النص المفهرس

صفحات 21-40

باب : شهادة النساء وقوله : ﴿ فإن لم يكونا رجلين
فرجل وامر أتان ﴾ (١)
فيه : أبو سعيد: عن النبي - عليه السلام - قال: ((أليس شهادة المرأة
مثل نصف شهادة الرجل ؟ قلن : بلى . قال : فذلك من نقصان عقلها )).
أجمع العلماء على أن القول بظاهر قوله تعالى : ﴿ فإن لم يكونا
رجلين فرجل وامرأتان ﴾ (١) على أن شهادة النساء تجوز مع الرجال
في الديون والأموال ، وأجمع أكثر العلماء على أن شهادتهن لا تجوز
في الحدود والقصاص . هذا قول سعيد بن المسيب ، والشعبي ،
والنخعي ، والحسن البصري ، والزهري ، وربيعة ، ومالك ،
والليث، والكوفيين ، والشافعي ، وأحمد ، و[ أبي ] (٢) ثور.
واختلفوا في النكاح والطلاق والعتق والنسب والولاء ، فذهب
ربيعة ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ، وأبو ثور إلى أنه لا تجوز في
شيء من ذلك كله مع الرجال . وأجاز شهادتهن في ذلك كله مع
الرجال الكوفيون ، ولا دليل لهم يوجب قبول شهادتهن في شيء من
ذلك ، واتفقوا أنه تجوز شهادتهن منفردات في الحيض والولادة ،
والاستهلال وعيوب النساء ، وما لا يطلع عليه الرجال من عورتهن
للضرورة ، واختلفوا في الرضاع فمنهم من أجاز فيه شهادتهن
منفردات، ومنهم من أجازها مع الرجال على ما سيأتي ذكره في
النكاح(٣).
وقال أبو عبيد : اجتمعت العلماء على أنه لا حظ للنساء في الشهادة
في الحدود ، وكذلك أجمعوا على شهادتهن في الأموال أنه
(١) البقرة : ٢٨٢ .
(٢) في (( الأصل)): أبو. والمثبت من (( هـ)).
(٣) سبق كتاب النكاح ، فليتنبه .
- ٢١ -

لا حظ لهن فيها - قال المؤلف : يعني : منفردات - وذلك الآيتين
تأولوهما - فيما نرى والله أعلم - أما آية الحدود فقوله : ﴿ والذين
يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ﴾ (١) فعلم أن الشهادة في
اللغة لا تقع إلا على الذكور ، ثم أمضوا على هذا جميع الحدود من
الزنا والسرقة والفدية وشرب الخمر والقصاص في النفس وما دونها .
وأما آية الأموال فقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم ... ﴾.
إلى ﴿ترضون من الشهداء﴾ (٢) ثم أمضوا على هذا جميع الحقوق
والمواريث والوصايا والودائع والوكالات والدين ، فلما صاروا إلى
النكاح والطلاق والعتاق لم يجدوا فيها من ظاهر القرآن ما وجدوا في
تلك الآيتين .
واختلفوا في التأويل فشبهها قوم بالأموال فأجازوا فيها شهادة النساء.
وقالوا : ليست بحدود وإنما توجب مهورًا ونفقات النساء. وأبى ذلك
آخرون ورأوها كلها حدودًا؛ لأن بها يكون استحلال الفروج وتحريمها .
قال أبو عبيد : وهذا القول يختار ؛ لأن تأويل القرآن يصدقه ، ألا
تسمع قوله تعالى حين ذكر الطلاق والرجعة فقال : ﴿ وأشهدوا ذوي
عدل منكم ﴾ (٣) فخص بها الرجال ولم يجعل للنساء فيها حظا كما
جعله في الدين ، ثم أبْينُ من ذلك أنه سماها : حدود الله فقال :
﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها﴾ (٤) فكان هذا أكثر من التأويل .
والأمر عندنا عليه أنه لا تجوز شهادتهن في نكاح / ولا طلاق ولا
رجعة ، وكيف يقبل قولهن في هذه الحال على غيرهن ولا يملكنها من
أنفسهن ، ولم يجعل الله إليهن عقد نكاح ولا حله ؟ لأن الله خاطب
:
[٣/ ق١٩٣-١]
الرجال في ذلك دونهن في كتابه .
(١) النور : ٤ .
(٣) الطلاق : ٢ .
(٢) البقرة: ٢٨٢ .
(٤) البقرة : ٢٢٩ .
- ٢٢ -

قال أبو عبيد : والعتاق عندنا مثل ذلك كله لا تجوز فيه شهادتهن لما
يدخل فيه من تحليل الفروج وتحريمها .
قال المهلب : وفي حديث أبي سعيد دليل أن الناس يجب أن
يتفاضلوا في الشهادة بقدر عقولهم وفهمهم وضبطهم ، وأن يكون
الرجل الصالح الذي نعرف منه الغفلة والبلادة يتوقف عند شهادته في
الأمور الخفية ، وتقبل شهادة اليقظان الفهم العدل ، والتفاضل في
شهادتهما على قدر أفهامهما .
وفيه : أن الشاهد إذا نسي الشهادة ثم ذكره بها صاحبه حتى ذكرها
أنها جائزة ؛ لقوله : ﴿ أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾(١)
فدخل في معنى ذلك الرجال أيضًا .
باب : الشهداء العدول وقوله :
، وأشهدوا ذوي عدل منكم ﴾ (٢)
فيه: عمر : (( إن ناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد النبي، وإن الوحي
قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا
خيرًا أَمنَّاه وقربناه، وليس إلينا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته،
ومن أظهر لنا شرا لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال: إن سريرته حسنة )).
قال أبو الحسن بن القابسي : ينبغي لكل من سمع هذا الحديث أن
يحفظه ويتأدب به . والمرفوع من هذا الحديث إخبار عمر عما كان
الناس يؤخذون به على عهد رسول الله - عليه السلام - وبقية الخبر
بيان لما يستعمله الناس بعد انقطاع الوحي بوفاة النبي .
(١) البقرة : ٢٨٢ .
(٢) الطلاق : ٢ .
- ٢٣ -

وفي هذا الحديث من الفقه أن من ظهر منه الخير فهو العدل الذي
تجب قبول شهادته .
واختلفوا في ذلك فقال النخعي : العدل : الذي لم تظهر له ريبة.
وهو قول أحمد وإسحاق .
وقال أبو عبيد : من ضيع شيئًا مما أمره الله به أو ركب شيئًا مما نهى
الله عنه ، فليس بعدل ؛ لقوله تعالى : ﴿ إنا عرضنا الأمانة على
السموات والأرض ... ﴾ (١) الآية، والأمانة جميع الفرائض اللازمة
واللازم تركها .
وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي : من كانت طاعته أكثر من
معاصيه وكان الأغلب عليه الخير - زاد الشافعي : والمروءة - ولم يأت
كبيرة يجب بها الحد أو ما يشبه الحد قبلت شهادته ؛ لأنه لا يسلم أحد
من ذنب . ومن أقام على معصية أو كان كثير الكذب غير مستتر به لم
تجز شهادته .
وقال الطحاوي : لا يخلو ذكر المروءة أن يكون فيما يحل أو يحرم،
فإن كانت فيما يحل فلا معنى لذكرها ، وإن كانت فيما يحرم فهي من
المعاصي ، فالمراعاة هي في إتيان الطاعة واجتناب المعصية . قال
المهلب : في هذا الحديث دليل أن سلف الأمة كانوا على العدالة ؛
لشهادة الله لهم أنهم خير أمة أخرجت للناس .
وقال الحسن البصري وغيره وذكره ابن شهاب : إن القضاة فيما
مضى كانوا إذا شهد عندهم الشاهد قالوا : قد قبلناه لدينه ، وقالوا
للمشهود عليه : دونك فجرح ؛ لأن الجرحة كانت فيهم شاذة ، فعلى
هذا كان السلف ، ثم حدث في الناس غير ذلك ..
(١) الأحزاب : ٧٢ .
:
- ٢٤ -

واتفق مالك والكوفيون والشافعي أن الشهود اليوم على الجرحة حتى
تثبت العدالة . قال أبو حنيفة : إلا شهود النكاح فإنهم على العدالة .
وهذا قول لا سلف له فيه ولا دليل عليه ، ولو عكس عليه هذا القول
لم يكن أحد القولين أولى بالحكم من الآخر ، وحجة الفقهاء أن
الشهود على الجرحة قوله: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾(١) ﴿ ممن
ترضون من الشهداء ﴾ (٢) فخاطب الحكام ألا يقبلوا إلا من كان بهذه
الصفة ، ودل القرآن أن في الناس غير مرضي ولا عدل ، فلذلك كلف
الطالب إذا جعل القاضي أحوال الشهود أن يعدلوا / عنده .
[٣/ ق١٩٣-ب)
باب : تعديل كم يجوز
فيه: أنس: ((مر [ على ] (٣) النبي - عليه السلام - بجنازة فأثنوا
عليها خيراً ، فقال : وجبت ، ثم مر بأخرى فأثنوا عليها شرا ، فقال :
وجبت . فسئل ، فقال عليه السلام : شهادة القوم ، المؤمنون شهداء الله
في الأرض » .
وفيه : عمر: ((أنه مر عليه بجنازة فأثني خير . فقال: وجبت . ثم مر
عليه بأخرى فأثني بخير. فقال: وجبت ... )) الحديث (( فسئل . فقال :
قلت كما قال النبي - عليه السلام - : أيما [ مسلم ] (٤) شهد له أربعة
بخير أدخله الله الجنة . قلنا : وثلاثة ؟ قال : وثلاثة . قلت : واثنان ؟
قال: واثنان . فلم نسأله عن الواحد )) .
اختلف العلماء في عدد من يجوز تعديله ، فقال مالك ومحمد بن
الحسن والشافعي : لا يقبل في التعديل والجرح أقل من رجلين . وقال
(١) الطلاق : ٢ .
(٣) من (( هـ، ن)).
(٢) البقرة : ٢٨٢ .
(٤) في ((الأصل)): رجل. والمثبت من ( هـ، ن).
- ٢٥ -

أبو حنيفة وأبو يوسف : يقبل تعديل الواحد وجرحه . وحديث عمر
حجة لمالك ومن وافقه . واحتج الطحاوي لذلك فقال : لما لم ينفذ
الحكم إلا برجلين فكذلك الجرح والتعديل ، فلما كان من شرط المزكي
والجارح العدالة وجب أن يكون من ( شرطها ) (١) العدد.
واتفقوا أنه لو عدل رجلان وجرح واحد أن التعديل أولى ، فلو
كان الواحد مقبولا لما صح التعديل مع جرح الواحد .
واتفقوا إذا استوى الجرح والتعديل ، فإن الجرح أولى أن يعمل به
من التعديل وهو قول مالك في المدونة ، والحجة لذلك أن الجرح
باطن والعدالة علم ظاهر، والجارح يصدق المعدل ويقول : قد علمت
من حاله مثل ما علمت أنت وانفردت أنا بعلم ما لم تعلم أنت من
أمره بعلم انفردت به لا ينافي خبر [ المعدل ] (٢) وخبر [ المعدل ] (٢)
لا ينفي صدق الجارح ، فوجب أن يكون الجرح أولى من التعديل .
ولمالك قول آخر في العتبية [ من ] (٣) رواية أشهب وابن نافع أنه
ينظر إلى أعدل البينتين [ فيقضي بها ] (٤) وقال ابن نافع : الجرحة
أولى. والحجة لقول ابن نافع ما تقدم من تصديق الجارحين للمعدلين
وإخبارهم بما انفردوا به دونهم ، وكذلك لو كثر عدد المعدلين على
عدد الجارحین کان قول الجارحين أولى ، وهو قول الجمهور والأكثر ،
والحجة له ما تقدم ذكره .
(١) في ( هـ)): شرطهما.
(٢) في (( الأصل، هـ )): العدل . وما أثبتناه أولى بالصواب.
(٣) في ((الأصل)): أن. والمثبت من (( هـ)).
(٤) في ((الأصل)): فقضى فيها. والمثبت من (( هـ ).
-٢٦ -

باب: لا يشهد على شهادة جور إذا [أشهد ] (١)
فيه: النعمان قال: (( سألت أمي أبي بعض الموهبة لي [ من ] (٢) ماله،
ثم بدا له فوهبها لي فقالت : لا أرضى حتى تشهد النبي - عليه السلام -
فأخذ بيدي وأنا غلام، فأتى بي النبي - عليه السلام - فقال: إن أُمَّه
بنت رواحة سألتني بعض الموهبة لهذا فقال : ألك ولد سواه ؟ قال : نعم.
قال : فأراه قال : لا تشهدني علی جور)).
وقال مرة: « لا أشهد على جور)) .
فيه : عمران: قال النبي - عليه السلام -: (( خيركم قرني ، ثم الذين
يلونهم، ثم الذين يلونهم - قال عمران : ولا أدري أذكر النبي بعد قرنين
أو ثلاثة - فقال النبي - عليه السلام - : إن بعدکم قومًا يخونون ولا
يؤتمنون ، ويشهدون ولا يستشهدون ، وينذرون ولا يفون ، ويظهر فيهم
السمن )) .
فيه : عبد الله: قال النبي: (( خيركم قرني ، ثم الذين يلونهم - مرتين
- ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته )) قال إبراهيم:
وكانوا يضربوننا على الشهادة والعهد .
قال المهلب : في حديث النعمان دليل أن الرجل إذا فهم من عطيته
فرار من بعض الورثة أنه لا يعان عليها بشهادة ولا بإمضاء ويؤمر
بارتجاعها ، وإنما فهم عليه السلام الجور في ذلك لقولها: (( لا أرضى
حتى تشهد النبي - عليه السلام)) مع علمه بميله إليها (وتقمن ) (٣)
مسرتها . ففيه دليل أن الحاكم / يحكم بما فهم من المسائل كما فهم: [٣/ ١٩٤٥ -١)
(١) في (( الأصل)): شهد. والمثبت من (( هـ ، ن)).
(٢) من (( هـ، ن)).
(٣) في (( هـ )): تجشم، وتقمِّن: توخي. انظر لسان العرب ( مادة قمن ).
- ٢٧ -

النبي - عليه السلام - أنه يطلب رضاها وتفضيل ولدها على إخوته
فهذا هو الجور .
قال غيره: وفي قوله: ((لا أشهد على جور)) من الفقه ألا يضع
أحد اسمه في وثيقة لا تجوز .
ومن العلماء من رأى أن يضع اسمه في وثيقة الجور ؛ ليكون شاهدًا :
عليه بأنه فعل ما لا يجوز له فيرد فعله ، وإن تعمد ذلك كان في
الشهادة عليه جرحة تسقط شهادته ، والقول الأول الذي يوافق
الحديث أولى .
قال المهلب : وفي حديث عمران تعديل القرون [ الثلاثة] (١) على
منازل متفاضلة ، وفيه شمول التجريح لمن يأتي بعدهم ، وصفة لمن
لا تقبل شهادته ممن شهد على ما لم يشهد عليه ، ويخون فیما اؤتمن
ولا يفي بما حلف به أو نذره ، فهذه صفات الجرحة .
وقوله : (( ويظهر فيهم السمن)) يعني أنه ليس لهم في [ الدنيا ] (٢)
إلا كثرة الأكل ، واتباع اللذات ، ولا رغبة لهم في أسباب الآخرة ؛
لغلبة شهوات الدنيا عليهم .
قال الطحاوي : واحتج قوم بقوله - عليه السلام - : (( يشهدون
ولا يستشهدون )) فقالوا : لا تجوز شهادة من شهد بها قبل أن يسألها ،
وهو مذموم . وخالفهم في ذلك آخرون وقالوا : بل هو محمود
مأجور على ذلك . واحتجوا بأن النبي - عليه السلام - إنما ذكر هذا
في تغير الزمن فقال: (( يفشو الكذب حتى يشهد الرجل على الشهادة
ولا يسألها ، وحتى يحلف على اليمين ولا يستحلف)) فمعنى ذلك أن
(١) من (( هـ )).
.(٢) في (( الأصل)): الدين ، والمثبت من ( هـ)).
- ٢٨ -

يشهد كاذبًا؛ لقوله: ((ثم يفشو الكذب)) فيكون كذا وكذا، فلا
يجوز أن يكون ذلك [ الذي ] (١) يكون إذا فشا الكذب إلا كذبًا ،
وإلا فلا معنى لذكره فشو الكذب ، وأيضًا فإن هذه الشهادة المذمومة
لم يرد بها الشهادة على الحقوق ، وإنما أريد بها الشهادة في الأيمان ،
يدل على ذلك قول النخعي في آخر الحديث - وهو الذي رواه -
قال: وكانوا يضربوننا على الشهادة والعهد .
فدل هذا من قول إبراهيم أن الشهادة التي ذم النبي - عليه السلام -
صاحبها في قول الرجل [أشهد] (٢) بالله ما كان كذا على كذا على
معنى الحلف ، فكره ذلك كما كره الحلف ، لأنه مكروه للرجل الإكثار
منه وإن كان صادقًا ، فنهى عن الشهادة التي هي حلف بها ، كما نهى
عن اليمين إلا أن يستحلف فيكون حينئذ معزورًاً ، واليمين قد تسمى
شهادة ، قال الله -تعالى -: ﴿فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله﴾(٣)
أي : أربع أيمان ، وقد روي عن النبي - عليه السلام - في تفضيل
الشاهد المبتدئ بالشهادة ما رواه [ مالك ، عن عبد الله بن أبي بكر ،
عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، [ عن ] (٤) ابن أبي
عمرة ] (٥) الأنصاري ، عن زيد بن خالد الجهني أن النبي - عليه
السلام - قال: (( ألا أخبركم بخير الشهداء ، الذي يأتي بالشهادة قبل
أن يسألها )» وفسره مالك فقال : الرجل تكون عنده الشهادة في الحق
[من ] (٦) لا يعلمها فيخبر بشهادته ويرفعها إلى السلطان.
(١) في ((الأصل)): أن. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): شهد. والمثبت من ((هـ).
(٣) النور : ٦ .
(٤) سقطت من (( الأصل، (هـ)) والمثبت من صحيح مسلم.
(٥) في ((الأصل)): أبي بكر . عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عبد الله بن عمر
ابن عثمان، أبي عبيدة الأنصاري، والمثبت من (( هـ)). انظر: الموطأ (ص
٤٤٨)، وصحيح مسلم (١٣٢/٥).
(٦) من (( هـ)).
- ٢٩ -

قال الطحاوي : فهذا رسول الله قد مدحه وجعله خير الشهداء ،
فأولى بنا أن نحمل الأخبار على هذا التأويل حتى لا تتضاد ولا تختلف،
فتكون أحاديث هذا الباب على هذا المعنى الذي ذكرناه ، ويكون
حديث زيد بن خالد على تفضيل المبتدئ بالشهادة لمن هي له [أو](١).
المخبر بها الإمام .
وقد فعل ذلك أصحاب النبي وشهدوا ابتداء، شهد أبو بكرة ومن
كان معه على المغيرة بن شعبة ، ورأوا ذلك لأنفسهم لازمًا ، ولم
يعنفهم عمر على ابتدائهم بها ؛ بل سمع شهادتهم، ولو كانوا في.
ذلك مذمومين لذمهم ، وقال : من سألكم عن هذا ألا قعدتم حتى
تسألوا ، ولما لم ينكر عليهم عمر ولا أحد ممن كان بحضرته دل أن
فرضهم ذلك وابتداؤهم لا عن مسألة محمود ، وهو قول مالك
والكوفيين .
قال الطحاوي : قوله: ((ويشهدون ولا يستشهدون )) حجة لابن
شبرمة في قوله أنه من سمع رجلا يقول لفلان ، عندي كذا وكذا ،
ولم يشهده الذي عليه بذلك على نفسه فلا يقبل ؛ لأنه لعله أن يكون
ذلك وديعة عنده فليس بشيء ، فأما أن يناقله الكلام فيقول : يا فلان،
[٤٥/٣ ١٩-ب) ألا تعطني / كذا الذي لي عندك . فقال : بل أنا معطيك فأنظرني ،
فيجوز أن يشهد عليه . قال : والحجة عليه [ قوله ] (٢) في حديث
ابن مسعود : «ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم بمينه ویمینه شهادته».
قال إبراهيم : وكانوا ينهوننا ونحن غلمان أن نحلف بالشهادة
والعهد . فدل أن الشهادة المذمومة هي المحلوف بها التي يجعلها.
الإنسان عادته كما قال تعالى: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم﴾ (٣).
۔
(١) في ((الأصل)): و. والمثبت من (( هـ).
-
(٢) من ( هـ)).
(٣) البقرة: ٢٢٤ .
- ٣٠ -

ولا خلاف بين العلماء أن من رأى رجلا يقتل رجلا أو يغصبه مالا أنه
يجوز أن يشهد به ، وإن لم يشهده الجاني على نفسه بذلك .
فإن قيل : قوله عليه السلام: ((تسبق شهادة أحدهم يمينه ، ويمينه
شهادته )) يدل أن الشهادة والحلف عليها يبطلها .
قيل : لا خلاف بين العلماء أنه تجوز الشهادة والحلف عليها ، وهو
في كتاب الله في ثلاثة مواضع : ﴿ ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي
إنه لحق﴾ (١) وقال: ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى
وربي ... ﴾ (٢) الآية ﴿وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي
لتأتينكم﴾ (٣) إلا ما ذكره ابن شعبان في (( كتاب الزاهي)) قال: من
قال: أشهد بالله : لفلان على فلان كذا . لم تقبل شهادته ؛ لأنه
حالف وليس بشاهد. والمعروف غير هذا عن مالك، فانظره في كتبه.
باب : ما قيل في شهادة الزور لقول الله تعالى :
والذين لا يشهدون الزور ﴾ (٤) [ وكتمان الشهادة لقوله: ﴿ومن
يكتمها فإنه آثم قلبه ﴾ (٥) ] (٦)
فيه: أنس: (( سئل النبي عن الكبائر فقال : الإشراك بالله ، وعقوق
الوالدين ، وقتل النفس ، وشهادة الزور )) .
وفيه : أبو بكرة عن أبيه : قال النبي - عليه السلام -: (( أكبر الكبائر
الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين - وجلس وكان متكئًا فقال - : ألا
وقول الزور . فكررها حتى قلنا: ليته سكت )).
في حديث أبي بكرة أن شهادة الزور أكبر الكبائر . وقد روي عن
(١) يونس : ٥٣ .
(٣) سبأ: ٣.
(٢) التغابن : ٧ .
(٤) الفرقان : ٧٢ .
(٦) من ( هـ، ن)).
(٥) البقرة : ٢٨٣ .
- ٣١ -

ابن مسعود أنه قال: عدلت شهادة الزور بالشرك بالله . ثم قرأ :
﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء الله﴾ (١) .
واختلف العلماء في عقوبة شاهد الزور ، فذكر عبد الرزاق ، عن
مكحول ، عن الوليد بن أبي مالك أن عمر بن الخطاب كتب إلى
عماله بالشام في شاهد الزور أن يجلد أربعين ، ويسخم وجهه ،
ويحلق رأسه ، ويطال حبسه .
ورواية أخرى عن عمر أنه أمر أن يسخم وجهه وتلقى عمامته في
عنقه، ويطاف به في القبائل ويقال : شاهد زور ، ولا تقبل شهادته
أبدًا . وروى ابن وهب ، عن مالك : أنه يجلد ويطاف به ويشنع به .
وقال ابن القاسم : بلغني عن مالك أنه قال : لا تقبل شهادته أبدًا وإن
تاب وحسنت توبته اتباعًا لعمر بن الخطاب . قال ابن أبي ليلى :
يعزره . وهو قول أبي يوسف ومحمد ، وقال الشافعي : يعزره ويشهر
به [وبه](١) قال أحمد وإسحاق وأبو ثور ، وقال شريح : يشهر ولا
يعزر . وهو قول أبي حنيفة .
قال الطحاوي : شهادة الزور فسق ، ومن فسق رجلا عزر بوجود
الفسق [ فيه ] (١) أولى أن يستحق به التعزير ، ولا يختلفون أن من
فسق بغير شهادة الزور ؛ أن توبته مقبولة وشهادته بعدها ، كذلك
شاهد الزور .
باب : شهادة الأعمى وأمره ونكاحه وإنكاحه ومبايعته
وقبوله في التأذين وغيره وما [ يعرف بالأصوات ] (٢)
وأجاز شهادته القاسم بن محمد ، والحسن ، وابن سيرين ، والزهري،
وعطاء .
(١) من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): تعرف به الأصوات. والمثبت من (( هـ، ن)).
- ٣٢ -

وقال الشعبي : تجوز شهادته إذا كان عاقلا . وقال الحكم : رب شيء
تجوز فيه .
وقال الزهري : أرأيت ابن عباس لو شهد على شهادة أكنت تردها ؟
وكان ابن عباس يبعث [ رجلا ] (١) إذا غابت الشمس أفطر / ويسأل [٥/٣ ١٩٥-١]
عن الفجر فإذا قيل : طلع الفجر ، صلى ركعتين .
وقال سليمان بن يسار : استأذنت على عائشة فعرفت صوتي ، قالت :
سليمان ، ادخل فإنك مملوك ما بقي عليك شيء .
وأجاز سمرة بن جندب شهادة امرأة منتقبة .
فيه: عائشة: (( سمع النبي - عليه السلام - رجلا يقرأ في المسجد
فقال : رحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا آية أسقطتهن من سورة كذا وكذا.
وقالت عائشة : تهجد النبي في بيتي فسمع صوت عباد يصلي في
المسجد فقال : يا عائشة ، أصوت عباد هذا ؟ قلت : نعم . قال : اللهم
ارحم عبادًا » .
وفيه : ابن عمر : قال النبي - عليه السلام - : (( إن بلالا يؤذن بلیل ،
فكلوا واشربوا حتی یؤذن ابن أم مكتوم . و کان أعمی لا يؤذن حتى
يقول له الناس : أصبحت )) .
وفيه : المسور: (( قدمت على النبي أقبية ، فقال أبي : انطلق بنا إليه
عسى أن [ يعطينا] (٢) منها شيئًا. فقام أبي على الباب فتكلم فعرف
النبي - عليه السلام - صوته، فخرج النبي ومعه قباء وهو يربه محاسنه
ويقول: خبأت هذا لك ، خبأت هذا لك )).
(١) في ((الأصل)): رجالا. والمثبت من ( هـ، ن).
(٢) في ((الأصل)): يعطيني. والمثبت من ((هـ، ن).
- ٣٣ -

اختلف العلماء في شهادة الأعمى فأجازها سوى من ذكره البخاري
مالك والليث فيما طريقه الصوت ، وسواء علم ذلك قبل العمى أو
بعده ، قال مالك : وإن شهد على زنا حد للقذف ولم تقبل شهادته .
وقال النخعي وابن أبي ليلى : إذا علمه قبل العمى جازت ، وما علمه
في حال العمى لم تجز . وهو قول أبي يوسف والشافعي ، وقال
[أبو حنيفة] (١) ومحمد: لا تجوز شهادة الأعمى بحال .
وحجة الذين أجازوا شهادته أن النبي - عليه السلام - سمع عبادًا
فعرف شخصه بكلامه ودعا له ، وسمع صوت مخرمة من بيته فعرفه ،
وكذلك عرفت عائشة صوت سليمان بن يسار .
وقد احتج مالك بقصة ابن أم مكتوم فقال : وكان أعمى إمامًا مؤذنًا
على عهد النبي ، وقَبِلَ النبي - عليه السلام - وأصحابه والمسلمون
المؤذنين في الأوقات والسماع منهم ، وقال : إنما حفظ الناس عن
أزواج النبي ما حفظوه [ وهن ] (٢) من وراء حجاب .
قال المهلب : والذي سمع صوت ابن أم مكتوم من بيته فعلم أنه
الذي أمر النبي - عليه السلام - بالكف عن الطعام بصوته ، فهو
كالأعمى أيضًا [ يسمع ] (٣) صوت رجل [ فعرفه ] فتجوز شهادته
عليه بما سمع منه وإن لم يره .
قال ابن القصار : والصوت [ في الشرع ] (٢) قد أقيم مقام
الشهادة، ألا ترى أن الأعمى يطأ زوجته بعد أن يعرف صوتها ،
والإقدام على الفرج واستباحته أعظم من الشهادة في الحقوق ، واحتج
(١) في ((الأصل)): أبو يوسف. والمثبت من ( هـ ).
(٣) في ((الأصل)): فسمع. والمثبت من ((هـ).
(٢) من ( هـ ).
- ٣٤ -

من لم يجز شهادته فقال : إن العقود والإقرارات لا تجوز [الشهادة](١)
عليها بالاستفاضة ، فكذلك لا تجوز شهادة الأعمى ؛ لأنه لا يتيقن أن
هذا صوت فلان لجواز شبهه بصوت غيره ، كالخط لا يجوز أن يشهد
عليه حتى يذكر أنه شاهد فيه ، وإنما كان ذلك لأن الخط يشبه الخط .
قالوا : وهذه دلالة لا انفصال عنها .
قال ابن القصار : فالجواب أن العقود والإقرارات مفتقرة إلى السماع
ولا تفتقر إلى المعاينة بخلاف الأفعال التي تفتقر إلى المعاينة ، والدليل
على ذلك قوله تعالى : ﴿واختلاف ألسنتكم وألوانكم ﴾ (٢) فجعل من
الدلائل على محكم صنعته ووحدانيته اختلاف الألسنة والألوان ، ثم
وجدنا الخلق قد يتشابه كما تتشابه الأصوات ، فلما تقرر أنه إذا شهد
على عين جاز ، وإن جاز أن تشبه عينًا أخرى ، كذلك يشهد على
الصوت وإن جاز أن يشبه صوتًا آخر .
وقد رجع مالك عن الشهادة على الخط ؛ لأن الخطوط كثيرة
[الشبه](٣) وليست الأصوات والخلق كذلك، ألا ترى أنه تعالى ذكر
اختلاف الألسنة والألوان ولم يذكر الخطوط .
[ قال ابن القابسي : قد روى الاثنان الحكم بشهادة الخط منهم ابن
القاسم وابن وهب واستمر عليه العمل .
/ باب : شهادة الإماء والعبيد
[٣/ق١٩٥-ب)
وقال أنس : شهادة العبد جائزة إذا كان عدلا ، وأجازه شريح وزرارة
ابن أوفی .
(٣) من ( هـ ).
(١) في (( هـ)): الشهادات.
(٢) الروم : ٢٢ .
- ٣٥ -

وقال [ ابن سيرين ] (١) : شهادته جائزة إلا العبد لسيده. وأجازه
الحسن وإبراهيم في الشيء التافه. وقال شريح: كلكم بنو عبيد وإماء .
فيه : عقبة بن الحارث: (( أنه تزوج ابنة أبي إهاب فجاءته امرأة سوداء
فقالت : قد أرضعتكما . فذكرت ذلك للنبي - عليه السلام - فأعرض
عني ، قال : فتنحیت فذكرت ذلك له قال : کیف وقد زعمت أن قد
أرضعتكما . فنهاه عنها )).
:
اختلف الناس في شهادة العبيد على ثلاثة مذاهب : فروي عن علي
ابن أبي طالب كقول أنس وشريح أنها تقبل في كل شيء كالأحرار ،
وهو قول أحمد وإسحاق وأبي ثور . وأجازها الشعبي في الشيء
التافه كقول الحسن والنخعي . والمذهب الثالث أنها لا تجوز في شيء
أصلا ، روي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس وهو قول عطاء
ومكحول، وإليه ذهب مالك والثوري وأبو حنيفة والأوزاعي والشافعي.
وأما الذين أجازوها في كل شيء فإنهم قالوا : إذا كان رضىّ فإنه
داخل في جملة قوله تعالى : ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ (٢)،
وأيضًا فإن إشارة النبي إلى عقبة بالتنزه عن زوجته من أجل شهادة الأمة
دليل على سماع شهادة المملوك والحكم بشبهتها ، واحتج الذين لم
يجيزوها في شيء . فقالوا: ليس قوله عليه السلام: (( كيف وقد
زعمت)) مما حكم به [عليه السلام ] (٣) من طريق الوجوب، وإنما
هو عرض وندب ، فلا تلزم الحجة به . قال تعالى : ﴿ولا يأب
الشهداء إذا ما دعوا﴾ (٢) والإباءة إنما تكون من الحر ، والعبد ممنوع
من الإجابة لحق المولى فلم يدخل تحت النهي كما لم يدخل في قوله:
(١) من ((هـ، ن)) وفي (( الأصل)): ابن المنذر.
(٢) البقرة : ٢٨٢ .
(٣) من (( هـ ).
- ٣٦ -

فاسعوا إلى ذكر الله﴾ (١) وقوله: ﴿انفروا خفافاً وثقالا﴾ (٢) وقوله:
﴿ولله على الناس حج البيت﴾ (٣) [ وذلك كله ] (٤) لحق المولى.
وقال ابن القصار : فإن قيل : أداء الشهادة عليه فرض كالصلاة
والصيام ليس لسيده منعه من ذلك .
قيل : هذا غلط ؛ لأن فرض الصلاة والصيام إيجاب من الله
ابتداء، وتحمل الشهادة هو من قبل العبد ، فلا فرض عليه في أدائها
حتى يأذن له السيد أو يُعتق كما ينذر على نفسه نذرًاً .
فإن قيل : كل من جاز قبول خبره جاز قبول شهادته كالحر .
قيل : الفرق بين ذلك أن الخبر قد سومح فيه ما لم يسامح في
الشهادة ؛ لأن الخبر يقبل من الأمة منفردة والعبد منفردًا ، ولا تقبل
شهادة الأمة منفردة ولا العبد منفردًا ، والعبد ناقص عن رتبة الحر في
الأحكام فكذلك في الشهادة .
باب : تعديل النساء بعضهن بعضًا
فيه : عائشة: (( حين قال لها أهل الإفك ما قالوا ، فسأل النبي - عليه
السلام - بريرة : هل رأيت منها شيئًا يريبك ؟ فقالت : لا والذي بعثك
بالحق ، ما رأيت منها أمرًا أغمصه أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام
عن العجين ، فتأتي الداجن فتأكله ... )) وذكر الحديث إلى قولها :
((وكان رسول الله يسأل زينب بنت جحش عن أمري فقالت : يا رسول
الله ، أحمي سمعي وبصري ، والله ما علمت عليها إلا خيراً ، وهي التي
كانت تساميني فعصمها الله بالورع )) .
(١) الجمعة : ٩ .
(٣) آل عمران : ٩٧ .
(٢) التوبة : ٤١ .
(٤) من ( هـ)).
- ٣٧ -

· اختلف العلماء في تعديل النساء فذكر الطحاوي في كتاب الخلاف
قال : تعديل المرأة مقبول عند أبي حنيفة وأبي يوسفّ ، وقال محمد :
لا يقبل في التعديل إلا رجلان أو رجل وامرأتان .
وقال مالك : لا يجوز تعديل النساء بوجه لا في مال ولا غيره .
وقال الشافعي : لا تعدل النساء ولا يجرحن ولا يشهد على شهادتهن
إلا الرجال .
وقال الطحاوي : الدليل على أنه يقبل تعديل النساء أنه يقبل في
التزكية ما لا يقبل في الشهادة ؛ لأنه يقول في الشهادة : أشهد، ولا
يحتاج في التزكية إلى لفظ الشهادة ، وفي سؤال النبي - عليه السلام-
بريرة وزينب بنت جحش عن عائشة حجة لأبي حنيفة في جواز
[٥/٣ ١٩٦-) تعديل النساء / ألا ترى قول عائشة عن زينب: ((وهي التي كانت
تساميني فعصمها الله بالورع)) . وهذا تزكية من عائشة أيضًا لزينب
وشهادة لها بالفضل ، ومن كانت بهذه الصفة جازت تزكيتها .
قال المؤلف : ومن لم يجز تزكية النساء فإنما ذهب إلى ذلك - والله
أعلم - لنقصان النساء عن معرفة وجوه التزكية ؛ لأن من شرط مالك
والشافعي في التزكية أن يقول : أراه عدلا رضىّ أو عدلا عليّ ولي ،
ولأن هذا لا يعلم إلا بالاختبار لأحوال الرجال وطول المباشرة في:
المعاملة وغيرها ، والنساء لا يمكنهن تعرف أحوال الرجال من هذه
الوجوه ، وقد خص الله أزواج نبيه من الفضل ما لا يوجد في غيرهن
من يأتي بعدهن من النساء ، فاحتيط في التعديل وأخذ فيه بشهادة
الرجال .
فإن قيل : فإذا كان كما ذكرت فجوّر تعديل النساء على ما ترجم
[به](١) البخاري لإمكان تعريف النساء أحوال النساء .
:
(١) في ((الأصل)): فيه. والمثبت من ((هـ)).
- ٣٨ -

قيل : لو قال قائل : إنه يجوز أن يزكي بعضهن بعضًا بقول حسن
وثناء جميل ، ولا يكون [ تعديلا ] (١) في شهادة توجب أخذ مال ،
وإنما هو إبراء من شر قيل ؛ لكان حسنًا ، وشهادة النساء إنما أجازها
الله - تعالى - في الديون والأموال مع الرجال ، وأجازها المسلمون
في عيوب النساء وعوراتهن وحيث لا يمكن الرجال مشاهدته ، وأما
في غيره فلا يجوز فيه غير الرجال ، ألا ترى أنه لا تجوز شهادتهن
منفردات على شهادة امرأة ، ولا رجل عند جمهور العلماء ، ولا تجوز
مع الرجال في ذلك عند الشافعي ، وابن الماجشون ، وابن وهب ،
واختاره سحنون ، وإنما تجوز مع الرجال عند مالك والكوفيين . فكيف
يجوز تعديلهن منفردات عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، وهما يجيزان
شهادتهن على الشهادة منفردات ؟! هذا تناقض .
قال المهلب : وفي حديث الإفك من الفقه سوى ما مر منه في غير
هذا الموضع خروج النساء إلى حاجة الإنسان بغير إذن أزواجهن .
وفيه : خدمة الرجال لما يركبنه النساء من الدواب ، واحتمالهن في
الهوادج .
وفيه : ترك مكالمة النساء ومخاطبتهن في ذلك .
وفيه : كتم ما يقال في الإنسان من القبيح عنه ، كما كتم قول
الناس في عائشة عنها حتى أعلمتها أم مسطح به .
وفيه : تشكي السلطان والإمام بمن يؤذيه في أهله ، وفي غير ذلك
إلى المسلمين والاستعذار منه .
وفيه : مشاورة الرجل بطانته في فراق أهله لقول قيل .
(١) في ((الأصل)): تعديل. والمثبت من ((هـ)).
- ٣٩ -

وفيه : الكشف والبحث عن الأخبار الواردة إن كان لها نظائر أم لا؛
السؤال النبي بريرة وأسامة وزينب وغيرهم من بطانته عن عائشة ، وعن
سائر أفعالها وما يغمص عليها ، والحكم بما يظهر من الأفعال على ما
قيل .
وفيه : أن المرأة لا تخرج إلى دار أبويها إلا بإذن زوجها .
وفيه : فضيلة من شهد بدرًا من المسلمين وأن الدعاء عليهم وجفاء
الكلمة منهم مما يجب أن ينكر كما أنكرته عائشة على أم مسطح في
ابنها مع ما للأبوين من المقال مما ليس لغيرهما .
وفيه : توقيف المقول فيه على ما يقال وأمره بالتوبة إن كان
[أذنب](١) .
وفيه : أن [ الاعتراف ] (٢) بما فشا من الباطل لا يحل ولا يجمل.
وفيه : أن عاقبة الصبر الجميل فيه الغبطة والعزة في الدارين .
وفيه : أن النبي - عليه السلام - ليس كان يأتيه الوحي [متي](٣)
أراد [ لبقائه ] (٤) شهرًا لا يوحى إليه .
وفيه : ترك حد من له منعة والتعرض لما يخشى من تفرق الكلمة
وظهور الفتنة ، كما ترك النبي التعرض لحد عبد الله بن أبي ابن سلول.
وفيه : غضب المسلمين لعرض إمامهم وسلطانهم .
وفيه : أن ( المعصية ) (٥) تنقل عن اسم الصلاح كما نقلت سعد
(١) في (( الأصل)): لم يذنب. والمثبت أليق بالسياق.
(٢) في ((الأصل)): كلمة غير واضحة، ولعلها مضروب عليها والمثبت من (هـ)).
(٣) في (( الأصل)»: كلمة نحو (( كما)) والمثبت من ( هـ)).
(٤) في ((الأصل)): لقائه. والمثبت من (( هـ)).
(٥) في (( هـ )): العصبية .
- ٤٠ -