع الرسول
فقد أطاع الله ﴾ (٣) . فألزم خلقه طاعة رسوله ، وثبتت الأخبار عن
الرسول أنه أمر بالرجم ورجم ، ألا ترى قول علي : رجمنا بسنة
رسول الله ورجم عمر بن الخطاب ، فالرجم ثابت بسنة رسول الله
وبفعل الخلفاء الراشدين وباتفاق أئمة أهل العلم ، منهم مالك بن أنس
في أهل المدينة ، والأوزاعي في أهل الشام ، والثوري وجماعة أهل
العراق، والشافعي وأحمد وإسحاق [وأبو ] (٤) ثور .
ودفع الخوارج الرجم والمعتزلة واعتلوا بأن الرجم ليس في كتاب
(١) في ((الأصل)): أو. والمثبت من (( هـ، ن).
(٢) النساء : ٩٥. (٣) النساء: ٨٠. (٤) في ((الأصل، وهـ)): وأبي.
- ٤٣١ -

الله - تعالى - وما يلزمهم من اتباع كتاب الله مثله يلزمهم من اتباع
سنة رسول الله لقوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم
عنه فانتهوا﴾ (١) فلا معنى لقول من خالف السنة وإجماع الصحابة
واتفاق أئمة ( الفتوى ) (٢) ولا يعدون خلافًا . وقد روى حماد بن
زيد وحماد بن سلمة وهشيم ، عن علي بن زيد ، عن يوسف بن
مهران، عن ابن عباس قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول : أيها
الناس إن الرجم حق فلا يُحَد عنه فإن رسول الله قد رجم ، ورجم
أبو بكر ، ورجمنا بعدهما ، وسيكون قوم من هذه الأمة يكذبون
بالرجم والدجال ، وبطلوع الشمس من مغربها ، وبعذاب القبر ،
والشفاعة ، ويقوم يخرجون من النار بعدما امتحشوا.
اختلف العلماء فيمن زنا بأخته أو ذات رحم منه ، فقال بقول
الحسن: حده حد الزاني. مالك ويعقوب ومحمد والشافعي وأبو ثور .
وقالت طائفة : إذا زنا بالمحرمة قتل ، روي عن جابر بن زيد ،
وهو قول أحمد وإسحاق، واحتجوا بحديث البراء أن النبي وَلا بعث
إلى رجل نكح امرأة أبيه أن يضرب عنقه .
باب : لا ترجم المجنونة والمجنون
وقال [ علي لعمر] (٣) أما علمت أن القلم قد رفع عن المجنون حتى
يفيق ، وعن الصبي حتى يدرك وعن النائم حتى يستيقظ .
وفيه : أبو هريرة قال : (( أتى رجل رسول الله وهو في المسجد فناداه،
(١) الحشر : ٧ .
(٢) فى (( هـ)): الأمة.
(٣) في ((الأصل)): ابن عمر، وفي ((هـ)): عمر لعلي، والمثبت من (( ن))
والفتح .
: - ٤٣٢ -

فقال: يا رسول الله، إني زنيت . فأعرض عنه حتى ردَّد [ عليه ] (١) أربع
مرات ، فلما شهد على نفسه أربع مرات ، دعاه النبي - عليه السلام -
فقال : أبك جنون ؟ قال : لا . قال : فهل أحصنت ؟ قال : نعم . فقال
عليه السلام : اذهبوا به فارجموه . قال جابر : فكنت فيمن رجمه
فرجمناه بالمصلى فلما أذلقته [ الحجارة ] (١) هرب، فأدركناه
[بالحرة](٢) فرجمناه)).
قال المهلب : أجمع العلماء أن المجنون إذا أصاب الحد في حال
جنونه أنه لا يجب عليه حد ، وإن أفاق من جنونه بعد مواقعة الحد ؛
لأن القلم مرفوع عنه وقت فعله والخطاب غير متوجه إليه حينئذ ، ألا
ترى قوله عليه السلام الذي شهد على نفسه أربع شهادات ((أبك
جنون ؟)) فدل قوله هذا أنه لو اعترف بالجنون لدرأ الحد عنه ، وإلا
فلا فائدة لسؤاله هل بك جنون أم لا ؟
وأجمعوا أنه إن أصاب رجل حدا وهو صحيح ثم جُنّ بعد ذلك ،
أنه لا يؤخذ منه الحد حتى يفيق .
وأجمعوا أن من وجب عليه حد غير الرجم وهو مريض لا يرجى
برؤه فإنه ينتظر به حتى يبرأ فيقام عليه الحد ، فأما الرجم فلا ينتظر
[به](٣) لأنه إنما يراد به التلف فلا وجه للاستثناء به ، والله أعلم .
وأما قوله: (( فلما أذلقته الحجارة هرب)) قال ابن المنذر : ذكر
عن أحمد بن حنبل أنه قال : إذا هرب يترك .
وقال الكوفيون : إذا هرب وطلبه الشرط واتبعوه في فوره ذلك أقيم
عليه بقية الحد ، وإن أخذوه بعد أيام لم يقم عليه بقية الحد .
(١) من ((هـ)).
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): بالحجرة.
(٣) في (( هـ )): فيه .
- ٤٣٣ -

فاحتج أحمد بن حنبل بقوله عليه السلام : ( هلا تركتموه )) من
غير رواية البخاري .
قال ابن المنذر : يقام عليه الحد بعد يوم ، وبعد أيام وسنين ؛ لأن
[٢١٥/٤ -ب] / ما وجب عليه لا يجوز إسقاطه بمرور الأيام والليالي ، ولا حجة مع
من أسقط ما أوجبه الله من الحدود ، وقد بين جابر بن عبد الله معنى
قوله: (( فهلا تركتموه )) أنه لم يرد بذلك إسقاط الحد عنه . وروى
محمد بن إسحاق ، عن عاصم بن عمر ، عن قتادة قال : حدثني
حسين بن محمد ، عن علي قال: (( سألت جابراً عن قصة ماعز
فقال: أنا أعرف الناس بهذا الحديث كنت فيمن رجمه ، إنا لما رجمناه
فوجد مس الحجارة صرخ بنا : يا قوم ردوني إلى رسول الله إن قومي
هم قتلوني [ وغروني ] (١) من نفسي ، أخبروني أن رسول الله غير
قاتلي . فلم ننزع عنه حتى قتلناه فلما رجعنا إلى رسول الله أخبرناه ،
قال : فهلا تركتم الرجل وجئتموني)) . ليتثبت رسول الله فيه فأما.
لترك حد فلا .
فاختلفوا إذا أقر بالزنا ، ثم رجع عن إقراره .
فقالت طائفة : يترك ولا يحد . هذا قول عطاء والزهري والثوري
والكوفيين والشافعي وأحمد وإسحاق .
واختلف عن مالك في هذه المسألة فحكى عنه القعنبي أنه إذا اعترف
ثم رجع وقال : إنما كان هذا مني على وجه كذا وكذا لشيء يذكره ،
أن ذلك يقبل منه فلا يقام عليه الحد .
وقال أشهب : يقبل رجوعه إن جاء بعذر وإلا لم يقبل .
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): وغدوني.
- ٤٣٤ -

وروى ابن عبد الحكم عن مالك أنه إذا اعترف بغير محنة ثم نزع لم
يقبل منه رجوعه .
وقال أشهب وأهل الظاهر : وممن روي عنه أنه إذا أقر ثم رجع
لا يقبل منه رجوعه ، وأقيم عليه الحد ؛ وهم : ابن أبي ليلى والحسن
البصري .
قال ابن المنذر : واحتج الشافعي بقوله عليه السلام في ماعز : ((هلا
تركتموه)) قال: فكل حد الله فهو هكذا، ولقوله لماعز: ((لعلك
قبلت أو غمزت )) فالنبي كان يلقنه ويعرض عليه بعد اعتراف قد سبق
منه فلو أنه قال : نعم ، قبلت أو غمزت لسقط عنه الرجم ، وإلا لم
يكن لتعريض النبي لذلك معنى فعلم أنه إنما لقنه لفائدة وهي الرجوع،
فهذا دليل قاطع .
وحجة الآخرين أن الحدود تلزم بالبيئة أو بالإقرار ، وقد تقرر أنه لو
لزم الحد بالبينة لم يقبل قوله فكذلك إذا أقر ثم رجع ، وقالوا :
[ليس] (١) قوله - عليه السلام -: ((هلا تركتموه )) يوجب إسقاط
الحد عنه. ويحتمل أن يكون لما ذكره جابر بن عبد الله من النظر في
أمره والتثبت في المعنى الذي هرب من أجله ولو وجب أن يكون الحد
ساقطًا عنه بهربه لوجب أن يكون مقتولا خطأ .
وفي ترك النبي إيجاب الدية على عواقل القاتلين له بعد هربه دليل
على أنهم قاتلون من عليه القتل ، إذ لو كان دمه محقونًا بهربه لأوجب
على عواقل قاتليه ديته ، وليس في شيء من أخبار ماعز دليل على
الرجوع عما أقر به . وأكثر ما فيه أنه سأل عندما نزل به من الألم أن
يرد إلى رسول الله ولم يقل ما زنيت ، وهذا القول أشبه بالصواب .
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): بيان.
- ٤٣٥ -

باب : للعاهر الحجر.
فيه: عائشة قال عليه السلام: ((الولد للفراش وللعاهر الحجر)).
قال أبو عبيد وجماعة من أهل اللغة : معناه أن الزاني لا حظ له في
الولد ولا يلحق به نسبه .
والعرب تقول لمن طلب شيئًا ليس له : بفيك الحجر ، تريد الخيبة.
وقال بعضهم : للعاهر الحجر أي : للزاني الرجم بالحجر إذا كان
محصناً، والعاهر: [ الزاني ] (١).
وذكر ابن الأعرابي أن الفراش عند العرب يقال للرجل والمرأة ؛ لأن
كل واحد منهما فراش لصاحبه ، وقد تقدم ما فيه للعلماء في كتاب
الفرائض .
:
باب : الرجم بالبلاط
فیه : ابن عمر : « أتي النبي بيهودي وبهودیة قد أحدثا جميعًا ، فقال
لهم : ما تجدون في کتابکم ؟ قالوا : إن أحبارنا أحدثوا تحمیم الوجه
[٢٢٥/٤-)) والتجبية. قال عبد الله بن سلام: ادعهم يا رسول الله بالتوراة / فأتي بها
فوضع أحدهم يده على آية الرجم ، وجعل يقرأ ما قبلها وما بعدها ،
فقال له ابن سلام : ارفع يدك . فإذا آية الرجم تحت يده فأمر بهما رسول
الله فرجماً . قال ابن عمر : فرجما عند البلاط فرأيت اليهودي أحنى
عليها )) .
قال أبو عبيد: يرويه أهل الحديث ((يحنى)) وإنما هو يحنأ مهموز.
(١) في ((الأصل)): الزنا !.
- ٤٣٦ -

ثابت ، يقال حنا الرجل على الشيء يحنو حنوا : إذا انكب . فإن
كان ذلك من خلقه قيل حناء ومنه قيل للترس إذا صنع مقبيًا مجناً .
وأما قوله باب الرجم بالبلاط فلا يقتضي معنى والبلاط وغيره من
الأمكنة سواء ، وإنما يرجم به ؛ لأنه مذكور في الحديث .
وقال الأصمعي : البلاط : الأرض الملساء .
وذكر محمد بن إسحاق عن الزهري ، عن أبي هريرة : أن هذا
الحديث كان حين قدم رسول الله إلى المدينة .
قال مالك : ولم يكونا أهل ذمة وإنما ( كانوا ) (١) أهل حرب
حكموا رسول الله وَ ◌ّ فحكم بينهم .
وقال بعض العلماء : معنى قول مالك : ولم يكونا أهل ذمة .
لأنهما لو كانا أهل ذمة لم يسألهما النبي - عليه السلام - كيف الحكم
عندهم ولا حكم عليهم بقول أساقفتهم ؛ لأن الحكم بين أهل الذمة إذا
تحاكموا إليه كحكمه بين المسلمين سواء .
ويحتمل مسيره عليه السلام إلى بيت المدراس وسؤاله اليهود عن
حكم الزانيين أحد معنيين :
إما أن يكون لما أراد الله تكذيبهم وإظهار ما بدلوا من حكم الله ،
ولذلك ألقى تعالى في قلوبهم المحاكمة إليه ، وأعلمهم أن في التوراة
حكم الله في ذلك لقوله تعالى : ﴿وكيف يحكمونك وعندهم التوراة
فيها حكم الله﴾ (٢).
والمعنى الثاني : أن يكون حكم الرجم لم ينزل على النبي - عليه
السلام - وقد روى معمر عن ابن شهاب قال : فبلغنا أن هذه الآية
(١) في (( هـ)) : كانا .
(٢) المائدة : ٤٣ .
- ٤٣٧ -

نزلت فيهم : ﴿ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين
أسلموا الذين هادوا﴾ (١) فكان النبي منهم .
وفي هذا الحديث من الفقه حجة لمالك في قوله : إن أهل الكتاب
إذا تحاكموا إلينا أنه جائز أن يترجم عنهم مترجم واحد كما ترجم
عبدالله بن سلام عن التوراة وحده . وقد تقدم [ ما للعلماء في هذه
المسألة ] (٢) في كتاب الأحكام .
وفي قوله : (( فرأيت اليهودي أحنا عليها )» دليل أنه لا يحفر
للمرجوم ولا للمرجومة ؛ لأنه لو كان حفيراً ما استطاع أن يحنو
عليها، وبهذا استدل مالك .
وقال أحمد بن حثيل : أكثر الأحاديث على ألا يحفر ، والرجم إنما
يجب أن يعم جميع بدنه ، فإذا كان في حفرة غاب بعض بدنه ..
وقال الكوفيون : لا يحفر لهما ، وإن حفر فحسن . وخير
الشافعي في أي ذلك شاء . وقال أصبغ : يستحب أن يحفر لهما
وترسل يداه يدرأ بهما عن وجهه . قال الطحاوي : روي عن علي أنه
حفر لشراحة ، وفي قصة الجهينية أنه [ شد ] (٣) عليها ثيابها ثم أمر
برجمها من غير أن يحفر لها .
وفي هذا الحديث حجة للثوري أن المحدود لا يقعد ، ويضرب
قائمًا، والمرأة قاعدة .
قال المحتج ( به) (٤): وقوله (( فرأيت الرجل يحنأ على المرأة)).
يدل أن الرجل كان قائمًا والمرأة قاعدة .
(١) المائدة : ٤٤ .
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): يشد .
(٢) من (( هـ .
(٤) في (( هـ )) : له .
- ٤٣٨ -

وقال مالك : الرجل والمرأة في الحدود كلها سواء ، لا يقام واحد
منهما ويضربان قاعدين ويجرد الرجل ويترك على المرأة ما يسترها
ولا يقيها الضرب . وقال الشافعي [ والليث وأبو حنيفة ] (١):
الضرب في الحدود كلها قائمًا مجردًا غير ممدود إلا حد القذف فإنه
يضرب وعليه من ثيابه ما لا يقيه الضرب .
باب : الرجم بالمصلى
فيه: جابر: (( أن رجلا من أسلم جاء إلى النبي - عليه السلام -
فاعترف بالزنا فأعرض عنه النبي حتى شهد على نفسه أربع مرات ، قال
له النبي - عليه السلام - : أبك جنون ؟ قال : لا . قال : أحصنت ؟ قال:
نعم . فأمر به فرجم بالمصلى ، فلما أذلقته الحجارة فرّ فأدرك فرجم حتى
مات، فقال له النبي - عليه السلام / خيرًا وصلى عليه )) .
[٤/ق٢٢-ب)
لا معنى لهذا التبويب أيضًا والرجم بالمصلى كالرجم بسائر المواضع
وإنما ترجم بذلك لأنه مذكور في الحديث .
وهذا الرجل المعترف هو ماعز بن مالك الأسلمي .
روى يزيد بن هارون ، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب:
(( أن ماعز بن مالك أتى إلى أبي بكر الصديق فأخبره أنه زنى ، فقال
أبو بكر : هل ذكرت ذلك لأحد غيري ؟ قال : لا . قال أبو بكر :
استتر بستر الله وتب إلى الله ، فإن الناس [ يعيرون ] (٢) ولا يغيرون،
وإن الله يقبل التوبة عن عباده . فلم ( تقرره ) (٣) نفسه، حتى أتى
إلى عمر بن الخطاب [ فقال له ] (١) مثلما قال لأبي بكر ، فقال له
(١) من (( هـ).
(٢) من (( هـ )) وفي ((الأصل)): يعبدون.
(٣) في (( هـ )) : تقره .
- ٤٣٩ -

عمر مثلما قال له أبو بكر ، فلم ( تقرره ) (١) نفسه حتى أتى النبي -
عليه السلام ... )) وذكر الحديث .
وقال عيسى بن دينار : كان ماعز يتيمًا عند هذال قال : فأمره هذال
أن يأتي النبي - عليه السلام - فيعترف ، فلما أمر برجمه وأحرقته
الحجارة هرب فلقيه عبد الله بن أنيس فحذفه برضيف جمل فقتله.
وفي هذا الحديث من الفقه رجم الثيب بلا جلد ، وعلى هذا فقهاء
الأمصار ؛ لأن النبي - عليه السلام - أمر برجم ماعز ولم يحده وأمر
أنيسًا الأسلمي أن يرجم المرأة إن اعترفت ولم يأمره بجلدها .
وخالف ذلك إسحاق بن راهويه وأهل الظاهر فقالوا : عليه الجلد
والرجم ، وروي مثله عن علي بن أبي طالب وأبي بن كعب والحسن
البصري ، واحتجوا بحديث ابن جريج ، عن أبي الزبير ، عن جابر
أن رجلا زنا فأمر به النبي - عليه السلام - فجلد ثم أخبر أنه كان
أحصن فأمر به فرجم . وقالوا : هكذا حد المحصن الجلد والزجم
جميعًا . واحتجوا بحديث عبادة بن الصامت أن النبي - عليه السلام-
قال: (( خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة
وتغريب عام ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم )) .
واحتج عليهم الجماعة فقالوا : يجوز أن يكون النبي - عليه
السلام- إنما جلده جين لم [ يعلم ] (٢) أنه محصن فلما أخبر أنه
محصن أمر برجمه ؛ والجلد الذي جلده ليس من حده في شيء .
وأمَّا حديث عبادة بن الصامت فمنسوخ بحديث ماعز وبحديث
العسيف؛ لأن النبي رجمهما ولم يحدهما. فثبت أن هذا حكم
أحدثه الله نسخ به ما قبله .
-٠
(١) في ((هـ)»: تقره
(٢) في (( الأصل)) : يكلم .
- ٤٤٠ - .