النص المفهرس

صفحات 81-100

رفيع ، عن ابن شهاب ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أمه أم
كلثوم بنت عقبة قالت: (( ما سمعت النبي يرخص في الكذب إلا في
ثلاث : كان النبي يقول : لا أعدهن كذبًا : الرجل يصلح بين الناس
يقول قولا يريد به الصلاح ، والرجل يحدث زوجته ، والمرأة تحدث
زوجها، والرجل يقول في الحرب)).
قال الطبري : اختلف العلماء في هذا الباب فقالت طائفة : الكذب
الذي رخص فيه رسول الله في هذه الثلاث هو جميع معاني الكذب .
واحتجوا بما رواه الأعمش ، عن عبد الملك بن ميسرة ، عن النزال بن
سبرة قال : كنا عند عثمان ، وعنده حذيفة فقال له عثمان : إنه بلغني
عنك أنك قلت كذا وكذا . فقال حذيفة : والله ما قلته . وقد سمعناه
قبل ذلك يقوله ، فلما خرج قلنا له : أليس قد سمعناك تقول ؟ قال :
بلى . قلنا : فلم حلفت ؟ قال : إني [ أشتري ] (١) ديني بعضه
ببعض مخافة أن يذهب كله . واحتجوا بحديث ابن شهاب أن عمر بن
الخطاب قال لقيس بن مكشوح : هل حدثت نفسك بقتلي ؟ قال : لو
هممت فعلت . فقال عمر له : لو قلت : نعم ضربت عنقك - فنفاه
من المدينة - فقال له عبد الرحمن بن عوف (٢) : لو قال : نعم
ضربت عنقه ؟ قال : لا ولكن أسترهبه بذلك .
وقالت طائفة : لا يصلح الكذب تعريضًا ولا تصريحًا في جد ولا
لعب . روى سفيان عن الأعمش قال : ذكرت لإبراهيم الحديث الذي
رخص فيه الكذب في الإصلاح بين الناس ، فقال إبراهيم : كانوا
لا يرخصون في الكذب في جد ولا هزل . [ وروى مجاهد عن أبي
معمر ، عن ابن مسعود قال : لا يصلح الكذب في جد ولا هزل ](٣)
(١) في ((الأصل)): أشتر. والمثبت من (( هـ).
(٢) ورد بالأصل : له . وهي زائدة .
(٣) من (( هـ )).
- ٨١ -

ولا أن يعد أحدكم ولده شيئًا ثم لا ينجزه ، اقرءوا إن شئتم: ﴿ يا أيها.
الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ﴾ (١) .
وقال آخرون : بل الذي رخص فيه هو المعاريض . وقد قال ابن
عباس : ما أحب بأن لي بمعاريض الكذب كذا وكذا . وهو قول
سفيان وجمهور العلماء .
وقال المهلب : ليس لأحد أن يعتقد إباحة الكذب ، وقد نهى
[٥/٣ ٢٠٤ -ب] النبي - عليه السلام - عن الكذب نهيًا مطلقًا، وأخبر أنه / مجانب.
للإيمان، فلا يجوز استباحة شيء منه ، وإنما أطلق عليه السلام للصلح
بين الناس أن يقول ما علم من الخير بين الفريقين ، ويسكت عما سمع
من الشر بينهم ويعد أن يسهل ما صعب ويقرب ما بعد ، لا أنه يخبر:
بالشيء على خلاف ما هو [ عليه ] (٢) لأن الله قد حرم ذلك
ورسوله، وكذلك الرجل يعد المرأة ويمنيها وليس هذا من الكذب ؛
لأن حقيقة الكذب الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه ،
والوعد لا يكون حقيقة حتى ينجز، والإنجاز [ مرجو] (٣) في
الاستقبال فلا يصح أن يكون كذبًا .
. وكذلك في الحرب أيضًا إنما يجوز فيها المعاريض والإيهام
[بألفاظ] (٤) تحتمل وجهين فيؤدي بها عن أحد المعنيين ليغتر [السامع](٥)
بأحدهما عن الآخر ، وليس حقيقة الإخبار عن الشيء بخلافه
وضده، ونحو ذلك ما روي عن النبي - عليه السلام -: (( أنه مازح
عجوزاً فقال : إن العجز لا يدخلن الجنة)) فأوهمها في ظاهر الأمر
أنهن لا يدخلن أصلا ، وإنما أراد بهن لا يدخلن الجنة إلا شبابًا،
فهذا وشبهه من المعاريض التي فيها مندوحة عن الكذب ، فإن لم
(١) التوبة : ١١٩ .
(٢) فى ((الأصل)): فيه. والمثبت من (( هـ)).
(٣) في ((هـ)): موجود. (٤) في ((الأصل)): بالألفاظ. والمثبت من (( هـ)).
(٥) في ((الأصل)): الناس. والمثبت من ( هـ)).
- ٨٢ -

يسمع المصلح شيئًا فله أن يعد بخير ولا يقول : سمعت وهو لم يسمع
ونحوه . قال الطبري : والصواب في ذلك قول من قال : الكذب
الذي أذن فيه النبي هو ما كان تعريضًا ينحو به نحو الصدق ، نحو ما
روي عن إبراهيم النخعي أن امرأته عاتبته في جارية وفي يده مروحة
فجعل إبراهيم النخعي يقول : اشهدوا أنها لها [ ويشير بالمروحة ] (١)
فلما قامت امرأته قال : على أي شيء أشهدتكم ؟ قالوا : أشهدتنا
على أنها لها . قال : ألم تروني أني أشير بالمروحة .
وأما صريح الكذب فهو غير جائز لأحد كما قال ابن مسعود لما
روي عن رسول الله من تحريمه والوعيد عليه ، وأما قول حذيفة فإنه
خارج عن معاني الكذب التي روي عن النبي - عليه السلام - أنه أذن
فيها ، وإنما ذلك من جنس إحياء الرجل نفسه عند الخوف ، كالذي
يضطر إلى الميتة ولحم الخنزير فيأكل ليحيي به نفسه ، وكذلك الحالف
له أن يخلص نفسه ببعض ما حرم الله عليه ، وله أن يحلف على ذلك
ولا حرج عليه ولا إثم ، وسيأتي في كتاب الأدب باب المعاريض
مندوحة عن الكذب .
باب : قول الإمام لأصحابه اذهبوا بنا نصلح
فيه : سهل : (( أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة ، فأخبر
رسول الله بذلك فقال : اذهبوا بنا نصلح بينهم )) .
يشبه أن يكون في هذه القصة نزلت: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين
اقتتلوا ... ﴾ (٢) الآية لا في قصة عبد الله بن أبيّ بن سلول كما قال
(١) من (( هـ)).
(٢) الحجرات : ٩ .
- ٨٣ -

أنس، روي [ عن] (١) الحسن أن قومًا من المسلمين كان بينهم تنازع
حتى اضطربوا بالجريد والنعال والأيدي ، فأنزل الله فيهم: ﴿ وإن
طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ... ﴾ (٢) قال قتادة : كان بينهما حق
[فتنازعا] (٣) فيه فقال أحدهما: لآخذنه عنوة. وقال الآخر: بيني
وبينك رسول الله . فتنازعا حتى كان بينهما ضرب بالأيدي والنعال ..
وقال قتادة في تأويل هذه الآية : كان الأوس والخزرج اقتتلوا بالعصي.
وفيه : خروج الإمام مع أصحابه للإصلاح بين الناس عند تفاقم
أمورهم وشدة تنازعهم ، وقد تقدم .
وفيه : ما كان عليه النبي من التواضع والخضوع والحرص على قطع
الخلاف وحسم دواعي [ الفرقة ] (٤) عن أمته كما وصفه الله - تعالى.
*
باب : قول الله تعالى :
/ ﴿ أن يصلحا بينهما صلحًا والصلح خير ﴾ (٥)
[٢/ ق٢٠٥-١]
فيه : عائشة: ((﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًاً أو إعراضًا ﴾ (٥)
قالت: هو الرجل يرى من امرأته ما لا يعجبه [ كبراً] (٦) أو غيره فيريد
فراقها فتقول : أمسكني واقسم لي ما شئت قالت : فلا بأس إذا تراضیا)).
قال المهلب : الصلح خير في كل شيء من التمادي على الخلاف
والشحناء والبغضاء التي هي قواعد الشر ، والصلح وإن كان فيه صبر.
مؤلم فعاقبته جميلة، وأمرٌ منه وشر عاقبة العداوة والبغضاء ، وقد قال.
(١) من (( هـ)).
(٢) الحجرات : ٩ .
(٣) في ((الأصل)): كلمة غير مقروءة. والمثبت من (( هـ)).
(٤) في ((الأصل)): الفرية. والمثبت من ((هـ).
(٦) في (( الأصل)): بطرًا. والمثبت من ((هـ)).
(٥) النساء : ١٢٨
- ٨٤ -

عليه السلام في البغضة إنها الحالقة يعني : حالقة الدين لا حالقة
الشعر، أراد النبي أن يطلق سودة لسن كان بها ، فأحست منه ذلك
فقالت له : قد وهبت يومي لعائشة فلا حاجة لي بالرجال ، وإنما أريد
أن أحشر في نسائك فلم يطلقها واصطلحا على ذلك . ودل [ هذا ](١)
أن ترك التسوية بين النساء وتفضيل بعضهن على بعض لا يجوز إلا بإذن
المفضولة ورضاها ، ويدخل في هذا المعنى جميع ما يقع عليه بين
الرجل والمرأة في مال أو وطء أو غير ذلك ، وكل ما تراضيا عليه من
الصلح فهو حلال للرجل من زوجته لهذه الآية .
باب : إذا اصطلحوا علی جور فهو مردود
فيه : أبو هريرة وزيد بن خالد الجهني: قالا: (( جاء أعرابي فقال : يا
رسول الله ، اقض بیننا بکتاب الله . فقام خصمه فقال : صدق اقض بيننا
بكتاب الله. [ فقال ] (٢) الأعرابي : إن ابني كان عسيفًا على هذا فزنى
بامرأته ، فقالوا لي : على ابنك الرجم . فقديت ابني منه بمائة من الغنم
ووليدة ، ثم سألت أهل العلم فقالوا : إنما على ابنك جلد مائة وتغريب
عام . فقال النبي : لأقضين بينكما بكتاب الله أما الوليدة والغنم فرد
علیك، وعلى ابنك جلد مائة وتغریب عام ، وأما أنت يا أنيس فاغد
[على](٣) امرأة هذا فارجمها، فغدا عليها أنيس فرجمها)).
وفيه : عائشة قالت : قال النبي - عليه السلام -: (( من أحدث في
أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد )) .
[ قال المؤلف ] (١) : أما قضاء النبي في هذه القصة بكتاب الله فهو
(١) من (( هـ)).
(٢) في (( الأصل)): فقام. والمثبت من (( هـ ، ن)).
(٣) في ((الأصل)): إلى. والمثبت من (( هـ، ن)).
- ٨٥ -

رد الغنم والجارية اللذين أخذا بالباطل ، وقد نهى الله عباده عن ذلك
فقال : ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ (١) ولم يجز هذا
الصلح؛ لاشتراء حدود الله ببعض عرض الدنيا ، وحدود الله لا تسقط
ولا تباع ولا تشترى ، وأجمع العلماء أنه لا يجوز الصلح المنعقد على
غير السنة وأنه منتقض ، ألا ترى أنه رد الغنم والوليدة وألزم ابنه من
الحد ما ألزمه الله ، فقال: (( من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد»
وبذلك كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري في رسالته إليه
يعلمه القضاء فقال : والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًاً
أو حرم حلالا .
وذهب مالك وابن القاسم إلى أن الصلح كالبيع ، لا يجوز فيه
المكروه ولا الغرر . وذكر ابن حبيب عن مطرف قال : كل ما وقع به
الصلح من الأشياء المكروهة التي ليست بحرام صراح فالصلح بها جائز.
قال ابن الماجشون : إن عثر عليه بحدثانه فسخ ، وإن طال أمر
مضى . وقال أصبغ : إن وقع الصلح بالحرام والمكروه مضى ولم يرد،
وإن عثر عليه بحدثان ذلك ؛ لأنه كالهبة ، ألا ترى أنه لو صالح من
دعواه تنتقض لم يكن فيه شفعة ؛ لأنه كالهبة ، وقد حدثنا سفيان بن
عيينة أن علي بن أبي طالب أتي بصلح فقرأه فقال : هذا حرام ،.
ولولا أنه صلح لفسخته . قال ابن حبيب : وقول مطرف وابن
الماجشون أحب إليّ، لموافقته قوله في الحديث: ((إلا صلحًا أحل
[٣/ق٢٠٥-ب] / حرامًا أو حرم حلالا)) .
(١) البقرة : ١٨٨.
- ٨٦ -

باب : کیف یکتب هذا ما صالح فلان بن فلان
[ فلان بن فلان ] (١) وإن لم ينسبه إلى قبيلة أو نسبه
فيه: البراء قال: (( لما صالح النبي - عليه السلام - أهل الحديبية كتب
علي بن أبي طالب بينهم كتابًا فكتب : محمد رسول الله ، فقال
المشركون: لا تكتب : محمد رسول الله ، لو كنت رسولا لم نقاتلك .
فقال لعلي : امحه . فقال علي : ما أنا بالذي أمحاه: فمحاه رسول الله
بيده، وصالحهم على أن يدخل هو وأصحابه ثلاثة أيام، فلا يدخلوها إلا
بجلبان السلاح . فسألوه : ما جلبان السلاح ؟ قال : القراب بما فيه )) .
وقال البراء: ((اعتمر النبي - عليه السلام - في ذي القعدة فأبى أهل
مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام -
إلى قوله - : بجلبان السلاح ، وألا يخرج من أهلها بأحد إن أراد أن
يتبعه ، وألا يمنع أحدًا من أصحابه إن أراد أن يقيم بها ، فلما دخلها
ومضى الأجل أتوا عليا فقالوا : قل لصاحبك ( يخرج عنا ) (٢) قد
مضى الأجل . فخرج النبي - عليه السلام - فتبعتهم ابنة حمزة : يا عم،
يا عم فتناولها عليّ فأخذ بيدها وقال لفاطمة : دونك ابنة عمك
حملتها. فاختصم فيها علي وزيد وجعفر . فقال علي : أنا أحق بها فهي
ابنة عمي. وقال جعفر : ابنة عمي وخالتها تحتي . وقال زيد : ابنة أخي .
فقضى بها النبي لخالتها وقال : الخالة بمنزلة الأم . وقال لعلي : أنت مني
وأنا منك . وقال لجعفر : أشبهت خلقي وخلقي . وقال لزيد : أنت
أخونا ومولانا » .
أصل هذا الباب أن يكتب في اسم الرجل من تعريفه ما لا يشكل
(١) من ( هـ)).
(٢) في (( هـ )): يخرج عنها. وفي (( ن)) : اخرج عنا .
- ٨٧ -

على أحد ، فإن كان اسمه واسم أبيه مشهورين شهرة ترفع الإشكال
لم يحتج في ذلك إلى زيادة ذكر نسبه ولا قبيلته ، ألا ترى أن النبي -
عليه السلام - اقتصر في كتاب المقاضاة مع المشركين [ على ] (١) أن
كتب محمد بن عبد الله ، ولم يزد عليه لما أمن الالتباس فيه ؛ لأنه لم
يكن هذا الاسم لأحد غير النبي - عليه السلام .
واستحب الفقهاء أن يكتب [ اسمه و] (٢) اسم أبيه وجده
و[نسبه](٣) ليرفع الإشكال فيه ، فقل ما يقع مع ذكر هذه الأربعة اشتباه
في اسمه ولا التباس في أمره .
قال المهلب : وفيه من الفقه رجوع النبي إلى اسمه واسم أبيه في
العقد ، ومحوه لحظة النبوة إنما كان لأن الكلام في الصلح وميثاق
العقد كان إخباراً عن أهل مكة، ألا تراهم قالوا: ((لو نعلم أنك
رسول الله ما صددناك ولا قاتلناك)) فخشوا أن ينعقد عليهم إقرارهم
برسالته ، فلذلك قالوا ما قالوا هربًا من الشهادة [ بذلك] (٢).
وأما محو ((الرحمن)) من الكتاب فليس بمحو من الصدور ، وربما
آل التشاح في ذلك إلى فساد ما كان أحكموه من الصلح .
وإباءة عليّ من مخو ((رسول الله)) أدب منه وإيمان وليس بعصيان
فيما أمره به ، والعصيان هاهنا أبر من الطاعة له وأجمل في التأدب
والإكرام .
قال الطبري : وفي كتابه - عليه السلام - باسمك اللهم ، ولم
يأب عليهم أن يكتبه إذ لم يكن في كتابة ذلك نقض شيء من شروط
الإسلام ، ولا تبديل شيء من شرائعه ، وإن كانت سنته الجارية بين
(١) في ((الأصل)): إلى، والمثبت من (( هـ )).
(٣) في ((الأصل)): بنيه. والمثبت من ((هـ) ..
(٢) من ( هـ)).
- ٨٨ -

أمته أن يستفتحوا كتبهم (( بسم الله الرحمن الرحيم)) . وكان فعله ذلك
والمسلمون [ يومئذ ] (١) في قلة من العدد وضعف من القوة ،
والمشركون في كثرة من العدد وشدة (٢) من الشوكة ، فتبين أن نظير
ذلك إذا حدثت للمسلمين حالة تشبه حالة المسلمين يوم الحديبية في
القلة والضعف ، وامتنع المشركون من الصلح إلا على حذف بعض
أسماء الله أو صفاته ، أو حذف بعض محامده أو بعض الدعاء لرسوله
أو حذف بعض صفاته ، ورأى (٣) [ القيم بأمر المسلمين أن النظر
للمسلمين إتمام الصلح أن له أن يفعل كفعل النبي { 8* في ذلك.
ولو امتنعوا من الصلح على أن يبتدئ الكتاب هذا ما قاضى عليه
فلان بن فلان ، ويحذف منه كل ما يبتدأ به من ذكر أسماء الله -
تعالى - وصفاته في ابتداء الكتاب ، أو يحذف منه ذكر الخلافة ؛ أنه
ليس في ترك ذلك ترك فرض من فرائض الله - عز وجل - لا يسع
المسلمون تضييعه ؛ لأنه عليه السلام لما أجابهم إلى ما أرادوا من كتاب
محمد بن عبد الله ؛ لم يكن ذلك مزيلا لصفة من النبوة ، ولا يكون
للخليفة إذا لم يوصف بالخلافة دخول منقصة عليه ، ولا زواله عن
منزلة من الإمامة ، كما لم يكن في رضا النبي وَ * أن يكتب محمد
ابن عبد الله منقصة عن النبوة التي جعلها الله - تعالى - فيه .
قال المهلب : وأما اشتراطهم عليه ألا يخرج بأحد من أهلها إن
تبعه، ثم خرجت بنت حمزة وفرت معه ، فإنما جاز ذلك لأن
المشارطة إنما وقعت على الرجال دون النساء ، وقد بينه البخاري في
كتاب الشروط بعد هذا، وفي بعض طرق هذا الحديث، فقال سهيل:
(١) من ( هـ).
(٢) ورد بالأصل : قوة . وهي مقحمة .
(٣) من هنا سقط من ((الأصل)): نحو ورقة، وسيلي التنبيه على آخره فيما بعد،
والمثبت من (( هـ )) .
- ٨٩ -

( وعلى أنه لا يأتيك منا رجل هو على دينك إلا رددته إلينا )) ولم يذكر
النساء ، فصح بهذا أن أخذه لابنة حمزة كان لهذه العلة ، ألا تراه رد
أبا جندل إلى أبيه ، وهو العاقد لهذه المقاضاة .
!
وقوله عليه السلام: (( الخالة بمنزلة الأم )) يعني في الحضانة وهو
أصل في الحكم للخالة بالحضانة . وقال الطبري : فيه دليل على أن أم
الصغير ومن كان من قرابتها من النساء أولى بالحضانة من عصبتها من
قبل الأب ، وإن كانت ذات زوج غير الوالد الذي هو منه ؛ وذلك أن
النبي - 8* قضى بابنة حمزة لخالتها في الحضانة ، وقد تنازع فيها ابنا
عمها علي وجعفر ومولاها أخو أبيها الذي كان رسول الله وَ لّ آخى
بينه وبينه ، وخالتها يومئذ لها زوج غير أبيها ، وذلك بعد مقتل حمزة،
فصح قول من قال : إنه لا حق لعصبة الصغير من قبل الأب في
حضانته ما لم يبلغ حد الاختيار مع قرابته من النساء من قبل الأم وإن
كن ذوات أزواج .
فإن قيل : فإذا كانت قرابة الأم أحق وإن كن ذوات أزواج ، فهلا
كانت الأم ذات الزوج كذلك كما كانت الخالة ذات الزوج أحق به ؟
قيل : فرق بين ذلك قيام الحجة بالنقل المستفيض [ رواته ] (1) عن
النبي ◌ّله أن الأم أحق بحضانة الطفل ما لم تنكح ، فإذا نكحت
فالأب أحق بحضانته ، وقد روي ذلك عن النبي وَ ﴿ من حديث عمرو
ابن شعيب ، عن أبيه ، عن جده . وكل واحدة من المسألتين أصل ،
إحداهما من جهة النقل المستفيض والأخرى من جهة نقل الآحاد
العدول، وغير جائز رد حكم إحداهما على الأخرى ، إذ القياس لا
يجوز استعماله إلا فيما لا نص فيه من الأحكام .
(١) في ((هـ)»: وراته: والمثبت هو الصواب.
: - ٩٠ -

وقوله: (( أنت مولانا)) فالولاء في هذا الموضع لا يصلح أن يكون
إلا الانتساب فقط لا الموارثة ؛ لأنه قد كان نزل في القرآن ترك التبني
وترك التوارث به وبالحلف ، ولم يبق من ذلك إلا الانتساب أن ينتسب
الرجل إلى حلفائه ومعاقديه خاصة ، وإلى من أسلم على يديه ،
فيكتب كما يكتب النسب والقبيلة غير أنه لا يرثه بذلك .
قال الخطابي : الجلبان : يشبه الجراب من الأدم ويضع الراكب فيه
سيفه بقرابه ، ويضع فيه سوطه، يعلقه الراكب من واسطة رحله أو من
آخره ، وإنما اشترطوا دخول مكة والسيوف في قربها ؛ ليكون ذلك
علمًا للصلح، ولو دخلوها متقلدين بها لم تؤمن الفتنة كقول الشاعر:
إن تسألوا الحق نعطي الحق سائله والدرع مخفية والسيف مقروب
والعرب لا تضع السلاح إلا في الأمن .
باب : الصلح مع المشركين
فيه : عن أبي سفيان. وقال عوف بن مالك عن النبي تَلي: « ثم تكون
هدنة بينكم وبين بني الأصفر )) وفيه عن سهل بن حنيف: (( رأيتنا يوم
أبي جندل)) وفيه عن أسماء والمسور، عن النبي ◌َّر.
قال البراء: ((صالح النبي والقر المشركين يوم الحديبية على ثلاثة أشياء:
على أن من أتاه من المشركين رد إليهم ، ومن أتاهم من المسلمين لم
يردوه، وعلى ألا يدخلها إلا من قابل ويقيم بها ثلاثة أيام ، ولا يدخلها
إلا بجلبان السلاح : السيف والقوس ونحوه . فجاء أبو جندل يحجل
في قیوده، فرده إليهم)).
- ٩١ -

وفيه : ابن عمر: (( أن النبي ◌َّف خرج معتمرًا ، فحال كفار قريش بينه
وبين البيت ، فنحر هديه ، وحلق رأسه بالحديبية ، وقاضاهم أن يعتمر
العام المقبل ، ولا يحمل سلاحًا عليهم إلا سيوفًا ، ولا يقيم بها إلا ما
أحبوا ، فاعتمر من العام المقبل ، فدخلها كما كان صالحهم ، فلما أقام
بها ثلاثًا أمروه أن يخرج ، فخرج )) .
وفيه: سهل بن أبي حثمة: (( انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن
مسعود بن زيد إلى خيبر وهي يومئذ صلح ... )) .
قال المؤلف : صلح المسلمين هذا للمشركين جائز إذا دعت الضرورة
إلى ذلك ، فلم يكن بالمسلمين طاقة على العدو ، فأما إذا قدروا عليهم
فلا يجوز مصالحتهم ؛ لقوله عز وجل : ﴿فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم
وأنتم الأعلون والله معكم ﴾ (١) .
قال المهلب: وإنما قاضاهم النبي ◌ُّر هذه القضية التي ظاهرها
الوهن على المسلمين ؛ لسبب حبس الله - عز وجل - ناقة رسول الله
وَالله عن مكة حين توجه إليها فبركت به ، فقال أصحابه: خلأت.
فقال النبي وَ: ((ما خلأت ولا هو لها بخلق ، ولكن حبسها
حابس الفيل )) وكانت إذا حولت عن مكة قامت ومشت ، وإذا حرفت
إلى مكة بركت ، وكذلك كانت حالة الفيل ، ففهمها رسول الله وَلاقه
من ربه ولم يتعرض لدخوله مكة ، وقبل مصالحة المشركين، وحبس
جيشه عن انتهاك حرمات الحرم وأهله ، ولما كان قد سبق في علمه
عز وجل من دخول أهل مكة في الإسلام فقال و 9: ((لا يسألوني
اليوم خطة يعظمون فيها حرمات الله أو الحرم إلا أعطيتهم إياها ))
فكان ما سألوه أن يعظم به أهل الحرم أن يرد إليهم من خرج
(١) محمد : ٣٥ .
- ٩٢ -

عنهم ومن حرمهم مسلمًا أو غيره ، وألا يردوا ولا يخرجوا من الحرم
من فر إليه من المسلمين ، وكان هذا من إجلال حرمة الحرم ، فلهذا
عاقدهم على ذلك مع يقين ما وعده الله - تعالى - أنه ستفتح عليه
مكة ويدخلها حتى قال له عمر : (( ألست أخبرتنا أنا داخلون مكة ؟
فقال : هل أخبرتك أنك داخلها العام ؟)) فدل هذا أن المدة التي
قاضى النبي ◌َ﴿ أهل مكة فيها إنما كانت من الله - عز وجل - مبالغة
في الإعذار إليهم مع ما سبق من علمه من دخولهم في الإسلام .
قال ابن المنذر : اختلف العلماء في المدة التي كانت بين رسول الله
وَله وبين أهل مكة عام الحديبية . فقال عروة بن الزبير : كانت أربع
سنين. وقال ابن جريج : كانت ثلاث سنين . وقال ابن إسحاق :
كانت عشر سنين . وقال الشافعي : لايجوز مهادنة المشركين أكثر من
عشر سنين على ما فعل النبي وَ 18 بالحديبية، فإن هودن المشركون أكثر
من ذلك فهي منتقضة ؛ لأن الأصل فرض قتال المشركين حتى يؤمنوا أو
يعطوا الجزية .
وقال ابن حبيب عن مالك : يجوز مهادنة المشركين السنة والسنتين
والثلاث وإلى غير مدة ، وإجازته ذلك إلى غير مدة يدل على أنه تجوز
مدة طويلة ، وأن ذلك لاجتهاد الإمام ، بخلاف قول الشافعي .
وقوله : (( يحجل في قيوده )) والحجل : مشي المقيد . من كتاب
العين .
*
باب : الصلح في الدية
فيه: أنس: (( أن الربيع - وهي ابنة النضر - كسرت ثنية جارية ،
فطلبوا الأرش، وطلبوا العفو، فأتوا النبي ◌َ﴿ فأمر بالقصاص ، فقال
- ٩٣ -

أنس بن النضر : أتكسر ثنية الربيع يا رسول الله ؟ لا والذي بعثك بالحق
لا تكسر ثنيتها . قال : يا أنس كتاب الله القصاص . فرضي القوم
:
[٣/ ٢٠٧٥-١] وعفوا] (١) / قال النبي: إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره ،
فرضي القوم وقبلوا الأرش )).
الصلح في الدية من قول الله : ﴿ فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع
بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾ (٢) قال المهلب: ((فطلبوا الأرش)).
يعني : فطلبوا أن يعطوا الأرش ، ويُعفى عن القصاص ، فأبى أهل.
الجارية وتحاكموا إلى النبي - عليه السلام - فالحكم بالقصاص السن
بالسن .
وإنما أقسم أنس بن النضر: ((والله لا تكسر ثنية الربيع )) ثقة منه.
بالله في أن يجعل له مخرجاً ؛ لأنه كان ممن يتقي الله ، فأجاب الله
دعاءه وأبر قسمه بأن يسر القوم لقبول الأرش والعفو عن القصاص،
فلذلك قال النبي : (( إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره )) ولم
يجعله في معنى المتألي على الله بغير ثقة .
باب : قول النبي عليه السلام للحسن بن علي
« ابني هذا سيد ، ولعل الله أن يصلح به بین فئتین عظیمتین )» وقوله
تعالى ﴿ فأصلحوا بينهما ﴾ (٣)
فيه: الحسن البصري قال: (( استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب
أمثال الجبال ، فقال عمرو بن العاص : إني لأرى كتائب لا تولي حتى
تقتل أقرانها . فقال معاوية - و کان والله خير الرجلين - : أي عمرو ، إن
قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور الناس ، من لي بنسائهم،
(١) إلى هنا ينتهي السقط من ((الأصل)).
(٣) الحجرات : ٩ .
(٢) البقرة : ١٧٨ .
- ٩٤ -

من أي بضيعتهم ؟ فبعث إليه برجلين من قريش من بني عبد شمس :
عبد الرحمن بن سمرة ، وعبد الله بن عامر بن كريز . فقال : اذهبا إلى هذا
الرجل فاعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه . فأتياه فدخلا عليه وتكلما
فقالا له وطلبا إليه . فقال لهم الحسن بن علي : إنا بنو عبد المطلب قد
أصبنا من هذا المال ، وإن هذه الأمة قد عائت في دمائها . قالا : فإنا
نعرض عليك كذا وكذا، ونطلب إليك ونسألك . قال : فمن لي بهذا ؟
قالا : نحن لك به . فما سألهما شيئًا إلا قالا : نحن لك به . فصالحه .
قال الحسن : ولقد سمعت أبا بكرة يقول : رأيت رسول الله على المنبر
والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى
ويقول : إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من
المسلمين)) قال البخاري: قال لي [علي بن عبد الله ] (١) : إنما ثبت لنا
سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث .
قال المهلب : قوله عليه السلام: ((إن ابني هذا [ سيد] (٢) )) يدل
أن السيادة إنما يستحقها من انتفع به الناس [ لأنه ] (٣) علق السيادة
بالإصلاح بين الناس ونفعهم ، هذا معنى السيادة .
وقوله: ((إن قتل هؤلاء هؤلاء )» يدل على نظر معاوية في العواقب
ورغبته في صرف الحرب .
وقوله : (( وكان والله خير الرجلين )) يريد معاوية خير من عمرو بن
العاص .
وقوله: ((اذهبا إلى هذا الرجل واطلبا إليه واعرضا عليه )) يدل
على أن معاوية كان الراغب في الصلح، وأنه عرض على الحسن المال
(١) في ((الأصل، هـ)): عبد الله. والمثبت من (( ن)).
(٢) من ( هـ)).
(٣) في (( الأصل)): أن. والمثبت من ( هـ)).
- ٩٥ -

وبذله له ورغبه فيه حقنا للدماء وحرصًا على رفع سيف الفتنة ، وعرفه
ما وعد به النبي - عليه السلام - من سيادته ، وأن الله يصلح به بين
فئتين من المسلمين ، فقال له الحسن : إنا بنو عبد المطلب المجبولون
على الكرم والتوسع لمن حوالينا من الأهل والموالي ، وقد أصبنا من
هذا المال بالخلافة ما صارت لنا به عادة إنفاق وإفضال على الأهل
والحاشية، فإن تخليت من هذا الأمر قطعنا العادة ((وإن هذه الأمة قد
عائت في دمائها )) يقول : قتل بعضها بعضًا فلا يكفون إلا بالمال ،
فأراد أن يسكن أمر الفتنة ويفرق المال فيما لا يرضيه غير المال ، فقالا :
(٢٠٧٥/٣-ب) نفرض لك من المال في كل عام كذا / ومن الأقوات والثياب ما تحتاج
إليه لكل ما ذكرت ، فصالجاه على ذلك .
وفيه من الفقه : أن الصلح على الانخلاع من الخلافة والعهد بها.
على أخذ مال جائز للمختلع والمال له طيب ، وكذلك هو جائز
للمصالح الدافع المال إذا كان كل واحد منهما له سبب في الخلافة
يستند إليه ، وعقد من الإمارة يعول عليه .
وقوله : (( بين فئتين من المسلمين )) يدل أن قتال المسلم للمسلمين
لا يخرجه من الإسلام إذا كان على تأويل ، ويفسر قوله عليه السلام :
((إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار)). يريد إن
أنفذ الله عليهما الوعيد . وذكر أهل الأخبار أنه لما قتل علي بن
أبي طالب بايع أهل الكوفة [ الحسن ] (١) بن علي ، وبايع أهل الشام
معاوية ، فسار معاوية بأهل الشام يريد الكوفة ، وسار الحسن بأهل
العراقين ، فالتقيا بمنزل من أرض الكوفة ، فنظر الحسن إلى كثرة من
معه من أهل العراق ، فنادى: يا معاوية، إني قد اخترت ما عند الله،
(١) في ((الأصل)): الحسين. والمثبت من ((هـ).
- ٩٦ -

فإن يكن هذا الأمر لك فما ينبغي لي أن أنازعك عليه ، وإن يكن لي
فقد ( جعلته ) (١) لك . فكبر أصحاب معاوية ، وقال المغيرة بن شعبة
عند ذلك : أشهد أني سمعت النبي - عليه السلام - يقول للحسن :
((إن ابني هذا سيد سيصلح الله به بين فئتين من المسلمين)). فجزاك
الله عن المسلمين خيراً .
وقال الحسن : اتق الله يا معاوية على أمة محمد ، لا تفنيهم
بالسيف على طلب الدنيا وغرور فانية زائلة ، فسلم الحسن الأمر إلى
معاوية وصالحه وبايعه على السمع والطاعة على إقامة كتاب الله وسنة
نبيه ، ثم دخلا الكوفة فأخذ معاوية البيعة لنفسه على أهل العراقين ،
فكانت تلك السنة سنة الجماعة لاجتماع الناس واتفاقهم وانقطاع
[الحرب] (٢) وبايع معاوية كلُ من كان معتزلا عنه، وبايعه سعد بن
أبي وقاص وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة ، وتباشر الناس
بذلك، وأجاز معاوية الحسن بن علي بثلاثمائة ألف وألف ثوب
وثلاثين عبدا ومائة جمل ، وانصرف الحسن بن علي إلى المدينة وولى
معاوية الكوفة المغيرة بن شعبة ، وولى البصرة عبد الله بن عامر ،
وانصرف إلى دمشق واتخذها دار مملكته .
باب : هل يشير الإمام بالصلح
فيه: عائشة: (( سمع النبي صوت خصوم بالباب عالية أصواتهم ،
وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه في شيء وهو يقول : والله لا
أفعل . خرج عليهما رسول الله فقال : أين المتآلي على الله [ لا ] (٣) يفعل
المعروف ؟ فقال : أنا يا رسول الله، فله أي ذلك أحب)).
(١) في ((هـ)): خلعته .
(٢) في ((الأصل)): الحديث. والمثبت من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): ألا. والمثبت من (( هـ، ن).
- ٩٧ -

وفيه : كعب : (( أنه كان له على عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي مال ،
فلقيه فلزمه حتى ارتفعت أصواتهما ، فمر بهما النبي - عليه السلام -
فقال : يا كعب . فأشار بيده كأنه يقول النصف ، فأخذ نصف ما عليه
وترك نصفًا )).
قال المهلب : في هذين الحديثين الحض على الرفق بالغريم
والإحسان إليه والوضع عنه . قال المهلب : وفي حديث عائشة النهي
عن التألي على الله ؛ لأن فيه معنى الاستبداد بنفسه ، والقدرة على
إرادته ، فكأنه لما ختم بألا يفعل شابه ما يدعيه القدرية من إثبات
القدرة لأنفسها ، فوبخه النبي بقوله ، ففهم ذلك ورجع عن تأليه
ويمينه، وقال: (( له أي ذلك أحب)) من الوضع عنه أو الرفق به متبرئًا
من الفعل إلى الله ، ورد الحول والقوة إليه ، ويمينه إن كانت بعد نزول
الكفارة ففيها الكفارة
وفي حديث كعب أصل قول الناس في حضهم على الصلح : خير
[٢٠٨٥/٣-] الصلح الشطر؛ لأنه عليه السلام أمره بوضع النصف / عن غريمه
فوضعه عنه .
باب : فضل الإصلاح بين الناس والعدل بينهم
فيه: أبو هريرة: [ قال النبي (وَلَّ](١): (( كل سلامى من الناس عليه
صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الناس صدقة )) .
قال المهلب: قوله: (( كل سلامى )) يعنى : كل مفصل وكل عظم
وإن صغر ، والسلاميات : عظام مفاصل الكف ، فعلى كل واحد
(١) من ((هـ).
: - ٩٨ -

منها صدقة لله من فعل الطاعة والخير كل يوم ، إذ كل موضع شعرة
فما فوقها من جسد الإنسان عليه فيه نعمة الله ، يلزمه شكره والاعتراف
بها حين خلقه صحيحًا يتصرف في منافعه وإرادته ، ولم يجعل في
ذلك الموضع داء يمنعه ألمه من استعماله والانتفاع به . وإنما سميت
طاعة الله من صلاة وغيرها صدقة ؛ لأنه كان لله أن يفترض على عباده
ما شاء من الأعمال دون أجر يأجرهم عليها ، ولا ثواب فيها ، ولكنه
برحمته تفضل علينا بالأجر والثواب على ما فرضه ، فلما كان لأفعالنا
أجر فكأننا نحن ابتدأنا بالعمل فاستحققنا الأجر ، فشابه به الصدقة
المبتدأة التي عليها الأجر لازم في فضل الله . وفيه أن العدل بين الناس
من الأعمال الزاكية عند الله المرجو قبولها .
باب : إذا أشار الإمام بالصلح فأبى حكم عليه بالحكم البين
فيه : الزبير : « أنه خاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدراً إلى رسول الله
في شراح من الحرة كانا يسقيان به كلاهما . فقال رسول الله [ للزبير :
اسق يا زبير ، ثم أرسل إلى جارك . فغضب الأنصاري وقال : يا
رسول الله ] (١) آن كان ابن عمتك . فتلون وجه رسول الله ثم قال : اسق ،
ثم احبس حتى يبلغ الجدر . فاستوعى رسول الله حينئذ حقه للزبير ،
وكان رسول الله قبل ذلك أشار على الزبير برأي سعة له والأنصاري ،
فلما أحفظ الأنصاري رسول الله استوعى للزبير حقه في صريح الحكم .
قال عروة : قال الزبير : والله ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك :
﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك ... ﴾ (٢) الآية)).
قال المهلب : الترجمة صحيحة ؛ لأن النبي أمر أن يسقي ويأخذ
(١) من (( هـ، ن)).
(٢) النساء : ٦٥ .
- ٩٩ -

بأيسر ما يكفيه من الماء ، ثم يرسله إلى جاره ، فأبى ذلك جاره ،
واتهم النبي وأساء الظن بالنبوة من الجور والميل ، فغضب النبي ، فأمر
الزبير أن يسقي ويمسك الماء حتى يبلغ إلى منتهى حاجته ، واستوعى
الزبير حقه ولم يحمله غضبه عليه السلام على أكثر من أنه استوعى له
حقه ، ونزل القرآن بتصديقه ، وهو قوله : ﴿ فلا وربك لا يؤمنون
حتى يحكموك .... ﴾ (١) الآية. يعني: لا يؤمنون إيمانًا كاملا؛ لأنه
لا يخرج من الإيمان بخطرة أخطرها الشيطان ونزغ بها .
وفيه من الفقه: أنه لا ينبغي ترك الاقتداء بالنبي - عليه السلام - في
غضبه ورضاه وجميع أحواله ، وأن يكظم المؤمن [ غيظه ] (٢) ويملك
نفسه عند غضبه، ولا يحملها على التعدي والجور، بل يعفو ويصفح
وقوله: ((أحفظ الأنصاري )) يعني : أغضبه .
باب : الصلح بين الغرماء وأصحاب
الميراث والمجازفة في ذلك
قال ابن عباس : لا بأس أن يتخارج الشريكان فيأخذ هذا عينًا وهذا
دينًا ؛ فإن توي لأحدهما لم يرجع على صاحبه .
فيه : جابر : توفي أبي وعليه دين فعرضت على غرمائه أن يأخذوا
التمر بما علیه فأبوا ولم يروا أن فيه وفاء ، فأتيت النبي فذكرت ذلك له،
فقال : إذا جددته فوضعته في المربد آذنت رسول الله . فجاء ومعه أبو بكر
وعمر ، فجلس عليه فدعا بالبركة ، ثم قال : ادع غرماءك فأوفهم .
(١) النساء : ٦٥ .
(٢) في ((الأصل)): غضبه. والمثبت من (( هـ)).
- ١٠٠ -