النص المفهرس

صفحات 301-320

وقال محمد بن سحنون : أجمع أهل العراق معنا أن بيع المكره
باطل ، وهذا يدل أن [ البيع ] (١) عندهم غير ناقل للملك ، ثم
نقضوا هذا بقولهم : إذا أعتق المشتري أو دبر فليس للبائع رد ذلك .
فيقال لهم : هل بيع الإكراه ناقل للملك؟ فإن قالوا: [ لا] (١) بطل
عتق المشتري وتدبيره كما بطلت هبته ، وإن كان ناقلا للملك فأجيزوا
كل شيء صنع المشتري من هبة وغيرها ، وإذا قصد المشتري للشراء
بعد علمه بالإكراه صار كالغاصب .
وقد أجمع العلماء في عتق الغاصب أن للسيد أن يزيله ويأخذ عبده،
وقال أهل العراق : إن له أن يضمن إن شاء الذي ولي الإكراه ، وإن
شاء المشتري المعتق . فجعلوه في معنى الغاصب ، وقال : إن بيع
المشتري شراءً فاسدًا ماض ويوجب القيمة ، ففرقوا بينه وبين البيع
الفاسد وجعلوه كالغاصب .
ووجه استدلال البخاري بحديث جابر في هذه المسألة أن الذي دبره
لما لم يكن له مال غيره كان تدبيره سفهًا من فعله، فرد النبي - عليه
السلام - ذلك من فعله ، وإن كان ملكه للعبد صحيحًا كان من اشتراه
شراءً فاسدًا ، ولم يصح له ملكه إذا دبره أو أعتقه أولى أن يرد فعله ،
من أجل أنه لم يصح له ملكه .
*
#
باب : من الإكراه ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم
أن ترثوا النساء كرهًا ﴾ (٢) الآية
[ قال] (٣) : كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء
(١) من (( هـ)).
(٢) النساء : ١٩ .
(٣) في ((الأصل)): قالوا. والمثبت من (( هـ، ن).
- ٣٠١ -

بعضهم تزوجها، وإن شاءوا [زوجوها](١)، وإن شاءوا لم يزوجوها،
فهم أحق بها من أهلها ، فأنزل الله هذه الآية في ذلك .
وقال الزهري ومالك : فيمسكها حتى تموت فيرثها .
قال المهلب : فائدة هذا الباب - والله أعلم - ليعرفك أن كل من
أمسك امرأته لا أرب له فيها طمعًا أن تموت فلا يحل له ذلك بنص
القرآن .
باب : إذا استكرهت المرأة على الزنا فلا حد عليها لقوله تعالى :
﴿ومن یکرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ﴾ (٢)
قال اللیث : حدثني نافع أن صفية بنت أبي عبيد أخبرته ، أن عبدًا من
رقيق الإمارة وقع على وليدة من الخمس فاستكرهها حتى [ اقتضها] (٣)
فجلده عمر الحد ونفاه، ولم يجلد الوليدة من أجل أنه استكرهها . وقال
الزهري في الأمة البكر يفترعها الحر يقيم ذلك الحكم من الأمة العذراء
بقدر ثمنها ويجلد ، وليس في الأمة الثيب في قضاء الأئمة غرم ولكن
علیه الحد .
وفيه: أبو هريرة: (( هاجر إبراهيم بسارة فدخل بها قرية فيها ملك من
الملوك - أو جبار من الجبابرة - فأرسل إليه أن أرسل إلي بها ، فقام إليها
فقامت توضأ وتصلي فقالت : اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك
فلا تسلط عليّ الكافر . فغُطَّ حتى ركض برجله)).
قال المهلب: [ قوله تعالى ] (٤): ﴿ فإن الله من بعد إكراههن
غفور رحيم ﴾ (٢) يعني: الفتيات المكرهات، وبهذا المعنى حكم عمر
(١) في (( الأصل)): تزوجوها. والمثبت من (( هـ).
(٣) في (( الأصل)): استقضها. والمثبت من (( هـ ، ن ))
(٢) النور: ٣٣ .
(٤) من ((: هــ).
- ٣٠٢ -

في الوليدة التي استكرهها العبد فلم يحدها . والعلماء متفقون على أنه
لا حد على امرأة مستكرهة .
واختلفوا هل لها صداق ؟ فقال عطاء والزهري : لها الصداق .
وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وقال الشعبي:
إذا أقيم الحد على الذي / زنا بها بطل الصداق وهو قول الكوفيين .
[٣/ق٢٤٨-٢]
واختلف العلماء فيمن أكره من الرجال على ( النساء ) (١) فقال
مالك : عليه الحد ؛ لأنه لم ينتشر إلا بلذة . وهو قول أبي ثور ، قال
مالك : وسواء أكرهه سلطان أو غيره .
وقال أبو حنيفة : إن أكرهه غير سلطان حد ، وإن أكرهه سلطان
فالقياس أن يحد ، ولكني أستحسن أن لا يحد .
وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي : لا يحد في الوجهين جميعًا .
ولم يراعوا الانتشار . وقال ابن القصار : احتج أصحاب مالك في
وجوب الحد فقالوا : انتشار قضيبه في الوطء ينافي الخوف ، ألا ترى
أن ذلك لا يحصل إلا بوجود الشهوة والطمأنينة وسكون النفس ؛ لأن
من قدم ليضرب عنقه لا تحصل منه شهوة ولا انتشار حتى ربما ذهب
حسه وذهل عقله .
واحتج الذين لم يوجبوا الحد فقالوا : متى علم أنه يتخلص من
القتل بفعل الزنا جاز أن ينتشر وإن كان مكرهاً ، وقالوا لأصحاب
مالك: هذا يلزمكم في طلاق المكره ، وأنتم لا توقعونه وفيمن أكره
على الفطر . فقال المالكيون : طلاق المكره لا علامة لنا في اختياره ،
والإكراه ظاهر ، والمكره على الفطر عليه القضاء وليس كالمتعمد ، إذ
لا أمارة تدل على اختياره للفطر والصورة واحدة .
(١) في (( هـ)) : الزنا .
- ٣٠٣ -

قال المهلب : و[قول ] (١) الزهري في البكر يفترعها الحر أن عليه
قيمة العذرة ويجلد ، وهو قول مالك .
واختلف قول مالك في وطء الأمة الثيب في الإكراه ، فقال في
المدونة: إنه لا شيء عليه في وطء الثيب غير الحد خاصة .
وروى أشهب وابن نافع ، عن مالك في الجارية الزائغة تتعلق برجل
تدعي أنه غصبها نفسها ، أتصدق عليه بما بلغت من فضيحة نفسها بغير
يمين عليها ؟ قال : ما سمعت أن عليها في ذلك يمينًا وتصدق عليه
ويكون عليه غرم ما نقصها الوطء . وهذه خلاف رواية ابن القاسم .
وأما حديث إبراهيم وسارة فإنما شابه الترجمة من وجه خلو الكافر
بسارة وإن كان لم يصل إلى شيء منها ، ولما لم يكن عليها ملامة في
الخلوة ، فكذلك لا يكون على المستكرهة ملامة ، ولا حد فيما هو
أكثر من الخلوة ، والله الموفق .
باب : يمين الرجل لصاحبه أنه أخوه
إذا خاف عليه القتل أو نحوه
وكذلك كل مكره يخاف فإنه يذب عنه المظالم ويقاتل دونه ولا
یخذله، فإن قاتل دون المظلوم فلا قود علیه ولا قصاص وإن قيل له :
لتشربن الخمر ، أو لتأكلن الميتة ، أو لتبيعن عبدك ، أو لتقرن بدين ، أو
تهب هبة ، أو تحل عقدة ، أو لتقتلن أباك أو أخاك في الإسلام وسعه
ذلك لقول النبي عليه السلام المسلم أخو المسلم . وقال بعض الناس : لو
قيل له : لتشربن الخمر أو لتأكلن الميتة أو لتقتلن ابنك أو أباك أو ذا رحم
محرم لم يسعه ؛ لأن هذا ليس بمضطر ، ثم ناقض فقال : إن قيل له:
(١) في ((الأصل)): فرق. والمثبت من ((هـ).
- ٣٠٤ -

لنقتلن أباك أو ابنك أو لتبيعن هذا العبد أو تقر بدين أو تهب هبة للزمه
في القياس ، ولكنا نستحسن ونقول : البيع والهبة وكل عقد في ذلك
باطل ، فرقوا بين كل ذي رحم وغيره بغير كتاب ولا سنة .
وقال النبي - عليه السلام -: (( قال إبراهيم لامرأته : هذه أختي وذلك
في الله )) .
وقال النخعي : إذا كان المستحلف ظالمًا فنية الحالف ، وإن كان
مظلومًا فنية المستحلف .
فيه : ابن عمر قال: قال النبي - عليه السلام -: (( المسلم أخو المسلم
لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته)) .
وفيه : أنس : قال النبي - عليه السلام - : (( انصر أخاك ظالما أو
مظلومًا . فقال رجل : يا رسول الله ، أنصره إذا كان مظلومًا أفرأيت إن
كان ظالماً كيف أنصره ؟ قال : تحجزه - أو تمنعه - من الظلم ، فإن
ذلك نصره )) .
اختلف العلماء فيمن خشي على رجل القتل فقاتل دونه ، فقالت
طائفة : إن قتل دونه فلا قود عليه ولا / قصاص ، والحجة لهم قوله (٢٤٨٥/٣ -ب]
عليه السلام: ((انصر أخاك ظالما أو مظلومًا)) قالوا : فدل عموم
هذا الحديث أنه لا قود عليه إذا قاتل عن أخيه كما لا قود عليه إذا قاتل
عن نفسه ، وروي نحوه عن عمر بن الخطاب .
وذكر ابن الماجشون : أن رجلا هربت منه امرأته إلى أبيها في زمن
عمر بن الخطاب ، فذهب في طلبها مع رجلين فقام أبوها إليهم بيده
عمود فأخذه منه أحدهما فضربه فكسر يده ، وأخذ الزوج منه امرأته
فلم يقده منه عمر ، وقضی له بدیة الید .
قال ابن حبيب : لم ير فيه قصاصًا ؛ لأنه كفه عن عدائه بضربه له،
وليس على جهة العمد الذي فيه القصاص ، وقياس قول أشهب يدل
- ٣٠٥ -

أنه لا قصاص في ذلك ؛ لأنه قال في الرجل يختفي عنده مظلوم
فيحلفه السلطان الجائر الذي يريد دمه وماله أو عقوبته إن كان عنده
قال: يحلف ولا حنث عليه ، كما لا حنث عليه إذا حلف عن نفسه .
[ ذكره ] (١) ابن المواز، عن أشهب. وروي مثله عن أنس بن مالك
قال : لأن أحلف تسعين يمينًا أحب إلي من أن أدل على مسلم . وقاله
میمون بن مهران .
وقالت طائفة : من قاتل دون غيره فقتل فعليه القود . هذا قول
الكوفيين ، ويشبه مذهب ابن القاسم ؛ لأنه قال في الرجل يختفي
عنده الرجل من السلطان الجائر يخافه على نفسه، أنه متی حلف أنه ليس
عنده فهو حانث، وإن كان مأجوراً في إحياء نفسه، فلما كان حانثًا في
حلفه عليه، والحنث أيسر شأنًا من القتل دل أنه ليس له أن يقاتل دونه،
وهذا قول أصبغ قال : لا يعذر أحد إلا في الدراءة عن نفسه ، ولا
يدرأ عن ولده باليمين وهو حانث . وقاله أكثر أصحاب مالك .
قالوا : وليس قوله عليه السلام: ((انصر أخاك ظالما أو مظلومًا ))
بمبيح له قتل المتعدي على أخيه الظالم له ؛ لأن كلا الرجلين المتقاتلين
أخ للذي أمره النبي - عليه السلام - بالنصرة ، ونصره كل واحد
منهما لازم له ، وقد فسر النبي نصرة الظالم كيف ، فقال : تكفه عن
الظلم ، ولم يأمره بقتل الظالم ولا استباحة دمه ، وإنما أراد نصره دون
إراقة دمه ، هذا المفهوم من الحديث ، والله أعلم .
وقال لي بعض الناس : معنى قول البخاري : إن قاتل دون المظلوم
فلا قود عليه ولا قصاص ، هو أن یری رجل رجلا یرید قتل آخر بغیر
حق ، فإن أمكنه الدفع عنه فقد توجه عليه الفرض في نصرته ودفع
الظلم عنه بكل ما يمكنه ، ولا ينوي بقتاله له إلا الدفع عن أخيه خاصة
(١) في ((الأصل)): ذكر. والمثبت من (( هـ)).
- ٣٠٦ -

دون أن [ يقصد] (١) إلى قتل الظالم للمنتصر في تلك المدافعة فهو
شهيد، كما لو دافعه عن نفسه سواء، فإن قدر المدافع [ على ] (٢)
دفع الظالم بغير قتال أو بمقاتلة لا يكون فيها تلف نفس وقتله قاصدًا
لقتله فعليه القود .
وموضع التناقض الذي ألزمه البخاري لأبي حنيفة في هذا الباب هو
أن ظالمًا لو أراد قتل رجل وقال لابن الذي أريد قتله : لتشربن الخمر
أو لتأكلن الميتة أو لأقتلن أباك أو ابنك أو ذا رحم لم يسعه شرب الخمر
ولا أكل الميتة ؛ لأنه ليس بمضطر عند أبي حنيفة ، وإنما لم يكن
مضطرًا عنده ؛ لأن الإكراه إنما يكون فيما يتوجه إلى الإنسان في خاصة
نفسه لا في غيره ؛ لأنها معاصي الله ؛ لأنه ليس له أن يدفع بها
معاصي غيره ، وليصبر على قتل أبيه والله سائل قاتله ، ولا إثم على
الابن ؛ لأنه لم يقدر على دفع القتل عن أبيه أو ابنه إلا بمعصية یر کبها،
ولا يحل له ذلك .
ألا ترى قوله : إن قيل له : لأقتلن أباك أو ابنك أو ذا رحم ، أو
لتبيعن هذا العبد أو تقرن بدين أو تهب هبة أن البيع والإقرار والهبة
تلزمه في القياس ؛ لأنه قد تقدم أنه يصبر على قتل ابنه أو أبيه أو ذي
رحمه ولا يشرب الخمر ولا يأكل الميتة، فعلى هذا ينبغي أن يلزمه كل ما
عقد على نفسه من عقد، ولا يجوز له القيام في شيء منها كما لم يجز
له شرب الخمر وأكل الميتة في دفع القتل عن أبيه أو ابنه وذي رحمه .
ثم ناقض هذا المعنى بقوله : ولكنا نستحسن ونقول : البيع وكل
عقد في ذلك باطل . فاستحسن بطلان البيع وكل ما عقده على نفسه،
وجعل له القيام فيه بعد أن تقدم من قوله : أن البيع والإقرار والهبة
(١) في (( الأصل)): يقتل. والمثبت من ( هـ).
(٢) في (( الأصل)): عن، والمثبت من ( هـ).
- ٣٠٧ -

(٥/٣ ٢٤٩- ١] تلزمه في القياس / ولا يجوز له [القيام] (١) فيها، واستحسانه
كقول أشهب ، وقياسه كقول ابن القاسم المتقدمين .
وقول البخاري : فرقوا بين كل ذي رحم محرم وغيره بغیر کتاب
ولا سنة ، يريد أن مذهب أبي حنيفة في ذوي الأرحام بخلاف مذهبه في
الأجنبيين، فلو قيل لرجل: لنقتلن هذا الرجل الأجنبي أو لتبيعن عبدك.
أو تقر بدين أو هبة ففعل ذلك لينجيه من القتل لزمه جميع ما عقد
على نفسه من ذلك ولم يكن له فيها [ قيام ] (٢) . ولو قيل له ذلك
في ذوي محارمه لم يلزمه ما عقد على نفسه من ذلك في استحسانه . .
وعند البخاري ذوو [ الأرحام ] (٣) والأجنبيون سواء في أنه لا
يلزمه ما عقد على نفسه في تخليص الأجنبي ؛ لقوله عليه السلام :
((المسلم أخو المسلم » والمراد بذلك أخوة الإسلام لا أخوة النسب،
ولقول إبراهيم في سارة: (( هذه أختي)) وإنما كانت أخته في
الإسلام، فأخوة الإسلام توجب على المسلم حماية أخيه المسلم والدفع
عنه ، ولا يلزمه ما عقد على نفسه في ذلك من بيع ولا هبة ، وله
القيام فيها متى أحب، ووسعه شرب الخمر وأكل الميتة ، ولا إثم عليه
في ذلك ولا حد ، كما لو قيل له : لتفعلن هذه الأشياء أو لنقتلتُك ،
وسعه في نفسه إتيانها ولا يلزمه حكمها حري أن يسعه ذلك في حماية
أبيه وأخيه في النسب وذوي ( محارمه ) (٤) ولا يلزمه ما عقد على
نفسه من بيع ولا هبة ولا فرق بينهما .
اختلف العلماء في يمين المكره ، فذهب الكوفيون إلى أنه يحنث ،
وذهب مالك إلى أن [ كل ] (٥) من أكره على يمين بوعيد أو سجن أو
(١) في ((الأصل)): القياس. والمثبت من ( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): قياسُ. والمثبت من ((هـ)).
(٣) في ((الأصل)): المحارم. والمثبت من ((هـ)).
(٤) كذا في (( الأصل، هـ)) والصواب : أرحامه.
(٥) من ( هـ )
- ٣٠٨ -

ضرب أنه يحلف ولا حنث عليه ، وهو قول الشافعي وأبي ثور وأكثر
العلماء، وحجة الكوفيين أن المكره كان له أن يوري في يمينه ، ولما لم يور
ولا ذهب بنيته إلى خلاف ما أكره عليه ؛ فقد قصد إلى اليمين ، ولو لم
يرد أن يحلف لورّى؛ لأن الأعمال بالنيات، فلذلك لزمته اليمين .
وحجة من لم يلزمه اليمين أنه إذا أكره على اليمين فنيته مخالفة
لقوله ؛ لأنه كاره لما حلف عليه ولأن اليمين عندهم على نية الحالف ،
وأنه حلف على ما لم يرده ولا قصده بنيته ، وكل عمل لا نية فيه غير
لازم، ولا يصح الإكراه إلا أن يكون الفعل فيه [ مخالفًا ] (١) للنية
والقصد .
وقد روى سليمان بن ميسرة ، عن النزال بن سبرة قال : التقى
عثمان وحذيفة عند باب الكعبة فقال له عثمان : أنت القائل الكلمة
التي بلغتني ؟ فقال : لا والله ما قلتها . فلما خلونا به قلنا له : يا أبا
عبد الله ، حلفت له وقد قلت ما قلت . قال : إني أشتري ديني بعضه
ببعض مخافة أن يذهب كله . وقال الحسن البصري : أعطهم ما شاءوا
بلسانك إذا خفتهم .
وأما قول [ النخعي ] (٢): إذا كان المستحلف ظالمًا فنية الحالف ،
وإن كان مظلومًا فنية المستحلف . فهو قول مالك ؛ لأن النية عنده نية
المظلوم أبدًا . وهو خلاف قول الكوفيين الذين يجيزون التورية في
الأعمال ويجعلون النية نية الحالف أبدًا . وسيأتي الكلام في ذلك في
الباب بعد هذا - إن شاء الله .
فإن قال قائل : كيف يكون المستحلف مظلومًا ؟
قال : إذا جحده رجل حقا له ولم تكن له نية فإن الجاحد يحلف له
فتكون النية نية المستحلف ؛ لأن الجاحد ظلمه .
(١) في ((الأصل)): مخالف. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): النبي. والمثبت من (( هـ).
- ٣٠٩ -

[ كتاب ] (١) الحيل
باب : في ترك الحيل وأن لكل امرئ ما نوى
في الأيمان وغيرها
فيه : عمر: سمعت النبي يقول: ((إنما الأعمال بالنية ، وإنما لامرئ ما
نوی ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلی الله ورسوله ، ومن
كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر
إليه)) .
هذا الحديث حجة لصحة مذهب مالك في الأيمان أنها على نية
المحلوف له ولا تنفعه التورية عنده ، و[ رد ] (٢) على الكوفيين
والشافعية أنها على نية الحالف أبداً ، وتنفعه التورية في سقوط الحنث
[٢/ ق٢٤٩-ب] خاصة / عنه كالرجل يحلف لغريمه وهو معسر : والله ما لك عندي
شيء. [ وينوي ] (٣) في هذا الوقت من أجل عسري، وأن الله قد
[أنظرني] (٤) إلى الوجود، و[ كالحالف] (٥) بالطلاق يقول: هند
طالق وله زوجة تسمی بهند، وقد نوی امرأة أجنبية تسمی بهند، ویرید
طلاقها [ من ] (٦) موضع سكناها أو طلاقها من قيد، و[كالحالف](٥).
(١) في ((الأصل)): باب. والمثبت من ((هـ)).
(٢) في ((الأصل)): رداً. والمثبت من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): يعني. والمثبت من (( هـ).
(٤) في ((الأصل)): أنظر. والمثبت من (( هـ)).
(٥) في ((الأصل)): كالخلف والمثبت من ((هـ).
(٦) في ((الأصل)): إلى. والمثبت من (( هـ)).
- ٣١٠ -

على أكل طعام وخص طعامًا بعينه ، و[كالحالف ] (١) لغريمه وهو يريد
شيئًا ما غير ما له عليه ، فإن كان الحالف يخاصمه غرماؤه وزوجته
أخذه الغرماء بظاهر لفظه ، ولم يلتفتوا فيه إلى نيته في الحكم وحملوا
الكلام على بساطه ومخرجه ، هذا قول مالك وأهل المدينة .
والذين أجازوا التورية إنما فروا من الحنث بمعاريض الكلام ،
وجعلوه على نيته في يمين لا يقتطع بها مال أخيه ولا يبطل حقه ،
[فإن](٢) اقتطع بيمينه مال ( آخر) (٣)، فلا مخرج [ له عند أحد ] (٤)
من أهل العلم ممن يقول بالتورية وغيرها ، ولا يكون ذلك المال حلالا
عندهم ولا بد من رده إلى صاحبه .
قال المهلب : ولو جازت التورية لنوى الإنسان عند خلفه في
الحقوق غير ما طولب به ، ولحل له ما اقتطعه بهذه اليمين المعرج بها
عن طريق الدعوى ؛ ولذلك أنزل الله : ﴿إن الذين يشترون بعهد الله
وأيمانهم ﴾ (٥) الآية . ولما اتفقوا معنا أنه لا يحل شيء من ذلك المال
[لآخذه ] (٦) علم أن التورية لا تزيل الحنث ، وسقط قولهم .
باب : في الصلاة
فيه : أبو هريرة: عن النبي - عليه السلام - قال: (( لا يقبل الله صلاة
أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)) .
معنى هذا الباب الرد على أبي حنيفة في قوله : أن المحدث في
صلاته يتوضأ ويبني على ما تقدم من صلاته. وهو قول ابن أبي ليلى.
(١) في ((الأصل)): كالحلف. والمثبت من (هـ).
(٢) في ((الأصل)): وإن. والمثبت من ( هـ)).
(٤) في ((الأصل)): لأحد. والمثبت من ( هـ)).
(٥) آل عمران : ٧٧ .
(٣) في (( هـ)): أحد .
(٦) من (( هـ)).
- ٣١١ -

:
وقال مالك والشافعي : يستأنف الوضوء والصلاة ولا يبني ،
وحجتهما قوله عليه السلام: (( لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث
حتى يتوضأ)) وقوله: ((لا صلاة إلا بطهور)) ...
قال ابن القصار : ولا يخلو في حال انصرافه من الصلاة وقد
أحدث أن يكون مصلياً أو غير مصلٍ، فبطل أن يكون مصليًا ؛ لقوله :
(لا صلاة إلا بطهور)) وهذا غير ( متوضئ ) (١) فلا يجوز له البناء ،
وكل حدث منع من ابتداء الصلاة منع من البناء عليها ، يدل على ذلك
أنه لو سبقه المني في الصلاة لا يستأنف ، كذلك غيره من الأحداث ..
وقد اتفقنا على أنه ممنوع من المضي فيها من أجل الحدث فوجب أن
يمنع من البناء عليها ؛ فإن احتجوا بالراعف أنه يبني . قيل : الرعاف.
:
عندنا لا ينافي حكم الطهارة ، والحدث ينافيها ، ألا ترى أنه في غير
الصلاة لو تعمد الرعاف لم تنتقض طهارته كما لو بدره .
والحدث على الوجهين ينفي حكم الطهارة ، ألا ترى أنكم لم.
تفرقوا بين عمد الحدث وسبقه في نقض الطهارة ، وفرقتم بين تعمد
المني والرعاف وغلبته في الصلاة ، وفرقتم بين الأحداث في الصلاة
فقلتم : إذا غلبه المني اغتسل واستأنف وإذا غلبه الحدث الأصغر بنى
على صلاته .
وفرقنا نحن بين الحدث وما لیس بحدث ، وهذا الحديث أيضًا يرد
قول أبي حنيفة أن من قعد في الجلسة الآخرة مقدار التشهد ثم أحدث
فصلاته تامة ، وذهب إلى أن التحلل من الصلاة يقع بما يضادها من
قول أو فعل ولا يتعين بالسلام ، وخالفه سائر العلماء وقالوا : لا تتم
الصلاة إلا بالسلام منها ، ولا يجوز التحلل منها بما يفسدها إذا
اعترض في خلالها على طريق النسيان ، كالحج لا يجوز أن يقع
(١) فى (( هـ): متطهر
- ٣١٢ -

التحلل منه بالجماع ؛ لأنه لو طرأ في خلاله لأفسده ، فكذلك الصلاة
لو أحدث في خلالها ناسيًا لأفسدها فلا يتحلل منها بتعمد الحدث .
باب : في الزكاة
فيه: أنس: (( أن أبا بكر كتب له فريضة الزكاة التي فرض رسول الله
ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة » .
وفيه : طلحة بن عبيد الله: (( أن أعرابيًا جاء إلى النبي - عليه السلام-
ثائر الرأس فقال /: (١) [ يا رسول الله، أخبرني ماذا فرض الله علي من (٣/ ق ٢٥٠- ١]
الصلاة ؟ قال : الصلوات الخمس إلا أن تطوع شيئًا . فقال : أخبرني بما
فرض الله عليّ من الصيام ؟ فقال : شهر رمضان إلا أن تطوع شيئًا .
قال: أخبرني بما فرض الله عليّ من الزكاة ؟ فأخبره رسول الله وَلو بشرائع
الإسلام . قال : والذي أكرمك لا أتطوع شيئًا ولا أنقص مما فرض الله
عليّ شيئًا. فقال رسول الله وَله: أفلح إن صدق [ أو ] (٢) أدخل الجنة
إن صدق» .
وقال بعض الناس : في عشرين ومائة بعير حقتان ، فإن أهلكها متعمداً
أو وهبها أو احتال فيها فراراً من الزكاة فلا شيء عليه .
وفيه : أبو هريرة: قال النبي وقلي: (( يكون كنز أحدكم يوم القيامة
شجاعًا أقرع يفر منه صاحبه ويطلبه ويقول : أنا كنزك . قال : والله لن
يزال يطلبه حتى يبسط يده فيلقمها فاه . وقال رسول الله ◌َطير: إذا ما رب
النعم لم يعط حقها تسلط عليه يوم القيامة فتخبط وجهه بأخفافها )) .
(١) سقط من هنا صفحة من (( الأصل)): وسينبه على آخره في موضعه، والمثبت
من ٥ هـ )).
(٢) من ( ن)).
- ٣١٣ -

:
وقال بعض الناس في رجل له إبل ، فخاف أن تجب عليه الصدقة ،
:
فباعها بإبل مثلها أو بغنم أو ببقر أو بدراهم فرارًا من الصدقة بيوم
احتيالا ، فلا شيء عليه وهو يقول : إن زکی إبله قبل أن يحول الحول
بیوم أو بسنة جازت عنه .
وفيه : ابن عباس: (( أن سعد بن عبادة استفتى النبي 18 في نذر كان
على أمه توفيت قبل أن تقضيه. فقال رسول الله وير: اقضه عنها)).
وقال بعض الناس : إذا بلغت الإبل عشرين ففيها أربع شياه ، فإن
وهبها قبل الحول أو باعها فرارًا واحتيالا لإسقاط الزكاة فلا شيء عليه ،
وكذلك إن أتلفها فمات فلا شيء عليه في ماله .
أجمع العلماء أن للرجل قبل حلول الحول التصرف في ماله بالبيع
والهبة والذبح إذا لم ينو الفرار من الصدقة ، وأجمعوا أنه إذا حال
الحول وأطل الساعي أنه لا يحلل التحيل والنقصان في أن يفرق بين
مجتمع أو يجمع بين مفترق .
· وقال مالك : إذا فوت من ماله شيئًا ينوي به الفرار من الزكاة قبل
الحول بشهر أو نحوه لزمته الزكاة عند الحول أخذًاً بقوله الاول: ((خشية
الصدقة)) وقال أبو حنيفة: إن نوى بتفويته الفرار من الزكاة قبل الحول
بيوم لا تضره النية ؛ لأن الزكاة لا تلزمه إلا بتمام الحول ، ولا يتوجه
إليه معنى قوله ◌َله: ((خشية الصدقة)) إلا حينئذ.
قال المهلب : وإنما قصد البخاري في هذا الباب أن يعرفك أن كل
حيلة يتحيل بها أحد في إسقاط الزكاة ، فإن إثم ذلك عليه ؛ لأن النبي
وَله لما منع من جمع الغنم أو تفريقها خشية الصدقة ؛ فهم منه هذا
المعنى ، وفهم من قوله : (( أفلح إن صدق )) أنه من رام أن ينقص
- ٣١٤ - :

(شيئًا)(١) من فرائض الله بحيلة يحتالها أنه لا يفلح ولا يقوم بذلك
عذره عند الله - عز وجل - فما أجاز الفقهاء من تصرف [صاحب](٢)
المال في ماله قرب حلول الحول، فلم يريدوا بذلك الهروب من الزكاة،
ومن نوى ذلك فالإثم عنه غير ساقط والله حسيبه ، وهو كمن فر عن
صيام رمضان قبل رؤية الهلال بيوم واستعمل سفراً لا يحتاج إليه رغبة
عن فرض الله - عز وجل - الذي كتبه على عباده المؤمنين ، فالوعيد
إليه متوجه ، ألا ترى عقوبة من منع الزكاة يوم القيامة بأي وجه منعها
كيف تطؤه الإبل ويمثل له ماله شجاعًا أقرع ؟ وهذا يدل أن الفرار من
الزكاة لا يحل وهو مطالب بذلك في الآخرة .
وحديث ابن عباس في النذر حجة أيضًا في ذلك ؛ لأنه إذ أمر النبي
وَالر سعدًا أن يقضي النذر عن أمه حين فاتها القضاء ، دل ذلك أن
الفرائض المهروب عنها أوكد من النذر وألزم ، والله الموفق .
قال غيره : وأما إذا بيعت الغنم بغنم ، فإن مالكًا وأكثر العلماء
يقولون : إن الثانية على حول الأولى ؛ لأن الجنس واحد والنصاب
واحد والمأخوذ واحد . وقال الشافعي في أحد قوليه : يستأنف بالثانية
حولا . وليس بشيء .
وأما إن باع غنمًا ببقر أو بإبل ، فأكثر العلماء يقولون : يستأنف بما
يأخذ حولا كأنه قد باع دنانير بدراهم ؛ لأن النصاب في البقر والإبل
مخالف للغنم ، وكذلك المأخوذ . ومن الناس من يقول : إذا ملك
الماشية ستة أشهر ، ثم باعها بدراهم زكى الدراهم لتمام ستة أشهر
من يوم باعها . هذا قول أحمد بن حنبل وأهل الظاهر .
(١) مكررة في (( هـ )).
(٢) في ((هـ)): صاحبه . والمثبت هو الصواب .
- ٣١٥ -

وما ألزمه من التناقض في قوله بإجازة تقديم الزكاة قبل الحول بسنة
فليس بتناقض ؛ لأنه لا يوجب الزكاة إلا بتمام الحول ، ويجعل من
قدمها كمن قدم دينًا مؤجلا قبل أن يجب عليه . وإن تم الحول وليس
بيده نصاب من تلك الماشية وجب على الإمام أن يؤديها إليه من الصدقة،
كما أدى رسول الله وَ ل الجمل الرباعي الخيار إلى من هذه حاله .
باب [الحيلة ] (١) في النكاح
فيه : ابن عمر : ((أن النبي ◌َلّ نهى عن الشغار. قلت لنافع: ما
الشغار؟ قال : ينكح ابنة الرجل وينكحه ابنته بغير صداق، وينكح أخت
الرجل ، وينكحه أخته بغير صداق )) وقال بعض الناس : إن احتال حتى
تزوج على الشغار فهو جائز ، والشرط باطل .
وقال في المتعة : النكاح فاسد والشرط باطل . وقال بعضهم: المتعة
والشغار جائز، والشرط باطل .
فيه : علي : أنه قيل له : (( إن ابن عباس لا يرى بأسًا بمتعة النساء !
فقال: إن رسول الله وَلل نهى عنها يوم خيبر وعن لحوم الحمر الإنسية))
وقال بعض الناس : إن احتال حتى تمتع فالنكاح فاسد . وقال بعضهم :
النكاح جائز والشرط باطل .
قال بعض من لقيت : أما نكاح الشغار ففساده في الصداق عند أبي
حنيفة ، ولا يكون البضع صداقًا عند أحد من العلماء إلا أن أبا حنيفة
يقول : هذا النكاح منعقد ، ويصلح بصداق المثل ؛ لأنه يجوز عنده
انعقاد النكاح دون ذكر الصداق بخلاف البيع ، ثم يذكر الصداق فيما
(١) في (( هـ)»: الحياة. والمثبت هو رواية أبي ذر.
- ٣١٦ -

بعد ، فلما جاز هذا عندهم كان ذكرهم للبضع بالبضع كلا ذكر وكأنه
نكاح انعقد بغير صداق ، وما كان عند أبي حنيفة من النكاح
[فاسد] (١) من أجل صداقه فلا يفسخ عنده قبل ولا بعد ، ويصلح
بصداق المثل وبما يفرض ، وعند مالك والشافعي يفسخ نكاح الشغار
قبل الدخول وبعده ، حملا نهي النبي ◌َّر على التحريم ؛ لعموم
النهي، إلا أن مالكًا والشافعي [اختلفا] (٢) إن ذكر في الشغار دراهم.
فقال مالك : إن ذكر مع إحداهما دراهم صح نكاح التي سمي لها
دون الثانية . وقال الشافعي : إن سمي لإحداهما صح النكاحان معًا،
وكان للتي سمي لها ما سمي ، وللأخرى صداق المثل ، وقد تقدم
هذا في كتاب النكاح .
وأما قوله في المتعة فإن فقهاء الأمصار لا يجيزون نكاح المتعة على
حال ، وقول بعض أصحاب أبي حنيفة : المتعة والشغار جائز والشرط
باطل غير صحيح؛ لأن المتعة منسوخة بنهي النبي ◌َّ عنها، ولا
يجوز مخالفة النهي وفساد نكاح المتعة من قبل البضع .
باب : ما يكره من الاحتيال في البيوع
ولا يمنع فضل الماء ليمنع به فضل الكلأ
فيه: أبو هريرة: قال النبي قال: ((لا يمنع فضل الماء ليمنع به فضل
الكلا)) .
وفيه: ابن عمر: ((أن النبي 98َّ نهى عن النجش)).
(١) فى ((هـ): فاسدًا. والمثبت هو الصواب.
(٢) في (( هـ)»: اختلفوا. والمثبت هو الصواب .
- ٣١٧ -

قال المهلب: قوله: (( لا يمنع فضل الماء ليمنع به، فضل الكلا)) إنما
هو لما أراد أن يصون ما حول بئره من الكلأ من النعم الواردة للشرب
وهو لا حاجة له به إلى الماء الممنوع ، إنما حاجته إلى منع الكلأ ،
فمنع من الاحتيال في ذلك ؛ لأن الكلأ والنبات الذي في المسارح غير
المتملکة مباح لا يجوز منعه ، وفيه معنى آخر وهو أنه قد یخص أحد
معاني الحديث ويسكت عن معان أخر ؛ لأن ظاهر الحديث يوجب أنه
لا ينهى عن فضل الماء إلا إذا أريد به منع الكلأ ، وإن لم يرد به منع
الكلأ، فلا ينهى عن منع الماء ، والحديث معناه : لا يمنع فضل الماء
بوجه من الوجوه ؛ لأنه إذا لم يمنع بسبب غيره فأحرى ألا يمنع بسبب
نفسه ، وقد سماه النبي ونَ﴾ فضلا، فإن لم يكن فيه فضل عن حاجة:
صاحب البئر جاز منعه لمالك البئر ، وكذلك النجش ، ومعناه : أن
يعطي الرجل الثمن في السلعة وليس في نفسه شراؤها ، ليقتدي به.
غيره ممن يحب شراءها فيزيد فيها أكثر من ثمنها، فنهى النبي وَّر عن
[٣/ ق٢٥١٥-١) ذلك؛ لأنه ضرب من التحيل] (١) / في تكثير الثمن .
باب : ما ينهى من الخداع
وقال أيوب : يخادعون الله كما يخادعون آدميا لو أتوا الأمر عيانًا كان
أهون علي .
وفيه : ابن عمر : (( أن رجلا ذكر للنبي - عليه السلام - أنه يخدع في
البيوع ، فقال : إذا بايعت فقل : لا خلابة )) .
قد تقدم [ في كتاب البيوع] (٢). وقوله: ((لا خلابة)) أى :.
(١) إلى هنا انتهى السقط
(٢) من (( هـ)).
- ٣١٨ -

لا تخلبوني ولا تخدعوني ؛ فإن ذلك لا يحل . قال المهلب : مثل أن
يدلس بالعيب أو يسمى بغير اسمه ، فهذا الذي لا يحل منه قليل ولا
كثير ، وأما الخديعة التي هي تزيين للسلعة والثناء عليها ، والإطناب
في مدحها فهذا متجاوز عنه ، ولا تنقض له البيوع .
باب : ما ينهى من الاحتيال للولي في
اليتيمة المرغوبة وأن لا يكمل صداقها
فيه: عائشة: (( في قوله تعالى : ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في
اليتامى﴾(١) الآية. قالت: هي اليتيمة في حجر وليها، فيرغب في مالها
وجمالها فيريد أن يتزوجها بأدنى من سنة نسائها ، فنهوا عن نكاحهن إلا
أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق ، ثم استفتى الناس رسول الله بعد ،
فأنزل الله : ﴿ ويستفتونك في النساء ... ﴾ (٢) فذكر الحديث.
فيه : أنه لا يجوز للولي أن يتزوج يتيمة بأقل من صداقها ، ولا أن
يعطيها من [ العروض ] (٣) في صداقها ما لا يفي بقيمة صداق مثلها ،
وقال ابن عباس : قصر الرجل على أربع من النساء من أجل اليتامى .
ومعناه أن سبب نزول القرآن بإباحة أربع كان من أجل سؤالهم عن
اليتامى، وكانوا يستفتونه لما كانوا يخافونه من الحيف عليهن، فقيل لهم :
إن خفتم الحيف عليهن فاتركوهن، فقد أحللت لكم أن تنكحوا أربعًا .
فإن قال قائل ممن لا فهم له بكتاب الله من أهل البدع : كيف
يخافون ألا يقسطوا في اليتامى ويؤمرون بنكاح أربع وهم عن القسط
بينهن أعجز ؟
(١) النساء : ٣.
(٢) النساء : ١٢٧ .
(٣) في ((الأصل)): العرض. والمثبت من ((هـ).
- ٣١٩ -

قال أبو بكر [ بن الطيب] (١): ومعنى الآية : إن خفتم ألا تعدلوا
في اليتامى الأطفال [ اللاتي ] (٢) لا أولياء لهن يطالبونكم بحقوق
الزوجية و[تخافون ] (٣) من أكل أموالهن بالباطل؛ لعجز الأطفال
عن منعكم منها فانكحوا سواهن أربعًا من النساء البزل القادرات على
تدبير أموالهن ، ذوات الأولياء [ الذين ] (١) يمنعونكم من تحيف
أموالهن ويأخذونكم بالعدل بينهن ، فأنتم عند ذلك أبعد من أكل
أموالهن بالباطل والاعتداء عليهن .
باب : إذا غصب جارية فزعم أنها ماتت
فقضى بقيمة الجارية الميتة ثم وجدها صاحبها فهي له ويرد القيمة
[ولا تكون القيمة ](١) ثمنًا
وقال بعض الناس : الجارية للغاصب لأخذه القيمة ، وفي هذا احتيال
لمن اشتهى جارية رجل لا يبيعها فغصبها واعتل أنها ماتت حتى يأخذ
ربها قيمتها فتطيب للغاصب جارية غيره .
قال عليه السلام: (( أموالكم عليكم حرام ، ولكل غادر لواء يوم
القيامة )) .
فيه: زينب: قال النبي - عليه السلام -: (( إنما أنا بشر وإنكم
تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي
له على نحو ما أسمع ، فمن قضيت له من أخيه شيئًا فلا يأخذه ، فإنما
أقطع له قطعة من النار )) .
(١) من (( هـ )).
(٢) في (( الأصل)): التي، والمثبت من (( هـ ).
i
(٣) في ((الأصل، هـ)): تخافوا . والمثبت هو الصواب.
- ٣٢٠ -