النص المفهرس

صفحات 541-560

- عليه السلام - المجتمع عليها في الإقامة ، أنه يعاقب في نفسه
وماله؛ لأن حرق المنازل عقوبة في المال على عمل الأبدان ، فإذا كانت
العقوبة تتعدى إلى المال عن البدن ، فهي أحرى أن تقع في البدن ،
وفيه أن العقوبات على أمور الدين التي لا حدود فيها موكولة إلى
اجتهاد الإمام لقوله: (( لقد هممت )) فهذا نظر واجتهاد .
وقد قال قوم : إن هذا الحديث في المنافقين ، وليس كذلك ، لأن
النبي - عليه السلام - لم يعن بإخراج المنافقين إلى الصلاة ، ولا التفت
إلى شيء من أمرهم ، وقيل فيه : إنه في المؤمنين ، وقد تقدم القولان
في باب وجوب صلاة الجماعة ، وسيأتي في كتاب الأحكام - إن
شاء الله - [ شيء ] (١) من الكلام في معنى هذا الباب [ تركته لأنه
بوب بهذا الحديث ] (١) بعينه ، وذكر هذا الحديث فيه .
باب : دعوى الوصي للميت
فيه: عائشة: (( أن عبد بن زمعة وسعدًا اختصما إلى النبي في ابن أمة
زمعة ، فقال سعد : يا رسول الله ، أوصاني أخي إذا قدمت : أن انظر ابن
أمة زمعة فاقبضه فإنه ابني ، وقال عبد بن زمعة : أخي وابن أمة أبي ، ولد
على فراش أبي ، فرأى النبي - عليه السلام - شبهًا بينًا بعتبة ، فقال : هو
لك يا عبد بن زمعة ، الولد للفراش، احتجبي منه یا سودة ... )) الحديث.
[ هذا الحديث ] (١) ترجم له في كتاب الوصايا ما يجوز للموصى
إليه من الدعوى ، وهي هذه الترجمة ، وسيأتي الكلام [ فيها ] (١)
هناك - إن شاء الله - وللعلماء في هذا الحديث ضروب من التخريج
سأذكرها - إن شاء الله - في باب أم الولد .
(١) من (( هـ)).
- ٥٤١ -

باب : التوثق ممن تخشى معرته
وقيد ابن عباس عكرمة على ( تعليم) (١) القرآن والسنن والفرائض.
فيه : أبو هريرة: (( بعث النبي - عليه السلام - خيلا قبل نجد ، فجاءت
برجل من بني حنيفة يقال له : ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة ، فربطوه
بسارية من سواري المسجد ، فخرج إليه رسول الله فقال : ما عندك يا
ثمامة ؟ قال : عندي يا محمد خير ... )) وذكر الحديث ((فقال : أطلقوا
ثمامة)) .
قال أهل العلم : يوجبون التوثق ( بالحبس ) (٢) والضامن وما
أشبهه ممن وجب عليه حق لغيره ، فأبى أن يخرج منه ( و ) (٣) ادعى
مخرجًا لم يحضره في الوقت ، وقد روی و کیع أن علیا کان یحبس
في الدين ، وروى معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين قال: كان
شريح إذا قضى على رجل بحق أمر بحبسه في المسجد إلى أن يقوم،
[٣/ ق ٧٣ - ب] فإن ( أعطى ) (٤) حقه / وإلا أمر به إلى السجن.
وقال طاوس : إذا لم يقر الرجل بالحكم حبس . وروى معمر عن
بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده (( أن رسول الله حبس رجلًا في:
تهمة )).
وحديث ثمامة أصل في ذلك ؛ لأنه كان قد حل دمه بالكفر ،
والسنة في مثله أن يقتل ، أو يستعبد ، أو يفادى به ، أو يمن عليه ، ..
فحبسه النبي حتى يرى فيه رأيه وأي الوجوه أصلح للمسلمين في أمره،
وترجم له في كتاب الصلاة باب الأسير والغريم يربط في المسجد .
(١) في (( هـ)): تعلم .
(٣) في (( هـ )) : أو .
(٢) في ((هـ)): بالسجن.
(٤) في (( هـ ) : أعطاه .
- ٥٤٢ -

باب : الربط والحبس في الحرم
واشترى نافع بن عبد الحارث دارًا للسجن بمكة من صفوان بن أمية
على أن عمر إن رضي فالبيع بيعه ، وإن لم يرض عمر فلصفوان
أربعمائة، وسجن ابن الزبير بمكة .
فيه : أبو هريرة (( أن النبي - عليه السلام - بعث خيلا قبل نجد ،
فجاءت بثمامة فربطوه بسارية من سواري المسجد )) .
قال المهلب : اشترى نافع الدار للسجن بمكة من مال المسلمين ؛
لأن عمر كان يومئذ أمير المؤمنين ، فاشترى نافع الدار من صفوان
وشرط عليه إن رضي عمر الابتياع فهو لعمر وإن لم يرض ذلك بالثمن
المذكور فالدار لنافع بأربعمائة ، وهذا بيع جائز ، فابتياع الدار
[لتكون](١) سجنًا بمكة ، يدل أن الحبس في الحرم والربط والأسر فيه
جائز بخلاف قول من قال من التابعين أن من فر إلى الحرم بحد أو
جرم ، أنه لا يقاد منه في الحرم ، واحتجوا بقوله تعالى : ﴿ومن
دخله كان آمنا﴾ (٢) وأئمة الفتوى بالأمصار لا يمنع عندهم الحرم إقامة
الحدود والقود فيه على من وجب عليه ذلك في غير الحرم ، وكلهم
يقول : إن من قتل في الحرم قتل فيه .
باب : في الملازمة
[ فيه ](٣): كعب: ((كان له على عبد الله بن [ أبي ] (٣) حدرد دين
فلقيه فلزمه ، فتكلما حتى ارتفعت أصواتهما ، فمر بهما النبي
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): تكون.
(٢) آل عمران : ٩٧ .
(٣) من (( هـ ).
- ٥٤٣ -

- عليه السلام - فقال : يا كعب ، وأشار بيده كأنه يقول : النصف ،
فأخذ نصف ما عليه وترك نصفًا » .
قال : هذا الحديث حجة للكوفيين في قولهم بالملازمة للغريم ، ألا
ترى أن النبي - عليه السلام - مر بكعب بن مالك وهو قد لزم غريمه
فلم ينكر ذلك عليه ، وأشار عليه بالصلح ، وسائر الفقهاء لا ينكرون
على صاحب الدين أن يطلب دينه كيف أمكنه بإلحاح عليه وملازمة أو
غير ذلك ، وإنما اختلفوا في الغريم المعدم هل يلازمه غريمه بعد ثبوت
الإعدام وانطلاقه من السجن أم لا ؟ وقد تقدم ذلك في باب قوله عليه
السلام: ((مطل الغني ظلم)) فأغنى عن إعادته.
باب : التقاضي
فيه : خباب : « کنت قینًا في الجاهلية ، و کان لي على العاص بن وائل
دراهم ، فأتيته أتقاضاه ، [ فقال ] (١) : لا أقضیك حتى تكفر بمحمد،
قلت : لا والله لا أكفر بمحمد حتى يميتك الله ثم يبعثك ، قال : فدعني
حتى أموت ثم أبعث فأوتى مالا وولدًا ثم أقضيك ... )) الحديث .
فيه من الفقه أن الرجل الفاضل إذا كان له دين عند الفاسق والكافر
أنه لا بأس أن يطلبه ويشخص فيه بنفسه ، ولا نقيصة عليه في ذلك ؛
لأن النبي قد نهى عن إضاعة المال - والحمد لله وحده .
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): قال.
- ٥٤٤ -

كتاب اللقطة
[٣/ ق٧٤ -١]
/ باب: إذا ( أخبر ) (١) رب اللقطة بالعلامة
( دفعت ) (٢) إليه
فيه : سويد بن غفلة: « لقيت أبي بن كعب فقال : (وجدت ) (٣) صرة
مائة دينار فأتيت النبي - عليه السلام - فقال : عرّفها حولا ، فعرفتها
فلم أجد من يعرفها ، ثم أتيته فقال : عرّفها حولا ، [ فعرفتها ] (٤) فلم
أجد ثم أتيته ثلاثًا فقال : احفظ وعاءها وعددها ووكاءها ، فإن جاء
صاحبها وإلا فاستمتع بها ، فلقيته بعد بمكة فقال : لا أدري ( أثلاثة ) (٥)
أحوال (أم) (٦) حولا واحدًاً)).
هذا الحديث لم يقل بظاهره أحد من أئمة الفتوى أن اللقطة تعرف
ثلاثة أعوام ؛ لأن سويد بن غفلة قد وقف عليه أبي بن كعب مرة
أخرى حين لقيه بمكة ، فقال : لا أدري ثلاثة أحوال ( أم ) (٦) حولا
واحدًا ، وهذا الشك يوجب سقوط التعريف ثلاثة أحوال ، ولا يحفظ
عن أحد قال ذلك إلا رواية جاءت عن عمر بن الخطاب ذكرها عبد
الرزاق عن ابن جريج قال : قال مجاهد : وجد سفيان بن عبد الله
[الثقفي] (٤) عبية فيها مال عظيم ، فجاء بها عمر بن الخطاب ؛
فقال: عرفها سنة ، فعرفها سنة ثم جاءه ، فقال : عرفها سنة
[فعرفها] (٤) ثم جاءه ، فقال : عرفها سنة [ فعرفها ] (٤) ثم جاءه بها،
فجعلها عمر في بيت مال المسلمين . وقد روي عن عمر بن الخطاب
(١) في (( هـ)) : أخبره.
(٣) في ((هـ)): أصبت.
(٥) في (( هـ)»: ثلاثة .
(٢) في (( هـ)): دفع.
(٤) من (( هـ )).
(٦) في ((هـ )): أو .
- ٥٤٥ -

أن اللقطة تعرف سنة مثل قول الجماعة ، وممن روي عنه أنها تعرف
سنة : علي بن أبي طالب ، وابن عباس ، وسعيد بن المسيب ،
والشعبي ، وإليه ذهب مالك ، والكوفيون ، والشافعي ، وأحمد بن
حنبل ، واحتجوا بحديث زيد بن خالد الجهني .
واختلف العلماء إذا جاء رب اللقطة بالعلامة هل يلزمه إقامة البينة
أنها له أم لا ؟ فقال مالك والليث وجماعة من أهل الحديث : إذا جاء
بعلامتها وجب أن يأخذها ، ولم يكلف إقامة البيئة . وبه قال أحمد
ابن حنبل ، وقال أبو حنيفة والشافعي : لا يأخذها إلا بعد إقامة البينة.
قال ابن القصار: وحجة مالك قوله عليه السلام: ((اعرف وعاءها
وعددها ووكاءها ، فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها )) ولم يقل :
فإن جاء صاحبها وأقام بينة ، وإنما أمر الملتقط بمعرفة الوعاء والوكاء
ليضبطها ، فإذا جاء طالبها وعرف صفتها سلمت إليه ، ولو لم يجب
عليه دفعها إلى من [ يأتي ] (١) بصفتها لم يكن لمعرفة صفتها معنى،
ولو كلف البيئة لتعذر عليه ؛ لأنه لا يعلم متى تسقط فيشهد عليها من
أجل ذلك .
واحتج الآخرون بقوله عليه السلام: ((البينة على المدعي ))
وصاحب اللقطة مدع فلا يستحقها إلا بالبينة ، فأجابهم أهل المقالة
الأولى فقالوا : البينة إنما تجب على المدعي إذا كان المدعى عليه ممن
يدعي الشيء المدعى فيه لنفسه .
والملتقط لا يدعي اللقطة لنفسه ، ألا ترى أن الملتقط لو ادعى عليه
اللقطة بغير صفة ولا بينة وأنكر لم يكن عليه يمين ، فعلم بهذا أن البينة
إنما تجب في موضع يدعى عليه ذلك الشيء ، وهو يدعيه لنفسه ..
!
قال ابن حبيب وأكثر ما يمكن في اللقطة أن يقبل منه الصفة ويحلف
(١) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): يأت.
- ٥٤٦ -

على ذلك ، فيكون بمنزلة شاهد ويمين . وهو قول سحنون ، وقال
سحنون : أصحابنا يقولون باليمين. وهو قول أشهب ، وقال : إن
نكل عن اليمين لم يأخذها ، ومن الناس من يقول : لا يمين عليه .
قال ابن القصار : وقول من رأى اليمين ( أحوط ) (١) . وقال
الأبهري : العلامة تقوم مقام اليمين، وهو الذي يقتضي الحديث ،
ويدل عليه .
واختلفوا إذا جاء بصفتها ودفعها إليه ، ثم جاء آخر فأقام بينة أنها
له، فقال ابن القاسم : لا يضمن الملتقط شيئًا ؛ لأنه فعل ما وجب
عليه، وهو أمين والشيء ليس بمضمون عليه [ و] (٢) الحكم فيها
عنده أن تقسم بين صاحب الصفة وصاحب البينة ، كما يحكم في
نفسين إذا ادعيا شيئًا وأقاما بينة .
وقال أشهب : إذا أقام الثاني البيئة حُكم له بها على الذي أخذها
بالعلامة . وقال أبو حنيفة والشافعي : إذا أقام الثاني البينة فعلى الملتقط
الضمان . وقول ابن القاسم أولى؛ لأن / [ الضمان ] (٣) لا يلزم [٧٤٥/٣ -ب]
فيما سبيله الأمانة، ولا خلاف عن مالك وأصحابه أن الثاني إذا أتى
بعلامتها ( بلا ) (٤) بينة أنه لا شيء [ له] (٥).
#
*
باب : ضالة الإبل
فيه : زيد بن خالد: (( جاء أعرابي إلى النبي - عليه السلام - فسأله
عما (يلتقط) (٦) فقال: عرفها سنة ثم اعرف [عفاصها ] (٧) ووكاءها .
(١) في ((هـ )) : أجود .
(٤) في (( هـ)»: فلا
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): في .
(٣) من (( هـ)).
(٥) في (( الأصل)): عليه، والمثبت من (( هـ)).
(٦) في ((هـ)) : يلتقطه .
(٧) في ((الأصل)": عقاصها، والمثبت من ((هـ، ون)).
- ٥٤٧ -

فإن جاء أحد يخبرك بها وإلا فاستنفقها ، قال : يا رسول الله ، ضالة
الغنم ؟ قال : لك أو لأخيك أو للذئب ، قال : ضالة الإبل ؟ فتمعر وجه
النبي - عليه السلام - فقال : مالك ولها ؟! معها حذائها وسقاؤها ترد
الماء وتأكل الشجر)) ..
قال أبو عبيد : ( العفاض ) (١) : الوعاء الذي تكون فيه النفقة من
جلد كان أو غيره ، ولهذا يسمى الجلد التي تلبسه القارورة العفاص ؛
لأنه كالوعاء لها ، والوكاء : الخيط الذي يشد به ، وحذاؤها يعني:
أخفافها ، يقول : تقوى على السير وتقطع البلاد، وسقاؤها : يعني أنها
تقوى على ورود المياه [ لتشرب ] (٢) والغنم لا تقوى على ذلك.
واختلفوا في ضالة الإبل هل تؤخذ ؟ فقال مالك والأوزاعي
والشافعي : لا يأخذها ولا يعرّفها ؛ لنهيه - عليه السلام - عن ضالة
الإبل . وقال الليث : إن وجدها في القرى عرّفها ، وفي الصحراء
لا يقربها .
وقال الكوفيون : أخذ ضالة الإبل وتعريفها أفضل ؛ لأن تركها
سبب [ لضياعها، قالوا ] (٣): وأمر عمر بتعريف البعير يدل على
جواز ذلك ، وإنما النهي عن أخذها لمن يأكلها ، وهو معنى قول عمر
ابن الخطاب : لا يأوي الضالة إلا ضال .
وقد باع عثمان ضوال الإبل ، وحبس أثمانها على [ أربابها ] (٤)
ورأى أن ذلك أقرب إلى جمعها عليهم لفساد الناس . قيل لهم : ترك
عمر لضوال الإبل أشبه لمعنى قوله - عليه السلام - : (( معها حذاؤها.
وسقاؤها ترد الماء وترعى الشجر حتى يلقاها ربها )) وذلك أقرب إلى
(١) في (( هـ ) : العقاص).
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): شرب.
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): ضياعها قال.
(٤) من ( هـ )
- ٥٤٨ -

جمعها على صاحبها مع جور الأئمة ؛ لأن صاحبها لا يستطيع أن
يخاصم فيها الإمام الجائر ، ولا يجد من يحكم له عليه ، ويستطيع أن
يخاصم فيها الرعية فيقضي له عليه السلطان ، وظاهر الحديث على
تركها حيث وجدها والنهي عن أخذها .
قال ابن المنذر : وممن رأى أن ضالة البقر كضالة الإبل : طاوس
والأوزاعي ، والشافعي ، وقال مالك والشافعي في ضالة البقر : إن
وجدت بموضع يخاف عليها فهي بمنزلة الشاة ، وإن [كانت بموضع](١)
لا يخاف عليها فهي بمنزلة البعير .
قال ابن حبيب : والخيل والبغال والعبيد وكل ما يستقل بنفسه
ويذهب هو داخل في اسم الضالة ، وقد شدد رسول الله في أخذ كل
ما يرجى أن يصل إلى صاحبه ، فمن (٢) أخذ شيئًا من ذلك في غير
الفيافي فهو كاللقطة ، ومن أخذ شيئًا مجمعًا على أخذه ثم أرسله فهو
له ضامن ، إلا أن يأخذه غير مجمع على أخذه مثل: أن يمر رجل في
آخر الركب أو آخر الرفقة فيجد شيئًا ساقطًا ، فيأخذه وينادي [ من](٣)
أمامه : لكم هذا ؟! فيقال له : لا ، ثم يخليه في مكانه [ فلا ] (٤)
شيء عليه فيه . فهذا قول مالك .
قال غيره : وأما إن وجد عرضًا فأخذه وعرفه فلم يجد صاحبه ،
فلا يجوز له رده إلى الموضع الذي وجده فيه ، فإن فعل وتلف ضمنه
لصاحبه . وذكر ابن المنذر عن الشافعي إن أخذ بعيرًا ضالا ثم أرسله
فتلف فعليه الضمان .
(١) من (( هـ )) وفي (( الأصل)»: كان في موضع.
(٢) جاء في ((الأصل)»: شاء . وهي زيادة مقحمة.
(٣) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): فيه.
(٤) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): فيه .
- ٥٤٩ -

باب : ضالة الغنم
وفيه: زيد بن خالد ((سئل النبي عن اللقطة ، فقال : اعرف
[عفاصها] (١) ووكاءها ، ثم عرفها سنة - يقول يزيد : إن لم تعرف
استنفق بها صاحبها ، وكانت وديعة عنده. قال يحيى [بن سعيد](٢) :
[فهذا] (٣) الذي لا أدري أفي حديث النبي هو أم شيء من عنده - ثم
[٣/ ٧٥-أ] قال: كيف ترى في ضالة الغنم ؟ قال النبي : خذها / فإنما هي لك أو
لأخيك أو للذئب - قال يزيد : وهي تعرف أيضًا ... )) الحديث .
اختلف العلماء في ضالة الغنم ، فقال ابن المنذر : روينا عن عائشة
أنها منعت من ضالة الغنم ومن ذبحها . وقال الليث : لا أحب أن
تعرف ضالة الغنم إلا أن يحرزها لصاحبها. وقال أبو حنيفة والشافعي:
إن أكلها فعليه الضمان إذا جاء صاحبها . وهو قول عبد العزيز بن أبي
سلمة وسحنون .
وقال مالك : ومن وجد شاة في أرض فلاة وخاف عليها فهو مخير .
في تركها أو أكلها ، ولا ضمان عليه . والحجة لمالك أن النبي أذن في
أكل الشاة، وأقام الذي وجدها مقام ربها وقال: (( لك أو لأخيك أو
للذئب)) فإذا أكلها بإذن النبي لم يجز أن يغرم في حال [ ثان ] (٤) إلا
بحجة من كتاب أو سنةً أو إجماع .
قالوا : وهذا أصل في كل ما يوجد من الطعام الذي لا يبقى
ويسرع إليه الفساد ، فمن وجده أكله إذا لم يمكنه تعريفه ولا [يضمنه](٥)
لأنه في معنى الشاة، والشاة في حكم المباح الذي لا قيمة له ، ألا
(١) فى ((الأصل)): عقاصها. والمثبت من ((هـ، ن).
(٢) من ( هـ )
(٣) من ((هـ)) وفي (( الأصل)) : هذا.
(٤) من ((هـ)) وفي (( الأصل : ثاني .
(٥) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): تضمينه.
- ٥٥٠ -

ترى أن النبي - عليه السلام - وجد تمرة فقال : (( لولا أني أخشى أن
تكون من الصدقة لأكلتها )» فإنما نبه أنه يجوز أكلها من ملك الغير لو
لم تكن من الصدقة ؛ لأنها في معنى التافه ، فكذلك الشاة في الفلاة
لا قيمة لها .
واحتج الطحاوي للكوفيين فقال: ليس قوله عليه السلام: (( هي
لك أو لأخيك أو للذئب)) على معنى التمليك ، كما أنه إذا قال : أو
للذئب [ لم يرد به التمليك ] (١) لأن الذئب لا يملك وإنما يأكلها على
ملك صاحبها ، فينزل على أجر مصيبها ، فكذلك الواجد إن أكلها
أكلها على ملك صاحبها ، فإن جاء ضمنها له .
قالوا : وقد روى ابن وهب عن عمرو بن الحارث ، وهشام بن
سعيد ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده (( أن رجلا أتى
النبي - عليه السلام - فقال: [ يا رسول الله ] (١) كيف ترى في
ضالة الغنم ؟ قال : طعام مأكول لك أو لأخيك أو للذئب ، فاحبس
على أخيك ضالته )) . فهذا دليل على أن الشاة على ملك صاحبها.
وأجمع العلماء أن صاحبها لو جاء قبل أن يأكلها الواجد لها أخذها
منه ، وكذلك لو ذبحها أخذها منه مذبوحة ، وكذلك لو أكل بعضها
أخذ ما وجد منها ، فدل على أنها على ملك صاحبها في الفلوات
وغيرها ، ولا يزول ملكه عنها إلا بإجماع ، ولا فرق بين قوله في
الشاة: ((هي لك أو لأخيك أو للذئب)) وبين قوله في اللقطة :
((فشأنك بها)) بل هذا أشبه بالتمليك ؛ لأنه لم يشرك معه في لفظ
التمليك ذئبًا ولا غيره .
(١) من (( هـ)).
- ٥٥١ -

باب : إذا لم يوجد صاحب اللقطة بعد سنة
فھی لمن وجدها
فيه: زيد: (( سأل رجل النبي عن اللقطة فقال: اعرف [ عفاصها ](١)
ووكاءها ثم عرفها سنة ، فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها ... )) الحديث .
وأجمع أئمة الفتوى على أن اللقطة إذا عرفها سنة وانتفع بها وأنفقها
بعد السنة ثم جاء صاحبها أنه يرد عليه قيمتها ويضمنها له ، وليس
قوله: ((فشأنك بها )) يبيح له أخذها ويسقط عنه ضمانها ؛ لما ثبت
عنه عليه السلام في اللقطة: (( فإن جاء صاحبها بعد السنة (أدها)(٢)
إليه ؛ لأنها وديعة عند ملتقطها)) وسيأتي تمام القول في ذلك في بابه -
إن شاء الله - وخرق الإجماع رجل نُسب إلى العلم يعرف بداود بن
علي ، فقال : إذا جاء صاحبها بعد السنة لم يضمنها ملتقطها ؛ لأن
النبي - عليه السلام - أطلقه على ملكها بقوله: ((فشأنك بها ، فلا ضمان
عليه ، ولا سلف له في ذلك إلا اتباع الهوى والجرأة على مخالفة
الجماعة [التي ] (٣). لا يجوز عليها تحريف التأويل ولا الخطأ فيه ،
أعاذنا الله من اتباع الهوى والابتداع في دينه مما لم يأذن فيه عز وجل .
[٣/ق٧٥-ب]
باب : إذا وجد / خشبة في البحر أو سوطًا أو نحوه
فيه : أبو هريرة: (( أن النبي - عليه السلام - ذكر رجلا من بني
إسرائيل ... )) وساق الحديث ((فخرج ينظر لعل مركبًا قد جاء بماله ، فإذا
بالخشبة فأخذها لأهله حطبًا ، فلما نشرها وجد المال والصحيفة ... ))
(٤)
[الحديث ]
(١) في ((الأصل)): عقاضها. والمثبت من ((هـ، ن)). (٢) فى (( هـ)): فأدها.
(٤) من (( هـ ) .
(٣) من (( هـ )) وفي (( الأصل)) : الذي .
- ٥٥٢ -

هذه الخشبة [ حكمها ] (١) حكم اللقطة ، قال المهلب : وإنما
أخذها حطبًا لأهله ؛ لأنه قوي عنده انقطاعها عن صاحبها لغلبة
العطب على صاحبها وانكسار سفينته ، وروى ابن عبد الحكم عن
مالك أنه قال : إذا ألقى البحر خشبة فتركها أفضل . وقال ابن شعبان:
فيها قول آخر : إن وجدها يأخذها ، فمتى جاء ربها غرم له قيمتها
واختلف العلماء فيما يفعل باللقطة اليسيرة ، فرخصت طائفة في
أخذها والانتفاع بها وترك تعريفها ، وممن روي ذلك عنه : عمر بن
الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، وابن عمر ، وعائشة ، وهو قول
عطاء والنخعي وطاوس .
قال ابن المنذر : روينا عن عائشة في اللقطة لا بأس بما دون الدرهم
أن يستمتع به ، وعن جابر بن عبد الله قال : كانوا يرخصون في
السوط والحبل ونحوه إذا وجده الرجل ولم يعرف صاحبه أن ينتفع به.
وقال عطاء : لا بأس للمسافر إذا وجد السوط والسقاء و[ النعلين ] (٢)
أن يستمتع [ به ] (٣) وحديث الخشبة الحجة لهذه المقالة، لأن النبي
أخبر أنه أخذها حطبًا لأهله ، ولم يأخذها ليعرفها ، وأقر النبي -
عليه السلام - ذلك ، ولم يذكر أنه فعل ما لا ينبغي له .
وأوجبت طائفة تعريف قليل اللقطة وكثيرها حولا إلا ما لا قيمة له.
قال ابن المنذر : روينا ذلك عن أبي هريرة أنه قال في لقطة الحبل
والزمام ونحوه : عرفه فإن وجدت صاحبه رددته عليه وإلا استمتعت
به. وهو قول مالك والشافعي وأحمد بن حنبل .
(١) من (( هـ)).
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): العليق .
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): بهما .
- ٥٥٣ -

قال مالك : من وجد لقطة دينارًاً [ أو ] (١) درهمًا أو [ أقل ] (٢)
من ذلك فليعرفه سنة إلا الشيء اليسير مثل : القرص ، أو الفلس ، أو
الجوزة ، أو نحو ذلك فإنه يتصدق به من يومه ، ولا أرى أن يأكله ،
ولا يأكل التمرات والكسرة إلا المحتاج ، وأما النعلان والسوط وشبه
ذلك فإنه يعرفه ، فإن لم يجد له صاحبًا تصدق به ، فإن جاء صاحبه
غرمه .
وهو قول الكوفيين إلا في مدة التعريف فإنهم قالوا : ما كان عشرة
دراهم فصاعدًا عرفه حولا ، وما كان دون ذلك عرفه بقدر ما يراه .
وقال الثوري : تعرف الدراهم أربعة أيام . وقال أحمد : يعرفه سنة .
وقال إسحاق : ما دون الدينار يعرفه جمعة أو نحوها . وحجة هذه
المقالة قوله عليه السلام في اللقطة: ((اعرف [ عفاصها ] (٣)
ووكاءها)) ولم يخص قليل اللقطة من كثيرها ، فيجب على ظاهر
حديث زيد بن خالد أن يستوي حكم قليلها وكثيرها في ذلك .
:
قال ابن المنذر : ولا أعلم شيئًا استثني من جملة هذا الخبر إلا التمرة
التي منعه من أكلها خشية أن تكون من الصدقة ، فما له بقاء مما زاد
على التمرة وله قيمة يجب تعريفه .
واختلفوا فيما لا يبقى إلى مدة التعريف ، فقال مالك : يتصدق به
أحب إليّ . قيل لابنُ القاسم : فإن أكله أو تصدق به وأتى صاحبه ؟
قال : لا يضمنه في قياس قول مالك على الشاة يجدها في فيافي
الأرض. وفي قول الكوفيين : ما لا يبقى إذا أتى عليه يومان أو يوم
وفسد ، قالوا : يعرفه فإن خاف فساده تصدق به ، فإن جاء ربه
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): و. (٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): قل.
:
(٣) في ((الأصل)): عقاصها. والمثبت من ( هـ)) . !
- ٥٥٤ -

ضمنه . وهو قول الشافعي ، وحجتهم أن ما كان له رب فلا يملكه
علیه أحد إلا بتملکه إياه قل أو كثر .
باب : إذا وجد تمرة في الطريق
فيه : أنس: ((مر النبي - عليه السلام - بتمرة في الطريق فقال : لولا
أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها )) .
وفيه : أبو هريرة: قال النبي - عليه السلام -: (( إني لأنقلب إلى أهلي
فأجد التمرة ساقطة على / فراشي فأرفعها لآكلها ثم أخشى أن تكون [٢/ ٥ ٧٦-١]
صدقة فألقيها )) .
أما ما لا بال له ولا يتشاح الناس فيه ولا يطلبونه كالتمرة والجوزة
والتينة و( العنابة ) (١) والحبة من الفضة وشبه ذلك ، فلا يلزم في شيء
منه تعريف ؛ لجواز أكله عليه السلام للتمرة الساقطة لو لم تكن من
الصدقة المحرم عليه قليلها وكثيرها .
فدل هذا الحديث على إباحة الشيء [ التافه ] (٢) الملتقط ، وأنه
معفو عنه وخارج من حكم اللقطة ؛ لأن صاحبه لا يطلبه ، فلذلك
استحل النبي - عليه السلام - أكل التمرة لولا شبهة الصدقة ، وقد
روى عبد الرزاق أن علي بن أبي طالب التقط حبة أو حبتين من رمان
من الأرض فأكلها ، وعن ابن عمر أنه وجد تمرة في الطريق فأخذها
فأكل نصفها ، ثم لقيه مسكين فأعطاه النصف الآخر .
(١) في (( هـ)): الفتاتة.
(٢) من (( هـ )).
- ٥٥٥ -

باب : كيف تعرف لقطة أهل مكة ؟
وقال ابن عباس عن النبي - عليه السلام -: (( لا يلتقط لقطتها إلا من
عرفها)». وقال مرةً عن النبي: (( لا تحل لقطتها إلا لمنشد)).
وفيه : أبو هريرة: (( لما فتح الله مكة على رسوله قام في الناس فحمد
الله وأثنى عليه ثم قال : إن الله حبس عن مكة الفيل ، وسلط عليها
رسوله و[المؤمنين] (١)، فلا تحل لأحد كان قبلي، و( إنها) (٢) أحلت
لي ساعة من نهار ، وإنها ( لن ) (٣) تحل لأحد من بعدي ، ولا ينفر
صيدها ، ولا يختلى شوكها ، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد ... )) الحديث .
اختلف العلماء في لقطة مكة ، فقالت طائفة : حكم لقطتها
[كحكم] (٤) لقطة سائر البلدان . قال ابن المنذر : روينا هذا القول عن
عمر وابن عباس وعائشة وسعيد بن المسيب ، وبه قال مالك وأبو حنيفة
وأحمد بن حنبل .
وقالت طائفة : [ إن لقطتها ] (٥) لا تحل البتة ، وليس لواجدها إلا
إنشادها . هذا قول الشافعي وابن مهدي و[ أبي ] (٦) عبيد ، قال ابن
مهدي: معنى قوله: (( لا تحل لقطتها )) كأنه يريد البتة ، فقيل له :
إلا لمنشد ؟ فقال : إلا لمنشد ، وهو يريد المعنى الأول ، كما يقول
الرجل : والله [ لأفعلن ] (٧) كذا وكذا، ثم يقول : إن شاء الله ،
وهو لا يريد الرجوع عن يمينه ، [ ولكنه لقن شيئًا فلقنه ] (٥) فمعناه :
أنه ليس يحل [ له ] (٥) منها إلا إنشادها ، فأما الانتفاع بها فلا
يجوز.
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): المؤمنون.
(٢) في ((هـ): إنما .
(٣) في (( هـ)): لا .
(٥) من (( هـ).
(٤) من (( هـ)) وفي (( الأصل)) : حكم .
(٦) من ((هـ)) وفى (( الأصل)): أبو.
(٧) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): لا فعلت .
- ٥٥٦ -

وفيها قول ثالث : قال جرير بن [ عبد الله الحميدي ] (١) قوله :
((إلا لمنشد)) يعني: إلا من سمع ناشدًا يقول : من أصاب كذا ،
فحينئذ يجوز للملتقط أن يرفعها إذا رآها ، لكي يردها على صاحبها ،
ومال إسحاق بن راهويه إلى هذا القول ، وقاله النضر بن شميل .
وفيها قول رابع : يعني : لا تحل إلا لربها الذي يطلبها . قال أبو
عبيد: هو [ جيد ] (٢) في المعنى ولكن لا يجوز في العربية أن يقال
للطالب : منشدًا إنما المنشد المعرف ، والطالب هو الناشد ، يدل على
ذلك أن الرسول سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فقال: ((أيها
الناشد غيرك ( الواجد ) (٣) )). قال أبو عبيد : وليس للحديث وجه
إلا ما قاله ابن مهدي .
قال المؤلف : ولو كان حكم لقطة مكة ( حكم ) (٤) غيرها ؛ ما
كان لقوله: (( لا تحل لقطتها إلا لمنشد )) معنى تختص به مكة [ كما
تختص بسائر ما وكد في هذا الحديث ؛ لأن لقطة ] (٥) غيرها كذلك
يحل لمنشدها بعد الحول الانتفاع بها ، فدل مساق هذا الحديث كله
على تخصيص مكة ومخالفة لقطتها لغيرها من البلدان ، كما خالفتها
في كل ما ذكر في الحديث من أنها حرام لا تحل لأحد ساعة من نهار
بعد النبي - عليه السلام - وأنه لا ينفر صيدها ، ولا يختلى خلاها وغير
ذلك مما خصت به من أنه لم يستبح دماءهم ولا أموالهم ، ولا جرى
فيهم الرق كغيرهم .
ومن الحجة أيضًا لذلك أن الملتقط إنما يتملك اللقطة في غير مكة بعد
الحول ، حفظًا لها على ربها وحرزًا لها ؛ لأنه لا يقدر على إيصالها
(١) في ((هـ)): عبد الحميد .
(٢) من (( هـ )) وفي ((الأصل)): خير .
(٣) في (( هـ)): المواجد.
(٤) في (( هـ )»: كحكم لقطة.
(٥) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): دون.
- ٥٥٧ -

إليه ويخشى تلفها ، فيتملكها وتتعلق قيمتها بذمته ، ولقطة مكة يمكن
إيصالها إلى ربها ، لأنه إن كان من أهل مكة فإن معرفته تقرب ، وإن
[٢/ ٥ ٧٦ - ب] كان / غريبًا لا يقيم بها فإنه يعود إليها بنفسه أو يقدر على من (يسبير)(١)
إلى مكة من أهل بلده فيتعرف له ذلك ؛ لأنها تقصد في كل عام من
أقطار الأرض ، فإذا كانت اللقطة فيها معرضة للإنشاد أبدًا أوشك أن
يجدها باغيها ويصل إليها ربها ، فهذا الفرق بين مكة وسائر البلاد .
!
باب : لا تحتلب ماشية أحد بغير إذنه
فيه : ابن عمر أن النبي - عليه السلام - قال: (( لا يحلبن أحد ماشية
امرئ بغير إذنه ، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر خزانته فينقل
طعامه ، [ فإنما ] (٢) تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعماتهم ، فلا يحلبن
أحد ماشية أحد إلا بإذنه )) .
قال : أجمع العلماء أنه لا يجوز كسر قفل مسلم ولا ذمي ، ولا أخذ
شيء من ماله بغير إذنه ، وشبه رسول الله اللبن في الضرع بالطعام
المخزون تحت الأقفال، وهذا هو قياس الأشياء على نظائرها وأشباهها،
أرانا رسول الله بهذا المثل قياس الأمور إذا [ تشابهت ] (٢) معانيها ،
فوجب امتثال ذلك واستعماله خلافًا لقول من أبطل القياس. وقوله :
(( أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر خزانته)) فمعناه : أن يكره
المسلم لأخيه المسلم ما يكرهه لنفسه ، وهذا في معنى قوله: [عليه
السلام] (٤): ((لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه)).
وأكثر العلماء يجيز أكل مال الصديق إذا كان تافهًا لا يتشاح في
(٢) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): إنما.
(١) في (( هـ )) : يصير .
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): شابهت. (٤) من (( هـ).
- ٥٥٨ -

مثله، وإن كان ذلك بغير إذنه ما لم يكن تحت قفله ، وقال أبو عبد الله
ابن أبي صفرة : وهذا الحديث لا يعارض حديث الهجرة حين قال أبو
بكر الراعي: (( لمن أنت ؟ قال : لرجل من قريش ، قال : هل أنت
حالب لنا ؟)) لأن حديث الهجرة في زمن المكارمة ، وهذا الحديث
في زمن التشاح لما علم عليه السلام أنه [ سيكون ] (١) من تغير
الأحوال بعده .
قال المهلب : مع أن قوله عليه السلام : (( لا يحلبن أحد ماشية أحد
بغير إذنه )) نهي عن التسور و[الاحتلاب] (٢)، وحديث الهجرة لم
يتسور النبي - عليه السلام - ولا أبو بكر ، وإنما سأل أبو بكر الراعي
وقال له : هل أنت حالب لنا ؟ والراعي في المال له عادة العرب [من
الحلب ] (٣) فلذلك أجاز النبي - عليه السلام - شرب ما حلب
الراعي ، وكذلك عادة العرب في الحلب على الماء ولابن السبيل
[مباحة] (٤) له، وكل مسترعى له مثل ذلك في الذي استرعي ،
كالمرأة في بيت زوجها تعطي اللقمة من ماله والتمرات و[ كف
الطعام](٥) فقال عليه السلام: ((إنها أحد المتصدقين)).
وقال أشهب : خرجنا [ مرابطين ] (٦) إلى الإسكندرية فمررنا بجنان
الليث بن سعد ، فأكلنا من التمر ، فلما رجعت دعتني نفسي أن
أستحل ذلك من الليث فدخلت إليه ، فأخبرته بذلك ، فقال [لي](٣):
يا ابن أخي ، لقد نسكت نسكًا أعجميا ، أما سمعت الله يقول : ﴿أو
صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعًا أو أشتاتًا ﴾ (٧) فلا بأس
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): يكون .
(٣) من (( هـ)).
(٢) من ((هـ) وفي (( الأصل)): الاختلاف.
(٤) من (( هـ)) وفى ((الأصل)): سماحة .
(٥) من (( هـ)) وفي (( الأصل)): الكف.
(٦) في ((الأصل)): من أبطين، وهو تحريف والمثبت من (( هـ ).
(٧) النور : ٦١ .
- ٥٥٩ -

أن يأكل الرجل من مال أخيه الشيء التافه [ ليسره ] (١) بذلك .
وروى ابن وهب عن مالك في الرجل يدخل الحائط فيجد الثمر
ساقطاً، قال : لا تأكل منه إلا أن تعلم أن صاحب الحائط طيب النفس
به ، أو يكون محتاجًا إلى ذلك فأرجو ألا يكون به بأس .
باب : إذا جاء صاحب اللقطة بعد سنة
ردها عليه لأنها وديعة عنده
فيه : زيد: (( أن رجلا سأل النبي عن اللقطة فقال : عرفها سنة ثم
اعرف ( عفاصها ووكاءها ) (٢) ثم استنفق بها، فإن جاء [ ربّها ](٣)
فأدها إليه ... )) الحديث .
أجمع أئمة الفتوى على أن صاحب اللقطة إذا جاء بعد الحول أن
الذي وجدها يلزمه ردها إليه ؛ لقوله عليه السلام: ((فإن جاء.
صاحبها فأدها إليه)) وقد ذكرنا قبل هذا أن بعض من نسب إلى العلم
وحظه منه أن يوسم ( بمخالفة ] (٤) الأئمة خالف إجماعهم في اتباع
[٣/ ق٧٧-أ] هذا الحديث، وخالف قوله عليه السلام /: ((فأدها إليه)) وقال : لا
يؤدي إليه [ شيئًا ] (٥) بعد الحول استدلالا منه بقوله عليه السلام :
((فشأنك بها)) قال : لأن هذا إطلاق منه عليه السلام على ملكها فلا
يلزمه تأديتها . وهذا قول يؤدي إلى تناقض السنن ، وقد جل الرسول
عن أن يتناقض .
وقوله عليه السلام: (( فأدها إليه)) [ فيه ] (٦) بيان وتفسير لقوله
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): يسره.
(٢) في (( هـ)): وكاءها وعفاصها.
(٣) في (( هـ ): صاحبها .
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): مخالفة .
(٥) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): شيء.
(٦) من ( هـ).
- ٥٦٠ -