النص المفهرس
صفحات 381-400
باب : ميراث العبد النصراني والمكاتب النصراني
لم يدخل البخاري تحت هذا الرسم حديثًا ، ومذهب العلماء أن
العبد النصراني إذا مات فماله للسيد ؛ لأن ملك العبد غير صحيح ولا
مستقر فماله لسيده ؛ لأنه ماله وملكه لا أنه يستحقه من طريق الميراث،
وإنما يستحقه [ بطريق ] (١) الميراث ما كان ملكًا لمن يورث عنه.
وأما المكاتب النصراني فإن مات قبل أداء كتابته نظر ، فإن كان في
ماله وفاء لباقي كتابته أخذ ذلك مولاه الذي كاتبه ، وإن فضلت من
ماله فضلة كانت لمن كوتب معه إن كانوا على دينه .
فإن لم يكن معه أحد في الكتابة لم يرث ذلك السيد ، وكان لبيت
مال المسلمين .
قال الطبري : واتفق فقهاء العراق والحجاز والشام وغيرهم أن من
أعتق عبدًا له نصرانيًا فمات العبد وله مال أن ميراثه لبيت المال ، وقال
ابن سيرين : لو كان عبداً ما ورثه فكيف هذا .
باب : من ادعى أخًا أو ابن أخ
فيه : عائشة: « اختصم سعد وعبد بن زمعة في غلام فقال سعد : يا
رسول الله : هذا ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه انظر إلى
شبهه . وقال عبد بن زمعة : هذا أخي يا رسول الله ولد على فراش أبي
من وليدته ، فنظر رسول الله إلى شبهه فرأى شبهًا بينًا بعتبة فقال : لك يا
-
(١) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): طريق .
- ٣٨١ -
عبد ، الولد للفراش ، وللعاهر الحجر ، واحتجبي منه يا سودة بنت
زمعة. قالت : فلم تره سودة قط )) .
قد تقدم أنه لا يجوز استلحاق غير الأب واختلف العلماء إذا مات
رجل وخلف ابنًا واحدًا لا وارث له غيره فأقر بأخ فقال ابن القصار : .
فعند مالك [ والكوفيين ] (١) لا يثبت نسبه . وقال الشافعي : يثبت
نسبه . واحتج بأن الوارث قام مقام الميت فصار إقراره کإقرار الميت
نفسه في حال حياته ، ألا ترى أن النبي - عليه السلام - ألحق الولد
بزمعة بدعوى عبد وإقراره وحده .
واحتج أهل المقالة الأولى بأن الميت يعترف على نفسه والوارث
يعترف على غيره ، وحكم إقرار الإنسان على نفسه آكد من إقراره على
غيره ، فلم يجز اعتبار أحدهما بالآخر وإقراره بنسب في حق غيره.
ليس هو بأكثر من شهادته له ، فلو شهد واحد بنسب يثبت على غيره
لم تقبل شهادته ، فكذلك إقراره على غيره بالنسب أولى ألا يثبت
و[لا يلزم] (١) على هذا إذا كان الورثة جماعة فأقروا به أو أقر اثنان
منهم كانوا عدلين ؛ لأن النسب يثبت بشهادة اثنين وبالجماعة في حق
الغير الذي هو أبوهم .
ويقال [ للشافعي حكم ] (٢) النبي في قصة ابن زمعة لم يكن من
أجل الدعوى وإنما كان من أجل علمه بالفراش كما حد النبي - عليه
السلام - العسيف بقول أبيه ؛ لأن ذلك دليل على أن ابنه كان مقرًا قبل
ادعاء أبيه عليه ولولا ذلك ما حدَّ بمجرد دعوى أبيه عليه .
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): الكوفيون . وهو خطأ.
(٢) من (( هـ)).
- ٣٨٢ -
باب : من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه
فيه: سعد قال: قال النبي - عليه السلام -: (( من ادعى إلى غير أبيه
وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام )) .
وفيه : أبو هريرة قال عليه السلام : (( لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغب
عن أبيه فهو كفر )) .
[ قال الطبري ] (١): فإن قال قائل : ما وجه هذا الحديث وقد كان
من خيار الناس من ( ينسب ) (٢) إلى غير أبيه كالمقداد بن الأسود
الذي ( نسب) (٢) إليه ، وإنما هو المقداد بن عمرو ، ومنهم من يدعى
إلى غير مولاه الذي أعتقه كسالم مولى أبي حذيفة ، وإنما هو مولى
امرأة من الأنصار وهؤلاء خيار الأمة ؟
قيل : لا يدخل ( أحد منهم ) (٣) في معنى هذه الأحاديث ، وذلك
أن أهل الجاهلية كانوا / لا يستنكرون ذلك أن يتبنى الرجل منهم غير [٤/ ق١٢-١]
ابنه الذي خرج من صلبه فنسب إليه ، ولا أن يتولى من أعتقه غيره
فينسب ولاؤه إليه ، ولم يزل ذلك أيضًا في أول الإسلام حتى أنزل
الله: ﴿وما جعل أدعياءكم أبناءكم﴾ (٤) ونزلت: ﴿ادعوهم لآبائهم
هو أقسط عند الله ﴾ (٥) الآية فنسب كل واحد منهم إلى أبيه ومن لم
يعرف له أب ولا نسب عرف مولاه الذي أعتقه وألحق بولائه عنه غير
أنه غلب على بعضهم النسب الذي كان يدعى به قبل الإسلام ، فكان
المعروف لأحدهم إذا أراد تعريفه بأشهر نسبه عرفه به من غير انتحال
المعروف به ، ولا تحول [ به ] (١) عن نسبه وأبيه الذي هو أبوه على
الحقيقة رغبة عنه فلم تلحقهم بذلك نقيصة ، وإنما لعن النبي - عليه
(١) من (( هـ)).
(٢) في (( هـ )) : ينتسب.
(٥) الأحزاب : ٥ .
(٤) الأحزاب : ٤ .
(٣) في (( هـ)) : هذا .
- ٣٨٣ -
السلام - المتبرئ من أبيه والمدعي غير نسبه ، فمن فعل ذلك فقد ركب
من الإثم عظيمًا وتحمل من الوزر جسيمًا ، وكذلك المنتمي إلى غير
مواليه .
فإن قيل: فتقول للراغب [ في ] (١) الانتماء إلى غير أبيه ومواليه
كافر بالله كما روي عن أبي بكر الصديق أنه قال : كفر بالله ادعاء
نسب لا يعرف . وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال : كان مما يقرأ
في القرآن: (( لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم)) .
قيل : ليس معناه الكفر الذي يستحق عليه التخليد في النار وإنما هو
[كفر] (٢) لحق أبيه ولحق مواليه، كقوله في النساء: ((يكفرن العشير)»
والكفر في لغة العرب : التغطية للشيء والستر له ، فكأنه تغطية منه
على حق الله - عز وجل - فيمن جعله له والدًا ، لا أن من فعل ذلك
كافرًا بالله حلال الدم . والله الموفق .
باب : إذا ادعت المرأة [ ابنًا ] (٣)
فيه : أبو هريرة قال عليه السلام : (( كانت امرأتان ومعهما ابناهما جاء
الذئب فذهب بابن [ إحداهما ] (٤) ، فقالت لصاحبتها : إنما ذهب
بابنك، قالت الأخرى : إنما ذهب بابنك ، فتحاكما إلى داود فقضى به
للكبرى ، فخرجتا على سليمان بن داود فأخبرتاه ، فقال : ائتوني
بالسكين أشقه بينهما . فقالت الصغرى : لا تفعل یرحمك الله هو ابنها
فقضى به للصغرى)) . قال أبو هريرة : والله إن سمعت بالسكين قط إلا
يومئذ وما كنا نقول إلا المدية .
(١) في ((الأصل، هـ): عن . وهو الصواب.
(٢) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): لكفر .
(٤) في ((الأصل)): أحدهما. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٣) من (( هـ)).
- ٣٨٤ -
أجمع العلماء أن الأم لا تستلحق أحدًا ؛ لأنها لو استلحقت ألحقت
بالزوج ما ينكره والله - تعالى - يقول : ﴿ولا تكسب كل نفس إلا
عليها﴾(١) وإنما يمكن أن تلحق الولد بالزوج إذا أقامت البينة أنها ولدته
وهي زوجته في عصمته ، فإن الولد للفراش .
وفائدة هذا الحديث أن المرأة إذا قالت هذا ابني ولم ينازعها فيه
أحد، ولم يعرف له أب فإنه يكون ولدها ، ترثه ويرثها ويرثه إخوته
لأمه ؛ لأن هذه المرأة التي قضي لها بالولد في هذا الحديث إنما حصل
لها ابنًا مع تسليم المرأة المنازعة لها فيه .
وفيه من الفقه أن من أتى من المتنازعين بما يشبه فالقول قوله ؛ لأن
سليمان جعل شفقتها عليه شبهة مع دعواها .
[ وفيه ] (٢) أنه جائز للعالم مخالفة غيره من العلماء وإن كانوا أسن
منه وأفضل إذا رأى الحق في خلاف قولهم .
ويشهد لهذا قوله تعالى : ﴿وداود وسليمان إذ يحكمان في
الحرث﴾ (٣) الآية فإنه أثنى على سليمان بعلمه، وعذر داود باجتهاده
ولم يخله من العلم .
وسيأتي [ الاختلاف في هل كل مجتهد مصيب أو الحق في واحد
من أقاويل العلماء ] (٤) في كتاب الاعتصام والله الموفق .
*
باب : القائف
فيه: عائشة: ((أن النبي * دخل علي مسرورًا تبرق أسارير وجهه
(١) الأنعام : ١٦٤ .
(٣) الأنبياء : ٧٨ .
(٢) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): فيه.
(٤) من (( هـ )).
- ٣٨٥ -
فقال: ألم تري أن مجززًا نظر آنفًا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد
فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض .
وقال مرةً: (( عليهما قطيفة قد غطيا رءوسهما وبدت أقدامهما فقال :
إن هذه الأقدام بعضها من بعض )) .
[٤/ ق١٢ -ب]
/ في هذا الحديث إثبات الحكم بالقافة ، وممن قال بذلك أنس بن
مالك ، وهذا أصح الروايتين عن عمر ، وبه قال عطاء ، وإليه ذهب
مالك والأوزاعي والليث والشافعي وأحمد وأبو ثور .
وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه : الحكم بالقافة باطل وذلك
تخرص وحدس لا يجوز ذلك في الشريعة قالوا وليس في حديث
أسامة حجة في إثبات الحكم بالقافة ؛ لأن أسامة قد كان ثبت نسبه قبل
فلم يحتج النبي في ذلك إلى قول أحد ولولا ذلك لما كان دعا أسامة
فیما تقدم إلی زید .
وإنما تعجب من إصابة مجزز كما يتعجب من ظن الرجل الذي
يصيب بظنه حقيقة الشيء ولا يجب الحكم بذلك ، وترك الإنكار
[عليه] (١) لأنه لم يتعاط بقوله إثبات ما لم يكن ثابتًا فيما تقدم .
هذا وجه الحديث ، قاله الطحاوي .
وقال أهل المقالة الأولى : لو كان قول مجزز على جهة الحدس
والظن وعلى غير سبيل الحق والقطع بالصحة لأنكر ذلك النبي على
مجزز ، ولقال له وما يدريك ، ولم يسر النبي بذلك ؛ لأنه ليس من
صفته أن يسر بأمر باطل عنده لا يسوغ في شريعته ، وكان أسامة أسود
وكان زيد أبيض فكان المشركون يطعنون في نسبه ، وكان يشق ذلك
على النبي فسر بذلك لمكانهما منه .
(١) من ( هـ)).
- ٣٨٦ -
وقد كانت العرب تعرف من صحة القافة في بني مدلج وبني أسد ما
قد [ شهر ] (١) عنهما ثم وردت السنة بتصحيح ذلك ، فصار أصلا،
والشيء إنما يصير شرعًا للنبي إما بقوله أو بقطعه أو بأن يقر عليه ، فلو
كان إثبات النسب من جهته باطلا لم يجز أن يقر عليه مجززًا بل كان
ينكره عليه ويقول له: هذا [ باطل ] (٢) في شريعتي ، فلما لم ينكره
وسر به كان سنة .
وذهب مالك في المشهور عنه إلى أن الحكم بالقافة في أولاد الإماء
دون الحرائر ، وروى ابن وهب عنه أن الحكم بالقافة في ولد الزوجة
وولد الأمة ، وبهذا قال الشافعي .
قال ابن القصار : وصورة الولد الذي يدعيه الرجلان من الأمة هو
أن يطأ إنسان أمته ثم يبيعها من آخر فيطؤها الثاني قبل الاستبراء من
الأول فتأتي بولد لأكثر من ستة أشهر من وطء الثاني ؛ فإن الحكم
بالقافة هنا واجب ، ولو أتت به لأقل من ستة أشهر من وطء الثاني
فالولد للأول .
ووجه قول مالك أن القافة في ولد الإماء ؛ لأنه يصح ملك جماعة
رجال الأمة في وقت واحد ووطؤهم لها وإن كان وطء جميعهم غير
مباح ، وإذا كان ذلك فقد تساووا كلهم فليس أحد أولى بالولد من
صاحبه إذا تنازعوه الاستوائهم في شبهة الفراش بالملك ، وأما الحرة فإن
( الوطء ) (٣) الثاني لا يساوي الأول في الحرمة والقوة فلم يطأ وطأ
صحيحًا من قبل أنه إما أن يطأ زوجة زيد مثل أن يتزوجها وهو لا يعلم
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): شهره .
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): باطلا.
(٣) في (( هـ )): الواطئ.
- ٣٨٧ -
أن لها [ زوجًا ] (١) فقد فرط ؛ لأنه قد كان يمكن أن يتعرف ذلك ولا
يقدم على وطء زوجة وهي فراش لغيره أو يتزوجها في عدتها فهو في
التقصير كذلك ، أو يجد امرأة على فراشه فيطأها وهو لا يعلم فالولد
لاحق بصاحب الفراش الصحيح ( بقوته ) (٢).
[ وأما ] (٣) وجه رواية ابن وهب أن القافة تكون في [ ولد ] (٤)
الزوجات لاجتماع الواطئين في شبهة النكاح والملك ؛ لأن الولد يلحق
بالنكاح الصحيح وشبهته وبالملك الصحيح وشبهته ؛ لأن كل واحد
منهما لو انفرد بالوطء للحقه النسب ، فكذلك إذا اشتركا فيه وجب أن
يستويا في الدعوى فوجب أن يحكم بالولد لأقربهما شبهًا به لقوة
سببه، لأن شبه الولد ممن هو منه من [ أدل ] (٤) أدلة الله فوجبت
القافة .
وروى أشهب وابن نافع عن مالك أنه لا يؤخذ إلا بقول قائفين وهو
قول الشافعي ، وقال ابن القاسم : أن القائف الواحد يجزئ .
وقال الزبير بن بكار : إنما قيل له مجززًا ؛ لأنه كان إذا أخذ أسيرًاً
حلق لحيته .
وأسارير وجهه : هي خطوط بين الحاجبين وقصاص الشعر.
وروي عن عائشة أنها قالت: ((دخل عليَّ رسول الله وَظله تبرق
أكاليل وجهه)) [ جمع إكليل ] (٤) وهي ناحية الجبهة وما يتصل بها من
الجبين . وذلك أن الإكليل إنما يوضع هناك ، وكل ما أحاط بالشيء
[٤/ ١٣٥-] [وتكلله] (٤) / من جوانبه فهو إكليل. عن الخطابي.
(١) من ((هـ) وفي ((الأصل)): زوج.
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل): وإذا .
(٢) في (( هـ)) : لقوته .
(٤) من ( هـ )). س.
- ٣٨٨ -
كتاب الحدود
باب : ما يحذر من الحدود
وقال ابن عباس : ينزع منه نور الإيمان في الزنا
فيه : أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: « لا یزني الزاني حین یزني
وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين ( يشربها ) (١) وهو مؤمن ، ولا
يسرق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا ينتهب نهبةً يرفع الناس [ إليه ](٢)
فيها أبصارهم وهو مؤمن )) وترجم له باب السارق حين يسرق .
قال الطبري : اختلف من قبلنا في هذا الحديث فأنكر بعضهم أن
يكون رسول الله قال هذا القول . قال عطاء : اختلف الرواة في أداء
لفظ النبي بذلك ، قال محمد بن زيد بن واقد بن عبد الله بن عمر بن
الخطاب ، وسئل عن تفسير هذا الحديث فقال : إنما قال رسول الله :
((لا يزنين مؤمن ولا يسرقن مؤمن )) .
وقال آخرون : عنى بذلك : لا يزني الزاني وهو مستحل للزنا غير
مؤمن بتحريم الله ذلك عليه ، فأما إن زنا وهو معتقد تحريمه فهو
مؤمن، روي ذلك عن عكرمة عن ابن عباس .
وحجة هذه المقالة حديث أبي ذر أن النبي - عليه السلام - قال :
((من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنا وإن سرق وإن رغم أنف
أبي ذر)) .
-
(١) فى (( هـ، ن)) : يشرب.
(٢) من ( هـ)).
- ٣٨٩ -
وقال آخرون : ينزع منه الإيمان فیزول عنه اسم المدح الذي يُسمى به
أولياء الله [ المؤمنون ] (١) ، ويستحق اسم الذم الذي يسمى به المنافق
فيوسم به ويقال له منافق وفاسق . روي هذا عن الحسن قال : النفاق
نفاقان : تكذيب محمد فهذا لا يغفر ، ونفاق خطايا وذنوب يرجى
(لصاحبه ) (٢) .
وعن الأوزاعي قال : كانوا لا يكفرون أحدًا بذنب ولا يشهدون
على أحد بكفر ويتخوفون نفاق الأعمال على أنفسهم .
قال الوليد بن مسلم : ويصدق قول الأوزاعي أنه كان من قول
السلف ما حدثنا الأوزاعي ، عن هارون بن رئاب : (( أن عبد الله بن
عمر قال في مرضه : زوجوا فلانًا ابنتي فلانة ، وإني كنت وعدته
بذلك وأنا أكره أن ألقى الله بثلث النفاق )) وما حدثناه عن الزهري ،
عن عروة: ((أنه قال لابن عمر: الرجل يدخل منا على الإمام فيراه
يقضي بالجور [ فيسكت] (٣) وينظر إلى أحدنا فيثني عليه بذلك ،
فقال عبد الله : أما نحن معاشر أصحاب رسول الله فكنا نعدها نفاقًا
فلا أدري كيف تعدونه )) وعن حذيفة: (( أنه سئل عن المنافق فقال :
الذي يتكلم بالإسلام ولا يعمل به )).
وحجة هذا القول أن النفاق إنما هو إظهار المرء بلسانه قولا يبطن
خلافه كنافقاء اليربوع الذي يتخذه كي إن طلبه الصائد من قبل مدخل
قصَّع من خلافه ، فمن لم يجتنب الكبائر من أهل التوحيد علمنا أن
ما أظهره من الإقرار بلسانه [خداع] (٤) للمؤمنين فاستحق اسم النفاق.
ويشهد لذلك قوله عليه السلام: (( ثلاث من علامات المنافق ، إذا
حدث كذب وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان)) .
(١) في ((الأصل)): المؤمنين. والمثبت من (( هـ)).
(٣) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): فسكت .
(٢) في (( هـ) : لصاحبها.
(٤) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): خداعًا .
- ٣٩٠ -
والزنا والسرقة وشرب الخمر أدل على النفاق من هذه الثلاث .
وقال آخرون : إذا أتى المؤمن كبيرة نزع منه الإيمان وإذا فارقها عاد
إليه الإيمان .
وروي عن أبي الدرداء قال عبد الله بن رواحة: ((إنما مثل الإيمان
مثل قميص بينما أنت قد نزعته إذ لبسته وبينما أنت قد لبسته إذ نزعته)).
وعن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم بن عمر أنه سمع أبا أيوب
يقول: ((إنه ليمر على المرء ساعة وما في جلده موضع إبرة من النفاق)».
وعلة هذه المقالة أن الإيمان هو التصديق ، غير أن التصديق معنيان
أحدهما قول والآخر عمل فإذا ركب المصدق كبيرة فارقه اسم الإيمان
كما يقال للاثنين إذا اجتمعا اثنين فإذا انفرد كل / واحد [ منهما ] (١) [٤/ ١٣٥ -ب]
لم يقل له إلا واحد وزال عنهما الاسم الذي كان لهما في حال
الاجتماع ، فكذلك الإيمان إنما هو اسم التصديق الذي هو الإقرار
والعمل الذي هو اجتناب الكبائر .
فإذا [ واقع ] (٢) المقر كبيرة زال عنه اسم الإيمان في حال مواقعته،
فإذا كف عنها عاد له الاسم ؛ لأنه في حال كفه عن الكبيرة مجتنب
لها وباللسان مصدق ، وذلك معنى الإيمان عندهم .
وقال بعض الخوارج والرافضة والإباضية من فعل شيئًا من ذلك فهو
كافر خارج عن الإيمان ؛ لأنهم يكفرون المؤمنين بالذنوب ويوجبون
عليهم التخليد في النار بالمعاصي ، ومن حجتهم ظاهر حديث أبي
هريرة (( لا يزني وهو مؤمن)).
(١) في (( الأصل)): منهم، وما أثبتناه من ( هـ)) وهو الأصح.
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): أوقع .
- ٣٩١ -
قال أبو هريرة : الإيمان فوقه هكذا فإن هو تاب راجعه الإيمان وإن
أصر ومضى فارقه . وقال أبو صالح عن أبي هريرة : ينزع منه الإيمان
فإن تاب رُد ( عليه )(١) .
قالوا : ومن نزغ منه الإيمان فهو كافر ؛ لأنه منزلة بين الإيمان
والكفر ، ومن لم يكن مؤمنًا فهو كافر .
وجماعة أهل السنة وجمهور الأمة على خلافهم .
قال الطبري : وحجة أهل السنة أن ابن عباس قد بين حديث أبي
هريرة وقال : إن العبد إذا زنا نزع منه نور الإيمان لا الإيمان .
حدثنا عبد الرحمن بن الأسود ، حدثنا محمد بن كثير ، عن
شريك بن عبد الله ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن مجاهد ، عن ابن
عباس قال: سمعت النبي وَ﴿ يقول: ((من زنا نزع الله نور الإيمان
من قلبه فإن شاء أن يرده عليه رده )) .
والصواب عندنا قول من قال : يزول عنه الاسم الذي هو [ بمعنى
المدح ] (٢) إلى الاسم الذي هو بمعنى الذم ، فيقال له فاجر فاسق زان
سارق .
ولا خلاف بين جميع الأمة أن ذلك من أسمائه ما لم تظهر منه
التوبة من الكبيرة ، و[يزول ] (٣) عنه اسم الإيمان بالإطلاق والكمال
بركوبه ذلك ونثبته له بالتقييد فنقول هو مؤمن بالله وبرسوله مصدق
قولا ، ولا نقول مطلقًا هو مؤمن إذ كان الإيمان عندنا معرفة وعملا
(١) في ((هـ)): إليه.
(٢) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): بمدح المعنى.
(٣) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): يزيل.
- ٣٩٢ -
وقولا ، فلما لم يأت بها كلها استحق اسم التسمية بالإيمان على غير
الإطلاق والاستكمال له .
قال المهلب : وقوله عليه السلام : (( ينزع منه نور الإيمان )) يعني
ينزع منه بصيرته في طاعة الله لغلبة الشهوة عليه ، فكأن تلك البصيرة
نور طفته الشهوة من قلبه ويشهد لهذا قوله تعالى : ﴿ كلا بل ران على
قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ (١) .
وقد تقدم في كتاب الإيمان [ في باب علامات المنافق ] (٢)، والعلم
[في باب من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهة ألا يفهموا ] (٢).
باب : الضرب [ بالجريد ] (٣) والنعال
فيه: عقبة بن الحارث: (( أن النبي - عليه السلام - أتي بالنعيمان - أو
بابن النعيمان - وهو سكران فشق عليه وأمر من في البيت أن يضربوه
فضربوه [ بالجريد والنعال ] (٤) و کنت فیمن ضربه )).
وجلد أبو بكر أربعین .
وفيه : أبو هريرة: (( أني النبي - عليه السلام - برجل قد شرب ، فقال:
اضربوه . قال أبو هريرة : فمنا الضارب بيده والضارب بنعله والضارب
بثوبه ، فلما انصرف قال بعض القوم : أخزاك [الله] (٢). قال:
لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان » .
وفيه : علي بن أبي طالب قال: (( ما كنت لأقيم حدا على أحد
(١) المطففين : ١٤ .
(٢) من (( هـ)).
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): بالحديد .
(٤) من (( هـ)) وفي (( الأصل)): بالنعال والحديد.
- ٣٩٣ -
--
[فیموت](١) فأجد في نفسي إلا صاحب الخمر ، فإنه لو مات وديته ،
وذلك أن رسول الله لم یسنه )) .
وفيه : السائب: (( كنا نؤتي بالشارب على عهد رسول الله وإمرة أبي
بكر وصدر من خلافة عمر فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا حتى كان
آخر إمرة عمر [ فجلد ](١) أربعین ، حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانین)).
وترجم لحديث عقبة بن الحارث : باب من أمر بضرب الحد في البيت.
اختلف العلماء في حد الخمر كم هو .
فذهب مالك [ والثوري ] (١) والكوفيون وجمهور العلماء إلى أن
حد الخمر ثمانون جلدة .
[٤/ق١٤ -٢]
وقال الشافعي / وأبو ثور وأهل الظاهر حد الخمر أربعون
واحتجوا في ذلك بما رواه مسدد قال حدثنا يحيى ، قال حدثنا سعيد
ابن أبي عروبة ، عن الداناج ، عن حصين بن المنذر الرقاشي أبي
ساسان ، عن علي بن أبي طالب قال: (( جلد رسول الله في الخمر
أربعين، وجلد أبو بكر أربعين ، وكملها عمر ثمانين وكل سنة )).
وبما رواه عبد العزيز بن المختار ، عن الداناج ، عن حصين بن المنذر
قال: (( شهدت عثمان وقد أتي بالوليد بن عقبة وقد صلى بأهل الكوفة
فشهد عليه حُمران ورجل آخر أحدهما أنه رآه يشربها والآخر أنه رآه.
يقيئها ، فقال عثمان : لم يقئها حتى شربها ، فقال عثمان لعلي : أقم
عليه الحد . فأمر عبد الله بن جعفر فجلده وعلي يعد حتى بلغ أربعين،
ثم قال أمسك ، ثم قال : إن النبي - عليه السلام - جلد أربعين
وعمر ثمانين وكل سنة وهذا أحبَّ إلي)) فاحتجوا بهذه الآثار وقالوا :
إنَّ الجلد الذي يجب على شارب الخمر أربعون .
(١) من (( هـ).
- ٣٩٤ -
واحتج عليهم أهل المقالة الأولى فقالوا : حديث الداناج غير
صحیح وأنکروا أن یکون علي قال من ذلك شيئًا ؛ لأنه قد روي عنه ما
يخالف ذلك ويدفعه . وبما رواه البخاري أن عليا قال : (( ما كنت
لأقيم الحدَّ على أحدٍ فيموت فأجد في نفسي إلا صاحب الخمر فإنه لو
مات وديته وذلك أن النبي لم يسنه )) .
قال الطحاوي : فهذا علي يخبرُ أن رسول الله [ لم يكن سن ] (١)
في شرب الخمر حدا ، ثم الرواية عن علي في [ حد ] (٢) الخمر على
خلاف حديث الداناج من اختيار الأربعين على الثمانين روى سفيان ،
عن عطاء بن أبي مروان ، عن أبيه قال : أتي علي بالنجاشي قد شرب
الخمر في رمضان فضربه ثمانين، ثم أمر [ به ] (٣) إلى السجن ، ثم
أمر به من الغد فضربه عشرين ، ثم قال : هذه لانتهاكك حرمة
رمضان وجرأتك على الله . وروي عن ابن شهاب ، عن حميد بن
عبد الرحمن: أن رجلا من كلب يقال له ابن وبرة بعثه خالد بن الوليد
إلى عمر بن الخطاب فوجد عنده عليا وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن
عوف ، فقالوا له : إن الناس قد انهمكوا في الخمر . فقال عمر لمن
حوله : ما ترون ؟ قال علي : يا أمير المؤمنين إنه إذا سكر هذى وإذا
هذى افترى ، وعلى المفتري ثمانون فتابعه أصحابه. أفلا تری علیا لما
سئل عن ذلك ضرب أمثال الحدود كيف هي ، ثم استخرج منها حدًاً
برأيه فجعله كحد المفتري ، ولو كان عنده في ذلك شيء موقت عن
النبي وَ ◌ّ لأغناه عن ذلك، ولو كان عند أصحابه في ذلك أيضًا عن
(١) في ((الأصل)): يسن. وما أثبتناه من ( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): شرب. وما أثبتناه من ((هـ).
(٣) من (( هـ)).
- ٣٩٥ -
النبي شيء لأنكروا عليه أخذ ذلك من جهة الاستنباط وضرب الأمثال:
فكيف يجوز أن نقبل على عليّ ما يخالف هذا وقد قال : [ إن ] (١)
النبي - عليه السلام - لم يسن في الجمر شيئًا .
ودل حديث عقبة بن الحارث وحديث أنس وحديث أبي هريرة أن
النبي لم يقصد في حدّ الشارب إلى عدد من الضرب يكون حدا ،
وإنما أمر النبي أصحابه أن يضربوه [ بالجريد ] (٢) والنعال والثياب
والأيدي ، وإنما ضرب أبو بكر بعده أربعين على التحري منه لضربه
عليه السلام إذ لم يوقفهم على حد في ذلك ، فثبت بهذا كله أن
التوقيف في حد الخمر على ثمانين إنما كان في زمن عمر وانعقد إجماع
الصحابة على ذلك ، فلا تجوز مخالفتهم ؛ لأن إجماعهم معصوم كما
أجمعوا على مصحف عثمان ومنعوا مما عداه ، فانعقد الإجماع على
ذلك ولزمت الحجة به ، وقد قال تعالى : ﴿ ويتبع غیر سبیل
المؤمنين﴾ (٣) الآية. وقال ابن مسعود : ما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند
الله حسن ؛ لأن إجماعهم معصوم .
وفيه حجة لمالك ومن وافقه في جواز أخذ الحدود قياسًا ، خلافًا
لأهل العراق وبعض أصحاب الشافعي في منعهم ذلك ، واستدلوا بأن
الحدود والكفارات وضعت ( بحسب ) (٤) المصالح وقد تشترك أشياء
مختلفة في الحدود والكفارات وتختلف أشياء متقاربة ، ولا سبيل إلى
علم ذلك إلا بالنص
فيقال لهم : أجمع الصحابة على حد شارب الخمر ثم نصوا على
(١) ليست في ((الأصل، وهـ)).
(٢) في (( الأصل )): الجدید . وسقطت من (( هـ )) ..
(٤) في (( هـ)): على حسب.
(٣) النساء : ١١٥ ..
- ٣٩٦ -
المعنى الذي / من أجله أجمعوا ، وهو قول علي وعبد الرحمن: إذا (٤/ ق١٤ - ب]
سكر هذى ، وإذا هذى افترى ، فأرى أن يحد حد المفتري . ففي هذا
دليل على أخذ الحدود قياسًا ، وعلى أصل القياس جواز انعقاد
الإجماع عنه .
وفي قياسهم حد الخمر على حد الفرية حجة لمالك ومن قال بقطع
الذرائع وجعلها أصلا وتحصينًا لحدود الله أن تنتهك ؛ لأن عليا لما قال:
إذا شرب سكر ، وإذا سكر هذى ، وإذا هذى افترى وعلى المفتري
ثمانون . وتابعه الصحابة على ذلك ، ولم يخالفه أحد منهم كان
[ذلك ] (١) حجة واضحة في القول بقطع الذرائع ؛ لأنه قد يجوز أن
يشرب الخمر من لا يبلغ بها إلى الهذي والفرية ، ولما كان ذلك غير
معلوم لاختلاف الناس في التقليل من شربها وفي التكثير ، وفي غلبة
سورتها لبعضهم وتقصيرها عن بعض ، وكان الحد لازمًا لكل شارب؛
ثبت القول بقطع الذرائع فيما يخاف الإقدام فيه على المحرمات وهو
أصل من أصول الدين مما أجمع عليه الصحابة .
قال المهلب : وفي قول علي : ما كنت لأقيم الحد على أحد
فيموت فأجد منه في نفسي . حجة لابن الماجشون ومن وافقه أن
الحاكم لا قود عليه إذا أخطأ في اجتهاده . ويؤيد هذا أن أسامة قتل
رجلا قال : لا إله إلا الله ثم أتى النبي - عليه السلام - فأخبره بذلك
فلم يزد أن وبخه ، ولم يأمره بالدية ولم يأخذها منه لاجتهاده وتأويله
في قتله .
وقد تقدم [ اختلاف العلماء في هذه المسألة ] (١) في كتاب الأحكام
(١) من (( هـ).
- ٣٩٧ -
[ في باب إذا قضى القاضي بجور خالف فيه أهل العلم فهو مردود
والحمد لله ] (١) .
وقوله: (( أتي النبي - عليه السلام - بالنعيمان وهو سكران فشق
عليه وأمر من في البيت بضربه )) فيه حجة أن السكران يقام عليه الحد
ولا يؤخر حتى يصحو ؛ لأن النبي - عليه السلام - أمر من في البيت
أن يضربوه ، ولم يؤخره إلى أن يصحو .
وجمهور العلماء على خلاف هذا لا يرون الحد عليه وهو سكران
حتى يصحو وهو قول مالك والثوري والكوفيين ، قالوا : لأن الحد
إنما وضعه الله للتنكيل وليألم المحدود ويرتدع ، فالسكران لا يعقل
ذلك ؛ فغير جائز أن يقام الحدّ على من لا يحس به ولا يعقل .
.-
باب : ما يكره من لعن شارب الخمر
وأنه ليس بخارج عن الملة
فيه: عمر: (( أن رجلا على عهد النبي ولو كان اسمه عبد الله و کان
يلقب حماراً، وكان يضحك [رسول الله ( *)] (١) وكان النبي قد جلده
في الشراب ، فأتي به يومًا فأمر به فجلد ، فقال رجل من القوم : اللهم
العنه ما أكثر ما يؤتى به . فقال النبي - عليه السلام - : لا تلعنوه فوالله
[ما علمت إلا ] (١) أنه يحبُ الله ورسوله)) .
وفيه : أبو هريرة: (( أتي النبي ◌ّله بسكران فأمر بضربه فمنا من يضربه
بيده ومنا من يضربه بنعله ومنا من يضربه بثوبه ، فلما انصرف [ قال](٢)
رجل: ما له أخزاه الله. فقال رسول الله والج: لا تكونوا عون الشيطان
على أخيكم)).
(١) من ((هـ، ن)).
٠
(٢) في ((الأصل)): فقال. وما أثبتناه من (( هـ ))
- ٣٩٨ -
وروى ابن المنذر هذا الحديث وقال فيه بعد قوله : لا تعينوا عليه
الشيطان (( ولكن قولوا : اللهم اغفر له )) .
قال المهلب : في هذا الحديث بيان قوله عليه السلام : (( لا يشرب
الخمر حين يشربها وهو مؤمن )) يريد وهو مستكمل الإيمان ، وليس
بخارج من الملة بشربها ولا بمعصية من المعاصي ؛ لأن النبي - عليه
السلام - قد شهد للشارب بحب الله ورسوله وبالإسلام ، وقال فيه :
((لا تعينوا الشيطان على أخيكم )) فسماه أخًا في الإسلام، وأمرهم أن
يدعوا له بالمغفرة والرحمة .
قال المؤلف: [ بيان قوله {وَهو: ((لا يشرب الخمر حين يشربها
وهو مؤمن)) قال: ] (١) فإن قيل هذا الحديث معارض لما روي عن
النبي ((أنه لعن شارب الخمر وعاصرها ومعتصرها)) ولعن كثيرًا من
أهل المعاصي منهم من ادعى إلى غير أبيه وانتمى إلى غير مواليه ،
ولعن المصور وجماعة يكثر عددهم .
قيل : لا تعارض بين شيء من ذلك بحمد الله ، ووجه [لعنته] (٢)
لأهل المعاصي يريد الملازمين لها غير التائبين منها ليرتدع بذلك من
فعلها وسلك سبيلها ، والذي نهى عليه السلام عن لعنه في هذا الباب
قد كان أخذ منه حد الله الذي جعله تطهيراً من الذنوب / فحصل في
حالة ( مهيئة ) (٣) للتوبة ورجا له التمادي على ما حصل له من
التطهير وبركة أمره [8] (١) أصحابه بالدعاء له.
[٤/ق١٥-١]
فنهى عن لعنه خشية أن يوقع الشيطان في قلبه أن من لعن بحضرة
النبي ولم يغير ذلك ولا نهى عنه فإنه مستحق العقوبة في الآخرة فينفره
بذلك ویغویه .
(١) من ( هـ )).
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): لعنتهم.
(٣) فى (( هـ)): متهيئة .
- ٣٩٩ -
قال المهلب : وقوله : (( وكان يضحك النبي - عليه السلام )» فیه
من الفقه جواز إضحاك العالم والإمام ببادرة يبدرها ((وأمر )) يعني به
من الحق لا من شيء من الباطل .
وقال المؤلف : وحديث عمر ناسخ لما روي عن النبي - عليه
السلام - أنه قال: (( من شرب الخمر فاجلدوه ، ثم إن شرب في
الرابعة فاقتلوه )) لأنه عليه السلام حد الرجل مرارًا في الخمر ولم
يقتله؛ وبهذا قال أئمة الفتوى، لأن [قول ] (١) الذي لعنه ((ما أكثر
ما يؤتى به )) يقتضي حدا من العدد ، وما يدخل في حيز الكثرة إن لم
يكن أكثر من أربع فليس بدونها ، وقد رفع الإشكال في ذلك ما ذكره
النسائي من حديث ابن المنذر عن جابر أن النبي وَ لا قال: ((إن شرب
الرابعة فاقتلوه . قال جابر : فضرب النبي نعيمان أربع مرات ولم
يقتله، فرأى المسلمون أن الحد قد وقع وأن القتل قد رفع .
باب : لعن السارق إذا لم يسم
فيه: أبو هريرة قال النبي ◌َّل: (( لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع
[ يده ] (٢) ويسرق الجبل فتقطع يده)). قال الأعمش: كانوا يرون أنه
بيض الحديد ، والحبل كانوا يرون أنه منها ما يساوي دراهم .
وقال ابن قتيبة : احتج الخوارج بهذا الحديث وقالوا : القطع يجب
في قليل الأشياء وكثيرها ..
قال : ولا حجة لهم فيه ، وذلك أن الله لما أنزل على رسوله :
﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ (٢) الآية . قال عليه السلام:
(١) من (( هـ)).
(٢) في (( الأصل )): يديه. وما أثبتناه من ( هـ ))
(٣) المائدة : ٣٨.
نـ ٤٠٠ -