النص المفهرس
صفحات 241-260
الناس القديم ؛ لأنه [ يرضى ] (١) فيه بالدون من المجلس و[ يصل إليه] (٢) المرأة والضعيف، وإذا احتجب لم يصل إليه الناس ، وبه قال أحمد وإسحاق . وكرهت ذلك طائفة وقالت : القاضي يحضره الحائض والذمي وتكثر الخصومات بين يديه ، والمساجد تجنب ذلك . وروي عن عمر ابن عبد العزيز أنه كتب إلى القاسم بن عبد الرحمن ألا تقضي في المسجد ؛ فإنه يأتيك الحائض والمشرك . وقال الشافعي : أحب إليّ أن يقضي في غير المسجد لكثرة من يغشاه لغير ما بنيت له المساجد . وحديث سهل بن سعد حجة لمن استحب ذلك . وليس في اعتلال من اعتل بحضور الكافر والحائض مجلس الحكم حجة ؛ لأنه لا تعلم حجة يجب بها منع الكافر من الدخول في المساجد إلا المسجد الحرام، وقد قدم وفد ثقيف على رسول الله فأنزلهم في المسجد ، وأخذ ثمامة ابن أثال من بني حنيفة أسيراً وربط إلى سارية من سواري المسجد ، فليس في منع الحائض من دخول المسجد خبر يثبت ، وقد نظر داود نبي الله بين الخصمين اللذين وعظ بهما في المحراب وهو في المسجد . باب : من حكم في المسجد حتى إذا أتى على حد أمر أن يخرج من المسجد فيقام وقال عمر : أخرجاه من المسجد واضرباه . ويذكر عن علي نحوه . فيه : أبو هريرة: (( أتى رجل رسول الله وهو في المسجد فناداه ، فقال : (١) في (( الأصل)): قضى. والمثبت من (( هـ). (٢) في (( الأصل)): فضل الله. والمثبت من ((هـ)). - ٢٤١ - [٥/٢ ٢٣٦-)] يا رسول الله / إني زنيت . فأعرض عنه، فلما شهد على نفسه أربعًا قال: أبك جنون ؟ قال : لا . قال : اذهبوا به فارجموه . فقال جابر : كنت فیمن رجمه بالمصلی )» . اختلف العلماء في إقامة الحدود في المسجد فروي عن عمر بن الخطاب أنه أمر بالذي وجب عليه الحد أن يقام عليه خارج المسجد ، !. وكذلك فعل عليّ بن أبي طالب بالسارق الذي قدم إليه فقال : يا قنبر، أخرجه من المسجد فاقطع يده . وكره إقامة الحد في المسجد مسروق وقال : إن للمسجد حرمة . وهو قول الشعبي وعكرمة ، وإليه ذهب الکوفیون والشافعي وأحمد وإسحاق . وفيها قول ثان روي عن الشعبي أنه أقام على رجل من أهل الذمة حدا في المسجد . وهو قول ابن أبي ليلى . وفيها قول ثالث : وهو الرخصة في الضرب بالأسواط اليسيرة في المسجد ، فإذا كثرت الحدود فلا يقام [ فيه ] (١) وهو قول مالك وأبي ثور . وقول من نزه المسجد عن إقامة الحدود فيه أولى لما شهد له حديث أبي هريرة أن النبي أمر برجم الزاني في المصلى خارج المسجد. قال ابن المنذر : ولا ألزم من أقام الحد في المسجد مأثمًا ؛ لأني أجد دليلا عليه . وفي الباب حديثان منقطعان لا يقوم بهما حجة في النهي عن إقامة الحدود في المساجد . باب : موعظة الإمام للخصوم فيه: أم سلمة: (( أن النبي - عليه السلام - قال: إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، (١) في ((الأصل)): عليه. والمثبت من ( هـ). - ٢٤٢ - فأقضي على نحو ما أسمع ، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذه؛ فإنما أقطعه من النار)). قوله: ((ألحن)) . يعني : أفطن لها وأجدل . وقال أبو عبيد: اللحن. بفتح الحاء : الفطنة ، واللحن بإسكان الحاء : الخطأ . وقد جاء هذا الحديث في كتاب المظالم بلفظ آخر يشهد لقول أهل اللغة قال: ((فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض )) . قال المهلب : وفيه أنه ينبغي للحاكم أن يعظ الخصمين ويحذر من مطالبة الباطل ؛ لأن النبي وعظ أمته بقوله هذا . باب : الشهادة تكون عند الحاكم في ولايته القضاء أو قبل ذلك للخصم وقال شريح القاضي وسأله إنسان الشهادة ، قال : ائت الأمير حتى أشهد لك . وقال عكرمة : قال عمر لعبد الرحمن بن عوف : لو رأيت رجلا على حد زنا أو سرقة وأنت أمير ، فقال : شهادتك شهادة رجل من المسلمين . قال : صدقت . قال عمر : لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبت آية الرجم بيدي . وأقر ماعز عند النبي بالزنا أربعًا فأمر برجمه ، ولم يذكر أن النبي أشهد من حضره . وقال حماد : إذا أقر مرة عند الحاكم رجم . وقال الحكم : أربعًا . فيه: أبو قتادة: قال النبي والر يوم حنين: ((من له بينة على قتيل قتله فله سلبه . فقمت لألتمس بينة على قتيلي فلم أر أحدًا يشهد لي ، فجلست ثم بدا لي ، فذكرت أمره لرسول الله فقال رجل من جلسائه : سلاح هذا القتيل الذي یذکر عندي . قال : فأرضه منه . فقال أبو بكر : - ٢٤٣ - كلا، لا [يعطه](١) أضيبع من قريش ويدع أسدًا من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله . قال : فعلم رسول الله فأداه إليّ فاشتريت منه خرافًا ، فكان أول مال تأثلته » . قال عبد الله عن الليث : فقام رسول الله فأداه إلى من له بينة . وقال أهل الحجاز : الحاكم لا يقضي بعلمه شهد بذلك في ولايته أو قبلها ، ولو أقر [ خصم ] (٢) عنده لآخر بحق في مجلس القضاء فإنه لا يقضي عليه في قول بعضهم حتی یدعو شاهدین فیحضرهما إقراره . وقال بعض أهل العراق : ما سمع أو رآه في مجلس القضاء قضی به وما [٢٣٦٥/٢-ب] كان في غيره لم يقض إلا بشاهدين / وقال آخرون منهم : بل يقضي به لأنه مؤتمن ، وإنما يراد من الشهادة معرفة الحق ، فعلمه أكثر من الشهادة . وقال بعضهم : يقضي بعلمه في الأموال ولا يقضي في غيرها . وقال القاسم : لا ينبغي للحاكم أن يمضي قضاء بعلمه دون علم غيره مع أن علمه أكثر من شهادة غيره ، ولكن فيه تعرض لتهمة نفسه عند المسلمين وإيقاع لهم في الظنون ، وقد كره النبي - عليه السلام - الظن فقال : إنها صفية . فيه: علي بن حسين: ((أن النبي - عليه السلام - أنته صفية بنت حيي، فلما رجعت انطلق معها فمر به رجلان من الأنصار ، فدعاهما فقال: إنها صفية . فقالا : سبحان الله . فقال : إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم )) . قال المهلب : معنى الترجمة أن الشهادة التي تكون عند القاضي في ولايته القضاء أو قبل ذلك لا يجوز له أن يقضي بها وحده ، وله أن (١) في (( الأصل، هـ)): يعطيه. والمثبت من (( ن)). (٢) في ((الأصل)): حكم. والمثبت من ((هـ، ن)). - ٢٤٤ - يشهد بها عند غيره من [ الحكام ] (١) كما قال مالك، ولذلك ذكر قول شريح وهو قول عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف أن شهادته كشهادة رجل من المسلمين ، واستشهد على ذلك بقول عمر أنه كانت عنده شهادة في آية الرجم أنها من القرآن فلم يجز له أن يلحقها بنص المصحف المقطوع على صحته بشهادته وحده ، وقد أفصح عمر بالعلة في ذلك فقال : لولا أن يقال زاد عمر في كتاب الله [لكتبتها] (٢) وعرفك أن ذلك من باب قطع الذرائع ؛ لئلا يجد حكام السوء السبيل إلى أن يدعوا العلم لمن أحبوا له الحكم أنه على حق . وأما ما ذكر من إقرار ماعز عند النبي وحكم النبي بالرجم دون أن يشهد من حضره ، وكذلك إعطاؤه السلب لأبي قتادة بإقرار الرجل الذي كان عنده السلب وحده مع ما انضاف إلى ذلك من علم النبي - عليه السلام - ألا ترى قوله في الحديث: (( فعلم النبي )) يعني : علم أن أبا قتادة هو قاتل القتيل فهو حجة في قضاء القاضي بعلمه ، وهو خلاف ما ذكره البخاري في أول الباب عن شريح وعمر وعبد الرحمن ابن عوف ، فأورد البخاري في هذا الباب اختلاف أهل العلم ، وحجة الفريقين من الحديث بإقرار ماعز ، وحديث أبي قتادة حجة لأهل العراق في أن يقضي القاضي بعلمه وشهادته . وحديث صفية ، وحديث عمر في آية الرجم حجة لأهل الحجاز أن القاضي لا يقضي بعلمه خوف التهمة ؛ لأن النبي - عليه السلام - كان أبعد الخلق من التهمة ولم يقنع بذلك حتى قال: ((إنها صفية)) فغيره ممن ليس بمعصوم أولى بخوف التهمة، وإنما فعل ذلك [ليسن](٣) (١) في ((الأصل)) الحكم. والمثبت من (( هـ)). (٢) فى ((الأصل)): لبينتها . والمثبت من ( هـ)). (٣) في ((الأصل)): ليبين. والمثبت من ( هـ)). - ٢٤٥ - لأمته البعد من مواضع التهم ، وقد تقدم [ في باب رأي القاضي أن يقضي بعلمه قبل هذا ] (١) . وقد رد بعض الناس حجة أهل العراق بحديث ماعز وأبي قتادة فقال : ليس فيهما أن النبي قضى بعلمه ؛ لأن ماعزًاً إنما كان إقراره عند النبي وَله بحضرة الصحابة ؛ إذ معلوم أنه كان لا يقعد عليه السلام وحده ، وقصة ماعز مشهورة رواها عن النبي أبو هريرة وابن عباس وجابر وجماعة، فلم يحتج النبي -عليه السلام- أن يشهدهم على إقراره بالزنا لسماعهم ذلك منه ، وكذلك حديث أبي قتادة ، والصحيح فيه رواية عبد الله بن صالح عن الليث: (( فقام النبي فأداه إلى من له بينة)) ورواية قتيبة عن الليث: ((فعلم النبي)) وهم منه ، فيشبه أن تتصحف : (( فعلم النبي )) مع قوله : ((فقام )) فلم يقض فيه بعلمه ، ويدل على ذلك أن منادي رسول الله إنما نادى يوم حنين: (( من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه)) فشرط أخذ السلب لمن أقام البيئة ، وأول القصة لا يخالف آخرها ، وشهادة الرجل الذي كان عنده سلب قتيل أبي قتادة شهادة قاطعة لأبي قتادة ، لو لم تكن في مغنم ، وكان من الحقوق التي ليس للنبي أن يعطي منها [ أحدًا إلا باستحقاق البينة ، والمغانم مخالفة لذلك ؛ لأن النبي وسخر له أن يعطي منها ] (١) من شاء ويمنع منها من شاء ؛ لقوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه ﴾ (٢) فلا حجة فيه لأهل العراق . [٣/ ق٢٣٧ -١] باب : أمر الوالي إذا وجه أميرين / إلى موضع أن يتطاوعا ولا يتعاصيا فيه: أبو موسى: ((أن النبي ◌َّلُ بعثه ومعاذ بن جبل إلى اليمن فقال : يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ... )) الحديث. (١) من (( هـ )). (٢) الحشر : ٧ . - ٢٤٦ - فيه الحض على الاتفاق وترك الاختلاف لما في ذلك من ثبات المحبة والألفة ، والتعاون على الحق ، والتناصر على إنفاذه وإمضائه ، وسيأتي في كتاب الأدب [في باب قول النبي ◌َّل: ((يسرا ولا تعسر!)) فهو أولى به ] (١). باب : إجابة الحاكم الدعوة وقد أجاب عثمان ابن عفان عبدًا للمغيرة بن شعبة فيه : أبو موسى: عن النبي قال: ((فكوا العاني، وأجيبوا الداعي)). وقد تقدم في كتاب النكاح [ الاتفاق على وجوب إجابة دعوة الوليمة واختلافهم في غيرها من الدعوات ] (١) . وذكر ابن حبيب ، عن مطرف وابن الماجشون قال : لا ينبغي للقاضي أن يجيب الدعوة إلا في الوليمة وحدها لما في ذلك من الحديث، ثم إن شاء أكل وإن شاء ترك ، والترك أحب إلينا من غير تحريم ، ولا عيب عليه إن أكل إلا أن ذلك أنزه ، وإنا نحب لذي المروءة والهدى أن لا يأتي الوليمة إلا أن يكون لأخ في الله ، أو الخالص من ذوي قرابته فلا بأس بذلك . قال أشهب : وكره مالك لأهل الفضل أن يجيبوا كل من دعاهم . * باب : هدايا العمال فيه: أبو حميد: (( استعمل النبي رجلا من بني أسد يقال له: ابن اللتبية على صدقة ، فلما قدم قال : هذا لكم وهذا أهدي إليّ . فقام النبي - (١) من (( هـ)). - ٢٤٧ - عليه السلام - على المنبر فحمد الله وقال: ما بال [ العامل ] (١) نبعثه يقول : هذا لي ، وهذا لك . فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر هل یهدی له أم لا ... )) وذكر الحديث . قال [المؤلف ] (٢): فيه أن ما أهدي إلى العامل وخدمة السلطان بسبب سلطانهم أنه لبيت مال المسلمين ، ألا ترى قوله عليه السلام (هدايا الأمراء غلول)) إلا أن يكون الإمام يبيح له قبول الهدية لنفسه فلذلك تطيب له، كما قال عليه السلام لمعاذ - حين بعثه إلى اليمن -: قد علمت الذي دار عليك في مالك ، وإني قد طيبت لك الهدية . فقبلها معاذ وأتی بما أهدي له النبي ، فوجده توفي ، فأخبر بذلك أبا بكر فأجاز له أبو بكر ما كان رسول الله أجاز له . وسيأتي في كتاب ترك الحيل [ في باب احتيال العامل ليهدى له ] (٢) . باب : استقضاء الموالي واستعمالهم فيه: ابن عمر: (( كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأولين أصحاب النبي في مسجد قباء ، فيهم أبو بكر وعمر وأبو سلمة وزيد وعامر بن ربيعة )) . قال المهلب : أصل هذا الباب في کتاب الله ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (٣) والتقي وإن كان بحضرته أتقى منه لا يرفع عنه اسم التقى والكرامة ، وقد قدم النبي في العمل والصلاة والسعاية المفضول مع وجود الفاضل توسعة منه على الناس ورفقًا بهم . (١) من (( هـ ، ن)). (٢) من (( هـ ). (٣) الحجرات : ١٣ . - ٢٤٨ - باب : العرفاء للناس فيه: مروان والمسور: ((أن النبي ◌َلفي قال حين أذن له المسلمون في عتق سبي هوازن : إني لا أدري من أذن منكم ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم . فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم ، فرجعوا إلى النبي فأخبروه أن الناس قد طيبوا وأذنوا)). اتخاذ الإمام للعرفاء والنظار سنة ؛ لأن الإمام لا يمكنه أن يباشر بنفسه جميع الأمور ، فلابد من قوم يختارهم لعونه وكفايته بعض ذلك، ولهذا المعنى جعل الله عباده شعوبا وقبائل ليتعارفوا فأراد تعالى ألا يكون الناس خلطًا واحدًاً فيصعب نفاذ أمر السلطان ونهيه ؛ لأن الأمر والنهي إذا توجه إلى الجماعة وقع الاتكال من بعضهم على بعض فوقع التضييع، وإذا توجه إلى / عريف لم يسعه إلا القيام بمن معه. (٣/ق٢٣٧ -ب] باب : ما يكره من الثناء على السلطان وإذا خرج قال غير ذلك فيه: ابن عمر: (( أنه قيل له : إنا ندخل على سلاطيننا فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم . قال : كنا نعد [ ذلك ] (١) نفاقًا» . وفيه: أبو هريرة: قال النبي ◌َّلفي: ((إن شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه )) . قال المؤلف : لا ينبغي لمؤمن أن يثني على سلطان أو غيره في وجهه وهو عنده مستحق للذم ، ولا يقول بحضرته بخلاف ما يقوله إذا خرج - (١) في (( هـ، ن)): هذا . - ٢٤٩ - -٠ من عنده ؛ لأن ذلك نفاق كما قال ابن عمر ، وقال فيه عليه السلام: ((شر الناس ذو الوجهين)) وقال: إنه لا يكون عند الله وجيهًا ؛ لأنه يظهر لأهل الباطل الرضا عنهم ، ويظهر لأهل الحق مثل ذلك ليرضي كل فريق منهم ويريه أنه منهم [ و] (١) هذه المداهنة المحرمة على المؤمنين . i قال المهلب : فإن قال قائل : إن حديث ابن عمر وحديث أبي هريرة يعارضان قوله عليه السلام للذي استأذن عليه (( بئس ابن العشيرة)) ثم تلقاه بوجه طلق وترحيب . قيل : ليس بينهما تعارض بحمد الله ؛ لأنه لم يقل عليه السلام خلاف ما قاله عنه ؛ بل أبقاه على التجريح عند السامع ، ثم تفضل عليه بحسن اللقاء والترحيب لما كان يلزمه عليه السلام من الاستثلاف، وكان [ يلزمه ] (١) التعريف لخاصته بأهل التخليط والتهمة بالنفاق ، وقد قيل : إن تلقيه له بالبشر إنما كان لاتقاء شره ، وليكف بذلك أذاه عن المسلمين ، فإنما قصد بالوجهين جميعًا إلى نفع المسلمين [ بأن ](٢) عرفهم سوء حاله و[ بأن ] (٣) كفاهم ببشره له أذاه وشره . و[ ذو ] (٤) الوجهين بخلاف هذا ؛ لأنه يقول الشيء بالحضرة ، ويقول ضده في غير الحضرة ، وهذا تناقض ، والذي فعله عليه السلام محكم مبين لا تناقض فيه ؛ لأنه لم يقل لابن العشيرة عند لقائه إنه فاضل ولا صالح بخلاف ما قال فيه في غیر وجهه . ومن هذا الحديث استجاز الفقهاء التجريح والإعلام بما يظن من (١) من (( هـ). (٢) في (( الأصل)): كأن .. والمثبت من (( هـ). (٣) في ((الأصل)): إتارة، والمثبت من (( هـ). (٤) في ((الأصل)): ذا. والمثبت من (( هـ). - ٢٥٠ - سوء حال الرجل إذا خشي منه على المسلمين ، وسأتقصى ذلك في كتاب الأدب [ من باب المداراة مع الناس ] (١). [ باب : القضاء على الغائب فيه: عائشة: ((أن هندًا قالت للنبي ◌َّلتر: إن أبا سفيان رجل شحيح ، فأحتاج أن آخذ من ماله. قال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف))](٢). اختلف العلماء في القضاء على الغائب فأجاز ذلك سوار القاضي ومالك والليث والشافعي وأبو ثور وأبو عبيد . قال الشافعي : يقضى بذلك في كل شيء . وروى ابن القاسم عن مالك : أنه يقضى بذلك في الدين ولا يقضى به في أرض ولا عقار ، وفي كل شيء كانت له فيه حجج إلا أن تكون غيبة المدعى عليه طويلة . قال أصبغ : مثل الغدوة من الأندلس ومكة ومن إفريقية وشبه ذلك، وأرى أن يحكم عليه إذا كانت غيبة انقطاع . قال مالك : وكذلك إن غاب بعد ما توجه عليه القضاء قضي عليه . قال ابن حبيب: عرضت قول ابن القاسم ، عن مالك [ على ] (٣) ابن الماجشون ، فأنكر أن يكون مالك قاله ، وقال : أما علماؤنا وحكامنا بالمدينة ؛ فالعمل عندهم على الحكم على الغائب في جميع الأشياء . وقالت طائفة : لا يقضى على الغائب . روي ذلك عن شريح والنخعي والقاسم وعمر بن عبد العزيز وابن أبي ليلى . وقال أبو حنيفة: لا يقضى على الغائب ولا من هرب عن الحكم بعد إقامة (١) من (( هـ)). (٢) في ((الأصل)): وحديث هند. والمثبت من ( هـ)). (٣) في ((الأصل)): عن. والمثبت من ( هـ)). - ٢٥١ - البينة، ولا على من استتر في البلد ، ولكنه يأتي من عند القاضي من ينادي على بابه ثلاثة أيام فإن لم يحضر أنفذ عليه القضاء . واحتج الكوفيون بالإجماع أنه لو كان حاضرًا لم يسمع بينة المدعي حتى يسأل المدعى عليه ، فإذا غاب فأحرى أن لا يسمع . قالوا ؛ ولو جاز الحكم مع غيبته لم يكن الحضور عند الحاكم مستحقا عليه ، وقد [٣/ ٢٣٨٥-١] ثبت أن الحضور [مستحق] (١) عليه؛ لقوله تعالى /: ﴿وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون ﴾ (٢) فذمهم على الإعراض عن الحكم وترك الحضور ، فلولا أن ذلك واجب عليهم لم يلحقهم الذم . قالوا : وروي عن علي حين بعثه النبي - عليه السلام- إلى اليمن قال له: ((لا [ تقض ] (٣) لأحد الخصمين حتى تسمع من الآخر ) وقد أمر النبي بالمساواة بين الخصمين في المجلس ، واللحظ واللفظ . والحكم على الغائب يمنع من هذا كله . قال ابن القصار: واحتج الذين أجازوا القضاء على الغائب بحديث هند وأن النبي قضى لها على زوجها بالأخذ من ماله وهو غائب . فإن قيل: حكم من غير أن قامت البينة بالزوجية وثبوت الحق عليه .. قيل : ليس يكون الحكم إلا بعد إقامة البينة ، وهذا معلوم لم يحتج إلى نقله . وقال الطبري : لم يسألها النبي البينة لعلمه بصحة دعواها. قال ابن المنذر : وإنما حكم عليه وهو غائب لما علم ما يجب لها عليه، فحكم بذلك عليه ولم ينتظر حضوره ، ولعله لو حضر أدلى بحجة فلم يؤخر عليه السلام الحكم بذلك وأمضاه عليه وهو غائب . وقد تناقض الكوفيون في ذلك فقالوا : لو ادعى رجل عند حاكم (٢) النور : ٤٨ . (١) في ((الأصل)): مستحقا. والمثبت من ( هـ)). (٣) في ((الأصل)): تقضي. والمثبت من ((هـ). - ٢٥٢ - أن له على غائب حقا وجاء برجل فقال : إنه كفيله واعترف له الرجل أنه كفيله إلا أنه [ قال ] (١): لا شيء له عليه. فقال أبو حنيفة : يحكم على الغائب ويأخذ الحق من الكفيل ، وكذلك إذا قامت امرأة الغائب وطلبت [ النفقة ] (١) من مال زوجها ، فإنه يحكم لها عليه بالنفقة عندهم . قال ابن المنذر : ومن [ تناقضهم ] (٢) أنهم يقضون للمرأة والوالدين والولد على الذي عنده المال الغائب إذا أقر به ، ولا يقضون للأخ والأخت ولا لذي رحم محرم ، ووجوب نفقات هؤلاء عندهم كوجوب نفقات الآباء والأبناء والزوجة ، ولو ادعى على جماعة غُيّب دعوى مثل أن يقول : قتلوا عبدي . وحضر [ منهم ] (١) واحد حكم عليه وعلى الغُيّب ، فقد أجازوا الحكم على الغائب . باب : من قضي له بحق أخيه فلا يأخذه فإن قضاء الحاکم لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالا فيه: أم سلمة: (( أن النبي 18 سمع خصومة بباب حجرته ، فخرج إليهم فقال : إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم ، ولعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صادق فأقضي له بذلك ، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها )) . فيه : عائشة قالت: (( كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص أن ابن وليدة زمعة مني فاقبضه إليك ، فلما كان عام الفتح أخذه سعد فقال : ابن أخي قد كان عهد إلي فیه. فقام إليه عبد بن زمعة فقال : أخي وابن وليدة أبي ، ولد على فراشه . فتساوقا إلى رسول الله (١) من ( هـ)). (٢) في (( الأصل)): تناقض. والمثبت من ( هـ)). - ٢٥٣ - فقال سعد : يا رسول الله ، ابن أخي كان عهد إليّ فيّه . وقال ابن زمعة : أخي وابن ولیدة أبي ولد على فراشه . فقال رسول الله : هو لك يا عبد". ابن زمعة ، الولد للفراش ، وللعاهر الحجر . ثم قال لسودة بنت زمعة : احتجبي منه. لما رأى من شبهه بعتبة ، فما رآها حتى لقي الله)) . أجمع الفقهاء على أن حكم الحاكم لا يخرج الأمر عما هو عليه في الباطن ، وإنما ينفذ حكمه في الظاهر الذي تعبد به ، ولا يحل للمقضي له مال المقضي عليه إذا ادعى عليه ما ليس عنده ووقع الحكم [بشاهدي](١) زور، فالعلماء مجمعون أن ذلك في الفروج والأموال سواء ؛ لأنها كلها حقوق لقوله تعالى : ﴿ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقًا من أموال الناس ﴾ (٢) وهو قول أبي يوسف . وشذ أبو حنيفة ومحمد فقالا : ما كان من تمليك مال فهو على حكم [الباطن] (٣) كما قال رسول الله وَلي: ((فمن قضيت له (٣/ ٢٣٨٥ - ب] [بشيء ] (٤) من حق أخيه فلا يأخذه، / فإنما أقطع له قطعة من النار". وما كان من حل عصمة النكاح أو عقدها غير داخل في النهي، فلو تعمد شاهدا زور الشهادة على امرأة أنها قد رضيت بنكاح رجل ، وقضى الحاكم عليها بذلك لزمها النكاح ولم يكن لها الامتناع. ولو تعمد رجلان الشهادة بالزور على رجل أنه طلق امرأته ، فقبل الحاكم شهادتهما لعدالتهما عنده ، وفرق بين الرجل والمرأة واعتدت المرأة جاز لأحد الشاهدین أن يتزوجها وهو عالم أنه کان کاذبًا في شهادته، لأنه لما حلت للأزواج في الظاهر كان الشاهد وغيره سواء ؛ لأن قضاء القاضي قطع عصمتها وأحدث في ذلك التحليل والتحريم في الظاهر والباطن جميعًا ، ولولا ذلك ما حلت للأزواج . (١) في ((الأصل)): بشاهدين. والمثبت من (( هـ)). (٣) في ((الأصل)): الباطل. والمثبت من (( هـ)). (٢) البقرة : ١٨٨. (٤) من ( هـ )) : - ٢٥٤ - واحتجا بحكم اللعان و[ قالا ] (١) : معلوم أن الزوجة إنما وصلت إلى فراق زوجها باللعان الكاذب الذي لو علم الحاكم كذبها فيه لحدها وما فرق بينهما، فلم يدخل هذا في عموم قوله عليه السلام : (وقضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه)). واحتج أصحاب مالك والشافعي وغيرهم بحديث أم سلمة وعائشة فقالوا: قوله: (([ فمن ] (٢) قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار )) بيان واضح أن حكمه بما ليس للمحكوم له لا يجوز له أخذه ، وأنه حرام عليه في الباطن . وقوله عليه السلام : فمن قضيت له بحق مسلم )) يشتمل على كل حق ، فمن فرق بين بعض الحقوق فعليه الدليل ، ومثل هذا حكمه عليه السلام [في ابن ] (٣) وليدة زمعة أنه لزمعة من أجل الفراش الظاهر ولم يلحقه [ بعتبة، ثم ] (٤) uk رأى شبهًا بعتبة قال لسودة زوجته : ( احتجبي منه )) ؛ جواز أن يكون من زنا . فلو كان حكمه يقع ظاهراً وباطنًا لم يأمر عليه السلام زوجته سودة بالاحتجاب منه مع حكمه بأنه أخوها . ومن طريق الاعتبار أنا قد اتفقنا على أنه لو ادعى إنسان على حرة أنها أمته وأقام شاهدي زور لم تكن أمته في الباطن من أجل حكم الحاكم، فكذلك في الفروج كلها ، وكذلك لو ادعى على ابنته أو أخته أنها زوجته وأقام شاهدي زور ، وحكم الحاكم بالزوجية ، فإن أبا حنيفة يقول : لا تكون زوجته . وفرق بين الحرمة بالنسب وبين زوجة غيره ولا فرق بينهما ؛ لأنه لما كان حكم الحاكم لا يبيح المحرمة بالنسب ، فكذلك لا يبيح المحرمة بنكاح غيره . (١) في ((الأصل)): قالوا. والمثبت من (( هـ)). (٣) في ((الأصل)): لابن. والمثبت من ( هـ). (٤) في (( الأصل)): ثم بعتبة، والمثبت من (هـ)). (٢) من (( هـ). - ٢٥٥ - باب : الحكم في البئر ونحوها فيه: عبد الله قال: قال رسول الله وسلم: ((لا يحلف على يمين صبر يقتطع مالا وهو فيها فاجر إلا لقي الله وهو عليه غضبان . فأنزل الله : ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم) (١) الآية ، فجاء الأشعث وعبد الله يحدثهم فقال : فيّ نزلت [ و] (٢) في رجل خاصمته في بئر ... ؟ الحديث . وذكر في كتاب الأيمان والنذور أن البئر كانت للأشعث في أرض ابن عمه فادعى له في البئر . وهذا الحديث حجة في أن حكم الحاكم في الظاهر لا يحل الحرام ولا يبيح المحظور ، ألا ترى أن النبي حذر أمته عقوبة من اقتطع حق أخيه بيمين فاجرة ، أن جزاءه غضب الله عليه ، وقد توعد الله على ذلك بضروب من العقوبة فقال : ﴿إن الذين يشترون بعهد الله ﴾ (١) وهذا من أشد وعيد جاء في القرآن ، فدل ذلك على أن من تحيل على أخيه وتوصل إلى شيء من حقه بباطل ، فإنه لا يحل له لشدة الإثم فيه . باب : القضاء في قليل المال وكثيره سواء .وقال ابن عيينة ، عن ابن شبرمة : القضاء في قليل المال وكثيره سواء. [٥/٣ ٢٣٩-١). فيه /: أم سلمة: قال النبي: ((إنما أنا بشر)) إلى قوله: ((فمن قضيت له بحق مسلم ... )) الحديث . القضاء في قليل المال وكثيره واجب ؛ لعموم قوله : (( فمن قضيت له بحق مسلم )) والحق يقع على كل شيء من القليل والكثير. (١) آل عمران : ٧٧ (٢) من (( هـ ، ن)). . - ٢٥٦ - واختلف العلماء في كم تجب اليمين في مقاطع الحقوق ؟ وقد تقدم [ ذلك في كتاب الشهادات والأيمان في باب يحلف المدعى عليه حيثما وجبت عليه اليمين ] (١) . باب : بيع الإمام على الناس أموالهم وضياعهم وقد [ باع ] (٢) النبي - عليه السلام - مدبرًا من نعيم بن النحام . فيه : جابر: (( بلغ النبي أن رجلا من أصحابه أعتق غلامًا عن دبر لم یکن له مال غيره ، فباعه بثمانمائة درهم، ثم أرسل إليه بثمنه )) . قال المهلب : إنما يبيع الإمام على الناس أموالهم إذا رأى منهم سفها في أحوالهم ؛ فأما من ليس بسفيه ، فلا يباع عليه شيء من ماله إلا في حق يكون عليه ، وهذا البيع الذي وقع في المدبر إنما نقضه عليه السلام؛ لأنه لم يكن له مال غيره ، فخشي عليه الموت في الحجاز دون قوت لقوله تعالى : ﴿وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾(٣)، فلما رآه النبي وَ﴿ قد أنفق جميع ذات يده في المدبر وأنه تعرض للهلكة نقض عليه فعله ، كما قال تعالى ونهى عنه ، ولم ينقض على الذي قال له: (([ قل: ] (١) لا خلابة)) لأنه لم يفوت على نفسه جميع ماله . (١) من (( هـ)). (٢) فى (( الأصل)): بابع. والمثبت من ( هـ، ن)). (٣) البقرة : ١٩٥ . - ٢٥٧ - باب : من لم يكترث بطعن من لا يعلم في الإمام فيه: ابن عمر قال: (( بعث رسول الله بعثًا وأمر عليهم أسامة بن زيد فطعن في إمارته، فقال: إن [ تطعنوا ] (١) في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبله ، وايم الله، إن كان لخليقًا للإمارة ، وإن كان لمن أحب الناس إليّ، وإن هذا لمن أحب الناس إليّ بعده )). قال المهلب : معنى الترجمة أن الطاعن إذا لم يعلم حال المطعون عليه ، وكذب في طعنه لا ينبغي أن یکترث له کبیر اكتراث ، ألا ترى أن النبي وَلو قد خلى هذا الطعن حين أقسم أنه كان خليقًا للإمارة. وفيه أنه يتأسى بما قيل في المرء من الكذب إذا قيل مثل ذلك فيمن كان قبله من الفضلاء . وفيه : التبكيت الطاعنين ؛ لأنهم لما طعنوا في إمارة أبيه ، ثم ظهر من غنائه وفضله ما ظهر؛ كان ذلك ردا [ لقولهم ] (٢). فإن قيل : قد طعن على أسامة وأبيه بما ليس فيهما، ولم يعزل النبي واحدًا منهما، بل بين فضلهما ولم [ يتهمهما ] (٣) ، ولم يعتبر عمر بهذا القول في سعد، وعزله حين قرفه أهل الكوفة بما هو منه بريء . فالجواب : أن عمر لم يعلم من مغيب أمر سعد ما علمه النبي من مغيب أمر زيد وأسامة ، وإنما قال عمر لسعد حين ذكر أن صلاته تشبه صلاة رسول الله : ذلك الظن بك . ولم يقطع على ذلك كما قطع النبي في أمر [ زيد ] (٤) أنه خليق للإمارة ، وقال في أسامة : إنه (١) في ((الأصل)): تطعنون. والمثبت من ((هـ)). (٢) في ((الأصل)): لفضلهم. والمثبت من ((هـ)). (٣) فى ((الأصل)): ينههما. والمثبت من ا(هـ )). (٤) من ( هـ ) - ٢٥٨ - من أحب الناس إليه . ولا يجوز أن يحب النبي إلا من أحبه الله ، ومن لا يسوغ فيه العيب والنقص . ويحتمل أن يكون الطاعنون في أسامة وأبيه من استصغر سنه على من قدم عليه من مشيخة الصحابة ، وذلك جهل ممن ظنه ، ويحتمل أن يكون الظن من المنافقين الذين كانوا يطعنون على النبي ويقبحون آثاره وآراءه ، وقد وصف الله من اتهم الرسول في قضاياه أنه غير مؤمن بقوله : ﴿فلا وربك لا يؤمنون﴾ (١) الآية. # * [٢/ق٢٣٩ -ب] باب : الألد الخصم / وهو الدائم في الخصومة لدا : عوجًا فيه: عائشة: قال النبي - عليه السلام -: ((أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم ) . [ قد تقدم في كتاب المظالم والغصب هذا ] (٢) . قال المهلب : لما كان اللدد حاملا [على] (٣) المطل بالحقوق والتعريج بها عن وجوهها، والليّ بها عن مستحقيها وظلم أهلها ؛ استحق فاعل ذلك بغضة الله وأليم عقابه . باب : إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو رد فيه : ابن عمر: (( بعث النبي خالد بن الوليد إلى بني جذيمة فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا ، فقالوا : صبأنا صبأنا . فجعل خالد يقتل ويأسر (١) النساء : ٦٥ . (٢) من (( هـ)). (٣) في ((الأصل)): على أهل. والمثبت من (( هـ)). - ٢٥٩ - ويدفع إلى كل رجل منا أسيره ، فأمر كل رجل منا أن يقتل أسيره ، فقلت : والله لا أقتل أسيري ، ولا يقتل أحد من أصحابي أسیره . فذكرنا ذلك للنبي - عليه السلام - فقال : اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد . مرتين )) . لم يختلف العلماء أن القاضي إذا قضى بجور أو بخلاف أهل العلم فهو مردود ، فإن كان على وجه الاجتهاد والتأويل كما صنع خالد فإن الإثم ساقط عنه ، والضمان لازم في ذلك عند عامة أهل العلم ، إلا أنهم اختلفوا في ضمان ذلك على ما يأتي بيانه . ووجه موافقة الحديث للترجمة هو قوله: ((اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد)) يدل تبرؤه عليه السلام من قتل خالد للذين قالوا : صبأنا. أن قتله لهم [ حكم ] (١) منه بغير الحق ؛ لأن الله يعلم الألسنة كلها ويقبل الإيمان من جميع أهل الملل بألسنتهم ، لكن عذره النبي - عليه السلام - بالتأويل ؛ إذ كل متأول فلا عقوبة عليه ولا إثم . واختلفوا في ضمان خطأ الحاكم ، فقالت طائفة : إذا أخطأ الحاكم في حكمه في قتل أو جراح فدية ذلك في بيت المال . هذا قول الثوري وأبي حنيفة وأحمد وإسحاق . وقالت طائفة : هو على عاقلة الإمام والحاكم . وهذا قول الأوزاعي وأبي يوسف ومحمد والشافعي، وليس فيها جواب لمالك . واختلف أصحابه فيها فقال ابن القاسم كقول الأوزاعي : الدية على عاقلة الحاكم . وقال في الشاهدين إذا شهدا في دين أو عتق أو طلاق أو حد من الحدود : أرى أن يضمنا الدين، ويكون عليهما قيمة العبد في العتق وقصاص العقل في أموالهم. وهو قول أشهب في الشاهدين . وقال : الأموال مضمونة بالخطأ كما (١) في (( الأصل)): حكمًا. والمثبت من (( هـ )). - ٢٦٠ -