النص المفهرس

صفحات 101-120

لسأله [ عنه] (١) كما سأله عن (التشريك) (٢) [ في ] (٣) العطية،
فثبت أن المعتبر عطية الكل على التسوية . فإن قيل : لم يكن لبشير
بنت ، فلذلك لم يسأله . قيل : قد كان للنعمان أخت لها خبر نقله
أصحاب الحديث .
قال المهلب : وفي قوله عليه السلام : ((اردده )) من الفقه أن للأب
أن يقبض ما وهب لولده ويرجع فيه . وقد اختلف العلماء في ذلك ،
فقال مالك : له أن يرجع في هبته وإن قبضها الولد ما لم تتغير في يد
ولده ، أو ( سيحدث ) (٤) دينًا ، أو تتزوج البنت بعد الهبة. وقال
الشافعي : له أن يرجع في هبته على كل حال ولم يعتبر طروء دين ،
أو تزويجًا .
وقال / أبو حنيفة : لا يرجع فيما وهب لولده . وحديث النعمان [٣/ ق٤ ١٠-]
حجة على أبي حنيفة ؛ لأن الرسول أمره بالرجوع فيما وهب لابنه ،
فإن قال : لم يكن قبض النعمان الهبة ، فلذلك جاز لأبيه الرجوع
فيها. فالجواب : أن الهبة تلزم عند مالك [ بالقول ] (٥) ، ولا يفتقد
في صحتها إلى القبض .
ولو كان الحكم فيها يختلف ( بين ) (٦) أن تكون مقبوضة أو غير
مقبوضة ، لاستعلم الرسول الحال وفصل بينهما ، وأيضًا فإن مجيئه
للنبي - عليه السلام - يشهده، [ يدل على ] (١) أنه كان أقبضه ،
ولو لم يقبضه لم يكن لقوله: ((أرجعه)) معنىً؛ [ لأنه ] (٧) عندكم
قبل القبض لا يلزمه يرجع فيه ، وليس لقوله حكم .
(١) من ( هـ)).
(٢) في (( هـ ) : الشريك.
(٣) من ((هـ))، وفي (( الأصل)): و.
(٥) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): بالقبول.
(٧) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): لأن .
(٤) فى (( هـ)) : يستحدث.
(٦) فى ((هـ)): من .
- ١٠١ -

وحجة مالك أنه لا يرجع [ إن استحدث] (١) ابنه دينًا ، فإنما قال
ذلك ؛ لأن حق الغرماء قد وجب في مال الابن ؛ لأنهم إنما داينوه
على ماله ، فليس للأب أن ( يبطل ) (٢) حقوق غرماء ابنه ، وكذلك
البنت [ إذا ] (٣) تزوجت: [ لمالها ] (٤)؛ لأن الزوج له معونة ( فيه
وكمال ) (٥) في مال زوجته .
وقد قال عليه السلام : (( تنكح المرأة لمالها )) فليس للأب أن يبطل:
ما وجب للزوج من الحقوق في مال زوجته بأن يأخذ ذلك منها ،
وليس لغير الأب أن يقبض عند مالك وأكثر أهل المدينة ، إلا أن الأم
لها أن تقبض عندهم ما وهبت لولدها إذا كان أبوهم حيًا .
هذا الأشهر عن مالك ، وقد روي عنه [ أنها لا تقبض ] (٦) أصلا،
ولا يجوز عند أهل المدينة أن تقبض الأم ما وهبت [ ليتيم ] (٧) من
ولدها ؛ لأن الهبة لليتيم على وجه القربة لله ، فهي بمنزلة الصدقة عليه،
ولا يجوز الرجوع في الصدقة؛ لأنها [ لله] (٨)، كما لا يجوز
!
الرجوع في العتق والوقف وأشباهه .
وعند الشافعي لا يرجع أحد في هبته إلا الوالد والجدّ ، وقد روي
عن ابن وهب أن الجد يقبض كالأب ، وعند الكوفي لا يرجع فيما
وهبه لكل ذي رحم محرم بالنسب كالابن ، والأخ ، والأخت ،
والعم ، والعمّة ، وكل من لو كان امرأة لم يحل له أن يتزوجها لأجل
النسب .
(١) من (( هـ)).
(٢) في (( هـ)): يتلف .
(٣) من ((هـ))، وفى ((الأصل)): إنما .
(٤) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): بمالها.
(٥) في (( هـ)): وجمال. (٦) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): أنه لا يقبض.
(٧) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): لهم.
(٨) من ((هـ))، وغير مقروءة في ((الأصل)).
- ١٠٢ -

قال المؤلف : في اشتراء النبي البعير من عمر وهبته لابنه دليل على
ما بوب به البخاري من التسوية بين الأبناء في الهبة ؛ لأنه عليه السلام
لو سأل عمر أن يهب البعير لابنه عبد الله لم يكن عدلا بين بني عمر؛
فلذلك اشتراه عليه السلام ووهبه ، ولو أشار على عمر [ أن يهبه ] (١)
لابنه عبد الله ( لبادر إلى ذلك ) (٢).
قال المهلب : وفي اشتراء النبي الجمل من عمر وهبته لابنه من الفقه
أن غير الأب لا تلزمه ( التسوية ) (٣) فيما يهب بعض ولد الرجل كما
يلزم الأب في ولده ، لما جبل الله النفوس عليه من الغضب عند أثرة
الآباء بعض بنيهم دون بعض ، ولو لزمت ( التسوية ) (٣) بين الأخوة
من غير الأب كما لزمت من الأب لما وهب النبي أحد بني عمر دون
إخوته .
وقول البخاري : ولا يشهد عليه معناه : الرد لفعل الأب إذا فضل
بعض بنيه ، وأنه لا يسع الشهود أن يشهدوا على ذلك من فعل الأب
إذا تبين منه الميل ، كما لم يشهد الرسول على عطية بشير ابنه النعمان
دون إخوته، وقال: ((لا أشهد على جور)). فكان ذلك سُنَّةٌ من
النبي ألا يشهد على عطية [ يتبين ] (٤) فيها الجور .
*
*
باب : الإشهاد في الهبة
فيه : النعمان: (( أعطاني أبي عطية فقالت عمرة ابنة رواحة : لا أرضى
حتى تشهد رسول الله . فأتى رسول الله فقال : إني أعطيت ابني من عمرة
بنت رواحة عطية فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله . قال : أعطيت سائر
(١) من (هـ)، وفى ((الأصل)): ليهبه .
(٣) في (( هـ)): المعدلة.
(٢) فى (( هـ )) : ليأذن بذلك.
(٤) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): بنين.
- ١٠٣ -

ولدك مثل هذا؟ قال: لا. قال : ( فاتقوا ) (١) الله واعدلوا بين أولادكم،
قال : فرجع فرد عطیته )) .
الإشهاد ليس من شروط الهبة والصدقة التي لا تتم إلا بها ، وإنما
هو ليعلم عزيمة المتصدق على إنفاذ ما تصدق به أو وهب ، ولو أن
رجلا تصدق على أحد بشيء ، و[ حازه ] (٢) المتصدق عليه دون
[١٠٤٥/٣- ب) إشهاد حتى مات المتصدق ، فأقر ورثتُه وهم بالغون بالصدقة /:
لنفذت، وإن كان لم يشهد عليها في الأصل عند مالك وأصحابه ،.
وإنما الإشهاد في الهبة كالإشهاد في البيع والعتق ليعلم ذلك ..
قال المهلب : وفيه أن [ للإمام ] (٣) إذا عرف من الواهب هروبًا:
من بعض الورثة أن يرد ذلك ؛ لأن قوله: (( فأمرتني أن أشهدك )).
وأنها لم ترض حتى يشهد رسول الله دليل على هروبه بماله عن سائر
بنيه ؛ لأن في بعض طرق الحديث: (( لا أشهد على جور))، وكان
معروفًا بالميل إلى تلك المرأة .
باب : هبة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها
وقال تعالى : ﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا ﴾ (٤).
قال إبراهيم : جائزة . وقال عمر بن عبد العزيز : لا يرجعان .
واستأذن النبي - عليه السلام - نساءه أن يمرض في بيت عائشة .
وقال: (( العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه)). وقال الزهري فيمن
قال لامرأته : [ هبي ] (٥) لي بعض صداقك أو كله، ثم لم يمكث إلا
(١) في ((هـ)): فاتق.
(٢) من (( هـ))، وفي (( الأصل)): جوزه .
(٣) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): الإمام.
(٤) النساء : ٤ .
(٥) في ((الأصل، وهـ)): هب. وما أثبتناه من الصحيح المطبوع.
- ١٠٤ -

يسيرًا حتى طلقها فرجعت فيه ، قال: يرد إليها إن كان ( خلبها ) (١)،
وإن ( كانت ) (٢) أعطته عن طيب نفس ليس في شيء من أمره خديعة
جاز. قال الله: ﴿فإن طبن لكم عن شيء﴾ (٣) الآية.
فيه عائشة: (( لما ثقل النبي فاشتد وجعه استأذن أزواجه أن يمرض في
بيتي فَأَذنَّ له ... )) الحديث .
وفيه : ابن عباس، قال النبي: (( العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود
في قیئه » .
اختلف العلماء في الزوجين يهب كل واحد منهما لصاحبه ، فقال
جمهور العلماء : ليس لواحد منهما أن يرجع فيما يعطيه للآخر ، هذا
قول عمر بن عبد العزيز والنخعي وعطاء وربيعة، [ وبه ] (٤) قال
مالك والليث والثوري والكوفيون والشافعي وأبو ثور ، وفيها قول
آخر؛ وهو أن لها أن ترجع فيما أعطته ، وليس له أن يرجع فيما
أعطاها ، روي هذا عن شريح والشعبي والزهري .
قال الزهري : ما رأيت القضاة إلا يقيلون المرأة فيما وهبت
لزوجها، ولا يقيلون الرجل فيما وهب لامرأته .
وروى عبد الرزاق عن الثوري ، عن سليمان الشيباني قال : كتب
عمر بن الخطاب أن النساء يعطين رغبة ورهبةً ، فأيما امرأة أعطت
زوجها [ فشاءت] (٥) أن ترجع رجعت . والقول الأول أحسن
لقوله: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا﴾ (٣). وروي عن عليّ بن
أبي طالب أنه قال : إذا اشتكى أحدكم فليسأل امرأته ثلاثة دراهم ،
ويشتري بها عسلا ، ويأخذ من ماء السماء فيتداوى به ، فيجمع هنيئًا
(١) في (( هـ)): غلبها.
(٢) في (( هـ)» : كان .
(٣) النساء : ٤ .
(٤) من (( هـ ).
(٥) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): غير مقروءة.
- ١٠٥ -

مريئًا وماءً مباركًا . فلو كان لهن فيه رجوع لم يكن هنيئًا مريئًا ، ألا
ترى [ أن] (١) ما وهبه أزواج النبي له من أيامهن ولياليهن ، و[أن] (٢)
يمرض في بيت عائشة ، لم يكن لهن فيه رجوع ؛ لأنه كان عن طيب
نفس منهن ، لا عن عوض .
واختلفوا فيما وهب أحد الزوجين لصاحبه ، هل يحتاج إلى حيازة
وقبض ؟ فقال ابن أبي ليلى والحسن البصري : الصدقة جائزة وإن لم
يقبضها . وقال النخعي وقتادة : ليس بين الزوجين حيازة . وقال ابن
سيرين وشريح ومسروق والشعبي : لا بد في ذلك من القبض ، وهو
قول الثوري والكوفيين والشافعي ، و[ هي ] (١) رواية أشهب عن
مالك ::
قال مالك : إن ما وهب الرجل لامرأته ، والمرأة لزوجها وهو في
أيديهما كما كان ، إنه حوز ضعيف لا يصح . وله قول آخر . روى
ابن القاسم عن مالك في العتبيّة في الرجل يهب لامرأته خادمًا
ولا يخرجها عن البيت الذي هما فيه ، ويهبها دارًا يسكناها ، أو تهب
له [ ذلك ] (١) ، أن ذلك جائز للمرأة .
وروى عيسى عن ابن القاسم في الرجل يهب لامرأته دارًا يسكناها،
[٣/ ١٠٥-١] ثم يسكنان بعد ذلك فيها، [أو المرأة ] (٣) تفعل مثل ذلك، / ففرق
بينهما قال : إذا كان الزوج الواهب فالصدقة غير تامة ؛ لأن عليه أن
يسكن زوجته ، فكأنه هو مسكنها ، فإذا كانت المرأة الواهبة فالصدقة
جائزة ؛ لأنه يسكن ما (حوزه ) (٤) لنفسه.
(١) من (( هـ)).
(٢) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): أنه .
(٣) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): أن للمرأة أن.
(٤) في (( هـ )) : يحوزه:
- ١٠٦ -

باب : هبة المرأة لغير زوجها وعتقها إذا كان لها زوج
فهو جائز إذا لم تكن سفيهة ، فإذا كانت سفيهة لم يجز . قال تعالى :
ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ (١).
فيه : أسماء قالت: قلت: (( يا رسول الله، ما لي مال إلا ما أدخل علي
الزبير ، (فأتصدق ) (٢)؟ قال: تصدقي، ولا توعي فيوعي الله عليك))
وقال مرة : (( أنفقي ولا تحصي فيحصي الله عليك)) .
وفيه : ميمونة زوج النبي: (( أنها أعتقت وليدةً ولم تستأذن النبي -
عليه السلام - فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه ، قالت : أَشَعَرْتَ يا
رسول الله أني أعتقت وليدتي ؟ قال : أو فعلت ؟ قالت : نعم. قال : أما
إنك لو ( أعطيتيها ) (٣) أخوالك كان أعظم لأجرك)) .
وفيه : عائشة: (( أن سودة بنت زمعة وهبت يومها وليلتها لعائشة
[زوج النبي ◌َلير] (٤) تبتغي بذلك رضا رسول الله )) .
اختلف العلماء في المرأة المالكة لنفسها الرشيدة ذات الزوج ، فقالت
طائفة : لا فرق بينها وبين البالغ من الرجال ، فما جاز من عطايا
الرجل البالغ الرشيد جاز من عطائها . هذا قول سفيان الثوري
[والشافعي ] (٤) وأبي ثور ، وأصحاب الرأي ، وروينا معنى ذلك عن
عطاء ، قال ابن المنذر : وبه نقول .
وقالت طائفة : لا يجوز لها أن تعطي من مالها شيئًا بغير إذن
زوجها . روي هذا القول عن أنس بن مالك ، وهو قول طاوس
والحسن البصري ، وقال مالك : لا يجوز عطاؤها بغير إذن زوجها إلا
ثلث مالها خاصة ، قياسًا على الوصية . وقال الليث : لا يجوز عتق
(١) النساء : ٥ .
(٢) في (( هـ)) : أفأتصدق .
(٣) في (( هـ)): أعطيتها. (٤) من (( هـ)).
- ١٠٧ -

المرأة ذات الزوج ولا صدقتها إلا في الشيء اليسير الذي لا بُد [لها](١).
منه في صلة الرحم أو غيره ، مما يتقرب به إلى الله" .
وحجة القول الأول : أن الله - تعالى - سوى بين الرجال والنساء
عند بلوغ الحلم وظهور الرشد ، فقال : ﴿ فإن آنستم منهم رشدًا
فادفعوا إليهم أموالهم ﴾ (٢) ، فأمر بدفع أموالهم إليهم ، ولم يخص
رجلا من امرأة ، فثبت أن من صَحّ رشده صحّ تصرفه في ماله بما
شاء. وقال : ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ... ﴾ (٣) الآية. فأباح
للزوج ما طابت له به نفس امرأته . وقال : ﴿وإن طلقتموهن من قبل
أن تمسوهن ... ﴾ إلى ﴿ إلا أن يعفون﴾ (٤).
فأجاز عفوها عن مالها بعد طلاق زوجها إياها بغير استثمار من:
أحد ، فدل ذلك على جواز أمر المرأة في مالها ، وعلى أنها فيه.
كالرجل سواء ، واحتجوا بأمر الرسول أسماء بالصدقة ، ولم يأمرها
باستئذان الزبير ، وأن ميمونة أعتقت وليدةً لها ولم تستأذن النبي ،
وبحديث ابن عباس أنه [عليه السلام] (١) خطب النساء يوم عيد وقال
[لهن] (١): ((تصدقن ولو من حليكن)) و[ ليس ] (٥) في شيء من
الأخبار أنهن استأذن أزواجهن، ولا أنه عليه السلام أمرهن باستئذانهم ...
ولا يختلفون في أن وصاياها من ثلث مالها جائزة كوصايا الرجل ،
ولم يكن لزوجها عليها في ذلك سبيلٌ ولا أمرٌ ، و[ بذلك ] (٦) نطق
الكتاب ، [ وهو ] (٧) قوله تعالى : ﴿من بعد وصية يوصين بها أو
دين﴾ (٨)، فإذا كانت وصاياها في ثلث مالها جائزة بعد وفاتها ؛
(١) من (( هـ)).
(٣) النساء : ٤ .
(٢) النساء : ٦ .
(٤) البقرة : ٢٣٧ .
(٥) من ((هـ))، وفي (( الأصل)): لا.
(٦) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): لذلك.
(٧) من ((هـ))، وفى ( الأصل)): في.
(٨) النساء : ١٢ .
- ١٠٨ -

فأفعالها في مالها في حياتها أجوز . والحجة لطاوس حديث عمرو بن
شعيب ، عن أبيه، عن جدّه [ أن ] (١) النبي - عليه السلام - قال:
(( لا تجوز عطية امرأة في مالها إلا بإذن زوجها)). فأحاديث هذا
الباب أصح من حديث عمرو بن شعيب .
وتأول مالك في الأحاديث التي جاءت عن النبي - عليه السلام -
أنه أمر النساء بالصدقة ، إنما أمرهن بإعطاء ما ليس بالكثير المجحف
بغير إذن أزواجهن ؛ لقوله عليه السلام: (( / تنكح المرأة لمالها ودينها [١٠٥٥/٣ -ب]
وجمالها )) فسوى بين ذلك فكان لزوجها في مالها حقًا ، فلم يكن لها
أن تتلفه إلا بإذنه .
وعلى هذا يصح الجمع بين حديث عمرو بن شعيب وسائر
الأحاديث المعارضة له ، فيكون حديث عمرو بن شعيب واردًا في
النهي عن إعطاء الكثير المجحف ، وتكون الأحاديث الواردة بحض
النساء على الصدقة ( فيما ) (٢) ليس بالكثير المجحف - والله الموفق .
وأما حديث هبة سودة يومها لعائشة فليس من هذا الباب في شيء؛
لأن للمرأة ( الشفيقة ) (٣) أن تهب يومها لضرتها ، وإنما السفه في
إفساد المال خاصة .
واختلفوا في البكر إذا تزوجت متى تكون في حال من تجوز لها
العطاء ، فقالت طائفة : ليس لها في مالها أمرٌ حتى تلد ، أو يحول
عليها الحول . روي هذا عن عمر بن الخطاب ، وعن شريح
والشعبي، وبه قال أحمد وإسحاق .
وفرق أصحاب مالك بين البكر ذات الأب والوصيّ ، وبين التي
(١) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): عن.
(٣) في (( هـ)): السفيهة .
(٢) فى (( هـ ): بما.
- ١٠٩ -

لا أب لها ولا وصيّ ، قال ابن القاسم : أما البكر التي لا أب لها فلا
يجوز قضاؤها في مالها وإن عنست حتى تدخل بيتها وترضى حالها .
واختلفوا في حَدّ تعنيس البكر ، فقال ابن وهب : الثلاثين سنة إلى
خمس وثلاثين . وقال ابن القاسم : الأربعين سنة إلى ( الخمس) (١)
والأربعين .
وقال ابن الماجشون ومطرف في اليتيمة [التي ] (٢) لا أب لها:
ولا وصي تختلع من زوجها بشيء تهب له : الخلع ماض ، ويرد
الزوج ما أخذ ؛ لأنه لا يجوز لها عطاء حتى تملك نفسها ومالها ،
وذلك بعد سنة من ابتناء زوجها بها ، أو تلد ولدًا .
وخالف هذا سحنون ، فقال في البكر تعطي زوجها بعض مالها ،
وذلك قبل الدخول ( فيملكها ) (٣) أمرها، أو تباريه بشيء من مالها،
فقال : إن كان لها أبٌ أو وصي فلا يجوز ذلك ، ويلزم الزوج
الطلاق، ويرد عليها ما أخذ منها ، وإن كانت لا أب لها ولا وصي
جاز ذلك ، وهي عندي بمنزلة السفيه الذي لا وصي له ، أن أموره
جائزة : بيوعه وصدقته وهبته ما لم يحجر عليه الإمام .
*
باب : ( بمن ) (٤) يبدأ بالهدية ؟
وقال الرسول لميمونة حين أعتقت وليدةً لها: (( لو وصلت بها بعض
أخوالك كان أعظم لأجرك )) .
فيه: عائشة قلت: (( يا رسول الله ، ( إن ) (٥) لي جارين ، فإلى أيهما
أهدي ؟ قال : إلى أقربهما منك بابًا )) .
(١) في ((هـ): الخمسين.
(٣) في (( هـ )): ليملكها .
(٥) في (( هـ )): إني .
(٢) من ( هـ)).
(٤) في (( هـ )) : من.
- ١١٠ -

وفي حديث ميمونة أن صلة الأقارب أفضل من العتق ، [ على أن
العتق ] (١) قد جاء فيه أن الله يعتق بكل عضو منه عضوًا منها من
النار، وأن بالعتق تجاز العقبة يوم القيامة .
وفي حديث عائشة أن أقرب الجيران أَوْلى بالصلة والبر والرعاية ،
وأن صلة الأقرب منهم أفضل من صلة الأبعد إذ لا يقدر على عموم
جميعهم بالهدية ، وقد أكد الله - تعالى - ذلك في كتابه فقال :
﴿والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب﴾ (٢) ، فدل هذا
على تفضيل الأقرب . وقد تقدم [ معنى ] (١) ذلك في باب أي الجوار
أقرب في كتاب الشفعة ، فأغنى عن تكراره .
باب : من لم يقبل الهدية [ لعلة ] (١)
وقال عمر بن عبد العزيز : كانت الهدية في زمن النبي - عليه السلام -
هدية ، وهي اليوم رشوة .
فيه : الصعب بن جثامة الليثي : ( أنه أهدى إلى الرسول حمار وحش
وهو بالأبواء - أو بودّان - وهو مُحْرِم فردّه، فلما عرف في [ وجهي](٣)
( كراهية) (٤) رده قال: ليس بنا رد عليك، ولكنا حَرَمٌ)).
وفيه: أبو حميد [الساعدي] (١): (( استعمل النبي رجلا من الأسد
على الصدقة ، فلما قدم قال : هذا لكم وهذا أهدي إليّ ، قال : فهلا
جلس في بيت أبيه أو بيت أمه فينظر ( هل يُهدى ) (٥) له أم لا ؟ والذي
نفسي بيده لا يأخذ أحد منه شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته،
(١) من (( هـ، ن)).
(٣) من (( هـ))، وفي (( الأصل)»: وجهه .
(٥) في (( هـ)): أيهدى .
(٢) النساء : ٣٦ .
(٤) في (( هـ ) : كراهة.
- ١١١ -

[٢/ق١٠٦-، إن کان بعیرا له رغاء ، أو بقرةً لها خوار ، أو شاة/ تیعر، ثم رفع (یدیه)(١)
حتى رأينا [ عفرة] (٢) إبطيه، ثم قال: اللهم هل بلغت - ثلاثًا)).
قال المهلب : رد الهدية في حديث الصعب غاية [ الأدب] (٣)
لأنها لا تحل للمهدى إليه ؛ من أجل أنه محرم ، ومن حسن الأدب أن
يكافأ المهدي ، وربما عسرت المكافأة ، فردها إلى من يجوز له الانتفاع
بها أَوْلى من تكلف المكافأة ، مع أنه لو قبله لم یکن له سبيل إلى غير
تسريحه ؛ لأنه لا يجوز له ذبحه وهو محرم .
وفيه من الفقه : أنه لا يجوز قبول هدية من كان ماله حرامًا ومن
عرف بالغصب والظلم ، وقد تقدم هذا [ المعنى ] (٤) في باب قبول
هدية الصيد .
..
وفي حديث ابن اللتية : أن هدايا العمال يجب أن تجعل في بيت
المال ، وأنه ليس لهم منها شيء إلا أن [ يستأذنوا ] (٥) الإمام في
ذلك، كما جاء في قصة معاذ أن النبي - عليه السلام - طيب له
الهدية، فأنفذها له أبو بكر الصُّدِّيق بعد النبي لما كان دخل عليه في
ماله من الفلس .
وفيه كراهية قبول هدية [ طالب ] (٦) العناية ، ويدخل في
[معنى](٤) ذلك كراهية هدية المديان والمقارض ، وکل من لهدیته سبب
غير سبب الجيرة أو [ الصداقة ] (٧) أو صلة الرحم .
وقوله : (( (عفرة) (٨) إبطيه)) قال صاحب العين: العفرة: غبرة
في حمرة ، كلون الظبي الأعفر .
(١) في ((هـ)) : يده .
(٢) في ((الأصل)): عفر وهي رواية أبي ذر الهروي، وما أثبتناه من ((ن))، وعليها شرح المؤلف.
(٤) من ( هـ).
(٣) من ((هـ))، وفي (( الأصل): ألا ترد .
(٥) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): يستأذن.
(٦) من (( هـ))، وفي (( الأصل)): طلب.
(٧) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): الصدقة.
(٨) في (( هـ)): عفر.
- ١١٢ -

باب : إذا وهب هبةً أو وعد ثم مات قبل أن تصل إليه
وقال عبيدة: إن مات و( قد ) (١) فصلت [ الهدية ] (٢) والمهدى له
حيّ [ فهي له، وإن لم يكن حيًا](٣) فهي لورثته، وإن لم تكن فصلت
فهي لورثة الذي أهدى . وقال الحسن : أيهما مات قبل فهي لورثة
المهدی له إذا قبضها الرسول .
فيه: جابر ، قال النبي - عليه السلام -: (( لو قد جاء مال البحرين
أعطيتك [ هكذا ] (٤) ثلاثًا ، فلم يقدم حتى توفي النبي ، فأمر أبو بكر
مناديًا فنادى : من كان له عند النبي عدة ، أو دَيْن فليأتنا ، فأتيته فقلت :
إن النبي وعدني ، فحثا لي ثلاثًا » .
اختلف العلماء في الذي يهب أو يتصدق على رجل ، ثم يموت
الواهب أو المتصدق قبل أن تصل إلى الموهوب له ، فذكر البخاري
قول عبيدة السلماني وقول الحسن ، [ وبمثل قول الحسن قال
مالك](٣)، قال مالك: إن كان أشهد عليها ، أو أبرزها ، أو دفعها
إلى من يدفعها إلى الموهوب له فهي جائزة .
وفيها قول [ ثالث ] (٥) وهو : إن كان بعث بها المهدي مع رسوله
فمات الذي أهديت إليه فإنها ترجع إليه ، فإن كان أرسل بها مع
رسول الذي أهديت إليه فمات المهدى إليه فهي لورثته . هذا قول
الحكم وأحمد بن حنبل وإسحاق .
وقالت طائفة : لا تتم الهبة إلا بقبض الموهوب له ، أو وكيله ،
فأيهما مات قبل أن تصل الهبة إلى الموهوب له فهي راجعة إلى
الواهب ، أو إلى ورثته ، هذا قول الشافعي .
(١) في (( هـ)): كانت .
(٢) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): إليه .
(٣) من (( هـ )) .
(٤) من (( هـ))، وفي ((الأصل)) : كذا .
(٥) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): ثاني.
- ١١٣ -

واختلف الفقهاء فيما يلزم من العدة وما لا يلزم منها ، فقال.
الكوفيون والأوزاعي والشافعي : لا يلزم من العدة شيء ؛ لأنها منافع
لم تقبض ، فلصاحبها الرجوع فيها .
وقال مالك : أما العدة مثل أن يسأل الرجل أن يهب له هبةً فيقول
له : نعم ، ثم يبدو له ألا يفعل ، فلا أرى ذلك يلزمه . قال مالك :
ولو كان ذلك في قضاء دَين فسأله أن يقضي عنه ، فقال : نعم ، وثَم
رجال يشهدون عليه ، فما أحراه أن يلزمه إذا شهد عليه اثنان .
وقال ابن القاسم : إذا وعد الغرماء فقال: أشهدكم أني قد وهبت
لهذا من أين يؤدي إليكم ؟ فإنه يلزمه ، وأما أن يقول : نعم أنا أفعل
ثم يبدو له ، فلا أرى ذلك .
وقال سحنون : الذي يلزمه [ من ] (١) العدة في السلف والعارية ،
أن يقول للرجل : اهدم دارك وأنا أسلفك ما تبنيها به ، أو اخرج إلى
الحج وأنا أسلفك ما يبلغك ، أو اشتري سلعة كذا أو تزوج وأنا
[٦٥/٣ ١٠-ب) أسلفك، / ذلك كما يُدخله فيه وينشئه به ، فهذا كله يلزمه . قال :
وأما أن يقول : أنا أسلفك وأنا أعطيك [ بغير ] (٢) شيء يلزمه المأمور
نفسه ، فإن هذا لا يلزمه منه شيء . قال أصبغ : يلزمه في ذلك كل ما
وعد به .
قال المؤلف : والقول الأول أشبه بمعنى الحديث ، ألا ترى فتيا
عبيدة السلماني والحسن في أن العدة والهبة إنما تتم إذا فصلت إلى
المهدى له قبل موت الواهب والموهوب له ، في قول الحسن . وفي
قول عبيدة : إن مات الموهوب له قبل أن ( تصل ) (٣) إليه (الهبة) (٤)
فهي لورثة ( الواهب ) (٥) .
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل): في.
مسـ
(٢) من ((هـ))، وفي ((الأصل)) : فغير.
(٤) في (( هـ )» : الهدية .
(٣) فى (( هـ)) : تفصل.
(٥) في (( هـ)): المهدي.
- ١١٤ -

وذكر عبد الرزاق عن قتادة كقول الحسن، وهذا يدل من فتياهم أنهم
تأولوا قوله عليه السلام لجابر: (( لو قد جاء مال البحرين أعطيتك »
أنها عدة غير لازم الوفاء بها في القضاء ؛ لأنها لم تكن فصلت من
عند النبي - عليه السلام - قبل موته ، وإنما وعد بها جابر لو قد جاء
مال البحرين ، فمات عليه السلام قبل ذلك .
ولذلك ذكر البخاري قول عبيدة والحسن في أول الباب ؛ ليدل أن
فعل أبي بكر الصِّدِّيق في قضائه عِدَات النبي بعد موته أنها كانت منه
على التطوع ، ولم يكن يلزم النبي ولا أبا بكر قضاء [شيء] (١) منها؛
لأنه لم يُرو عن أحد من السلف وجوب القضاء بالعدة ، و[ إنما ] (٢)
أنفذ ذلك الصِّدِّيق بعد موت النبي اقتداء بطريقة النبي ، وامتثالا لفعله،
فإنه كان أوفى الناس [بعهده ] (٣) وأصدقهم لوعده صلى الله عليه .
باب : كيف يقبض العبد والمتاع
وقال ابن عمر: « كنت على بكر صعب [ لعمر فاشتراه ] (٤) النبي
وقال : هو لك يا عبد الله )) .
فيه : المسور: (( قسم النبي أقبية ولم يعط مخرمة منها شيئًا ، ( فقال
مخرمة : يا بني ، انطلق بنا إلى رسول الله ، فانطلقت ) (٥) ، فقال
[لي](٦): ادخل فادْعُهُ لي، [قال] (٦): فدعوته [ له] (٦)، فخرج إليه
وعليه قَبَاءٌ منها ، فقال : خبأنا هذا لك ، قال : فنظر إليه فقال : رضي
مخرمة )) .
(١) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): شيئًا.
(٢) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): فلما.
(٣) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): بعهدهم.
(٤) من ((هـ))، وفي ((الأصل)) : اشتراه .
(٥) في (( هـ )): فانطلق أبي إلى النبي.
(٦) من (( هـ)).
- ١١٥ -

أما كيف يقبض المتاع والهبات عند جماعة العلماء ، فبإسلام
الواهب لها إلى الموهوب له ، وحيازة الموهوب ( له ) (١) ، كركوب
ابن عمر الجمل ، كإعطاء النبي القباء لمخرمة وتلفيه بإزاره ، وذكر
البخاري في كتاب الجهاد: (( أن النبي - عليه السلام - أهديت إليه
أقبية من ديباج مزررة بالذهب ، فقسمها بين أصحابه ، وعزل منها
واحدًا لمخرمة ، فجاء مخرمة إلى النبي - عليه السلام - فسمع صوته
فتلقاه به ، واستقبله بإزراره ، فقال : يا أبا المسور ، خبأت لك هذا -
مرتين - وكان في خلقه شدة)) . وفي هذا من الفقه الاستثلاف لأهل
اللسانة وغيرهم .
وقد اختلف العلماء في الهبات ، هل من شرطها الحيازة أم لا ؟
فقالت طائفة : من شرطها الحيازة (٢) لا تتم إلا بالقبض . روي هذا.
عن أبي بكر الصِّدِّيق وعمر بن الخطاب وعثمان وابن عباس [وابن
عمر] (٣) ومعاذ بن جبل وشريح ومسروق والشعبي ، وإليه ذهب
الثوري والكوفيون والشافعي ، وقالوا : ليس للموهوب له مطالبة
الواهب بتسليمها إليه ؛ ( لأنه ) (٤) ما لم تقبض عدة [وعده بها ](٥)
يحسن الوفاء بها ولا يقضى بها عليه .
وقالت طائفة : تصح الهبة بالكلام دون القبض ، كالبيع تنعقد
بالكلام . روي هذا عن علي وابن مسعود ، و[ عن ] (٣) الحسن.
البصري والنخعي ، وبه قال مالك وأحمد وأبو ثور ، إلا أن أحمد
وأبا ثور قالا : للموهوب له المطالبة بها في حياة الواهب ، فإن مات.
الواهب بطلت الهبة ..
ومن حجة أهل المقالة الأولى : أن النبي - عليه السلام - قال
(١) في ((هـ )) : لذلك
(٣) من ( هـ ).
(٢) جاء في ((الأصل)): أن، وهي زيادة مقحمة.
(٤) من (( هـ)) : لأنها .
(٥) من (( هـ))، وفي (( الأصل)): وعدها.
- ١١٦ -

لابن عمر وهو راكب الجمل: ((هو لك)» . فكان حكم الهبات كلها
[ كذلك ] (١) لا تتم إلا بقبض الموهوب ( له ) (٢) .
وحجة الآخرين : أن النبي قال لابن عمر [ في الجمل] (١): ((هو
لك)) ملكه إياه، ولا يملك النبي شيئًا أحداً إلا وهو مالك له / [٢/ ١٠٧٥-١]
ومستحقه ، فكان لابن عمر المطالبة بهذا الجمل لو لم يركبه ؛ لحَقُّه
الذي تعين فيه، فوجب له طلبه ، وكذلك دل فعلُه عليه السلام في
القباء الذي تلقى به مخرمة واسترضاه به قبل سؤاله إياه ؛ أنه قد تعين
للمسور فيه حق وجب للمسور طلبه ، على ما ذهب إليه مالك .
فإن قيل : فإذا تعين في الهبة حق [ للموهوب ] (٣) له وجبت به
مطالبة الواهب في حياته ، فكذلك يجوز مطالبته به بعد مماته كسائر
الحقوق . قيل : هذا هو القياس لولا حكم الصِّدِّيق بين ظهراني
الصحابة وهم ( متواترون ) (٤) حين وهب لابنته جداد عشرين وسقًا
من ماله بالغابة ولم تكن قبضته ، وقال لها: لو كنت حزتيه [لكان](٥)
لكِ ، وإنما هو اليوم مال وارث . ولم يرو عن أحد من الصحابة أنه
أنكر ذلك ولا ردّ عليه ؛ فكان هذا دليلا لصحة قول مالك .
باب : إذا وهب هبةً فقبضها الآخر ولم يقل : قبلت
فيه: أبو هريرة قال: (( جاء رجل إلى النبي - عليه السلام - فقال :
هلكت ، قال : وما ذاك ؟ قال: وقعت بأهلي في رمضان ... )) الحديث.
(١) من (( هـ )).
(٢) في (( هـ)): لها .
(٣) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): الموهوب.
(٥) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): كان .
(٤) في (( هـ ) : متوافرون .
-
- ١١٧ -

(( فجاء رجل من الأنصار بعَرَق وهو مكتل فيه تمر ، قال : اذهب بهذا
فتصدق به ، قال : ما بين لابتيها أحوج [ منا ] (١) ، قال : اذهب فأطعمه
أهلك)) .
القبض في الهبة هو غاية القبول ، فلا يحتاج القابض أن يقول :
قبلت ، وهو قد قبضها . وعلى هذا جماعة العلماء ، ألا ترى إلى
الواقع على أهله في رمضان قبض من النبي المكتل من التمر ، ولم
يقل : قبلته ، إذ كان [ مستغنيًا ] (٢) عن ذلك بحصوله عنده ، ومثل
هذا المعنى في حديث جابر حين اشترى منه النبي الجمل ، فلما دفع
إليه الثمن قال : الثمن والجمل لك . ولم يقل جابر : قد قبلته يا
رسول الله ، فدل ذلك على أن الهبة تتم بإعطاء الواهب وقبض
الموهوب له دون قوله باللسان : قد قبلت . وأما إذا [ قال ] (٣):
قبلت ، ولم يقبض ، فتعود المسألة إلى ما تقدم من اختلافهم في قبض
الهبة في الباب قبل هذا .
باب : إذا وهب دینًا له على رجل
وقال شعبة عن الحكم : هو جائز . ووهب الحسن بن علي لرجل دينه،
وقال النبي : (( من كان عليه حق فليعطه ( أو ) (٤) ليتحلله منه )). وقال
جابر : قتل أبي وعليه دَيْن ، فسأل النبي [ غرماءه ] (٥) أن يقبلوا ثمر
حائطي ويحللوا أبي ... )).
وذكر حديث جابر [ هذا ] (٣).
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): مني.
(٢) من ((هـ)، وفي ((الأصل)): مستغني.
(٣) من ( هـ )).
(٤) فى (( هـ )) : و .
(٥) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): الغرماء.
- ١١٨ -

لا خلاف بين العلماء أن من كان عليه دين لرجلٍ فوهبه له ربه
[أو](١) أبرأه منه وقبل البراءة ، أنه لا يحتاج فيه إلى قبض ؛ لأنه
مقبوض في ذمته ، وإنما يحتاج في ذلك إلى قبول الذي عليه الدين ؛
لأن النبي - عليه السلام - سأل غرماء أبي جابر أن [ يقبلوا ] (٢) ثمرة
حائطه ويحللوه من بقية دَيْنه ، فكان ذلك إبراءً لذمة أبي جابر لو
رضوا بما دعاهم إليه النبي - عليه السلام - ولم يكن يعرف ذلك إلا
بقولهم : قد قبلنا [ ذلك ] (٣) ورضينا ، فلم يتم التحلل في ذلك إلا
بالقول .
واختلفوا إذا وهب دَينًا له على رجل لرجلٍ آخر ، فقال مالك :
تجوز الهبة إذا سلم إليه الوثيقة بالدّيْن ، وأحله فيه محلَّ نفسه . وإن
لم تكن له وثيقة ، وأشهد على ذلك وأعلن ، فهو جائز .
وقال أبو ثور : الهبة جائزة أشهد أو لم يشهد إذا [ تقارا ] (٤) على
ذلك . وقال الكوفيون والشافعي : الهبة غير جائزة ؛ لأنها لا تجوز
عندهم إلا مقبوضة .
وقد تقدم في باب كيف [ يقبض ] (٥) المتاع مذاهب العلماء في
قبض الهبات ، والحجة لمالك وأبي ثور : أنهم جعلوا الموهوب له
يحل محلّ الواهب في ملك / الدَّيْن ، ويتنزل منزلته في اقتضائه . [١٠٧٥/٣-ب]
ولما أجمعوا أنه يجوز للرجل أن يحيل الرجل على من له دَيْن ،
كذلك يجوز له أن يجعل ماله من المطالبة بدينه على رجل لرجل آخر
يحله محله ، وينزله منزلته - إن شاء الله ، والله الموفق .
(١) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): و.
(٢) من (( هـ))، وفي (( الأصل)»: يقبضوا.
(٤) من (( هـ))، وفي ((الأصل)) : تقادرا .
(٥) من ((هـ))، وفي (( الأصل)) : قبض .
(٣) من (( هـ)).
- ١١٩ -

باب : هبة الواحد للجماعة
وقالت أسماء للقاسم بن محمد وابن أبي عتيق : ورثت عن أختي
عائشة بالغابة ، وقد أعطاني به معاوية مائة ألف، [ فهو ] (١) لكما .
فيه: [ سهل ] (٢): (( أتي النبي - عليه السلام - بشراب، فشرب وعن
يمينه غلام ، وعن يساره الأشياخ ، فقال للغلام : إن أذنت لي
(أعطيت)(٣) هؤلاء، قال : ما كنت لأوثر بنصيبي منك [ أحداً ] (٤) يا
رسول الله ، فَتَلَّهُ في يده )» .
عرض البخاري في هذا الباب والبابين بعده الرد على أبي حنيفة في
إبطاله هبة المشاع ، فإنه يقول : إذا وهب رجل دارًا لرجلين ، أو
متاعًا ؛ وذلك المتاع مما ينقسم فقبضاه جميعًا ، فإن ذلك لا يجوز إلا
أن يقسم كل واحد منهما حصته ؛ لأن الهبة من شرط صحتها عنده
القبض .
وذهب مالك وأبو يوسف ومحمد والشافعي إلى أن هبة الواحد
للجماعة جائزة ، وقالوا: لو وهب شقصًا من دار أو [ عبد ] (٥).
جاز وإن لم يكن مقسومًا. وبه قال أحمد وإسحاق [وأبو ثور ] (٦).
وحجة من أجاز ذلك أن النبي سأل الغلام أن يهب نصيبه من اللبن
للأشياخ . ومعلوم أن نصيبه منه [ كان ] (٦) مشاعًا في اللبن ، غير.
متميز ولا منفصل في القدح ، وهذا خلاف ما ذهب إليه أبو حنيفة ،
فلا معنى [ لقوله ] (٧) .
(١) من ((هـ، ن))، وفي ((الأصل)): وهو.
(٢) من (( هـ، ن))، وفي ((الأصل)): أسهل. وهو تحريف.
(٣) فى ((هـ)): أعطيته ..
(٤) من ((هـ، ن))، وفى ((الأصل)): أحد.
(٥) من ((هـ))، وفي ((الأصل)»: عبداً.
(٧) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): له.
(٦) من (( هـ ).
- ١٢٠ -