النص المفهرس
صفحات 121-140
بلى. قال : فإن هذا قد عرض لكم خطة رشد اقبلوها ودعوني آتيه . فقالوا : انته . فأتاه فجعل يكلم النبي - عليه السلام - فقال النبي نحواً من قوله لبديل . فقال عروة عند ذلك : أي محمد ، أرأيت إن استأصلت أمر قومك ، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك؟ وإن تكن الأخرى ، فإني والله لأرى وجوهًا، وإني لأرى أشوابًا من الناس خليقًا أن يفروا ويدعوك. فقال له أبو بكر الصديق : امصص بظر اللات ، أنحن نفر عنه وندعه ؟! فقال : من ذا ؟ قالوا : أبو بكر. فقال : أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها [لأجبتك](١). قال : وجعل يكلم النبي ، فكلما كلمه أخذ بلحيته والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي ومعه السيف وعليه المغفر ، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ضرب يده بنعل السيف وقال : أخر يدك عن لحية رسول الله . فرفع عروة رأسه فقال : من هذا ؟ قالوا غيرة بن شعبة . فقال : أي غُدَرُ / ألست أسعى في غدرتك؟- وكان المغيرة صحب قومًا فى (٣/ ٥ ٢١٢ -ب] الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم فقال النبي : أما الإسلام فأقبل وأما المال فلست منه في شيء - ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي بعينيه قال: فوالله ما تنخم رسول الله نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده ، ما يحدون إليه النظر تعظيمًا له . فرجع عروة إلى أصحابه فقال : أي قوم، [ والله ] (١) لقد وفدت على الملوك ، ووفدت على قبصر وكسرى والنجاشي ، والله إن رأيت ملكًا قط [ يعظمه ] (٢) أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدًا، والله إن يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل (١) من (( هـ، ن)) . (٢) في ((الأصل)): يعظم. والمثبت من (( هـ، ن)). - ١٢١ - منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له ، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. فقال رجل من بني كنانة : دعوني آتيه . فقالوا : ائته . فلما أشرف على النبي وأصحابه فقال رسول الله : هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن ، فابعثوها له ، [فبعثت] (١) له واستقبله الناس يلبون . فلما رأى ذلك قال : سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت [ فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت ، فما أرى أن يصدوا ](٢) عن البيت فقام رجل منهم يقال له مكرز بن [ حفص ](٣) فقال : دعوني آتیه . فقالوا : انته . فلما أشرف علیهم قال النبي : هذا مکرز وهو رجل فاجر . فجعل يكلم النبي ، فبينما هو يكلمه إذ جاء [ سهيل ] (٤) بن عمرو [ وقال معمر ؛ فأخبرني أيوب ، عن عكرمة أنه لما جاء سهيل قال النبي ار : )(٥) قد سهل لكم. فقال [ سهيل ] (٢) : هات ، اکتب بيننا وبينكم كتابًا . فدعا النبي الكاتب فقال النبي : بسم الله الرحمن الرحيم . فقال سهيل : أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو ، ولكن اكتب باسمك اللهم [ كما كنت تكتب . فقال المسلمون : والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم. فقال النبي وَلّى: اكتب باسمك اللهم ] (٢) ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله . فقال سهيل : والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صدهناك عن البيت ولا قاتلناك ، ولکن اکتب محمد بن عبد الله . فقال النبي : والله إني لرسول الله وإن كذبتموني ، اکتب محمد ابن عبد الله . قال الزهري : وذلك لقوله : لا يسألوني خطة يعظمون فيها (٢) من (( هـ ، ن)). (١) فى ((الأصل)): فبعث. والمثبت من ((هـ، ن)). (٣) في ((الأصل)): جعفر. والمثبت من (( هـ، ن)). (٤) في (( الأصل)): سهل. والمثبت من ((هـ، ن)). (٥) من ( هـ ) - ١٢٢ - حرمات الله إلا أعطيتهم إياها . فقال له النبي: على أن تخلوا [ بيننا ](١) وبين البيت فنطوف به . فقال سهيل : والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضُغطة ، ولكن ذلك من العام المقبل . فكتب . فقال سهيل : وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا . قال المسلمون : سبحان الله ! كيف يرد على المشركين [ و](٢) قد جاء مسلمًا؟! فبينما هم كذلك إذ قد دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده ، قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين . فقال سهيل: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إليّ . فقال النبي : إنا لم نفض الكتاب بعد . قال : فوالله إذًا لا أصالحك على شيء أبدًا . قال النبي : فأجزه لي . قال: ما أنا بمجيز ذلك. قال : بلى فافعل . قال : ما أنا بفاعل. قال مكرز : قد أجزناه لك . قال أبو جندل : أي معشر المسلمين ، أرد إلى المشركين وقد جئت مسلمًا ألا ترون ما قد لقيت ؟! وكان قد عذب عذابًا شديدًا في الله . قال : فقال عمر بن الخطاب : فأتيت نبي الله فقلت : ألست نبي الله حقا ؟ قال : بلى . قال : قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال: بلى. قلت: فلم [ نعطي ](٣) الدنية في ديننا إذًا ؟ قال : إني رسول الله ، ولست أعصيه وهو ناصري . قلت : [أوليس] (٤) كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به ؟ قال : بلى . فأخبرتك [ أنا ] (٥) نأتيه العام ؟ قلت : لا. قال: فإنك [ آتيه ] (٦) ومطوف به . قال : فأتيت أبا بكر ، فقلت : يا أبا بكر ، أليس هذا نبي الله (١) في ((الأصل)): بيني. والمثبت من ((هـ، ن)). (٢) في (( الأصل، هـ)): من. والمثبت من (( ن)). (٣) في ((الأصل، هـ)): نعط. والمثبت من (( ن)). (٤) في (( الأصل)): ألست. والمثبت من (( هـ، ن)). (٥) في ((الأصل، هـ)): أنك. والمثبت من ( ن)). (٦) في ((الأصل)): آتيك. والمثبت من (( هـ، ن). - ١٢٣ - حقا ؟ قال : بلى . قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى. قلت : فلم [ نعطي ] (١) الدنية في ديننا إذًا؟ قال : أيها الرجل ، [٢١٣٠/٢-] إنه رسول الله ، ولیس بعصي ربه / وهو ناصره، فاستمسك بغرزه، فوالله. إنه على الحق . قلت : أليس كان [ يحدثنا ] (٢) أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى [ أفأخبرك أنك تأتيه] (٣) العام؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به . قال الزهري : قال عمر: فعملت لذلك أعمالا ، قال : فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله لأصحابه : قوموا فانحروا ، [ثم](٤) احلقوا . قال : فوالله ما قام منهم رجل حتی قال ذلك ثلاث مرات ، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة ، فذكر لها ما لقي من الناس ، فقالت أم سلمة : يا نبي الله أتحب ذلك ؟ اخرج ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر [ بدنك ] (٥) وتدعو حالقك فيحلقك . فخرج فلم يكلم [ أحدًا ] (٦) منهم حتى فعل ذلك ، نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غما ، ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله : ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ﴾ (٧) الآية . فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان [والأخرى صفوان بن أمية، ثم رجع النبي ◌َّه إلى المدينة ] (٥) فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم ، فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهد الذي جعلته لنا . فدفعه إلى الرجلين ، فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم. فقال أبو بصير لأحد الرجلين : والله (١) في ((الأصل، هـ)): نعط. والمثبت من (( ن)). (٢) في ((الأصل)): يحدث، والمثبت من ((هـ، ن)) . (٣) في ((الأصل)): فأخبرك أنه يأتيه. والمثبت من (( هـ، ن)). (٤) في (( الأصل )): و، والمثبت من ((هـ، ن )). (٥) من (( هـ ، ن ) (٧) الممتحنة : ١٠ (٦) في ((الأصل)): أحد. والمثبت من (( هـ، ن)). - ١٢٤ - إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدًا. فاستله الآخر فقال : أجل إنه والله لجيد ولقد جربت به [ ثم جربت ] (١) قال أبو بصير: أرني أنظر إليه فأمكنه منه ، فضربه حتى برد ، وفر الآخر حتى أتى المدينة ، فدخل المسجد يعدو ، فقال رسول الله حين رآه : لقد رأى هذا ذعرًا . فلما انتهى إلى النبي قال : قتل والله صاحبي وإني لمقتول . فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله ، قد والله أوفى الله ذمتك ، قد رددتني إليهم ، ثم أنجاني الله منهم. قال النبي - عليه السلام -: ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد. فلما سمع ذلك عرف أنه سیرده إليهم فخرج حتى أتى سيف البحر . قال: وينفلت منهم أبو جندل ، فلحق بأبي بصير ، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة ، فوالله ما يسمعون بعير قد خرجت لقريش إلى الشأم إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم ، فأرسلت قريش إلى النبي تناشده الله والرحم ؛ لما أرسل فمن أناه فهو آمن ، فأرسل النبي إليهم ، فأنزل الله : ﴿ وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة ﴾ إلى ﴿الجاهلية﴾ (٢)، وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله [ ولم يقروا يبسم الله الرحمن الرحيم ، وحالوا بينه وبين البيت ، فأخبرتني عائشة أن نبي الله ] (٣) كان [ يمتحنهن ] (٤) وبلغنا أنه لما أنزل الله أن يردوا إلى المشركين ما أنفقوا على من هاجر من أزواجهم ، وحكم على المسلمين ألا يمسكوا بعصم الكوافر أن عمر طلق امرأتين : قريبة بنت أبي أمية ، وابنة جرول الخزاعي، فتزوج قريبة معاوية ، وتزوج الأخرى أبو جهم، فلما أبى الكفار أن يقروا بأداء ما أنفق المسلمون على أزواجهم أنزل الله: (وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم﴾ (٥) والعقب ما يؤدي (٣) من ( هـ)). (١) من (( هـ، ن)). (٢) الفتح : ٢٤ - ٠٫٢٦ (٤) في ((الأصل)): يمتحنهم. والمثبت من ((هـ، ن)). (٥) الممتحنة: ١١. - ١٢٥ - المسلمون إلى من هاجرت امرأته من الكفار ، فأمر أن يعطى من ذهب له زوج من المسلمين ما أنفق من صداق نساء الكفار اللاتي هاجرن ، وما نعلم أن أحدًا من المهاجرات ارتدت بعد إيمانها ، وبلغنا أن أبا بصير بن أسيد الثقفي قدم على النبي مؤمنًا مهاجرًا ، فكتب [ الأخنس بن شريق](١) إلى النبي - عليه السلام - يسأله أبا بصير .. )) فذكر الحديث. قال المؤلف : في هذا الحديث من الفقه جواز صلح المشركين ومهادنتهم دون مال يؤخذ منهم إذا رأى لذلك الإمام وجهًا . وفيه : كتاب الشروط التي تنعقد بين المسلمين والمشركين والإشهاد عليها ؛ ليكون ذلك شاهدًا على من رام نقض ذلك والرجوع فيه . قال المهلب : وفيه من الفقه : الاستتار عن طلائع المشركين ومفاجأتهم بالجيش وطلب غرتهم إذا بلغتهم الدعوة . وفيه : جواز التنكيب / على الطريق بالجيوش وإن كان في ذلك مشقة . [٣/ق٢١٣-ب] وفيه : بركة التيامن في الأمور كلها . وقوله عليه السلام في الناقة: (( ما خلأت وما هو لها يخلق )) فالخلا في النوق مثل الحران في الخيل . وفيه دليل على أن الأخلاق [ المعروفة ] (٢) من الحيوان كلها يحكم بها على الطارئ الشاذ منها ، وكذلك في الناس إذا نسب إنسان إلى غير خلقه المعلوم في هفوة كانت منه لم يحكم بها . وفيه : أن ما عرض للسلطان وقواد الجيوش وجميع الناس مما هو (١) في ((الأصل)): الأخفش بن تسويق. والمثبت من ((هـ، ن)). (٢) من (( هـ)). : - ١٢٦ - خارج عن العادة يجب عليهم أن يتأملوه وينظروا شبهه في قضاء الله في الأمم الخالية فيمتثلوا صواب الخير فيه ، ويعلموا أن ذلك مثل ضرب لهم ونبهوا عليه ، كما امتثله رسول الله [ في أمر ] (١) ناقته وبروكها بقصة الفيل ؛ لأنها كانت إذا وجهت إلى مكة بركت وإذا صرفت عنها مشت ، كما دار الفيل ، وهذا خارج عن العادة ، فعلم أن الله صرفها عن مكة كما صرف الفيل ، ولذلك قال عليه السلام : ((والله لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها )) يريد بذلك موافقة الله (٢) في تعظيم الحرمات ؛ لأنه فهم عن الله إبلاغ الأعذار إلى أهل مكة فأبقى عليهم لما كان سبق لهم في علمه أنهم سيدخلون في دين الله أفواجًا . وفيه : علامات النبوة ، وبركة النبي ، وبركة السلاح المحمولة في سبيل الله ، ونبع الماء من السهم ، فإنما قدم النبي إلى مكة غير مستأمن مما كان بينه وبين أهل مكة من الحرب والمناصبة والعداوة و[ لا أخذ](٣) إذنهم في ذلك ؛ لأنه جرى على العادة من أن مكة غير ممنوعة من الحجاج والمعتمرين ، فلما علم الله أنهم صادوه ومقاتلوه حبس الناقة عن مكة كما حبس الفيل تنبيهًا له على الإبقاء عليهم . وقوله: ((إن قريشًا قد نهكتهم الحرب)) على وجه بذل النصيحة [للقرابة] (٤) التي كانت بينهم، فقال لهم: ((إن شئتم ماددتكم)) أي: صالحتكم مدة تستجمون فيها إن أردتم القتال وتدعوني مع الناس، يعني : طوائف العرب فإن ظهرت عليهم دخلتم فيما دخلوا فيه ، وإنما (١) في (( الأصل)): بأمر. والمثبت من (( هـ)). (٢) ورد بالأصل هنا : تعظيم . وهي زائدة . (٣) في (( الأصل)): الأخذ. والمثبت من (( هـ)). (٤) في ((الأصل)): والقرابة. والمثبت من (( هـ)). - ١٢٧ - نصحهم النبي لما فهم عن الله في حبس الناقة أنهم سيدخلون في الإسلام، فأراد أن يجعل بينهم مدة يقلب الله فيها قلوبهم ، وفي لين قول بديل وعروة لقريش دليل على أنهم كانوا أهل إصغاء إلى النبي وميل إليه كما قال في الحديث . وقول عروة للنبي: ((أرأيت إن استأصلت قومك)) دليل على أن النبي كان يومئذ في جمع يخاف منه عروة على أهل مكة الاستئصال لو قاتلهم . وخوف عروة إن دارت الدائرة في الحرب عليه صلى الله عليه وسلم أن يفر عنه من تبعه من أخلاط الناس ؛ لأن القبائل [ إذا كانت متميزة لم يفر بعضها عن بعض حتى ] (١) إذا كانت أخلاطًا فر كل واحد ولم ير على نفسه عارًا ، والقبيلة بأصلها ترى العار وتخافه ، ولم يعلم عروة أن الذي عقده الله بين قلوب المؤمنين من محض الإيمان فوق ما تعتقده القرابات لقراباتهم ؛ فلذلك قال له أبو بكر : (امصص بظر اللات)) وهكذا يجب أن يجاوب من جفا على سروات الناس وأفاضلهم ورماهم بالفرار . وقوله: ((لم أجزك بها )» يدل على أن الأيادي تجب على أهل الوفاء مجازاتها والمعاوضة عليها . وقوله: (( فكلما أخذ بلحيته)) يعني: على ما جرت به عادة العرب عند مخاطبتها لرؤسائها فإنهم يمسون لحاهم ويصافحونهم ، يريدون التحبب إليهم والتبرك بتناولهم ، وقد حكي عن بعض العجم أنهم يفعلون ذلك أيضًا ، فلما أكثر عروة من فعله ذلك رأى المغيرة أن منزلة النبوة مباينة لمنازل الناس ، وأنها لا تحتمل هذا العمل لما يلزم من توقير النبي وإجلاله . (١) من ( هـ). - ١٢٨ - وفيه من الفقه : أن من جالس إمامًا فرأى أحدًا جفا عليه أنه يلزمه تغيير ذلك / ويصون الإمام عن الكلام فيه . [٣/ ق٢١٤-١] وفيه : جواز قيام الناس على رأس الإمام بالسيوف إذا كان ذلك ترهيبًا للعدو ومخافة الغدر . وقوله: (( ألست أسعى في غدرتك)) يريد أن عروة كان يصلح على قوم المغيرة ويمنع منهم أهل القتيل الذي قتله المغيرة ؛ لأن أهل المغيرة بقوا بعده في دار الكفر . وقول النبي: (( أما المال فلست منه في شيء )) يعني : في حل ؛ لأنه علم أن أصله غصب ، وأموال المشركين وإن كانت مغنومة عند القهر فلا يحل أخذها عند الأمن ، وإذا كان الإنسان مصاحبًا لهم فقد أمن كل واحد [ منهم ] (١) صاحبه ، فسفك الدماء وأخذ المال عند ذلك غدر ، والغدر بالكفار وغيرهم محظور . وتدلكهم بنخامته عليه السلام على وجه التبرك ورجاء نفعها في أعضائهم . وفيه : طهارة النخامة بخلاف من جعلها تنجس الماء ، وإنما أكثروا من ذلك بحضرة عدوه ، وتزاحموا عليه ؛ لأجل قوله : ((إني لأرى وجوهًا (٢) وأشوابًا من الناس خليقًا أن يفروا عنك ويدعوك)) فأروه أنهم أشد اغتباطًا وتبركًا بأمره ، وتثبتًا في نصرته من القبائل التي تراعي الرحم بينهم . وأمر النبي بإقامة البدن للرجل من أجل علمه بتعظيمه لها ؛ ليخبر بذلك قومه ، فيخلوا بينه وبين البيت . (١) في ((الأصل)): منهما. والمثبت من (هـ)). (٢) ورد بالأصل هنا : من ، وهي زائدة . - ١٢٩ - وفيه : التفاؤل من الاسم وغيره . و[قول ] (١) سهيل: ((ما نعرف الرحمن)) فإن العرب الله قد أخبر عنهم بذلك في كتابه ﴿ قالوا وما الرحمن ﴾ (٢) وفي يمين المسلمين: ((والله لا نكتب إلا بسم الله الرحمن الرحيم )» فيه من الفقه أن أصحاب السلطان يجب عليهم مراعاة أمره وعونه وعزة الباري التي بها غز السلطان . : وترك النبي إبرار قسمهم ، وقد أمرنا بإبرار القسم ، إنما هو مندوب إليه فيما يحسن ويجمل ، وأما من حلف عليه في أمر لا يحسن في دين ولا مروءة فلا يجيب إليه كما لم يجب النبي إلى ما حلف عليه أصحابه ؛ لأنه كان يئول إلى انخرام المقاضاة والصلح مع أن ما دعا إليه سهيل لم يكن إلحادًا في أسمائه تعالى ، وكذلك ما أباه سهيل من كتابة محمد رسول الله ليس فيه إلحاد في الرسالة ، فلذلك أجابه عليه السلام إلى ما دعاه إليه مع أنه لم يأنف سهيل من هذا ، إلا أنه كان مساق العقد عن أهل مكة ، وقد جاء في بعض الطرق (( هذا ما قاضى عليه رسول الله أهل مكة)) فخشي أن ينعقد في ( مقالهم ) (٣) الإقرار برسالته . وقوله في هذا الحديث: (( وعلى أنه لا يأتيك منا رجل » يدل أن المقاضاة إنما انعقدت على الرجال دون النساء ، فليس فيه نسخ حكم النساء على هذه الرواية ؛ لأن النساء لم يردهن النبي كما رد الرجال من أجل أن الشرط إنما وقع برد الرجال [ خاصة ] (٤) ثم نزلت (١) في (( الأصل )): قوله. والمثبت من (( هـ )) (٢) الفرقان : ٦٠ (٣) فى (( هـ)): مقالتهم. (٤) في ((الأصل)): خاصا. والمثبت من (( هـ)). - ١٣٠ - الآية في أمر النساء حين هاجرن إلى النبي - عليه السلام - [مثبتة] (١) لما تقدم من حكم ذلك [وقد تقدم هذا المعنى في أول كتاب الشروط](٢). وقول النبي [ لسهيل] (٢): ((إنا لم نفض الكتاب بعد)) أراد أن يخلص أبا جندل وقد كان تم الصلح بالكلام والعقد قبل أن يكتب . وفيه : أن من عاقد وصالح على شيء بالكلام ثم لم يوف له به أنه بالخيار في النقض . وأما قول عمر وما قرر عليه رسول الله من أنهم على الحق (( ولم [نعطي] (٣) الدنية في ديننا : أي : نرد من استجار بنا من المسلمين إلى المشركين فقال له : ((إني رسول الله، ولست [أعصيه] (٤))) تنبيهًا لعمر أني إنما أفعل هذا من أجل ما أطلعني الله عليه بحبس الناقة عن أهل مكة مما في غيبه لهم من الإبلاغ في الإعذار إليهم ، ولست أفعل ذلك برأي ، إنما أفعله بوحي من الله لقوله: ((ولست [أعصيه] (٤))). وفيه : جواز المعارضة في العلم حتى تتبين المعاني . وفيه : أن الكلام محمول على العموم حتى يقوم عليه دليل الخصوص [ ألا ترى أن عمر حمل كلامه وَّةُ على الخصوص] (٢) لأنه طالبه بدخول البيت في ذلك / العام فأخبره عليه السلام أنه لم [٢/فق٢١٤ -ب) يعده به في ذلك العام، بل [ وعده ] (٢) وعدًا مطلقًا في الدهر حتى وقع، فدل أن الكلام محمول على العموم حتى يأتي دليل الخصوص. وفي قوله عليه السلام: (( فإنك آتيه)) يدل أن من حلف على فعل ولم يوقت وقتًا أن وقته أيام حياته . قال ابن المنذر : فإن حلف (٢) من (( هـ ). (١) في ((الأصل)): مبينة. والمثبت من (( هـ)). (٣) في (( الأصل، هـ)): نعط. والمثبت هو الصواب. (٤) في ((الأصل)): أغضبه. والمثبت من (( هـ)). - ١٣١ - ... بالطلاق ليفعلن كذا إلى وقت غير معلوم . فقالت طائفة : لا يطأها حتى يفعل الذي حلف عليه فأيهما مات لم يرثه صاحبه . هذا قول سعيد بن المسيب والحسن البصري والشعبي [ والنخعي ] (١) ، وأبي [عبيد] (٢). وقالت طائفة : إن مات ورثته ، وله وطؤها . روي هذا عن عطاء وقال يحيى بن سعيد : ترثه إن مات . وقال مالك : إن ماتت امرأته يرثها . وقال الثوري : إنما يقع الحنث بعد الموت ، وبه قال أبو ثور ، وقال أبو ثور أيضًا: إذا حلف ولم يوقت فهو على يمينه حتى يموت ، ولا يقع حنث بعد الموت ، فإذا مات لم يكن على شيء . قال ابن المنذر : وهذا النظر. وقالت طائفة : يضرب لهما أجل المؤلي أربعة أشهر . روي هذا عن القاسم وسالم ، وهو قول ربيعة ومالك والأوزاعي ، وقال أبو حنيفة : إن قال : أنت طالق ثلاثًا إن لم آت البصرة. فماتت امرأته قبل أن يأتي البصرة فله الميراث ولا يضره ألا يأتي البصرة بعد ؛ لأن امرأته ماتت قبل أن يحنث ، ولو مات قبلها حنث وكان لها الميراث ؛ لأنه فارق، ولأن الطلاق إنما وقع عليها قبل أن يموت بقليل فلها الميراث، ولو قال : أنت طالق إن لم تأت البصرة أنت فماتت فليس له منها ميراث ، وإن مات قبلها فلها الميراث ولا يضرها ألا تأتي البصرة . وفيه قول سادس حكاه أبو عبيد عن بعض أهل النظر قال : إن أخذ الخالف في التأب لما حلف عليه والسعي فيه حين تكلم باليمين حتى يكون متصلا بالبر وإلا فهو حانث عند ترك ذلك . .١ قال ابن المنذر : في هذا الحديث دليل أنه من لم يحد ليمينه أجلا أنه على يمينه ولا يحنث إن وقف عن الفعل الذي حلف يفعله . (١) من (( هـ)). ! (٢) في (( الأصل )): عبيدة. والمثبت من (( هـ )) - ١٣٢ - قال المهلب: وقول عمر: (( فعملت لذلك أعمالا)) يعني : أنه كان يحض الناس على ألا يعطوا الدنية في دينهم بإجابة سهيل إلى رد أبي جندل إليهم ، يدل على ذلك إتيانه أبا بكر وقوله له مثل ذلك . وفيه : فضل علم أبي بكر الصديق وجودة ذهنه ، وحسن قريحته ، وقوة ( نفسه ) (١) لأنه أجاب عمر بمثل ما أجابه به النبي حرفًا حرفًا . و[أما ] (٢) توقف أصحاب النبي عن النحر والحلق فلمخالفتهم العادة التي كانوا عليها ألا ينحر أحد حتى يبلغ الهدي محله ، ولا يحلق إلا بعد الطواف والسعي ، حتى شاور النبي أم سلمة فأراه الله بركة المشورة ، ففعل ما قالت ، فاقتدى به أصحابه ، وكذلك لو فعل رسول الله في حجة الوداع ما أمر به أصحابه من الحلاق والحل ما اختلف عليه اثنان ، ففي هذه من الفقه أن الفعل أقوى من القول . وفيه : جواز مشاورة النساء ذوات الفضل والرأي . وأما إسلام النبي لأبي بصير وأصحابه [ إلى ] (٣) رسل [ مكة فهو على ] (٣) ما انعقد في الرجال ، وأما قتل أبي بصير لأحد الرسل بعد أن أسلمه إليهم النبي - عليه السلام - فليس على النبي حراسة المشركين ممن يدفعه إليهم ، ولا عليه القود ممن قتل في الله وجاهد ؛ لأن هذا لم يكن من شرطه ، ولا طالب أولياء القتيل النبي - عليه السلام - بالقود من أبي بصير . وقول أبي بصير للنبي: ((قد أوفى الله ذمتك)) يعني : أنك قد رددتني إليهم كما شرطت لهم ، فلا تردني الثانية ، فلم يرض النبي إلا بما لا شك فيه من الوفاء ، فسكت عنه النبي - عليه السلام - ونبهه على ما ينجو به من كفار قريش بتعريض عرض له به وذلك قوله : (١) في (( هـ )) : يقينه . (٢) في ((الأصل)): لما. والمثبت من ((هـ )). (٣) من (( هـ ). - ١٣٣ - ((لو كان [ له ] (١) أحد)) يعني: من ينصره ويمنعه ، ففهمها أبو بصير، وخرج إلى سيف البحر ، وجعل يطلب غرة أهل مكة ، (٢١٥٠/٢-١] وآذاهم حتى لحق به أبو جندل وجماعة، فرضي / المشركون [بحل](٢) هذا الشرط وأن يكفيهم النبي نكايته ، ويكف عنهم عاديته . وأما قوله: (( ما كانوا يؤدونه إلى المشركين عوضًا مما أنفقوا على أزواجهم المهاجرات في ذلك الصلح )) فهو منسوخ عن الشعبي وعطاء ومجاهد . ذكر ما في هذا الحديث من غريب اللغة: قوله: (( فإذا هم بقترة الجيش)) قال صاحب العين: القترة والقتر: الغبار . وقولهم للناقة: ((حل حل)) يقال: [ حلحلت] (٣) الإبل: إذا قلت لها: حل حل. زجرتها بذلك. والخلا في الإبل كالحران في الخيل، وقد تقدم. والقصواء : اسم ناقةٍ النبي . والثمد : الماء القليل . عن صاحب العين والتبرض : جمع الماء باليدين . قال صاحب العين : ماء برض: قليل . وتبرض الماء : جمع البرض منه ونزحه . يقال : نزحت البئر: نقص ماؤها . وبئر نزوح : قليلة الماء . عن صاحب العين . وقوله :. ((أعداد مياه الحديبية)) جمع عد، والعد مجتمع الماء. والعوذ: النوق الحديثات العهد بالنتائج، واحدتها عائذ. و((المطافيل)) التي معها. أولادها . وماددتهم : جعلت بيني وبينهم مدة الصلح . وقوله : (جموا)) يعني: استراحوا وقووا. يقال: جم الفرس وأجم ، إذا ترك ولم يركب ولم يتعب. وقوله: (( حتى تنفرد سالفتي )) أي : حتى أنفرد في قتالهم وحدي. وقولهم: (( بلحوا» قال صاحب العين: (٢) في ((الأصل)): على. والمثبت من ( هـ ). (١) من (( هـ)). (٣) في ((الأصل)): حلات. والمثبت من (( هـ)). - ١٣٤ - يقال أبلح البعير والدابة بلوحًا : إذا أعيا ، وبلح الغريم : أفلس . و((الأشواب)): الأخلاط من الناس . وقوله: ((يرسف في قيوده )) والرسف : مشية المقيد . والحجل مثله . من كتاب العين . ويروى : يجلجل في قيوده . وقد تقدم [ في باب الصلح مع المشركين ] (١) في كتاب الصلح. وأما قوله: (( ويل أمه مسعر حرب )) فإعرابه ويل أمه من مسعر حرب فانتصب على التمييز . وقالت الخنساء : إذا التقى فيها وعليه السليل ويلمه مسعر حرب وقال جماعة من أهل اللغة : والمعنى أن الخنساء لم ترد الدعاء بإيقاع الهلكة [ عليها ] (٢) لكنها أرادت ما من عادة العرب استعماله من نقلها الألفاظ الموضوعة في بابها إلى غيره ، ومرادها بقولها هذا المدح لأمها وأخيها لولادتها مثل أخيها في بسالته وشجاعته دون الدعاء عليها بالويل الذي معناه الهلكة ، كما يقال : انج ثكلتك أمك وتربت يداك ، من غير إرادة مقتضى هاتين اللفظتين بالمخاطب . وقوله: ((استمسك بغرزه )) قال ثابت : أي : تمسك به واتبعه . والغرز لقتب البعير مثل ركاب السرج للدابة . # باب : الشروط في القرض فيه: أبو هريرة: (( عن النبي [ أنه ذكر رجلا ] (٣) سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار فدفعها إليه إلى أجل مسمى )) قال ابن عمر وعطاء: إذا أجله في القرض [ جاز] (٤). (١) من (( هـ). (٢) في (( الأصل)): عليهم، والمثبت من (( هـ)). (٣) في ((الأصل)): أنه. وفي (( هـ)): أن رجلا. والمثبت من (( ن)). (٤) من (( هـ، ن)). - ١٣٥ - وهذا خلاف قول أبي حنيفة فإنه يقول : إذا كان القرض إلى أجل أو غير أجل فله أن يأخذه متى أحب وكذلك العارية ، ولا يلزم عنده تأخير القرض البتة . وبنحوه قال الشافعي ، ويخالفهم مالك ، وقد تقدم هذا مبينًا لأقوال العلماء في كتاب الاستقراض والديون فأغنى عن إعادته ، والحمد لله . باب : ما يجوز من [الاشتراط ] (١) والثّنيا في الإقرار والشروط التي يتعارفه الناس بينهم ، وإذا قال : مائة إلا واحدًا واثنين . وقال ابن عون عن ابن سيرين قال رجل لكريه: [ أرحل ركابك ] (٢) فإن [٥/٣ ٢١٥-ب) لم أرجل معك يوم كذا وكذا فلك / مائة درهم - فلم يخرج . قال شريح : من شرط على نفسه شرطًا غير مكره فهو عليه . وقال أيوب عن ابن سيرين : إن رجلا باع طعامًا وقال : إن لم آتك الأربعاء فليس بيني وبينك بيع . فلم يجئ . قال شريح للمشتري : أنت أخلفت . فقضى عليه . : فيه : أبو هريرة: أن النبي - عليه السلام - قال: ((إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا [واحدة ] (٣) من أحصاها دخل الجنة)). الاستثناء على ضربين : استثناء القليل من الكثير ، وهذا ما لا خلاف في جوازه بين أهل الفقه واللغة . والضرب الثاني : استثناء الكثير من القليل وهو جائز عند أصحاب مالك والكوفيين والشافعي وغيرهم من الفقهاء ، وهو مذهب اللغويين من أهل الكوفة وأنشد الفراء في ذلك : (١) في ((الأصل، هـ): الاستقراض. والمثبت من (( ن)). (٢) في ((الأصل)): أن حل كرابك. والمثبت من (( هـ، ن)). (٣) في ((الأصل)): واحد. والمثبت من (( هـ، ن)). - ١٣٦ - أدوا التي نقضت تسعين من مائة ثم ابعثوا حكمًا بالعدل حكامًا فاستثنى تسعين من مائة ، فكذا إذا أقر الرجل فقال : لفلان عندي ألف إلا تسعمائة وخمسين لزمه خمسون . أو قال : له عندي مائة إلا تسعين . فهو جائز على ما أنشد الفراء ، واحتج له ابن القصار فقال: حجة من أجازه أن حقيقة الاستثناء هو إخراج بعض ما اشتمل عليه اللفظ ؛ فإن جميع ما يقتضيه اللفظ ليس بمراد ، فإذا كان الاستثناء هذا معناه فقد يكون المراد إخراج الأول ، وقد يكون إخراج الأكثر ، فإذا جاز إخراج الأقل جاز إخراج الأكثر . وقال عبد الملك بن الماجشون : لا يجوز استثناء الكثير من القليل . وحكى أنه مذهب البصريين من أهل اللغة . وإلى هذا ذهب البخاري في هذا الباب، ولذلك أدخل قوله عليه السلام: (( إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا [ واحدة ] (١))) فاستثنى القليل من الكثير . واحتج ابن قتيبة لذلك فقال : لا يجوز عندي في اللغة استثناء الكثير من القليل ؛ لأن تأسيس الاستثناء على تدارك قليل من كثير كأنك أغفلته أو نسيته لقلته ، ثم تدراكت بالاستثناء ، ولأن الشيء قد ينقص نقصانًا يسيرًا فلا يزول عنه اسم الشيء بنقصان القليل ، فإذا نقص أكثره زال عنه الاسم، ألا ترى أنك لو قلت: صمت هذا الشهر إلا تسعة وعشرين يومًا . أحال لأنه صام يومًا ، واليوم لا يسمى شهرًا، ومما يزيد في وضوح هذا أنه يجوز لك أن تقول : صمت الشهر كله إلا يومًا واحدًا . فتؤكد الشهر وتستقصي عدده بكل ولا يجوز : صمت الشهر كله إلا تسعة وعشرين يومًا . وتقول : لقيت القوم جميعًا إلا واحدًا أو اثنين. ولا تقول: القوم جميعًا إلا أكثرهم. (١) في ((الأصل)): واحد. والمثبت من (هـ)). - ١٣٧ - وأما قول ابن سيرين فيمن قال لكريه: ((أرحل [ ركابك] (١) فإن لم أرحل معك يوم كذا وكذا فلك مائة درهم )) فيفسر ذلك أن المكارين الإبلهم في الأمصار يخرجون الإبل إلى المسارح الخصبة البعيدة ، ويبقون في الأمصار يعقدون الكري مع الناس ويتعدون على الرحيل يوم كذا ، فربما استجلبوا الإبل ذلك اليوم ، فيقول التجار : لم يتهيأ لنا الخروج اليوم فيشق على [ الحمالين ] (٢) علف إبلهم فيقول التجار: إن لم أرحل معك يوم كذا فلك كذا تعلف به إبلك . فهذا شرط لا يجوز في السنة عند أكثر العلماء ، وإنما قضى بذلك شريح ؛ لأنه من طريق العدة والتطوع، ومن تطوع بشيء استحب له إنجازه وإنفاذه ، إلا أن جمهور الفقهاء لا يقضون بوجوب العدة ، وإنما يستحبون الوفاء بها . وأما قول الذي ابتاع الطعام: (( إن لم آتك يوم الأربعاء فلا بيع بيني وبينك)) فذهب شريح إلى أنه إن لم يأت ( للأجل ) (٣) فلا بيع بينهما، فإن العلماء اختلفوا في جوازه ، فقال ابن الماجشون : البيع. والشرط [ جميعًا] (٤) جائزان وحمله محمل بيع الخيار إلى وقت مسمى، فإذا جاز الوقت فلا خيار له ويبطل البيع ، و[مصيبه !] (٥). قبل ذلك من البائع ، كان ذلك بيده أو بيد المبتاع على سنة بيع الخيار، وممن أجاز البيع والشرط في هذه المسألة : الثوري وأحمد وإسحاق. وقال / أبو حنيفة : إن كان الأجل ثلاثة أيام فالبيع جائز . وقال. محمد بن الحسن : يجوز الأجل أربعة ( أيام ) (٦) وعشرة أيام [٣/ ق٢١٦-١] (١) في ((الأصل)): كرأيك. والمثبت من (( هـ)). (٢) في ((الأصل)): الناس. والمثبت من (( هـ). (٣) في ((هـ)): الأجل. (٥) في (( هـ)): مصيبته. (٤) من (( هـ ). (٦) في (( هـ )) : أشهر - ١٣٨ - وقال مالك في المدونة : من باع سلعة وشرط إن لم ينقده المشتري إلى أجل فلا بيع بينهما ، فهذا بيع مكروه ، فإن وقع ثبت البيع وبطل الشرط ، ومصيبة السلعة من البائع حتى يقبضها المشتري . ووقع في بعض النسخ باب ما لا يجوز من الاشتراط والثنيا وهو خطأ، والصواب ما يجوز بإسقاط ((لا)) وكذلك في نسخة النسفي وفي رواية أبي ذر أيضًا . وحديث أبي هريرة الذي أدخله البخاري في هذا الباب يدل على صحة رواية النسفي وأبي ذر ، والله الموفق للصواب . باب : الشروط في الوقف فيه : ابن عمر: (( أن عمر بن الخطاب أصاب ( أرضًا ) (١) بخيير ، فأتى النبي يستأمره فيها قال : يا رسول الله إني أصبت أرضًا بخيبر لم أصب قط مالا أنفس عندي [ منه فما تأمر به؟ ] (٢) قال : إن شئت حبست أصلها و[تصدقت بها] (٣) . قال: فتصدق بها عمر ، أنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث ، وتصدق بها في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف ، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متمول )) قال فحدث ابن سيرين فقال: غير متأثل مالا . للواقف أن يشترط في وقفه ما شاء إذا أخرجه من يده إلى متولي النظر فيه ، فيجعله في صنف واحد أو أصناف مختلفة ، إن شاء في (١) مكررة بالأصل . (٢) في (( الأصل)): منها. والمثبت من ((هـ، ن)). (٣) في (( الأصل)): تصدق بثمرتها، والمثبت من (( هـ، ن)). - ١٣٩ - الأغنياء أو في الفقراء ، وإن شاء في الأقارب أو الأباعد ، وإن شاء في إناث بیته دون الذكور ، أو الذكور دون الإناث ، وإن کان یستحب له التسوية بين بنيه لقوله : فتصدق بها عمر في الفقراء وفي القربى وسائر من ذكر ، فدل ذلك إلى اختيار المحبس يضعه حيث شرط . قال المهلب : وإنما تصدق عمر بأنفس ماله ؛ لقوله تعالى: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ (١) فشاور النبي في ذلك فأشار عليه بتحبيس أصله ، والصدقة بثمرته . وهذا الحديث أصل في تحبيس رقاب الأرض . قال الطبري : وكل ما كان نظير الأرض التي حبسها عمر مما يحد بوصف ويوصف بصفة ، وله منافع تدرك بالعمارة والإصلاح ففي حكمها في جواز تحبيسه ، وذلك كالدابة تحبس في سبيل الله إذا كان [ممكناً] (٢) صفتها بصفة بيان لها من سائر أملاك المتصدق، ومنفعة تدرك منها لا يبطلها الانتفاع بها كالركوب ، والعبد يحبس كذلك وسائر الحيوان والمواشي والرقيق والسلاح يحبس في سبيل الله وأجزاء القرآن وما أشبه ذلك ، وبمثل ذلك عملت الأئمة الراشدون والسلف الصالحون ، وسأذكر من خالف ذلك وأرد قوله بأقوال العلماء في باب الوقف وكيف يكتب بعد هذا - إن شاء الله . (١) آل عمران : ٩٢ . (٢) في (( الأصل )) : ممكن . والمثبت من ( هـ ) - ١٤٠ - ۔۔