النص المفهرس

صفحات 281-300

سقوطه عن النساء . وهذه البيعة في هذه الأحاديث كانت بيعة العقبة
الأولى بمكة قبل أن يفرض عليهم الحرب ، ذكر ذلك ابن إسحاق
وأهل السير قالوا : كانوا اثني عشر رجلا .
باب : الاستخلاف
فيه: عائشة قالت: (( وارأساه . فقال رسول الله : ذاك لو كان وأنا حي
فأستغفر لك وأدعو لك . قالت عائشة : واثكلاه ، والله إني لأظنك تحب
موتي ، ولو كان ذلك لظللت آخر يومك معرسًا ببعض أزواجك . فقال
النبي : بل أنا وارأساه ، ولقد هممت - أو أردت - أن أرسل إلى أبي
بكر وابنه فأعهد أن يقول القائلون أو يتمنى المتمنون، ثم قلت : یأبى الله
ويدفع المؤمنون - أو يدفع الله ويأبى المؤمنون )) .
وفيه: ابن عمر: (( قلت لعمر : ألا تستخلف ؟ قال : إن أستخلف فقد
استخلف من هو خير مني أبو بكر ، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني
رسول الله فأثنوا عليه ، فقال : راغب وراهب ، وددت أني نجوت منها
كفافًا، لا لي ولا عليّ، [لا](١) أتحملها حيا وميتا)).
وفيه : أنس: (( أنه سمع خطبة عمر الآخرة حين جلس على المنبر
وذلك الغد من يوم توفي النبي - عليه السلام - فتشهد وأبو بكر صامت
لا يتكلم [ فقال ] (٢): كنت أرجو أن يعيش رسول الله حتی یَدْبُرَنَا -
یرید بذلك أن یکون آخرهم - فإن یك محمد قد مات ، فإن الله قد جعل
بين أظهركم نورًاً تهتدون به هدى الله [محمدًاً] (٣). وإن أبا بكر صاحب
(١) من ((هـ، ن)).
(٢) في ((الأصل)): فقالت. والمثبت من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): محمد. والمثبت من (( هـ ، ن)).
- ٢٨١ -

رسول الله ثاني اثنين ، وإنه أولى المسلمين بأموركم ، فقوموا فبايعوه ،
وكانت طائفة منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة ، وكانت
بيعة العامة على المنبر . قال الزهري ، عن أنس : سمعت عمر قال لأبي
بكر يومئذ : اصعد المنبر . فبايعه الناس عامة )) .
فيه: جبير بن مطعم: (( أنت النبي امرأة فكلمته في شيء فأمرها أن
ترجع إليه ، فقالت : يا رسول الله ، أرأيت إن جئت ولم أجدك - كأنها
تريد الموت - قال : إن لم تجديني فائت أبا بكر )) .
وفيه: طارق بن شهاب: (( أن أبا بكر قال لوفد بُزاخة : تتبعون أذناب
الإبل حتى يري الله خليفة نبيه والمهاجرين أمرًا يعذرونكم به» .
قال المهلب : فيه دليل قاطع في خلافة أبي بكر وهو قوله: (( لقد
هممت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه )) يعني : فأعهد إلى أبي بكر («ثم
قلت : يأبى الله)) أي: [ يأبى الله ] (١) غير أبي بكر ، ويدفع
المؤمنون غير أبي بكر بحضرته . وشك المحدث بأي اللفظين بدأ النبي-
عليه السلام - ولم يشك في صحة المعنى ، وهذا مما وعد النبي ، به
[٢/ق٢٤٤-١) فكان كما وعد ، وذلك من أعلام نبوته / وقد روى مسلم هذا
الحديث في كتابه فقال فيه: (( يأبى الله ويدفع المؤمنون إلا أبا بكر)).
فإن قال قائل : فإذا ثبت أن النبي لم يستخلف أحدًا فما معنى ما
رواه إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم قال: رأيت
عمر وبيده عسيب وهو [ يجلس ] (٢) الناس ويقول: اسمعوا لخليفة
رسول الله . وهذا خلاف لحديث ابن عمر .
فالجواب : أنه ليس في أحد الحديثين خلاف للآخر، ومعنى قول
(١) في ((الأصل)): يأبى الله أي يأبى. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): يخلي، والمثبت من (( هـ).
1
- ٢٨٢ -

عمر: ((إن أترك فقد ترك رسول الله )) يعني ترك التصريح والإعلان
بتعيين شخص ما وعقد الأمر له ، وأما قول عمر : (( اسمعوا لخليفة
رسول الله)) فمعناه أن رسول الله استخلف عليهم أبا بكر بالأدلة التي
نصبها لأمته أنه الخليفة من بعده ، فكان أبو بكر خليفة رسول الله ؛
لقيام الدليل على استخلافه ، ولما كان قد أعلمه الله أنه لا يكون غيره
ولذلك قال: (( يأبى الله ويدفع المؤمنون)) ومن أبين الدليل في
استخلاف أبي بكر قول المرأة للنبي : إن لم أجدك حيا إلى من الملجأ
بالحكم ؟ فقال عليه السلام: (( انت أبا بكر)) ولم يكن [ لبشر ] (١)
من علم الغيب ما كان للنبي في ذلك ، فرأى أن الاستخلاف أضبط
لأمر المسلمين ، وإن لم يوقف الأمر على رجل بعينه ؛ لكن جعله
المعينين لا يخرج عنهم إلى سواهم فكان نوعًا من أنواع الاستخلاف
والعقد ، وإنما فعل هذا عمر وتوسط حالة بين حالتين خشية الفتنة
بعده ، كما خشيت بعد النبي وقت قول الأنصار ما قالوا ، فلذلك
جعل عمر الأمر معقودًا موقوفًا على الستة ؛ لئلا يترك الاقتداء بالنبي
في ترك الأمر إلى الشورى مع ما قام من الدليل على فضل أبي بكر
وأخذ من فعل أبي بكر طرفًا آخر وهو العقد لأحد الستة ليجمع لنفسه
فضل السنتين .
وأما قول عمر حين أثنوا عليه: ((راغب وراهب، وودت أني نجوت
منها كفافًا)) فيحتمل معنيين : أحدهما : راغب في ثنائه في حسن
رأيي وتقريبي له ، وراهب من إظهار ما بنفسه من كراهية . والثاني
قوله : راغب يعني : أن الناس في هذا الأمر راغب فيه - يعني في
الخلافة- وراهب منها، فإن وليت الراغب فيها خشيت ألا يعان عليها
(١) في ((الأصل)): ليس. والمثبت من (( هـ)).
- ٢٨٣ -

للحديث ، وإن وليت الراهب منها خشيت أن لا يقوم بها . وفي هذا
كله دليل على [ جواز ] (١) عقد الخلافة من الإمام لغيره بعده ، وأن
أمره في ذلك على عامة المسلمين جائز . قال بعض الشافعية : فإن قال
قائل : لم جاز للإمام تولية العهد ، وإنما يملك النظر في المسلمين
حياته وتزول عنه بوفاته ، وتولية العهد استخلاف بعد وفاته في وقت
زوال أمره وارتفاع نظره ، وهو لا يملك في ذلك الوقت ما يجوز عليه
توليه أو تنفذ فيه [ وصيته ] (٢) ؟.
قيل : إنما جاز ذلك لأمور منها إجماع الأمة من الصحابة ومن
بعدهم على استخلاف أبي بكر عمر على الأمة بعده ، وأمضت
الصحابة ذلك منه على أنفسها ، وجعل عمر الأمر بعده في ستة ،
فألزم ذلك من حكمه ، وعمل فيه على رأيه وعقده ، ألا ترى رضا
عليّ بالدخول في الشورى مع الخمسة وجوابه للعباس بن عبد المطلب
حين عاتبه على ذلك بأن قال : الشورى كان أمرًا عظيمًا من أمور
المسلمين ، فلم أر أن أخرج نفسي منه ،
ولو كان باطلا عنده لوجب عليه أن يخرج نفسه منه ولما جاز له
الدخول معهم فيه . ومنها أن المسلمين إنما يقيمون الإمام إذا لم يكن
بهم لحاجتهم إليه وضرورتهم إلى إقامته ليكفيهم مئونة النظر في
مصالحهم ، فلما لم يكن بد لهم من رأيه وأمره فيما يتعلق بمصالحهم
رأي ولا نظر ، فكذلك في إقامة الإمام بعده ؛ لأنه من الأمور المتعلقة
بكافتهم وصلاح عامتهم ، وقطع التنازع والاختلاف بينهم ، ولمثل هذا
المعنى أرادوه ، فكان رأيه في ذلك ماضيًا عليهم ، وجرى مجرى الأب
في توليته على ابنه الصغير بعد وفاته عند عدم الأب .
(١) من (( هـ).
(٢) في (( الأصل)): قضيته. والمثبت من (( هـ))
- ٢٨٤ -

وأما قول عمر في خطبته: (( كنت أرجو أن يعيش النبي حتى
يدبرنا)) يعني: حتى يكون آخرنا . فإنما قال ذلك اعتذارًا مما كان خطبه
قبل ذلك يوم وفاته عليه السلام حين قال : إن محمدًا لم يمت وإنه
/ سيرجع ويقطع أيدي رجال وأرجلهم حتى قام أبو بكر فقال : من [٣/ ٥ ٢٤٤ -ب]
كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله
[حي](١) لم يمت ، وتلا : ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله
الرسل ﴾ (٢) الآية. وقد ذكر ابن إسحاق ، عن ابن عباس ، عن
عمر أنه قال : إنما حملني على مقالتي حين مات النبي قوله تعالى :
﴿و كذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون
الرسول عليكم شهيدًا﴾ (٣) فوالله إن كنت لأظن أن رسول الله سيبقى
في أمته حتى يشهد عليها بآخر أعمالها .
وبان بهذه الرزية الشنيعة والمصيبة الجليلة النازلة بالأمة من موت نبيها
من ثبات نفس الصديق ، ووفور عقله ومكانته من الإسلام ما لا مطمع
فيه لأحد غيره . وقال سعيد [ بن زيد ] (٤) : بايعوا الصديق يوم
مات النبي - عليه السلام - كرهوا بقاء بعض يوم وليسوا في جماعة .
ذكر ابن إسحاق ، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير أن الناس بكوا
على رسول الله حين توفاه الله وقالوا : لوددنا أنا متنا قبله ، إنا نخشى
أن نفتن بعده . فقال معن بن عدي العجلاني : والله ما أحب أني مت
قبله حتى أصدقه ميتًا كما صدقته حيا . فقتل يوم اليمامة في خلافة
أبي بكر .
وقوله : يدبرنا . قال الخليل : دبرت الشيء دبرًاً : أتبعته ، وعلى
هذا قرأ من قرأ: ((والليل إذا دبر)) يعني: إذا تبع النهار . ودبرني
فلان : خلفني .
(١) في ((الأصل)): حيا. والمثبت من ( هـ)).
(٣) البقرة : ١٤٣.
(٢) آل عمران : ١٤٤ .
(٤) من ( هـ )).
- ٢٨٥ -

وأما وفد بزاخة فإنهم ارتدوا ثم تابوا ، فأوفدوا رسلهم إلى أبي بكر
يعتذرون إليه فأحب أبو بكر أن لا يقضي فيهم إلا بعد المشاورة في
أمرهم فقال لهم : أرجعوا واتبعوا أذناب الإبل في الصحارى حتى
يرى المهاجرون وخليفة النبي ما يريهم الله في مشاورتهم أمرًا يعذرونكم
فيه ، وذکر يعقوب بن محمد الزهري قال : حدثني إبراهيم بن سعد،
عن سفيان الثوري ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب قال:
[ قدم ] (١) وفد أهل بزاخة وهم من طيء على أبي بكر يسألونه
الصلح فقال لهم أبو بكر : اختاروا إما الحرب [ المجلية ] (٢) وإما
السلم المخزية . فقالوا : قد عرفنا الحرب [ المجلية] (٢) فما السلم
المخزية ؟ قال : تنزع منكم الكراع والحلقة وتودون قتلانا ، وقتلاكم في
النار ونغنم ما أصبنا منكم ، و(تؤدون ) (٣) إلينا ما أصبتم منا،
و[تتركون] (٤) أقوامًا تتبعون أذناب الإبل حتى يري الله [ خليفة ] (٥).
نبيه والمهاجرين أمرًا يُعذرونكم به ، فخطب أبو بكر الناس فذكر أنه.
قال وقالوا . فقال عمر : قد رأيت رأيًا وسنشير عليك ، أما ما ذكرت
من أن تنزع منهم الكراع والحلقة فنعم ما رأيت ، وأما ما ( رأيت ) (٦)
من أن يودوا قتلانا وقتلاهم في النار ؛ فإن قتلانا قتلت على أمر الله
فليس لها ديات . فتتابع الناس على قول عمر .
(١) في ((الأصل)): قدمت. والمثبت من ((هـ).
(٣) في (( هـ )»: تردون .
(٢) فى (( الأصل)): المخيلة. والمثبت من (هـ)).
(٤) في ((الأصل)): نطر وينزفون. والمثبت من (( هـ ).
(٥) في ((الأصل)): خلافة. والمثبت من ( هـ)) .. (٦) في ((هـ)): ذكرت.
- ٢٨٦ -

باب
فیه : جابر بن سمرة قال : قال النبي - عليه السلام - : « یکون اثنا
عشر أميرًا - فقال كلمة لم أسمعها - فقال أبي : إنه قال : كلهم من
قریش» .
قال المهلب : لم ألق أحدًا يقطع في هذا الحديث [ بمعنى ] (١)
فقوم يقولون : يكونون اثني عشر أميرًا بعد الخلافة ( العلوية ) (٢)
مرضيين. [ وقوم يقولون : يكونون متوالين إمارتهم] (٣). وقوم
يقولون : يكونون في زمن واحد كلهم من قريش يدعي الإمارة ،
فالذي يغلب عليه الظن أنه إنما أراد عليه السلام يخبر بأعاجيب تكون
بعده من الفتن حتى يفترق الناس في وقت واحد على اثني عشر أميرًاً،
وما زاد على الاثني عشر فهو زيادة في العجب ، كأنه أنذر بشرط من
الشروط وبعضه يقع ، ولو أراد غير هذا لقال : يكون اثنا عشر أميرًاً
يفعلون كذا ويصنعون كذا ، فلما أعراهم من الخبر علمنا أنه أراد
يكونون في زمن واحد ، والله أعلم .
[٣/ ق٢٤٥-١]
/ باب : إخراج الخصوم وأهل الريب من البيوت
بعد المعرفة . وقد أخرج عمر أخت أبي بكر حين ناحت
وفيه : أبو هريرة قال: قال عليه السلام: (( والذي نفسي بيده لقد
هممت أن آمر بحطب فيحطب ، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ، ثم آمر
رجلا فيؤم الناس ، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم ، والذي
(١) في ((الأصل)): يعني، والمثبت من (( هـ)).
(٢) فى (( هـ)): المعلومة .
(٣) من (( هـ ).
- ٢٨٧ -

نفسى بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقًا سمينًا أو مرماتين حسنتين
لشهد العشاء )) قال أبو عبد الله : مرماة : ما بين ظلف الشاة من اللحم
مثل منساة [ وميضاة الميم مخفوضة ](١).
قال المهلب : إخراج أهل الريب والمعاصي من دورهم بعد المعرفة
بهم واجب على الإمام من أجل تأذي من جاورهم ، ومن أجل
مجاهرتهم بالعصيان ، وإذا لم يعرفوا بأعيانهم فلا يلزم البحث عن
أمرهم ؛ لأنه من التجسس الذي نهى الله عنه ، وليس للسلطان
[أن](٢) يرفع ستر اختفائهم حتى يعلنوا إعلانًا يعرفون به لقوله [عن الله
تعالى ] (٣): ((كل عبادي معافون إلا المجاهرين)) فحينئذ يجب على
السلطان تعييره والنكال به، كما صنع عمر بأخت أبي بكر حين ناحت.
وقال غيره : وليس إخراج أهل المعاصي بواجب ، فمن ثبت عليه
ما يوجب الحد أقيم عليه ، وإنما أخرج عمر أخت أبي بكر من أجل أنه
نهاها عن النياحة ولم تنته ، فأبعدها عن نفسه لا أنه أبعدها عن البيت
أبدًا؛ لأنها رجعت بعد ذلك إلى بيتها . .
وقد روى أبو زيد ، عن [ ابن ] (٢) القاسم في رجل فاسدٍ يأوي
إليه أهل الفسوق والشر ما يصنع به ؟ قال : يخرج من منزله ،
وتحارج عليه الدار . قلت : ألا تباع عليه ؟ قال : لا ، لعله يتوب ،
فيرجع إلى منزله . قال ابن القاسم : ويتقدم إليه مرة أو مرتين أو
[ثلاثًا] (٤) فإن لم ينته أخرج وأكريت عليه . وقد مر هذا في آخر
كتاب الجهاد في باب أمر النبي بإخراج اليهود من جزيرة العرب .
٠٠
(١) من (( هـ، ن)). وكذا في الفتح (٢٢٨/١٣).
(٣) في (( الأصل)): عليه السلام. والمثبت من (((هـ).
(٢) من (( هـ ).
(٤) في (( الأصل)): ثلاث. والمثبت من (( هـ)).
- ٢٨٨ -

باب : هل للإمام أن يمنع [ المجرمين ] (١) وأهل
المعصية من الكلام معه والزيارة ونحوه
فيه: كعب بن مالك: (( لما تخلف عن رسول الله في غزوة تبوك -
فذكر حديثه - ونهى النبي المسلمين عن كلامنا ، فلبثنا على ذلك
خمسين ليلة ، وآذن رسول الله بتوبة الله علينا )) .
قال المهلب : أصل الهجران في كتاب الله وهو أمر الله عباده
بهجران نسائهم في المضاجع ، فإذا كان الهجران من [ المعاقبة] (٢)
بنص كتاب الله ، فلذلك استعمله النبي - عليه السلام - في عقوبة
كعب بن مالك حين تخلف عن الغزو مع رسول الله ، وترك ما
افترض الله عليه من الجهاد مع نبيه ونصرته وبذل نفسه دونهم . وقد
قال سحنون : إذا سجن الرجل في دين امرأته أو غيره فليس له أن
يدخل امرأته في السجن ؛ لأنه إنما أدخل فيه تأديبًا له وتضييقًا عليه ،
فإذا لم يمنع من إربه فلم يضيق عليه .
(١) في ((الأصل)): المحبوس. والمثبت من (هـ، ن)).
(٢) في ((الأصل)): العالية. والمثبت من (( هـ)).
- ٢٨٩ -

بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب الإكراه
وقول الله : ﴿ إلا من أكره وقلبه ﴾ (١) الآية
وقال : ﴿ إلا أن تتقوا منهم تقاة﴾ (٢) وهي تقية، وقال: ﴿إن الذين
توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم﴾ إلى ﴿يعفو عنهم﴾ (٣) وقال: ﴿ إلا
المستضعفين ﴾ إلى ﴿ الظالم أهلها﴾ (٤) فعذر الله المستضعفين الذين لا
[٢/ ٢٤٥٥- ب) يمتنعون من ترك ما أمر الله به ، والمكره / لا يكون إلا مستضعفًا غير ممتنع
من فعل ما أمر به. وقال الحسن : التقية إلى يوم القيامة . وقال ابن
عباس فیمن یکرهه اللصوص فیطلق ليس بشيء ، وبه قال ابن عمر ،
وابن الزبير ، والشعبي ، والحسن ، وقال النبي عليه السلام: (( الأعمال
بالنيات )) .
وفيه : أبو هريرة: ((أن النبي ولو كان يدعو في صلاته: اللهم أنج
عياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام والوليد بن الوليد ، اللهم أنج
المستضعفين من المؤمنين ، اللهم اشدد وطأتك على مضر وابعث عليهم
سنین کسني یوسف » .
قال ( المهلب ) (٥) : ذكر أهل التفسير بأن هذه الآية نزلت في ناس
من أهل مكة آمنوا فكتب إليهم بعض أصحابهم بالمدينة : لستم منا
حتی تهاجروا إلينا . وكان فيهم عمار بن ياسر ، فخرجوا يريدون
(١) النحل : ١٠٦ .
(٣) النساء : ٩٧ - ٩٩
(٢) آل عمران : ٢٨ .٠
(٤) النساء : ٧٥ .
(٥) في (( هـ)): المؤلف.
- ٢٩٠ -

المدينة ، فأدركتهم قريش في الطريق ففتنوهم على الكفر فكفروا
مكرهين فنزلت : ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ (١) .
أجمع العلماء على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه
القتل أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا تبين منه زوجته،
ولا يحكم عليه بحكم الكفر ، هذا قول مالك والكوفيين والشافعي ،
غير محمد بن الحسن فإنه قال: إذا [ أظهر ] (٢) الشرك كان مرتدا في
الظاهر ، وهو فيما بينه وبين الله على الإسلام وتبين منه امرأته ، ولا
يصلى عليه إن مات ، ولا يرث أباه إن مات مسلمًا . وهذا قول تغني
حكايته عن الرد عليه لمخالفته للآيات المذكورة في أول هذا الباب .
وقالت طائفة: إنما جازت الرخصة في [ القول ] (٣) وأما في الفعل
فلا رخصة فيه مثل أن يكرهوه على السجود لغير الله ، أو الصلاة لغير
القبلة ، أو قتل مسلم أو ضربه ، أو أكل ماله ، أو الزنا، أو شرب
الخمر ، وأكل الخنزير (٤) : روي هذا عن الحسن البصري ، وهو قول
الأوزاعي وسحنون ، قال الأوزاعي : إذا أكره الأسير على شرب
الخمر لا يفعل وإن قتله .
وقال إسماعيل بن إسحاق : حدثنا نصر بن علي : حدثنا عبد
الأعلى ، عن عوف ، عن الحسن أنه كان لا يجعل في النفس التي
حرم الله التقية . وقال محمد بن الحسن : إذا قيل للأسير اسجد لذلك
الصنم وإلا قتلناك فقال : إن كان الصنم مقابل القبلة فليسجد وتكون
نيته لله - تعالى - وإن كان لغير القبلة فلا يسجد وإن قتلوه .
وقالت طائفة : الإكراه في الفعل والقول سواء إذا أسر الإيمان .
(١) النحل : ١٠٦.
(٢) من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): الترك. والمثبت من (( هـ)).
(٤) ورد هنا ((بالأصل)): أو يصلي لغير القبلة. وهي مكررة.
- ٢٩١ -

روي ذلك عن عمر بن ( عبد العزيز ) (١) ومكحول ، وهو قول مالك
وطائفة من أهل العراق، وروى [ ابن ] (٢) القاسم عن مالك أنه إن
أكره على شرب الخمر أو ترك الصلاة والإفطار في رمضان فلا إثم
عليه إلا أنه [ لا ] (٢) يجوز عند مالك وعامة العلماء أن يقتل غيره ولا
ينتهك حرمته ولا يظلمه ولا يفعل الزنا وإن أكره على ذلك .
قال إسماعيل بن إسحاق : وقول من جعل التقية في القول ما يشبه
ما نزل في القرآن من ذلك ؛ لأن الذين أكرهوا عليه إنما هو كلام
تكلموا به ولم يظلموا فيه أحدًا من الناس ، وإنما هو أمر فيما بينهم
وبين ربهم ، فلما أكرهوا عليه ولم يكونوا له معتقدين جعل كأنه لم
يكن ؛ لأن الكلام ليس يؤثر بأحد أثرًا في نفس ولا مال ، وأفعال
الأبدان ليست كذلك ؛ لأنها تؤثر في الأبدان والأموال ولا يجوز لأحد
أن ينجي نفسه من القتل بأن يقتل غيره ظالمًا وإن أكره على ذلك. وقال
الأبهري : لا يجوز لأحد أن يكره على هتك حرمة آدمي؛ لأن حرمته
ليست بأوكد من حرمة الآخر .
واختلفوا في طلاق المكره ، فذكر ابن وهب عن عمر بن الخطاب
وعلي بن أبي طالب وابن عباس أنهم كانوا لا يرون طلاقه شيئًا ،
وذكره ابن المنذر عن ابن الزبير وابن عمر وابن عباس وعطاء وطاوس
والحسن وشريح والقاسم وسالم ومالك والأوزاعي والشافعي وأحمد
وإسحاق وأبي ثور ١٠
وأجازت طائفة طلاق المكره ، روي ذلك عن الشعبي والنخعي وأبي
قلابة والزهري وقتادة ، وهو قول الكوفيين . وفيها قول ثالث قاله.
الشعبي : إن أكرهه اللصوص فليس بطلاق ، وإن أكرهه السلطان فهو
[٢٤٦٥/٣-١) طلاق. وفسره ابن عيينة فقال: إن اللص يقدم / على قتله ،
(١) في (( هـ ) : الخطاب.
(٢) من (( هـ )).
- ٢٩٢ -

والسلطان لا يقتله . واحتج الكوفيون بقوله عليه السلام: «ثلاث
جدهن جد، وهزلهن جد : الطلاق، والعتاق، والنكاح )) والهازل
لم يقصد إيقاع الطلاق ولزمه ، فالمكره كذلك .
واحتج عليهم أهل المقالة الأولى فقالوا : إن الفرق بين طلاق
الهازل وطلاق المكره أن الهازل قاصد للفظ ، مؤثر له فلزمه حكمه ،
والمكره وإن قصد اللفظ فإنه لم يؤثره ولا اختاره فلم يتعلق به حكمه .
ووجدنا الطلاق لا يلزم إلا بلفظ ونية ، والمكره لا نية له إنما طلق
بلسانه لا بقلبه ، فلما رفع الله عنه الكفر الذي تكلم به [ مكرهًا ] (١)
ولم يعتقده وجب رفع الطلاق لرفع النية فيه . وقول مالك هو إجماع
الصحابة ولا مخالف منهم .
وأجمع المسلمون على أن المشركين لو أكرهوا رجلا على الكفر بالله
بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان وله زوجة حرة مسلمة أنها لا تحرم عليه ،
ولا يكون مرتدا بذلك ، والردة فرقة بائنة فهذا يقضي على اختلافهم
في طلاق المكره .
واختلفوا في حد الإكراه ، فروي عن عمر بن الخطاب أنه قال :
ليس الرجل أمينًا على نفسه إذا أخفته أو أوثقته أو ضربته . وقال ابن
مسعود : ما كلام يدرأ عني سوطين إلا كنت متكلماً به . وقال شريح
والنخعي : القيد كره ، والوعيد كره ، والسجن كره . قال ابن
سحنون : وهذا كله عند مالك وأصحابه كره والضرب عندهم كره ،
وليس عندهم [ في ] (٢) الضرب والسجن توقيت، إنما هو ما كان
يؤلم من الضرب ، وما كان من سجن يدخل منه الضيق على المكره
قل أو كثر ، فالضيق يدخل في قليل السجن ، وإكراه السلطان وغيره
إكراه عند مالك .
(١) من (( هـ )).
(٢) في ((الأصل)): من. والمثبت من (( هـ ).
- ٢٩٣ -

وتناقض أهل العراق فلم يجعلوا القيد والسجن إكراهًا على شرب
الخمر وأكل الميتة ؛ لأنه لا يخاف منه التلف ، وجعلوه إكراهًا في
إقراره لفلان عندي ألف درهم .
قال ابن سحنون : وفي إجماعهم على أن الألم والوجع الشديد
إكراه ما يدل على أن الإكراه يكون من غير تلف نفس .
*
!
باب : من [اختار ](١) الضرب والقتل
والهوان على الكفر
فیه : أنس : قال النبي - عليه السلام -: ( ثلاث من كن فيه وجد
حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن یحب
المرء لا يحبه إلا الله ، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في
النار)).
وفيه : سعيد بن زيد: (( لقد رأيتني وإن عمر موثقي على الإسلام ،
ولو انفض أحد مما فعلتم بعثمان كان محقوقًا أن ينفض)).
وفيه : خباب : ((شكونا إلى النبي وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة
فقلنا : ألا تستنصر [لنا] (٢) ألا تدعو لنا ؟ فقال: قد كان من قبلكم
--
يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ، فيجاء بالمنشار فيوضع
على رأسه فيجعل نصفين ، ويمشط فأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه
فما یصده ذلك عن دينه ، والله لیتمن هذا الأمر حتی یسیر الراکب من
صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه و[لكنكم](٣)
.
تستعجلون ))
(١) في ((الأصل)): أجاز. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٣) في ((الأصل)): لكن. والمثبت من (( هـ ، ن)).
(٢) من (( ن )).
- ٢٩٤ -

أجمع العلماء أن من أكره على الكفر فاختار القتل أنه أعظم أجراً
عند الله ممن اختار الرخصة .
واختلفوا فيمن أكره على غير الكفر من فعل ما لا يحل له فقال
أصحاب مالك: الأخذ بالشدة في ذلك، [ واختيار ] (١) القتل
والضرب أفضل عند الله من الأخذ بالرخصة . ذكره ابن حبيب
وسحنون .
وذكر ابن سحنون عن أهل العراق ، أنه إذا تهدد بقتل أو [ بقطع أو
ضرب ] (٢) يخاف منه التلف حتى يشرب الخمر أو يأكل الخنزير فذلك
له ، فإن لم يفعل حتى قتل خفنا أن يكون آئمًا ، وهو كالمضطر إلى
أكل الميتة وشرب الخمر غير باغ ولا عاد ، فإن خاف على نفسه الموت
فلم يأكل ولم يشرب [ أثم ] (٣) .
وقال مسروق : من اضطر إلى شيء مما حرم الله عليه فلم يأكل ولم
يشرب حتى مات دخل النار . قالوا : ولا يشبه هذا الكفر وقتل المسلم؛
لأن في هذا رخصة وتركه أفضل ، ولم يجعل في الضرورة حلالا .
/ قال سحنون : إذا لم يشرب الخمر ولا يأكل الخنزير حتى قتل [٣/ ق٢٤٦ -ب]
كان أعظم لأجره كالكفر ؛ لأن الله - تعالى - أباح له الكفر ضرورة
الإكراه ، وأباح له الميتة والدم بضرورة الحاجة إليهما ، وأجمعا أن له
ترك الرخصة في قول الكفر ، فكذلك يلزم مخالفنا أن يقول في ترك
الرخصة في الميتة ولحم الخنزير ، ولا يكون معينًا على نفسه .
وقد تناقض الكوفيون في هذا فقالوا كقولنا في المكره توعد بقطع
عضو أو قتل على أن يأخذ مالا لفلان فيدفعه إلى فلان أنه في سعة من
(١) في ((الأصل)): فاختار. والمثبت من ( هـ)).
(٢) فى (( الأصل)): بضرب أو قل. والمثبت من (( هـ)).
(٣) من (( هـ)).
- ٢٩٥ -

ذلك ؛ لأنه كالمضطر ويضمن الآمر ، ولا ضمان على المأمور ، فإن
أبى أن يأخذ حتى قتله كان عندنا في سعة . فيقال لهم : هذا مال
مسلم قد أحدلتموه بالإكراه ؛ فلم لا يسعه ترك أكل الميتة حتى يقثل كما
وسعه أخذ مال المسلم في الإكراه حتى يقتل .
قال المؤلف : وحديث خباب حجة لأصحاب مالك ؛ لوصفه عليه
السلام عن الأمم السالفة من كان يمشط لحمه بأمشاط الحديد ، ويشق
بالمناشر بالشدة في دينه والصبر على المكروه في ذات الله ، ولم يكفروا
في الظاهر ويبطنوا الإيمان ، ليدفعوا العذاب عن أنفسهم ؛ فمدحهم
لذلك ، وكذلك حديث أنس سوى فيه النبي بين كراهية المؤمن الكفر
وكراهيته لدخول النار ، وإذا كان هذا حقيقة الإيمان ، فلا مخالفة أن
الضرب و[الهوان ] (١) والقتل عند المؤمن أسهل من دخول النار،
فينبغي أن يكون ذلك أسهل من الكفر إن اختار الأخذ بالشدة على
نفسه .
قال المهلب : وقد اعترض هذا قوم بقوله تعالى : ﴿ولا تقتلوا
أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا﴾ (٢) ولا حجة لهم في الآية ؛ لقوله
تعالى: ﴿ومن يفعل ذلك عدوانًا وظلمًا﴾ (٣) والعدوان والظلم
محرمان، وليس من أهلك نفسه في طاعة الله بعاد ولا ظالم، ولو كان
كما قالوا لما جاز لأحد أن يتقحم المهالك في الجهاد، وقد افترض على
كل مسلم مقارعة رجلين من الكفار ومبارزتهما، وهذا من أبين الهلكات
والغرر . ومن فر من اثنين فقد أكبر المعصية وتعرض لغضب الله .
وقول خباب للنبي -عليه السلام -: ((ألا تدعو الله أن يكفينا» يعني
عدوان الكفار عليهم بمكة قبل هجرتهم وضربهم لهم وإيثاقهم بالحديد ..
(١) في ((الأصل)): الفرار. والمثبت من (( هـ).
(٣) النساء : ٣٠.
(٢) النساء : ٢٩ .
- ٢٩٦ -

وفيه من الفقه أن النبي لم يترك الدعاء في ذلك على أن الله أمرهم
بالدعاء أمرًا عامًا بقوله : ﴿ادعوني أستجب لكم ﴾ (١) وبقوله :
﴿فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا﴾ (٢) [ إلا] (٣) لأنه عليه السلام علم
من الله أنه قد سبق من قدره وعلمه أنه يجري عليهم ما جرى من
البلوى والمحن ليؤجروا عليها على ما ( جرت ) (٤) عادته في سائر
أتباع الأنبياء [ من ] (٥) الصبر على الشدة في ذات الله ، ثم يعقبهم
بالنصر والتأييد ، والظفر وجزيل الأجر ، وأما غير الأنبياء فواجب
عليهم الدعاء عند كل نازلة تنزل بهم ؛ لأنهم لا يعلمون الغيب فيها ،
والدعاء من أفضل العبادة ولا يخلو الداعي من إحدى الثلاث التي
وعد النبي بها .
وفيه علامات النبوة وذلك خروج ما قال عليه السلام من تمام الدين
وانتشار الأمر وإنجاز الله ما وعد نبيه - عليه السلام - من ذلك .
باب : في بيع المكره ونحوه في الحق وغيره
فيه : أبو هريرة: (( بينما نحن في المسجد ؛ إذ خرج علينا رسول الله
فقال: انطلقوا إلى يهود فخرجنا معه حتى جئنا بيت المدراس فناداهم
النبي فقال : يا معشر یهود ، أسلموا تسلموا . فقالوا : قد بلغت يا أبا
القاسم. قال : ذلك نريد - قالها ثلاثًا - ثم قال : اعلموا أن الأرض لله
ولرسوله، وإني أريد أن أجليكم، فمن وجد منكم بماله شيئًا فليبعه وإلا
فاعلموا أن الأرض لله ولرسوله )) .
(١) غافر : ٦٠ .
(٢) الأنعام : ٤٣.
(٣) من (( هـ)).
(٤) في (( هـ )) : سلفت .
(٥) في ((الأصل)): في. والمثبت من (( هـ)).
- ٢٩٧ -

قال المهلب : أما ما باعه المضغوط في حق وجب عليه ؛ فذلك
ماض سائغ لا رجوع فيه عند الفقهاء ؛ لأنه يلزمه أداء الحق إلى
(٢٤٧٥/٣- ٤١ صاحبه من غير المبيع ، فلما لم يفعل كان / بيعه اختياراً منه فلزمه .
ووجه الاستدلال على هذه المسألة من هذا الحديث هو أن إخراج
النبي اليهود حق ؛ لأنه إنما فعل ذلك بوحي من الله ، فأباح لهم بيع
أموالهم فكان بيعهم جائزًا ؛ لأنه لم يقع الإكراه على البيع من أجل
أعيان الشيء المبيع ، وإنما وقع من أجل الحق الذي لزمهم في الخروج،
فكذلك كان بيع من وجب عليه حق جائزًا ، وأما بيع المكره ظلمًا
وقهراً فقال محمد بن سحنون : أجمع أصحابنا وأهل العراق على أن
بيع المكره على الظلم والجور لا يلزمه . وقال الأبهري : إنه إجماع .
وقال مطرف وابن عبد الحكم وأصبغ : وسواء وصل الثمن إلى
المضغوط، ثم دفعه إلى الذي ألجأه إلى بيع ما باعه ، أو كان الظالم
هو تولى قبض الثمن من المبتاع ؛ لأنه إنما يقبضه لغيره لا لنفسه ، فإذا
ظفر بمتاعه بيد من ابتاعه [ أو ] (١) بيد من اشتراه من الذي ابتاعه فهو
أحق به ، ولا شيء عليه من الثمن ، وليتراجع به الباعة بعضهم على
بعض حتى يرجع المبتاع الأول على الظالم الذي وصل إليه الثمن ،
فإن فات المبتاع رجع بقيمته على الذي فات عنده ، أو بالثمن الذي بيع
به ، أي ذلك كان أكثر .
(١) في ((الأصل)): و. والمثبت من (( هـ).
- ٢٩٨ -

باب : لا يجوز نكاح المکره وقوله :
ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ﴾ إلى ﴿رحيم﴾ (١)
فيه : خنساء بنت خدام الأنصارية: (( أن أباها زوّجها وهي ثيب ،
فكرهت ذلك فأتت النبي - عليه السلام - فرد نكاحها)).
وفيه: عائشة قالت: (( قلت : يا رسول الله ، تستأمر النساء في
أبضاعهن؟ قال : نعم . قلت : فإن البكر تستأمر فتستحيي فتسكت .
قال: سكاتها إذنها )) .
قال محمد بن سحنون : أجمع أصحابنا على إبطال نكاح المكره
والمكرهة ، وقالوا : لا يجوز المقام عليه ؛ لأنه لم ينعقد . وقال ابن
القاسم : لا يلزم المكره ما أكره عليه من نكاح أو طلاق أو عتق أو
غيره . قال محمد بن سحنون : أجاز أهل العراق نكاح المكره ،
وقالوا : لو أكره على أن ينكح امرأة بعشرة آلاف [ درهم ] (٢)
وصداق مثلها ألف درهم أن النكاح جائز وتلزمه الألف ويبطل الفضل .
قال محمد : فكما [ أبطلوا ] (٣) الزائد على الألف بالإكراه كذلك
يلزمهم إبطالهم النكاح بالإكراه ، وقولهم خلاف السنة الثابتة في قصة
خنساء ، وفي أمره عليه السلام باستثمار النساء في أبضاعهن ، فلا
معنى لقولهم ، وأما من جهة النظر فإنه نكاح على خيار، ولا يجوز
النكاح بالخيار، قاله سحنون . وإنما شبهه بنكاح الخيار ؛ لأنه إذا أجاز
ورضي به فإنما أجاز ما كان له رده ، فأشبه ما عقد على الخيار ، لو
مات أحدهما قبل مضي مدة الخيار لم يتوارثا عند جميع أصحاب مالك.
(١) النور : ٣٣ .
(٢) من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): أبطل، والمثبت من ((هـ).
(٤) في (( الأصل)): أبطل، والمثبت من (( هـ)).
- ٢٩٩ -

قال سحنون : فإن وطئها المكره على النكاح غير مكره على الوظء
والرضا بالنكاح لزمه النكاح على المسمى من الصداق ، ودرئ عنه
الحد ، وإن قال : وطئتها على غير رضا مني بالنكاح فعليه الحد
والصداق المسمى ؛ لأنه مدع لإبطال الصداق المسمى بهذا ، وتحد المرأة
إن تقدمت وهي عالمة أنه مكره على النكاح ، وأما المكرهة على النكاح
وعلى الوطء فلا حد عليها ولها الصداق ويحد الواطئ ، فاعلمه .
باب : إذا أكره حتى وهب عبدًا أو باعه لم يجز
وبه قال بعض الناس : فإن نذر المشتري فيه نذرًا فهو جائز بزعمه ،
و کذلك إن دبره .
فيه : جابر: (( أن رجلا من الأنصار دبر مملوكًا ولم يكن له مال غيره،
فبلغ النبي - عليه السلام - فقال : من يشتريه مني ؟ فاشتراه نعيم بن
النحام بثمانمائة درهم قال : فسمعت جابرًاً يقول : عبدًا قبطيا مات عام
أول )» .
قال المهلب : أجمع العلماء أن الإكراه على البيع والهبة لا يجوز
وما ذكر فيه عن أبي حنيفة أنه إن أعتقه أو دبره الموهوب أو المشتري فهو
(٥/٣ ٢٤٧- ب] جائز / فإنما قاس ذلك على البيع الفاسد ، فإنه إذا فات بتدبير أو عتق
مضى ، وكان على المفوت له القيمة يوم فوته ، والفرق بين بيع المكره
والبيع الفاسد بين ، وذلك أن بائع البيع الفاسد راض بالبيع وطيبة
نفسه، لكنه لما أوقعه على خلاف السنة فسد وكانت فيه القيمة ،
والمشتري إنما اشتراه بوجه من وجوه الحل والتراضي الذي شرطه الله
في البيع ، والمكره على الهبة والبيع لم تطب نفسه على ذلك ، فلا
يجوز إمضاء ما لم تطب نفسه بتفويته .
- ٣٠٠ -