النص المفهرس

صفحات 521-540

وكان عبد الله بن جعفر يقول لحارثة : اذهب فخذ لي بدين ، فإني
أكره أن أبيت الليلة إلا والله معي .
قال الطبري : كلا الخبرين صحيح ، وليس في أحدهما دفع معنى
الآخر، فأما قوله عليه السلام: (( [ إن ] (١) الله مع الدائن حتى
يقضي دينه ما لم يكن فيما يكره [ الله ] (٢) )) فهو المستدين فيما لا يكرهه
الله ، وهو يريد قضاءه ، وعنده في الأغلب ما يؤديه منه فالله -
تعالى- في عونه على قضائه .
وأما المغرم الذي استعاذ منه عليه السلام فإنه الدين الذي استدين
على أوجه ثلاثة : إما فيما يكرهه الله ثم لا يجد سبيلاً إلى قضائه، أو
مستدين فيما لا يكرهه الله ولكن لا وجه لقضائه عنده ، فهو متعرض
لهلاك مال أخيه ومتلف له ، أو مستدين له إلى القضاء سبيل غير أنه
نوى ترك القضاء وعزم على جحده ، فهو عاص لربه ظالم لنفسه،
فكل هؤلاء لوعدهم إن وعدوا من استدانوا منه القضاء يخلفون ، وفي
حديثهم كاذبون لوعدهم .
وقد صحت الأخبار عنه عليه السلام أنه استدان في بعض الأحوال،
فكان معلومًا بذلك أن الحال التي كره ذلك - عليه السلام - فيها غير
الحال التي ترخص لنفسه فيها .
وقد استدان السلف : استدان عمر بن الخطاب وهو خليفة ، وقال
لما طعن: انظروا كم عليّ من الدين ، فحسبوه فوجدوه ثمانين ألفًا
[أو](٣) أكثر ، وكان على الزبير دين عظيم ذكره البخاري .
فمما ثبت عن النبي - عليه السلام - وعن السلف من استدانتهم
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): فإن.
(٢) من (( هـ )).
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): و.
- ٥٢١ -

الدين مع تكريههم له إلى غيرهم الدليل الواضح على أن اختلاف
الأمر في ذلك كان على قدر اختلاف حال المدينين .
[٣/ ق٦٩ -ب]
/ باب : الصلاة على من ترك دينًا
فيه : أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: (( من ترك مالا فلورثته ،
ومن ترك كلا فإلينا ... )) الحديث .
هذا الحديث ناسخ لترك النبي الصلاة على من مات وعليه دين ،
وقد تقدم هذا المعنى مستوعبًا في كتاب الكفالة في باب من تكفل عن
ميت دينًا ، فكرهنا إعادته .
باب : مطل الغني ظلم
فيه : أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: (( مطل الغني ظلم)).
باب : لصاحب الحق مقال
ويذكر عن النبي - عليه السلام - أنه قال: (( [ ليّ ] (١) الواجد يحل
عرضه وعقوبته)) قال سفيان: عرضه: [ أن ] (٢) يقول مطلني،
وعقوبته : الحبس .
[وذكر] (٢) حديث أبي هريرة أن النبي قال: ((دعوه فإن لصاحب
الحق مقالا)) إذا مطله وهو غني فقد ظلمه، والظلم محرم قليله وكثيره.
وقال أصبغ وسحنون : إذا مطل بدين لم تجز شهادته ؛ لأن
(٢) من
(١) من (( هـ، ن)) وفي ((الأصل)): في وهو تحريف.
- ٥٢٢ -

الرسول سماه ظالمًا . وعند [ غيرهما ] (١) من العلماء لا تسقط
شهادته إلا أن يكون ذلك الأغلب من فعله .
وفسر الفقهاء قوله عليه السلام: (( [ ليّ ] (٢) الواجد يحل عرضه
وعقوبته )) كما فسره سفيان، وهو كقوله عليه السلام : ((لصاحب
الحق مقال )) أي [ له أن] (٣) يصفه بالمطل، وقالوا : قد جاء في
القرآن مصداق هذا ، قال تعالى : ﴿ لا يحب الله الجهر بالسوء من
القول إلا من ظلم﴾ (٤) وهذه الآية نزلت فيمن منع الضيافة ، فأبيح له
أن يقول في المانع أنه لئيم ، وأنه لم يقره ، وشبه هذا . وأما عقوبته
بالحبس فإن ذلك إذا [ رُجي ] (٥) له مال أو وفاء بما عليه ، فإذا ثبت
عسرته [ وجبت نظرته ] (٦) ولم يلزمه حبس ؛ لزوال العلة الموجبة
لحبسه ، وهي الوجدان .
واختلفوا في الرجل إذا ثبتت عسرته وأطلقه القاضي من السجن ،
هل يلازمه غريمه ؟ فقال مالك والشافعي : ليس لغرمائه لزومه
ولا يعترض له حتى يثوب له مال آخر . وقال أبو حنيفة : لا يمنع
الحاكم غرماءه من لزومه . قال الطحاوي : وقوله عليه السلام :
((مطل الغني ظلم)) يدل أن مطل غير الغني ليس بظلم ، فلا مطالبة
عليه إذًّا ، وإذا سقطت المطالبة زالت الملازمة .
وقوله : ﴿ فنظرة إلى ميسرة ﴾ (٧) يوجب تأخيره ، فصار كالدين
المؤجل فيمنع من لزومه .
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): غيرهم.
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): في. (٣) من (( هـ)). (٤) النساء : ١٤٨.
(٥) في ((الأصل)): أعطى، والمثبت من ((هـ)).
(٧) البقرة: ٢٨٠ .
(٦) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): ووجبت نصرته.
- ٥٢٣ -

-باب : إذا وجد ماله عند مفلس في البيع والقرض
والوديعة فهو أحق به
وقال الحسن : إذا أفلس [ وتبين ] (١) لم يجز عتقه ولا بيعه ولا شراؤه.
وقال سعيد بن المسيب: قضى عثمان [ قال ] (١) : من اقتضى من حقه
قبل أن یفلس فهو له ، ومن عرف (متاعه) (١) بعينه فهو أحق به .
فيه : أبو هريرة قال : قال النبي - عليه السلام -: ((من أدرك ماله بعينه
عند رجل أو إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره )) .
اختلف العلماء في هذا الباب ، فروي عن عثمان بن عفان وعلي
وابن مسعود وأبي هريرة : أن المشتري إذا أفلس ووجد البائع متاعه بعينه
فهو أحق به من سائر الغرماء . وهو قول عروة بن الزبير ، وإليه
ذهب مالك ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ،
واحتجوا بهذا الحديث .
وروي عن النخعي والحسن البصري أن البائع أسوة الغرماء ؛ وهو
[٥/٣ ٧٠- ١] قول أبي / حنيفة وأصحابه ، ودفعوا حديث التفليس بالقياس وقالوا:
السلعة مال المشتري ، وثمنها في ذمته ، ومن باع شيئًا فله إمساكه
وحبسه حتى يستوفي الثمن ، كما أن المرتهن له حق الحبس وإمساك
الرهن ليستوفي حقه من ثمنه .
ثم قد ثبت أن المرتهن لو أبطل حق الحبس ، وأزال يده عن الرهن
وسلمه إلى الراهن ؛ لم يكن له بعد ذلك الرجوع فيه ، فكذلك البائع
إذا أزال يده عن المبيع وسلمه إلى المشتري فقد تعلق حقه بالذمة المجردة .
والسنة مستغنى بها عن قول كل أحد ، ولا مدخل للقياس والنظر
إلا إذا عدمت السنة ، وأما مع وجودها فهي حجة على من خالفها ،
(١) من ((هـ).
(٢) في (( هـ )) : ماله .
- ٥٢٤ -

وأيضًا فإن البائع إذا نقل حقه من العين إلى الذمة وتعذر قبضه من
الذمة بالفلس ، وجب أن يكون [له] (١) الرجوع إلى العين مع بقائها .
فإن قال الكوفيون : نتأول قوله عليه السلام: (( فهو أحق به )) على
المودع والمقرض دون البائع ، قيل : هذا فاسد ؛ لأنه عليه السلام
جعل لصاحب المتاع الرجوع إذا وجده بعينه ، والمودع أحق بعين ماله
سواء كان على (٢) صفته أو قد تغير عنها ، فلم يجز حمل الخبر عليه،
ووجب حمله على البائع ؛ لأنه إنما يرجع بعين ماله إذا وجده على
صفته لم يتغير ، فإذا تغير فإنه لا يرجع .
وذهب مالك إلى أن صاحب المتاع أحق به إذا وجده في الفلس وهو
في الموت أسوة الغرماء ، وبه قال أحمد بن حنبل ، وقال الشافعي :
هو في الفلس والموت سواء ، واحتج بما رواه ابن أبي ذئب عن أبي
المعتمر عمرو بن نافع ، عن [ عمرو ] (٣) بن خلده الزرقي ، عن أبي
هريرة ، عن النبي - عليه السلام - قال: (( من مات أو أفلس فوجد
رجل متاعه فهو أحق به )) وأبو المعتمر ضعفه ابن معين ، وقال أبو
داود: لا يعرف .
وحجة مالك في تفرقته بين الفلس والموت أن المفلس ذمته باقية ،
وللغرماء ذمة يرجعون إليها ، وفي الموت تبطل الذمة أصلا ، فلا
يكون للغرماء شيء يرجعون إليه ، ولا يجوز أن ينظر لبعضهم دون
بعض ، وقد فرقت السنة في الفلس بين الموت والحياة ، روى مالك
عن ابن شهاب ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ، أن
(١) من (( هـ)).
(٢) جاء في ((الأصل)): غير. وهي زيادة مقحمة.
(٣) في ((الأصل)): عبد الله، وفي ((هـ)): عمر . وعمرو بن سليم بن خلدة
الزرقي من رجال التهذيب .
- ٥٢٥ -

رسول الله قال: (( أيما رجل باع متاعًا فأفلس الذي ابتاعه منه ، ولم
يقبض الذي باعه من ثمنه شيئًا فوجده بعينه فهو أحق به ، وإن مات
الذي ابتاعه فصاحب المتاع فيه أسوة الغرماء)) .
باب : من باع مال المفلس أو المعدم فقسمه بين
الغرماء أو [ إذا ] (١) أعطاه حتى ينفق على نفسه
فيه: جابر: (( أعتق رجل منا غلامًا له عن دبر ، فقال النبي - عليه
السلام - من يشتريه مني ؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله ، فأخذ ثمنه فدفعه
إليه )).
لا يفهم من الحديث معنى قوله في الترجمة : فقسمه بين الغرماء ؛
لأن الذي باع عليه رسول الله مدبره لم يكن له مال غيره ، [ ذكره](٢)
في كتاب الأحكام ولم يذكر في الحديث أنه كان عليه دين ، وإنما
[باعه] (٣) عليه (٤) ؛ لأن من سنته عليه السلام أن لا يتصدق المرء بماله
كله ويبقى فقيرًا فيتعرض لفتنة الفقر، ولذلك قال عليه السلام: ((خير
الصدقة ما كان عن ظهر غنى ، وابدأ بمن تعول )) وعوله لنفسه أوكد
:
[عليه ] (١) من الصدقة، وأما قسمة مال المفلس بين الغرماء فهو أصل
مجمع عليه إذا قام عليه غرماؤه وحال الحاكم بينه وبين ماله ووقفه
لهم، ولا يخرج هذا المعنى من حديث جابر أصلا .
ص
(١) من (( هـ).
(٢) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): وذكره.
(٣) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): باع.
(٤) جاء في ((الأصل)): رسول الله مدبر لم يكن له مال غيره ، وهي زيادة مقحمة.
- ٥٢٦ -

[٣/ق ٧٠ -ب)
باب : إذا أقرضه إلى أجل / مسمى وأجّله في البيع
وقال ابن عمر في القرض إلى أجل مسمى : لا بأس به وإن أعطي
أفضل من دراهمه ما لم يشترط . وقال عطاء وعمرو بن دينار : هو إلى
(أجله في القرض ) (١) .
فيه : أبو هريرة: (( عن النبي - عليه السلام - أنه ذكر رجلا من بني
إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار ، فدفعها إليه إلى
أجل مسمى )) .
اختلف العلماء في تأخير الدين في القرض إلى أجل ، هل له أن
يأخذه قبل الأجل ؟ فقال مالك وأصحابه : من أقرض رجلا دنانير أو
دراهم أو شيئًا مما يكال أو يوزن أو غير ذلك حالا ، ثم طاع له فأخره
به إلى أجل ، ثم أراد الانصراف [ عن ] (٢) ذلك ، وأخذه قبل
الأجل لم يكن ذلك له ؛ لأن هذا مما يتقرب به إلى الله ، وهو من
باب الحسبة .
وقال أبو حنيفة : سواء كان القرض إلى أجل أو غير أجل له أن
يأخذه متى أحب ، وكذلك العارية ، ولا يجوز عندهم تأخير القرض
البتة ، ويجوز تأخير الغصوب وقيم المتلفات .
وقال الشافعي : إذا [ أخره ] (٣) بدينه حال فله أن يرجع فيه متى
شاء ، وسواء كان ذلك من قرض أو غيره ، وكذلك العارية وغيرها ؛
لأن ذلك عندهم من باب العدة والهبة غير المقبوضة وهبة ما لم يخلق،
وهذا كله لازم عند مالك في تأجيل القرض ، وفي عارية المنفعة
للسكنى وغيرها ، ويحمل ذلك على العرف فيما يستعار الشيء
(١) في (( هـ)) : أجل مسمى.
(٢) في (( هـ)): في.
(٣) من (( هـ)) وفي ((الأصل)) : أخذه.
- ٥٢٧ -

(لمثله)(١) من العمل والسكنى ، وكل ذلك عنده من أعمال البر التي
أوجبها على نفسه فيلزمه الوفاء بها ، وحديث أبي هريرة يشهد لقول
مالك ؛ لأن القرض فيه إلى أجل مسمى ولا يجوز تعديه والاقتضاء
قبله ، ولو جاز ذلك لكان ضرب الأجل وتركه سواء ، ولم يكن
لضرب الأجل معنى وبطل معنى قوله : ﴿ولتعلموا عدد السنين
والحساب﴾ (٢) وإنما فائدتها معرفة الآجال، وأما إذا أجله في البيع
فلا خلاف بين العلماء في جواز الآجال فيه ؛ لأنه من باب
المعاوضات، ولا يأخذ قبل محله .
*
باب : ما ينهى عن إضاعة المال وقوله تعالى :
﴿ والله لا يحب الفساد﴾(٣) و﴿ لا يصلح عمل المفسدين﴾(٤)
وقال : ﴿ أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في
أموالنا ما نشاء ﴾ (٥) وقال: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ (٦)
والحجر في ذلك وما ينهى عنه من الخداع .
فيه : ابن عمر: (( قال رجل للرسول : إني أخدع في البيوع ، فقال : إذا
بايعت فقل : لا خلابة ، فكان الرجل يقوله )) .
وفيه: المغيرة قال رسول الله: (( إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ،
ووأد البنات ، ومنع وهات ، وكره لكم قيل وقال ، وكثرة السؤال ،
وإضاعة المال )) .
اختلف العلماء فى إضاعة المال ؛ فقال سعيد بن جبير : إضاعة
(١) في ((هـ)): بمثله .:
(٤) يونس : ٨١ .
(٢) الأسراء : ١٢ ..
(٣) البقرة : ٢٠٥ .
(٦) النساء : ٥ .
(٥) هود : ٨٧ .
- ٥٢٨ -

المال أن يرزقك الله رزقًا فتتفقه فيما حرم الله عليك . وكذلك قال
مالك، قال المهلب : وقيل : إضاعة المال : السرف في إنفاقه وإن كان
فيما يحل ، ألا ترى أن النبي رد تدبير المعدم ؛ لأنه أسرف على ماله
فيما يحل له ويؤجر فيه ، لكنه أضاع نفسه ، وأجره في نفسه أوكد
عليه من أجره في غيره .
واختلف العلماء في وجوب الحجة على البالغ المضيع لماله ، فقال
جمهور العلماء : يجب الحجر على كل مضيع لماله صغيرًا كان أو
كبيراً. روي هذا عن علي وابن عباس وابن الزبير وعائشة ، وهو قول
مالك والأوزاعي و[ أبي ] (١) يوسف ومحمد والشافعي وأحمد
وإسحاق وأبي ثور .
وقالت طائفة : لا حجر على الحر البالغ . هذا قول النخعي وابن
سيرين ، وبه قال أبو حنيفة وزفر ، قال أبو حنيفة : فإن حجر عليه
القاضي ثم أقر بدين أو تصرف في ماله جاز ذلك كله . واحتج
بحديث الذي [ كان ] (٢) يخدع في البيوع فقال له عليه السلام:
/ (إذا بايعث فقل: لا خلابة)).
[٣/ ق٧١-١]
[ قال] (٢): ففي هذا الحديث وقوف النبي - عليه السلام - على
أنه كان يخدع في البيع فلم يمنعه من التصرف ولا حجر عليه .
وحجة الجماعة قوله تعالى : ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي
جعل الله لكم قيامًا﴾ (٣) فنهى تعالى عن دفع الأموال إلى السفهاء
وقال : ﴿ فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ﴾ (٤) فجعل
شرط دفع أموالهم إليهم وجود الرشد ، وهذه الآية محكمة غير
منسوخة ، ومن كان مبذرًا لماله فهو غير رشيد .
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): أبو.
(٣) النساء : ٥ .
(٢) من (( هـ).
(٤) النساء : ٦ .
- ٥٢٩ -

وقال ابن المنذر : قوله تعالى في قصة شعيب : ﴿ أصلاتك
تأمرك ... ﴾ (١) الآية، وقال تعالى: ﴿أتبنون بكل ربع آية
تعبئون﴾(٢) فخبر تعالى أن أنبيائه منعوا قومهم من إضاعة الأموال
والعبث ، والأنبياء لا تأمر إلا بأمر الله .
واحتجوا بقوله عليه السلام: (( إن الله كره لكم إضاعة المال )) وما
كره الله لنا فمحرم علينا فعله . وقوله : ﴿ إن الله لا يصلح عمل
المفسدين﴾ (٣)، و﴿ لا يحب الفساد﴾ (٤) [فالمبذر ] (٥) لماله داخل
في النهي ممنوع منه .
واحتج الطحاوي على أبي حنيفة فقال : لما قال [ له ] (٦) عليه
السلام: ((إذا بايعت فقل: لا خلابة)) أي: لا شيء عليّ من
خلابتك إياي ، جعل بيوعه معتبرة ، فإن كان فيها خلابة لم تجز .
وليس في هذا الحديث دفع الحجر ، إنما فيه اعتبار عقود المحجور
عليه . قال غيره : ويحتمل أن يكون الرجل يغبن بما لا ينفك ( التجار.
منه ) (٧) فجعل له النبي الخيار ثلاثًا ليستدرك الغبن في مدة الخيار ،
ولو أوجبت الضرورة الحجر عليه لفعله .
قال المهلب : ألا ترى أنه قد شعر لما يمکر به [ فيه فسأل ] (٨) عنه
النبي - عليه السلام - وليس من شكا مثل هذا مضيع لماله ، وإنما هو
حريص على ضبطه والنظر فيه فحضه عليه السلام أن جعل له إذا بايع
أن يقول : لا خلابة ، أي : لا تخدعوني فإن خديعتي لا تحل .
قال الطحاوي : ولم أجد عن أحد من الصحابة والتابعين أنه قال :
لا حجر ، كما قال أبو حنيفة إلا عن النخعي وابن سيرين .
(١) هود : ٨٧ .
(٣) يونس: ٨١.
(٢) الشعراء : ١٢٨ .
(٤) البقرة : ٢٠٥.
: (٥) في (( هـ)): فالمفسد .
(٦) من (( هـ)).
: (٧) في (( هـ)): التجارة عنه .
(٨) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): قال .
- ٥٣٠ -

وقوله: ((ووأد البنات)) من قوله : ﴿وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب
قتلت﴾ (١) وقوله: ((ومنع وهات)) يعني: أن يمنع الناس خيره
ورفده، ويأخذ منهم رفدهم .
وقال مالك في [ قوله ] (٢): ((قيل وقال)): هو الإكثار من
الكلام والإرجاف ، نحو قول الناس : أعطى فلان كذا ومنع كذا ،
والخوض فيما لا ( يعني ) (٣) . وقال أبو عبيد في قوله: ((قيل
وقال)): كأنه قال من قول وقيل ، يقال : قلت قولا وقيلا وقالا ، وقرأ
ابن مسعود : (( ذلك عيسى ابن مريم قال الحق )) يعني : قول الحق.
وأما (( كثرة السؤال)) فقال مالك : لا أدري أهو ما أنهاكم عنه من كثرة
المسائل فقد كره رسول الله المسائل وعابها أو هو مسألة الناس أموالهم.
باب: العبد راع في مال سيده [ و](٢) لا يعمل إلا بإذنه
فيه : ابن عمر قال النبي - عليه السلام -: (( كلكم راع و[كلكم](٢)
مسئول عن رعيته ، والمرأة في بيت زوجها ، والخادم في مال سيده ... ))
الحديث .
قال المهلب : العبد راع في مال سيده ، يلزمه ما يلزم سائر الرعاة
من حفظ ما استرعي عليه ، ولا يعمل في معظم الأمور إلا بإذن
سيده، وما كان من المعروف المعتاد أن يعفى عنه مثل الصدقة بالكسرة
والقطعة [ فلا ] (٤) يحتاج فيه إلى إذن سيده ، وقد جاء في حديث
النبي - عليه السلام - أن الخادم أحد المتصدقين ولم يشترط إذن
سيده إلا في الكثير لقوله: (( يعطي ما أمر به كاملا موفرًا إلى
(١) التكوير : ٩ .
(٣) في (( هـ)) : ينبغي.
(٢) من (( هـ)).
(٤) من (( هـ)) وفي (( الأصل)): ولا .
- ٥٣١ -

الذي أمر له )) فهذا يدل على العطاء الجزيل ؛ لأن اشتراط الكمال فيه
دليل على الكثرة .
باب: ما يذكر في الأشخاص / [ والملازمة ] (١).
*
[٣/ ق٧١ -ب]
والخصومة بين المسلم واليهودي
فيه: عبد الله: (( سمعت رجلا قرأ آية سمعت من النبي - عليه السلام -:
خلافها ، فأخذت [ بيده فأتيت ] (٢) به النبي - عليه السلام - فقال:
كلاكما محسن ... )). قال شعبة: أظنه قال: (( لا تختلفوا فإن من
قبلكم اختلفوا » .
وفيه : أبو هريرة قال: (( استب رجلان : رجل من المسلمين ورجل من
اليهود ، فقال المسلم : والذي اصطفى محمدًا على العالمين ، وقال
اليهودي : والذي اصطفى موسى على العالمين ، فرفع المسلم يده عند
ذلك فلطم وجه اليهودي ، فذهب اليهودي إلى النبي - عليه السلام -
فأخبره بما كان من أمره [ وأمر المسلم ] (١) فدعا النبي المسلم فسأله عن
ذلك فأخبره ، فقال عليه السلام : لا تخيروني على موسى ، فإن الناس
يصعقون يوم القيامة ( فأصعق معهم ) (٣) فأكون أول من يفيق فإذا
موسى باطش جانب العرش، فلا أدري ( أكان) (٤) [ فيمن ] (٥) صعق
فأفاق قبلي أو كان ممن استثنى الله [ أو قال: حوسب لصعقته] (١))).
وفيه: أنس (( أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين ، فقيل : من
(١) من (( هـ )).
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): بثوبه وأتيت .
(٣) في (( هـ)): فأكون أول من تنشق الأرض عنه فأصعق فيهم.
(٤) فى (( هـ) : كان .
(٥) من ((هـ، ن)) وفي ((الأصل)): ممن.
- ٥٣٢ -

فعل هذا بك ؟ أفلان ، أفلان ؟ حتى سمى اليهودي فأومأت برأسها ،
فأخذ اليهودي فاعترف ، فأمر به النبي مقلي (١) فرض رأسه بين حجرين)).
اختلف العلماء في إشخاص المدعى عليه ، فقال ابن القاسم في
معنى قول مالك : إن كان المدعى عليه غائبًا إلى مثل ما يسافر الناس
(إليه ) (٢) و[يقدمون] (٣) كتب إلى والي الموضع في أخذ المدعى
عليه بالاستحلاف أو القدوم [ للخصومة ] (٤) وإن كانت غيبة بعيدة
فيسمع من بينة المدعي ويقضي له ، وقياس قول الشافعي أنه يجلب
بدعوى المدعي .
وقال الليث : لا يجلب المدعى عليه حتى يشهد [ بينته ] (٥) على
الحق . قال الطحاوي : وليس عند أصحابنا المتقدمين فيه شيء ،
والقياس ألا يجلب لا [ ببينة ] (٦) ولا [بغير ] (٧) بينة . قال غيره :
إنما يريد ( أن ) (٨) يكتب إلى حكم الجهة .
قال المهلب : وفي حديث أنس الإشخاص إذا قويت شبهة الدعوى
والتوفيق والملازمة في الجواب عن الدعوى ؛ لأن الجارية ادعت بإشارة
فأشخص اليهودي ووقف ، وألزم الجواب ، وشدد عليه فيه ، واستدل
على كذبه حتى أقر واعترف ، قال : وإذا كان الخصم في موضع
يخاف في فواته منه فلا بأس بإشخاصه وملازمته ، وإن كان في موضع
لا يخاف فواته [ منه ] (٩) فليس له إشخاصه إلا ( برفع ) (١٠) من
(١) جاء في ((الأصل)): به، وهي زيادة مقحمة. (٢) في (( هـ ): فيه.
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): يعدمون.
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): إلى الخصومة.
(٥) من ((هـ )) وفي ((الأصل)): بينه.
(٦) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): بينة.
(٧) من (( هـ)) وفي (( الأصل)): غير.
(٩) من (( هـ )).
(٨) في (( هـ)) : أنه .
(١٠) في ((هـ)): برافع.
- ٥٣٣ -

السلطان ، إلا أن يكون في شيء من أمور الدين ، فإن من الإنكار
على أهل الباطل أن يشخصوا ويرفعوا كما فعل ابن مسعود بالرجل ،
وكما فعل عمر بهشام بن حكيم حين تأول عليه أنه يخطئ .
[ قال عنه ] (١): وأما الملازمة فأوجبها من لم ير السجن على
مدعي العدم حتى يثبت عدمه . وهم الكوفيون ، وأما مالك وأصحابه
فيرون أنه يسجن حتى يثبت العدم ، وفرق الكوفيون بين الذي يكون
أصله من معاوضة فيجب سجن من ادعى ؛ لأنه قد حصل بيده
العوض ويدعي العدم ، وأما إن [ كانت ] (٣) معاملة بغير معاوضة
كالهبة وشبهها فلا ( يسجن ) (٤) ؛ لأن أصل الناس عندهم على الفقر
حتى يثبت الغنى ، وإذا وجدت المعاوضة فقد صح عنده ما ينفي الفقر،
ولم يفرق مالك بين شيء من ذلك ، وهم عنده على الغنى حتى يثبت
العدم ، فلذلك يلزمه السجن .
قال المهلب : وفي حديث أبي هريرة أنه لا قصاص بين المسلم
والذمي ؛ لأن النبي لم يقد اليهودي من المسلم في اللطمة ، وقد
ترجم في كتاب الديات باب إذا لطم المسلم يهوديا عند الغضب ، وفيه
تأدب النبي - عليه السلام - [ بما خصه الله به من الفضيلة ، فإن قال
قائل: قوله عليه السلام ] (١): (( لا تخيروني من بين الأنبياء)).
وقوله : ( لا ينبغي لأحد أن يقول) (٥): ((أنا / خير من يونس
ابن متى)) يعارض قوله: (( أنا أول من تنشق الأرض عنه)) وقوله
(«أنا سيد ولد آدم ولا فخر)) . فالجواب : إن للعلماء في ذلك تأويلين
ينفيان عنهما التضاد
[٣/ ق٧٢-١]
(١) من (( هـ).
(٣) من ( هـ)) وفي ((الأصل)): كان .
(٥) في (( هـ)): لا يقول أحد .
(٢) في (( هـ)): برافع.
(٤) في (( هـ)) : يستحق .
- ٥٣٤ -

فأحدهما ذكره ابن قتيبة فقال : لا اختلاف بين شيء من ذلك
بحمد الله ، وذلك أنه أراد أنه سيد ولد آدم يوم القيامة ؛ لأنه الشافع
يومئذ، وله لواء الحمد والحوض، وأراد بقوله: (( لا تخيروني على
موسى )) طريق التواضع كما قال أبو بكر الصديق : وليتكم ولست
بخيركم . وكذلك قوله: (( لا ينبغي لأحد أن يقول : ( أنا ) (١) خير
من يونس بن متى )) يدل على معنى التواضع ؛ لأن يونس دون غيره
من الأنبياء مثل إبراهيم وموسى وعيسى ، يريد إذا كنت لا أحب أن
أفضل على يونس ، فكيف غيره ممن هو فوقه [ من ] (٢) أولي العزم
من الرسل ، وقد قال تعالى : ﴿ فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب
الحوت ﴾ (٣) أراد يونس لم يكن له صبر غيره من الأنبياء .
وفي هذه الآية ما يدل على أن رسول الله أفضل منه ؛ لأن الله يقول.
[ له ] (٤) ولا تكن مثله، فدل أن قوله : (( لا تفضلوني عليه )» من
طريق التواضع ، ويجوز أن يريد لا تفضلوني عليه في العمل فلعله
أفضل عملا مني . ولا في البلوى والامتحان فإنه أعظم محنة مني .
وليس ما أعطى الله نبينا [ محمدًا ] (٥) من السؤدد والفضل يوم
القيامة على جميع الأنبياء والرسل بعمله ، بل بتفضيل الله إياه
واختصاصه له ، وكذلك أمته أسهل الأمم محنة ، بعثه الله بالحنيفية
السمحة ، ووضع عنها الإصر والأغلال التي كانت على بني إسرائيل
في فرائضهم ، وهي مع هذا خير أمة أخرجت للناس بفضل الله
وبرحمته ، هذا تأويل ابن قتيبة ، واختاره المهلب .
والتأويل الآخر : قال غيره : ليس شيء من هذه الأحاديث
(١) في ((هـ)): إني.
(٢) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): إلى.
(٣) القلم : ٤٨ .
(٤) من (( هـ )).
(٥) من ((هـ )) وفي (( الأصل)): محمد .
- ٥٣٥ -

يتعارض ؛ لأنه يجوز أن يكون في وقتين ، فقال عليه السلام :
((لا تفضلوني على موسى)) و((لا ينبغي لأحد أن يقول إني خير من
يونس )" في أول أمره ، في وقت أنزل عليه: ﴿ وما أدري ما يفعل بي
ولا بكم﴾ (١) ووقت قيل له: يا خير البرية [فقال] (٢): هذا
إبراهيم وقبل أن ينزل [ الله ] (٢) عليه: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من
ذنبك وما تأخر ﴾ (٣) فلما غفر الله له ذلك علم أنه سيد ولد آدم ،
فقال ذلك حينئذ - والله أعلم .
قال المهلب: وقوله عليه السلام: (( أم جوزي بصعقة الطور )) فيه
دليل أن المحن في الدنيا والهموم والآلام يرجى أن يخفف الله بها يوم
القيامة كثيرًا من أهوال القيامة ، وأما كفارة الذنوب بها فمنصوص عليه
من النبي - عليه السلام - بقوله: (( حتى الشوكة يشاكها)).
وفيه رد قول سعيد بن جبير الذي ذكره البخاري في كتاب تفسير
القرآن أن الكرسي العلم ؛ لأن العلم ليس له جانب ولا قائمة تقع اليد
عليها ؛ لأن اليد لا تقع إلا على ما له جسم ، والعلم ليس بجسم ،
وستأتي زيادة في هذا المعنى في كتاب العقول في باب إذا لطم المسلم
يهوديا عند الغضب - إن شاء الله .
باب : من رد أمر السفيه والضعيف العقل
وإن لم يكن حجر عليه الإمام
ويذكر عن جابر (( أن النبي - عليه السلام - رد على المتصدق قبل
النهي، ثم نهاه )) وقال مالك : إذا كان لرجل على رجل مال وله عبد
لا شيء له غیره فأعتقه ؛ لم يجز عتقه » .
(١) الأحقاف : ٩ .
(٢) من (( هـ).
(٣) الفتح : ٢ .
- ٥٣٦ -

باب ومن باع على الضعيف ونحوه ودفع ثمنه إليه وأمره بالإصلاح
والقيام بشأنه ، فإن أفسد بعد منعه ؛ لأن النبي - عليه السلام - نهى عن
إضاعة المال، وقال للذي يخدع في البيع: (( إذا بايعت فقل : لا خلابة ))
فكان يقوله ، ولم يأخذ النبي عليه السلام ماله .
[ فيه ابن عمر: ((كان رجل يخدع في البيع فقال له النبي مسار: إذا
بابعت فقل : لا خلابة ، فكان يقوله)) ](١) .
وفيه جابر : (( أن رجلا أعتق عبدًا له ليس له مال غيره ، فرده النبي -
عليه السلام - فابتاعه منه نعيم بن النحام )) .
اختلف العلماء في هذا الباب ، فقال مالك وجميع أصحابه غير ابن
القاسم : إن فعل / السفيه وأمره كله جائز حتى يضرب الإمام على يده [٣/ق٧٢ -ب]
وهو قول الشافعي ، وقال ابن القاسم : أفعاله غير جائزة وإن لم
يضرب عليه الإمام . وقال أصبغ : إن كان ظاهر السفه فأفعاله
مردودة، وإن كان غير ظاهر السفه فلا ترد أفعاله حتى يحجر عليه
الإمام. واحتج سحنون لقول مالك بأن قال : لو كانت أفعال السفيه
مردودة قبل الحجر عليه ما احتاج السلطان أن يحجر على أحد .
واحتج غيره بأن النبي - عليه السلام - أجاز بيع الذي كان يخدع
في البيوع ، ولم يذكر في الحديث أنه فسخ ما تقدم من بيوعه ،
وحجة ابن القاسم حديث جابر أن النبي - عليه السلام - رد عتق
الذي أعتق عبده ولم يكن حجر عليه قبل ذلك ، ولما تنوع حكم النبي-
عليه السلام - في السفيهين نظر بعض الفقهاء في ذلك ، فاستعمل
الحديثين جميعًا فقال : ما كان من السفه اليسير والخداع الذي لا يكاد
(١) من (هـ)).
- ٥٣٧ -

يسلم منه مع [ تنبه ] (١) المخدوع إليه والشكوى ( له) (٢) ، فإنه
لا يوجب الضرب على اليد ، ولا رد ما وقع له [ قبل ] (٣) ذلك من
البيع ، ولا انتزاع ماله [ كما لم يرد عليه السلام بيع الذي قال له :
لا خلابة، ولا انتزع ماله ] (٤) وما كان من البيع فاحشًا في السفه فإنه
يرد كما رد النبي - عليه السلام - تدبير العبد الذي اشتراه ابن النحام؛
لأنه لم يكن أبقى لنفسه سيده [ مالا ] (٥) يعيش به ، فرد عتقه ،
وصرف عليه ماله الذي فوته بالعتق ليقوم به على نفسه ، ويؤدي منه
دينه ، وإنما ذلك على قدر اجتهاد الإمام في ذلك وما يراه .
وقد تقدم الكلام في حديث ابن عمر في كتاب البيوع في باب ما
يكره من الخداع في البيع ومذاهب العلماء فيمن باع بيعًا وغبن فيه -
. والحمد لله ..
باب : كلام الخصوم بعضهم في بعض
فيه : عبد الله قال عليه السلام : (( من حلف على يمين وهو فيها فاجر
ليقتطع بها مال امرئ مسلم ؛ لقي الله وهو عليه غضبان. [ قال: ] (٦)
فقال الأشعث [ بن قيس ] (٤) : في والله ( کان هذا ) (٧) كان [ بيني وبين
يهودي ] (٨) أرض فجحدني ، فقدمته إلى النبي - عليه السلام - فقال
لي رسول الله : ألك بينة ؟ قلت : لا ، فقال اليهودي : احلف ،
(٢) في (( هـ)): به .
(١) من ((هـ)) وغير واضحة في ((الأصل)).
(٤) من (( هـ).
(٣) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): مثل.
(٥) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): حالا.
(٦) من المطبوع وفي ((الأصل) : قالوا.
(٧) في (( هـ )): نزلت :.
(٨) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): بين رجل وبيني .
- ٥٣٨ -

قال: قلت : يا رسول الله ، إذًا يحلف ويذهب بمالي، قال : فأنزل الله :
﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا﴾ (١) الآية.
وفيه : كعب : (( أنه تقاضى ابن أبي حدرد [ دينًا ] (٢) كان له عليه في
المسجد ، فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول الله في بيته ، فخرج
إليهما حتى كشف سجف حجرته فنادى : يا كعب ، قال : لبيك يا
رسول الله ، قال : ضع من دينك هذا، وأومأ إليه - أي : الشطر - قال :
لقد فعلت یا رسول الله، قال: قم فاقضه )» .
وفيه : عمر بن الخطاب: (( سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة
الفرقان على غير ما أقرؤها ، وكان رسول الله أقرأنيها ، وكدت أن
أعجل عليه ثم أمهلته حتى انصرف ، ثم لبيته بردائه فجئت به النبي -
عليه السلام ... )) وذكر الحديث .
لا يجوز من كلام الخصوم بعضهم لبعض إلا ما يجوز من كلام
غيرهم مما لا يوجب أدبًا ولا حدا .
قال المهلب : معنى الترجمة من حديث ابن مسعود قول الأشعث :
((إذًا والله يحلف [ ويذهب بمالي] (٣))) فمثل هذا الكلام مباح فيمن
عرف فسقه ، كما عرف فسق اليهودي الذي خاصم الأشعث وقلة
مراقبته لله - تعالى - فحينئذ يسمح الحاكم للقائل لخصمه ذلك ، وأما
إن قال ذلك في رجل صالح أو من لا يعرف له فسق فيجب أن ينكر
عليه، ويؤخذ له الحق ، ولا يبيح له النيل من عرضه .
وحديث عمر مع هشام بن حكيم في تولي الخصوم بعضهم بعضًا
(١) آل عمران : ٧٧ .
(٢) من ((هـ)) وغير مقروءة في ((الأصل)).
(٣) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): فيذهب بحقه.
- ٥٣٩ -

[ سديد] (١) في هذا الباب ؛ لأن فيه [ امتداداً ] (٢) باليد، فهو
أقوى من القول، وإنما [ جاز ] (٣) له ذلك - والله أعلم - لأنه أنكر
(٣/ ٥ ٧٣- ١] عليه في أمر الدين، وفي حديث كعب / [ جواز ] (٤) ارتفاع
الأصوات بين الخصوم لما في خلائق الناس من ذلك ، ولو قصر الناس
[عن اختلافهم ] (٥) لكان ذلك من المشقة عليهم ، بل يسمح لهم فيما
جبلهم الله عليه ؛ لأن النبي - عليه السلام - سمعهما ولم ينههما عن
[ رفع ] (٤) أصواتهما ، وفيه أن الحاكم إذا سمع قول الخصوم
واستعجم عليه أمرهما أشار عليهما بالصلح ، وأمرهما به ، وإذا رأى
مديانًا غير مستضلع بدينه ، ولا مليّ به ، وثبتت عسرته ، أنه لا بأس
للحَكَمِ أن يأمر صاحب الدين بالوضيعة لقطع الخصام ، لما في تماديه
من قطع ذات البين وفساد النيات .
!
باب : إخراج أهل المعاصي والخصوم من البيوت
بعد المعرفة
وقد أخرج عمر أخت أبي بكر حين ناحت .
فيه: أبو هريرة قال: قال النبي - عليه السلام -: (( لقد هممت أن آمر
بالصلاة فتقام ثم أخالف إلى منازل قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق
علیهم )) .
قال المهلب : فيه من الفقه أن من ترك سنة من سنن النبي
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): شديد.
(٢) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): اهتدادًا .
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): كان.
(٤) من (( هـ )).
(٥) في (( هـ )): على خلافها.
- ٥٤٠ -