النص المفهرس

صفحات 441-460

أن حقا على أصحابه [ وجلسائه ] (١) أن يعاقبوه على ذلك ، وينكروا
عليه الجفاء وإن لم يأمرهم السلطان بذلك ، وليس لهم أن يتركوا مثل
١
هذا حتى ينهاهم السلطان عنه ، كما نهى النبي - عليه السلام - الذين
هموا بالذي أغلظ له .
و[ يبين] (٢) هذا قصة المغيرة بن شعبة مع الشاب الأنصاري الذي
جفا على أبي بكر الصديق ، فكسر المغيرة أنفه ، فاستعدى عليه
الأنصاري [ ليقيده ] (٣) أبو بكر من المغيرة، فقال / أبو بكر: والله
لخروجهم من ديارهم أقرب إليهم من ذلك أقيده من ورعه ( أنفه ) (٤)
وكذلك فعل المغيرة برسول أهل مكة يوم المقاضاة ، إذ كان يكلم النبي
ويشير بيده نحو لحيته ، فضربه المغيرة بسيفه مغمدًا ، فقال: اقبض يدك
عن لحية رسول الله قبل ألا ترجع إليك ، فلم ينكر ذلك النبي - عليه
السلام .
[٣/ق٥٤-١]
*
باب : إذا وهب شيئًا لو كيل أو شفيع قوم جاز لقول الرسول
لوفد هوازن حين سألوه المغانم : (( نصيبي لكم))
فيه: مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة أخبراه (( أن النبي - عليه
السلام - قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوه أن يرد إليهم
أموالهم وسبيهم ، فقال لهم رسول الله : أحب الحديث إليّ أصدقه ،
فاختاروا إحدى الطائفتين ، إما السبي وإما المال ، فقد كنت استأنيت
بهم ، وقد كان رسول الله انتظرهم بضع ( عشرة ) (٤) ليلةً ( حين
(١) من (( هـ )).
(٢) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): بين.
(٣) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): لفيده.
(٤) في (( هـ)) : الله - عز وجل .
(٥) في (( هـ)): عشر . وهو خلاف الجادة.
- ٤٤١ -

قفل ) (١) من الطائف ، فلما تبين لهم أن رسول الله غير راد لهم إلا
إحدى الطائفتين قالوا : إنا نختار سبينا ، فقام رسول الله في المسلمين ،
فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال : أما بعد ، فإن إخوانكم هؤلاء قد
جاءونا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن
يطيب بذلك فليفعل ، ومن أحب [ منكم ] (٢) أن يكون على حظه حتى
نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل . فقال الناس : قد
(طيبنا)(٣) ذلك [ يا رسول الله لهم ] (٤) فقال رسول الله: [ إنا ] (٥) لا
ندري من أذن منکم في ذلك ممن لم يأذن ، فارجعوا حتی یرفع إلينا
عرفاؤكم أمركم ، فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم ، ثم رجعوا إلى
رسول الله، ( فأخبروه) (٦) أنهم قد طيبوا وأذنوا)) .
قال : إذا كان الوكيل أو الشفيع طلب لنفسه ولغيره فشفع فيما
طلب كان حكمهم كحكمه في الشيء الذي سأل لنفسه ولهم ، وأما
إن [ وهب ] (٧) لقوم وقبض لهم وكيلهم تلك الهبة جازت ، ولم
يدخل الوكيل في الهبة .
والوفد رسل هوازن هم الوكلاء والشفعاء في رد أموالهم إلى
جماعتهم ، فشفعهم النبي وقال [ لهم ] (٢): ((ونصيبي لكم)) يعني :
من المال ومن العيال ، ثم أخذ أنصباء الناس من العيال خاصةً ،
وأبقى لهم المال لحاجتهم إليه .
قال أبو عبد الله: فيه من الفقه أن بيع المكره في الحق جائز ؛ لأن
النبي - عليه السلام - حكم برد السّبي، ثم قال: ((من أحب أن
يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا )) ولم يجعل
(١) في (( هـ)) : حتى فضل .
(٣) في ((هـ)»: طبنا ..
(٢) من (( هـ)).
(٤) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): لرسول الله.
(٥) من (( هـ، ن)) وفي ((الأصل)): فإنا.
(٧) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): سأل.
(٦) في (( هـ)) : فأخبرواً.
- ٤٤٢ -

لهم الخيار في إمساك السبي أصلا ، وإنما خيرّهم في أن يعوضهم من
مغانم أخر ، ولم يخيرهم في أعيان السّبي ؛ لأنه قال لهم هذا بعد أن
رد [ إليهم ] (١) أهليهم، وإنما خيرهم في إحدى الطائفتين لئلا.
يجحف بالمسلمين في مغامهم فيخليهم منه كله ، ويخيبهم مما غنموه
وتعبوا فيه .
قال المهلب : وفي رفع النبي - عليه السلام - إملاك [ الناس ] (١)
عن الرقيق ، ولم يجعل إلى تملك أعيانهم سبيلا دليل على أن الإمام
أن يستعين على مصالح المسلمين بأخذ بعض ما في أيدي الناس ما لم
يجحف بهم ، ويعدُ من لم تطب نفسه مما يأخذ منه بالعوض ، ألا
ترى قوله: ((من أحب أن يطيب بذلك )) فأراد عليه السلام أن يطيب
نفوس المسلمين لأهل هوازن بما أخذ منهم من العيال ؛ ليرفع الشحناء
والعداوة ، ولا تبقى إحنة الغلبة لهم في انتزاع السّبي منهم في قلوبهم،
[ فيولد] (٢) ذلك اختلاف الكلمة . وفيه أنه يجوز للإمام إذا جاءه
أهل الحرب مسلمين بعد أن غنم أهليهم وأموالهم أن يرد [ إليهم ] (١)
عيالهم إذا رأى ذلك صوابًا كما فعل النبي - عليه السلام - لأن العيال
ألذق بنفوس الرجال من المال ، والعار عليهم [ فيهم ] (٣) أشدّ.
وقوله عليه السلام: (( إنا لا ندري [ من أذن منكم ] (١) في
ذلك (٤) ممن لم يأذن ، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم » إنما
هذا تقصٍ [ من النبي ] (٥) في استطابة نفوس / الناس رجلا رجلا ، [٣/ ٥٤٥ب]
وليعرف الحاضر منهم الغائب .
(١) من (( هـ)).
(٢) من ((هـ) وفي ((الأصل)): فيؤثر.
(٣) من (( هـ)) وفي ((الأصل)) : فيه .
(٤) جاء في ((الأصل)): منكم . وهي زيادة مقحمة .
(٥) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): عن الشيء.
- ٤٤٣ -

باب : إذا وكل رجلا أن يعطي شيئًا ولم يبين كم يعطي
فأعطی ما یتعارفه الناس
فيه : جابر: (( كنت مع النبي - عليه السلام - في سفر ، فكنت على
جمل ثقال ، إنما هو في آخر القوم ، فمر بي النبي فقال : من هذا ؟
فقلت: جابر بن عبد الله ، قال : مالك ؟ قلت : إني على جمل ثقال ، قال
أمعك قضيب ؟ قلت : نعم ، قال : أعطنيه ، فأعطيته ، فضربه فزجره ،
فکان من ذلك ( من ) (١) أول القوم ، قال : بعنيه ، قلت : بل هو لك يا
رسول الله ، قال : بل بعنیه ، قد أخذته بأربعة دنانير ، ولك ظهره إلى
المدينة ، فلما دنونا من المدينة أخذت أرتحل ، قال : أين تريد ؟ قلت :
تزوجت امرأة .... )) الحديث فلما ( قدمت ) (٢) المدينة قال: يا بلال ،
اقضه وزده ، فأعطاه أربعة دنانير وزاده قيراطًا ، قال جابر : لا تفارقني
زيادة النبي - عليه السلام - فلم يفارق القيراط قراب جابر)) .
المأمور بالصدقة إذا أعطى ما يتعارف الناس ويصلح للمعطى ، ولا
يخرج عن حال المعطي جاز ونفذ ، فإن أعطى أكثر مما يتعارف الناس،
تعلق ذلك برضا صاحب المال، فإن أجاز ذلك [ جاز ] (٣)، وإلا
رجع عليه بمقدار ذلك ، والدليل على ذلك أنه لو أمره أن يعطيه
[ففيزاً](٤) فأعطاه [ قفيزين ] (٥) ضمن الزيادة بإجماع ، فدل أن
المتعارف يقوم مقام الشيء المعين .
قال المهلب : وهذا الحديث يبين أن من روى الاشتراط في حديث
جابر أن معناه : أن النبي - عليه السلام - شرط له ذلك شرط تفضل؛
(١) في (( هـ)): المكان في .
(٣) من (( هـ)).
(٢) في (( هـ )): قدمنا.
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): فقيراً.
(٥) من (( هـ)) وفي ((الأصل)»: فقيرين .
- ٤٤٤ -

لأن القصة كلها جرت من النبي - عليه السلام - على جهة التفضل
والرفق بجابر ؛ لأنه وهبه الجمل بعد أن أعطاه ثمنه وزاده . [ و] (١)
جابر أيضاً قال للنبي حين سأله بيعه: (( هو لك يا رسول الله)) يعني:
بلا ثمن ، وسيأتي إيضاح هذا المعنى [ و] (٢) مذاهب العلماء في
ذلك في كتاب الشروط بعد هذا إن شاء الله . وفيه بركة النبي عليه
السلام .
[ قال ] (٣) ثعلب : يقال بعير ثقال بفتح الثاء ، أي : بطيء ،
والثقال بكسر الثاء : [ جلد ] (٤) أو كساء يوضع تحت الرحى يقع
عليه الدقيق .
*
باب : وكالة المرأة الإمام في النكاح
فيه: سهل: (( جاءت امرأة إلى رسول الله، فقالت : يا رسول الله، إني
قد وهبت [ نفسي لك ] (٥) ، فقال رجل : زوجنيها، فقال: قد
زوجناكها بما معك من القرآن » .
وجه استنباط الوكالة من هذا الحديث : هو أن الرسول لما قالت له
المرأة: ((قد وهبت نفسي لك)) كان ذلك كالوكالة [ له ] (١) على
تزويجها من نفسه ، أو ممن رأى النبي تزويجها منه ، فكان كل ولي
للمرأة بهذه المنزلة أنه لا ينكحها حتى تأذن له في ذلك ، إلا الأب في
(١) من ( هـ)).
(٢) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): في .
(٣) سقطت من ((الأصل، هـ)) ويقتضيها السياق.
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): جلداً ، وهو خلاف الجادة .
(٥) في ((هـ )): عن نفسي.
- ٤٤٥ -

: البكر ، والسيد في الأمة فإذا أذنت له وافتقر الولي إلى إباحتها
ورضاها ؛ كانت إباحتها ورضاها وكالة ، وليست هذه الوكالة من
جنس سائر الوكالات التي لا يفعل الوكيل شيئًا إلا والموكل يفعل
مثله، من [ أجل ] (١) أن الرسول قد خص النكاح أنه لا يتم إلا بهذه
الوكالة بقوله: ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها؛ فنكاحها باطل)).
وجمهور العلماء على أنه لا تلي المرأة عقد نكاح بحال : لانكاح
نفسها، ولا امرأة غيرها ، هذا قول ابن أبي ليلى ومالك والثوري
والليث والشافعي ، قال مالك : ويفسخ النكاح وإن ولدت منه . وقال
الأوزاعي : إذا زوجت نفسها فحسن ألا يعرض [ لها ] (٢) الولي إلا
أن تكون عربية تزوجت مولى فيفسخ . وقال أبو حنيفة وزفر : يجوز
عقد المرأة على نفسها، [ وأن تزوج نفسها ] (٣) كفئًا.
[٢/ ق٥٥-١]
واختلفوا إذا لم يكن لها ولي فجعلت عقد نكاحها إلى رجل /
ليس بولي ، ولم يرفع أمرها إلى السلطان ، فروى المصريون عن
مالك أن السلطان أن ينظر فيه ، فيجيزه أو يرده كما كان [ ذلك] (٣)
للولي ، وقد روي عن مالك فيمن تزوّجت بغير ولاية من يجوز له
ولايتها ، ودخل بها، والزوج كفء فلا يفسخ ، وقال سحنون : قال
غير ابن القاسم : لا يجوز وإن أجازه السلطان والولي ، لأنه نكاح
عقد بغير ولي . وهو قول ابن الماجشون ، وحجتهم قوله عليه
السلام: ((أيما امرأة نكحت بغير ولي، فنكاحها باطل)).
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): حيث.
(٢) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): إليها.
(٣) من ( هـ ).
- ٤٤٦ -

باب : إذا وكل رجل رجلا ، فترك الوكيل شيئًا فأجازه
الموكل ، فهو جائز، وإن أقرضه إلى أجل مسمى جاز
فيه : أبو هريرة قال: (( وكلني النبي - عليه السلام - [ بحفظ ] (١)
زكاة رمضان ، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام ، فأخذته وقلت :
لأرفعنك إلى رسول الله ، فقال : إني محتاج و( لي ) (٢) عيال ، وبي
حاجة شديدة ، قال : فخليت عنه، [ وأصبح النبي فقال ] (٣) : يا أبا
هريرة ، ما فعل أسيرك البارحة ؟ قال: قلت : شكا [ لي ] (٤) حاجة
شديدة وعيالا ، [ فرحمته ] (٤) ؛ ( فخلیت ) (٥) عنه ، قال : أما إنه قد
كذبك وسيعود ، فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله أنه سيعود، فرصدته
فجاء يحثو من الطعام فأخذته ، فقلت : لأرفعنك إلى رسول الله ، قال :
دعني ( فإني ) (٦) محتاج وعلي عيال ، لا أعود ، فرحمته ؛ (فخليت
سبيله ) (٧) ، فأصبحت فقال لي النبي : ما فعل أسيرك ؟ قلت: يا رسول
الله ، شكا حاجة شديدة فرحمته ؛ فخليت سبيله ، قال : أما إنه قد كذبك
وسيعود ، فرصدته الثالثة ، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت:
لأرفعنك إلى رسول الله، (وهذا آخر ثلاث مرات تزعم أنك)(٨) لا
تعود ثم تعود ، قال : دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها ، قلت : ما
هي ؟ قال : إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي ، فإنه لن يزال عليك
من الله حافظ ، ولن يقربك شيطان [ حتى تصبح ] (٤) ، فخليت
سبيله، فأصبحت فقال النبي - عليه السلام - : ما فعل أسيرك ؟ قلت :
زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها - وكانوا أحرص شيء
(١) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): لحفظ .
(٣) في (( هـ)): فأصبحت فقال النبي.
(٥) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): وخليت .
(٧) في ((هـ)): فخليت.
(٢) في ((هـ )): عليّ.
(٤) من (( هـ)).
(٦) في (( هـ )): فأنا .
(٨) في ((هـ)) : إنك تزعم.
- ٤٤٧ -

على الخير - وحكيت له [ قوله ] (١) ، فقال : أما إنه قد صدقك وهو
(كذوب)(٢) ، ذلك شيطان)).
قال المهلب : قوله : فترك الوكيل شيئًا ، يريد أن أبا هريرة ترك
الذي حثا الطعام حين شكا إليه الحاجة ، فأخبر النبي - عليه السلام -
بذلك ، فأجاز فعله ولم يرده .
قال غيره : ففهم من ذلك الحديث أن من وكل على حفظ شيء ،
أو اؤتمن على [ مال] (٣) فأعطى منه شيئًا [لأحد ] (٤) أنه لا يجوز ،
[وإن ](٥) كان بالمعروف ؛ لأنه إنما جاز فعل أبي هريرة لإجازة النبي
- عليه السلام - له ؛ لأنه عليه السلام لم يوكل أبا هريرة على عطاء،
ولا أباح له إمضاء ما انتهب منه ، وإنما وكله بحفظه خاصةً .
والدليل على صحة هذا التأويل أنه ليس لمن اؤتمن على شيء أن
يتلف منه شيئًا، وأنه إذا أتلفه ضمنه إلا أن يجيزه رب المال ، وفي
تعلق [ جواز ] (١) ذلك بإجازة ربّ المال دليل على صحة الضمان لو
لم [ يجزه ] (٦) وهذا لا أعلم فيه خلافًا بين الفقهاء.
وأما قوله : [ و] (١) إن أقرضه إلى أجل مسمى جاز، فلا أعلم
خلافًا بين الفقهاء أن أحدًا لا يجوز له أن يقرض من وديعة عنده أو مال
استحفظه لأحد شيئًا لا حالا ولا إلى أجل ، ولكنه إن فعل كان رب
المال [ مخيراً] (٧) بين إجازة فعله أو تضمينه ، أو طلب الذي قبض المال .
(١) من ((هـ).
(٢) فى (( هـ)): كاذب.
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): ما قال .
(٤) من (( هـ)) وفي ((الأصل)) : لآخر .
(٥) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): فإن .
(٦) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): يجده .
(٧) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): مخير. وهو خلاف الجادة.
- ٤٤٨ -

وقال المهلب : ويخرج قوله في الترجمة : وإن أقرضه إلى أجل
مسمى جاز [ لأن ] (١) الطعام كان مجموعًا للصدقة ، فلما أخذ
السارق وقد حثا من الطعام ، وقال له : دعني فإني محتاج ، وتركه،
فكأنه سلفه ذلك الطعام إلى أجل ، وهو وقت قسمته وتفرقته على
المساكين ، لأنهم كانوا يجمعونه قبل الفطر بثلاثة أيام للتفرقة ، فكأنه
سلفه إلى / ذلك الأجل ، وفيه من الفقه أن السارق لا يقطع في (٣/ ٥٥٥- ب]
مجاعة ، وفيه أنه يجوز أن يعفى عنه قبل أن يبلغ الإمام ، وفيه أنه قد
يعلم [ الشيطان ] (٢) علمًا ينتفع به إذا [ صدقته السنة ] (٣) وفيه أن
الكاذب قد يصدق في الندرة ، وفيه علامات النبوة ، وفيه تفسير لقوله
تعالى : ﴿إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾ (٤) يعني :
الشياطين، أن المراد بذلك ما هم عليه من خلقتهم الروحانية [التي
جبلوا عليها ] (١) فإذا تشخصوا في صور الأجسام المدركة بالعين
جازت رؤيتهم ، كما تشخص الشيطان في هذا الحديث لأبي هريرة في
صورة سارق .
#
*
باب: إذا باع الوكيل [ شيئًا] (١) بيعًا فاسدًا فبيعه مردود
فيه: أبو سعيد قال: (( جاء بلال إلى النبي - عليه السلام - بتمر برني،
فقال له النبي : من أين هذا ؟ قال بلال : كان عندي تمر رديء فبعت منه
صاعين بصناع؛ ليطعم النبي - عليه السلام - فقال عليه السلام: أوّه أوّه
(١) في (( هـ)).
(٣) من ((هـ)) وفي :((الأصل)): السارق.
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): صدقه.
(٤) الأعراف : ٣٧ .
- ٤٤٩ -

عين الربا - [ مرتين ] (١) - لا تفعل ، ولكن إذا أردت أن تشتري فبع
التمر ببیع آخر ، ثم اشتر به )) .
قال المهلب : لا خلاف بين العلماء أن كل من باع بيعًا فاسداً أن
بيعه مردود ، وقول النبي - عليه السلام -: ((أوّه عين الربا )» دليل
على فسخ البيع ؛ لأن الله - تعالى - قد أمر [ بذلك ] (١) في كتابه ،
وقضى بردّ رأس المال بقوله : ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما
بقي من الربا ﴾ (٢) وقوله : ﴿ فلکم رءوس أموالکم ﴾ (٣) وقد روي
في هذا الحديث عن بلال أن النبي قال: اردده [ مكسومًا] (١)))
وروى منصور وقيس بن الربيع عن أبي [ جمرة ] (٤) عن سعيد بن
المسيب، عن بلال قال: ((كان عندي تمر دون ، فابتعت تمرًا أجود منه
في السوق بنصف كيله صاعين بصاع ، وأتيت النبي فقال : من أين
لك هذا ؟ فحدثته [ بما] (٥) صنعت ، فقال : هذا الربا بعينه ،
انطلق فرده على صاحبه ، وخذ تمرك وبعه بحنطة أو شعير ، ثم اشتر
من هذا التمر ، ثم جئني ... )) وذكر الحديث .
قال المهلب : فإنما الغرض في بيع الطعام من صنف واحد - والله
أعلم - مثلا بمثل التوسعة على الناس ، ولئلا يستولي أهل الجدة على
الطيب .
وقال صاحب العين : تأوّه الرجل آهةً ، إذا توجع ، ويقال : أوهةً
لك ، في موضع مشقة وهم ، ويقال : أوه من كذا ، على معنى
التذكر والتحزن .
(١) من ((هـ)).
(٢) البقرة : ٢٧٨ .
(٣) البقرة : ٢٧٩ .
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): سلمة.
(٥) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): ما.
- ٤٥٠ -

باب : الوكالة في الوقف ونفقته
وأن يطعم صديقًا له ويأكل بالمعروف
وقال عمرو في صدقة عمر : ليس على ( الولي ) (١) جناح أن يأكل
ويؤكل صديقًا غير متأثل مالا ، وكان ابن عمر هو يلي صدقة عمر ،
يهدي [ لناس ](٢) من أهل مكة كان ينزل عليهم)) .
قال المهلب : هذا إنما أخذه عمر [ من ] (٣) كتاب الله ( في
ولي) (٤) اليتيم في قوله : ﴿ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف ﴾ (٥)
والمعروف ما تعارفه الناس بينهم غير [ مكتسب ] (٦) مالا، فهذا مباح
عند الحاجة ، وهذا سنة الوقف أن يأكل منه ( الولي ) (١) له ويؤكل ؛
لأن الحبس لهذا حبس، وليس هو مثل من اؤتمن على مال [ لغير] (٧)
الصدقة فأعطى منه بغير إذن ربه شيئًا ، فإنه لا يجوز له ذلك بإجماع
العلماء .
باب : الوكالة في الحدود
فيه : أبو هريرة وزيد بن خالد عن النبي - عليه السلام - [ قال ] (٨):
((اغديا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها)).
(١) في (( هـ)). الوالي.
(٢) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): للناس .
(٣) من ((هـ) وفي (( الأصل)): في .
(٤) في (( هـ)): والي.
(٥) النساء : ٦ .
(٦) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): مكسب.
(٧) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): الغير.
(٨) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): و .
- ٤٥١ -

وفيه: عقبة بن الحارث قال: (( جيء بالنعيمان أو ابن النعيمان شاربًا ،
[٣/ ٥٦-١] فأمر رسول الله من كان / في البيت أن يضربوا ، قال : فكنت أنا فيمن
ضربه ، فضربناه بالجريد والنعال)) .
في حديث أنس من الفقه أنه يجوز للإمام أن يبعث في إنفاذ الحكم
من يقوم مقامه فيه ، كالوكيل للموكل .
واختلف العلماء في الوكالة في الحدود والقصاص ، فذهب أبو
حنيفة وأبو يوسف إلى أنه لا يجوز قبول الوكالة في ذلك ، ولا يقيم
الحد والقصاص حتى يحضر المدعي ، وهو قول الشافعي ، وقال ابن
أبي ليلى وطائفة : تقبل الوكالة في ذلك ، وقالوا : لا فرق بين
الحدود والقصاص والديون إلا أن يدعي الخصم أن صاحبه قد عفا ،
فيوقف ( عن ) (١) النظر فيه حتى يحضر .
وقول من أجاز الوكالة في ذلك يشهد له دلائل الأحاديث الثابتة ،
فإن قيل : إن في بعث النبي - عليه السلام - أنيسًا لإقامة الحدّ على
المرأة إن اعترفت بالزنا [ دليلا ] (٢) على ذلك، وأما حديث ابن
النعيمان فإنما أقيم فيه الحد بحضرته عليه السلام قيل : المعنى واحد ،
وذلك أنه لما كان الإمام لا يتناول إقامة الحد بنفسه ، وأنه إنما يولي ذلك
غيره ، كان ذلك في معنى إقامة أنيس الحد غائبًا عنه إن اعترفت المرأة
[ لأن ] (٣) في كلتا الحالتين إنما أقام الحد عن أمره عليه السلام بإقامته،
وذلك في معنى الوكيل ، ويجيء على مذهب مالك أن الحد يقام على
[ المقر ] (٤) دون حضور المدعي، خلاف قول أبي حنيفة والشافعي».
(١) في ((هـ)): على ..
(٢) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): دليل. وهو خلاف الجادة.
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): لا.
(٤) من ( هـ)) وفى ((الأصل)): المفرد.
- ٤٥٢ -

لأنه حق قد وجب عليه ، وليس دعواه على المدعي ( بها ) (١) يسقط
الحد مما يجب أن يلتفت إليه بمجرد دعواه، إلا أن يقيم بينةً على ملا
ادعى من ذلك .
باب : الوكالة في البدن وتعاهدها
فيه : عائشة « أنا فتلت قلائد هدي النبي - عليه السلام - ثم قلّدها،
ثم [ بعث بها مع أبي](٢) ... )) الحديث.
الوكالة في [ البدن ] (٣) وفي كل ما يجوز للإنسان أن ينوب عن
غيره فيه منابه من الأعمال جائزة ، لا خلاف في شيء من ذلك ، وقد
تقدم هذا الحديث في كتاب الحج ، فأغنى عن إعادته .
باب: إذا قال الرجل لوكيله : ضعه حيث أراك الله
وقال الوكيل : قد سمعت ما قلت
فيه: أنس قال: ((كان أبو طلحة ( أكثر) (٤) أنصاري بالمدينة مالا،
وكان أحب أمواله بيرحاء ، وكانت مستقبلة المسجد ، وكان رسول الله
يدخلها ، ويشرب من ماء فيها طيب، فلما نزلت: ﴿لن تنالوا البرحتى
تنفقوا مما تحبون﴾ (٥) قام أبو طلحة إلى رسول الله فقال: يا رسول الله،
إن الله يقول: ﴿لن تتالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ (٥) فإن أحب
أموالي إلي بيرحاء ، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله ، فضعها
ء
(١) في (( هـ )) : بما .
(٢) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): بعثها.
(٣) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): النذر. (2) في (( هـ)): أكبر .
(٥) آل عمران : ٩٢ .
- ٤٥٣ -

یا رسول الله حیث شئت ، فقال : بخ ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح ،
قد سمعت ما قلت فيها وأرى أن تجعلها في الأقربين ، قال : أُفعل یا
رسول الله ، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه )) .
قال المهلب: قوله عليه السلام: ((قد سمعت ما قلت)) يدل على
قبول النبي لما جعل إليه أبو طلحة من الرأي في وضعها ، ثم ردّ النبي
الوضع فيها إلى أبي طلحة بعد أن أشار ( عليه ) (١) فيمن يضعها .
وفيه أن للوكيل أن يقبل ما وكل عليه وله أن يرد ، وأن الوكالة لا
تتم إلا بقبول الوكيل ، ألا ترى أن أبا طلحة قال للنبي: (( فضعها يا
رسول الله حيث أراك الله)) فأشار عليه بالرأي ، ورد عليه العمل ،
وقال: ((أرى أن تجعلها في الأقربين)) فتولى أبو طلحة قسمتها ..
وفيه أن من أخرج شيئًا من ماله لله ولم يملكه أحد ، فجائز له أن
يضعه حيث أراه الله من سبل الخير ، وجائز أن يشاور فيه من يثق برأيه
من إخوانه ، وليس لذلك وجه معلوم لا يتعدى ، كما قال بعض
[٣/ ق٥٦-ب] الناس : معنى قول الرجل : لله وفي سبيل الله / في وجه دون وجه،
ألا ترى أن هذه الصدقة الموقوفة رجعت إلى قرابة أبي طلحة ، ولو.
سبلها في وجه من الوجوه لم تصرف إلى غيره .
واختلف الفقهاء إذا قال الرجل : خذ هذا المال فاجعله حيث أراك
الله من وجوه الخير ، هل يأخذ منه لنفسه إن كان فقيرًا أم لا ؟ فقالت
طائفة : لا يأخذ منه شيئًا ؛ لأنه إنما أمر بوضعه عند غيره . وهذا يشبه
مذهب مالك في المدوّنة ، سئل مالك عن رجل أوصى بثلث ماله
لرجل أن يجعله حيث رأى ، [ فأعطاه ] (٢) ولد نفسه ، يعني ولد
الوصي أو أحدًا من ذوي قرابته ، قال مالك : لا أرى ذلك جائزًاً .
(١) في (( هـ)»: إليه .
(٢) من ((هـ)، وفي (( الأصل)) : أعطى.
- ٤٥٤ -

وقال آخرون : يأخذ منه كنصيب أحد الفقراء وقال آخرون : جائز له
أن يأخذه لنفسه كله إن كان فقيرًا . ووجه قول من قال : لا يأخذ منه
شيئًا لنفسه ؛ لأن ربه أمره أن يضعه في الفقراء ، ولم يأذن له أن يأخذه
لنفسه، [ ولو شاء أن يعطيه له لم يأمره أن يضعه في غيره ، فكأنه
أقامه مقام نفسه ] (١) ولو فرقه ربه لم يحبس منه شيئًا ، ووجه قول
من قال : يأخذ منه كنصيب أحد الفقراء ، فهو أن ربه أمره أن يضعه
في الفقراء ، وهو أحدهم ، فلم يتعدّ ما قاله ، ووجه قول من قال :
يأخذه كله لنفسه ، أن ربه أمره أن يضعه في الفقراء ، ومعلوم أنه
لا يحيط بجماعتهم ، وأن المال إنما يوضع في بعضهم ، وإذا كان فقيراً
فهو من بعضهم لأنه من الصفة التي أمره أن يضعه ( فيها ) (٢).
باب : وكالة الأمين في الخزانة ونحوها
فيه : أبو موسى قال النبي - عليه السلام -: (( الخازن الأمين الذي
ينفق - وربما قال : الذي يعطي - ما أمر به كاملا [ موفراً] (١) طيبًا نفسه
إلى الذي أمر به أحد المتصدقين )) .
قال المهلب : إنما كان أحد المتصدقين - والله أعلم - لأنه معين على
إنفاذ الحسنة ، وأما إذا أعطاه كارهاً غير مريد لإعطائه لم يؤجر على
ذلك ؛ لأنه لا نية له مع فعله ، وقد اشترط النبي - عليه السلام - أن
الأعمال بالنيات ، فدل ذلك أنها إذا لم تصحبها نية لا يؤجر بها ، ألا
ترى أن المنافقين لم تقبل منهم صلاة ولا صيام ولا غيره ( إذْ) (٣)
عريت أعمالهم عن النيات .
#
*
*
(١) من (( هـ)).
(٣) في (( هـ): إذا.
(٢) في (( هـ)»: فيهم .
- ٤٥٥ -

كتاب المزارعة
[باب ] (١) ما جاء في الحرث والمزارعة
وفضل الزرع والغرس إذا أكل منه ، وقوله تعالى: ﴿أفرأيتم ما
تحرثون أأنتم تزرعونه ... ﴾ (٢) الآية
فيه : أنس قال عليه السلام : (( ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع
زرعًا، فيأكل مته طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة)) .
قال المهلب : هذا يدل أن الصدقة على جميع الحيوان وكل ذي كبد
رطبة فيه أجر ، لكن المشركين لا نأمر بإعطائهم من الزكاة الواجبة
لقوله عليه السلام ((أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها
(في)(٣) فقرائكم)) .
وفيه من الفقه أن من يزرع في أرض غيره أن الزرع للزارع، ولرب
الأرض عليه كراء أرضه لقوله ( عليه السلام ] (١): ((ما من مسلم
يغرس غرساً أو يزرع زرعًا إلا كان له صدقة)). فجعل الصدقة
الزارع والثواب له خاصة دون ربّ الأرض، فعلمنا أنه ليس لربّ
الأرض حق في الزرغ الذي أخرجته الأرض ، وفيه الحض على عمارة
الأرض لتعيش نفسه أو من يأتي بعده ممن [يؤجر ] (١) فيه ، وذلك
يُدل على جواز اتخاذ الصناع ، وأن الله - تعالى - أباح ذلك
لعباده المؤمنين لأقواتهم وأقوات أهليهم طلبًا للغنى بها عن الناس،
وفساد قول من أنكر ذلك ، ولو كان كما زعموا ما كان لمن زرع زرعًا
وأكل منه إنسان أو بهيمة أجر ؛ لأنه لا يؤجر أحد [ فيما ] (٤)
(١) من ( هـ)).
(٣) في (( هـ)»: على .
(٣) الواقعة: ٦٠٣.
(٤) من ((هـ)). وفي ((الأصل)): بما.
- ٤٥٦ -

لا يجوز فعله ، وقد تقدم بيان هذه المسألة بأوضح من هذا [ في
كتاب الخمس ] في باب نفقة نساء النبي - عليه السلام - [ بعد
وفاته](١)، فأغنى عن إعادته.
[٣/ق٥٧-٦] :
/ باب: ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع
و[تجاوز] (٢) الحد الذي أمر به
فيه : أبو أمامة : (( أنه رأى سكةً أو شيئاً من آلة الحرث ، فقال: سمعت
النبي يقول : لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الذل )).
قال المهلب : معنى هذا الحديث - والله أعلم - الحض على معالي
الأحوال ، وطلب الرزق من أشرف الصناعات لما خشي النبي على
أمته من الاشتغال بالحرث وتضبيع ركوب الخيل والجهاد في سبيل الله؛
لأنهم إن اشتغلوا بالحرث غلبتهم الأمم الراكبة للخيل المتعيشة من
مكاسبها، فحضّهم على التعيش من الجهاد لا من الخلود إلى عمارة الأرض
ولزوم المهنة ، والوقوع بذلك تحت أيدي السلاطين وركاب الخيل .
ألا ترى أن عمر قال : تمعددوا واخشوشنوا ، واقطعوا الركب،
وثبوا على الخيل وثبًا لا يغلبكم عليها دعاةُ الإبل . أي دعوا التملك
و[التدلك] (٣) بالنعمة، وخذوا أخشن العيش لتتعلموا الصبر فيه،
فأمرهم بملازمة الخيل والتدرب عليها والفروسية ؛ لئلا تملكهم
الرعاة [ الذين ] (٤) شأنهم خشونة العيش، ورياضة أبدانهم
(١) من (( هـ ).
(٢) من (( هـ)) وفي ((الأصل)) : جاز.
(٣) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): التذلك.
(٤) من (( هـ) وفي ((الأصل)): الذي .
- ٤٥٧ -

بالوثوب على الخيل ، وقد رأينا عاقبة وصيته في عصرنا هذا بميلنا إلى
الراحة والنعمة .
قال المؤلف : فمن لزم الحرث وغلب عليه ، وضيّع ما هو أشرف
منه ؛ ( لزمه ) (١) الذل كما قال عليه السلام ، ويلزمه الجفاء في خلقه
لمخالطته من هو كذلك ، وقد جاء في الحديث (( من لزم البادية جفا ))
وقد أخبرنا عليه السلام بما يقوي هذا المعنى فقال: (( السكينة في أهل
الغنم ، والخيلاء في أصحاب الخيل ، والقسوة في الفذاذين أهل الوبر)
فكأنه قال : والذل في أهل الحرث ، أي : من شأن [ملازمة ] (٢)
هذه المهن ( توليد ) (٣) ما ذكر من هذه الصفات [و] (٢) من الذل
الذي يلزم من اشتغل بالحرث ما ينوبه من المؤنة بخراج الأرضين
وفيه علامة النبوة ، وذلك أنه عليه السلام علم أن من يأتي في آخر
الزمان من الولاة يجورون في أخذ الصدقات والعشور ، ويأخذون في:
ذلك أكثر مما يجب لهم ؛ لأنه [ لا ] (٤) ذل لمن أخذ منه الحق الذي
عليه ، وإنما يصح الذل بالتعدي وترك الحق في الأخذ .
باب : اقتناء الکلب للحرث
فيه : أبو هريرة قال: قال رسول الله: (( من ( اقتنى ) (٥) كلبًا فإنه
ينقص كل يوم من عمله قيراط ، إلا كلب حرث أو ماشية)) وقال مرة:
(إلا كلب غنم أو حرث أو صيد)) .
(١) في ((هـ)): فيلزمه .
(٣) في (( هـ)»: توليه .
(٥) في ((هـ )): أمسك .
(٢) من (( هـ ).
(٤) في (( هـ )): من .
- ٤٥٨ -

اقتناء الكلب للحرث والماشية والصيد مباح بدليل الكتاب والسنة ،
وقد تقدم حكم الكلب في جميع وجوهه في كتاب البيوع وكتاب
الصيد فأغنى عن إعادته .
باب : استعمال البقر للحراثة
فيه : أبو هريرة عن النبي - عليه السلام - قال : (( بينما رجل راكب
على بقرة التفتت إليه فقالت : لم أخلق لهذا ، خلقت للحراثة ، قال :
آمنت به أنا وأبو بكر وعمر ، وأخذ الذئب شاة فتبعها الراعي ، فقال
الذئب : من لها يوم السبع ، يوم لا راعي لها غيري ، قال : آمنت به أنا
وأبو بكر وعمر . وما هما يومئذ في القوم)) .
قال المهلب : ( فبيان ) (١) كلام البهائم من الآيات التي خصت بها
بنو إسرائيل ؛ لجواز أن تكون النبوة فيهم غير محظورة ، وهذا الحديث
حجة على من جعل علة المنع من أكل الخيل والبغال والحمير أنها
خلقت للركوب والزينة لقوله تعالى : ﴿ والخيل والبغال والحمير
لتركبوها وزينة﴾ (٢) وقد خلقت البقر للحراثة، وأنطقها الله بذلك
زيادةً في الآية المعجزة ، ولم يمنع ذلك من أكل لحومها لا في بني
إسرائيل ولا في الإسلام ، وفيه الثقة ( بما ) (٣) يعلم من صحة إيمان
المرء وثاقب علمه والقضاء / عليه بالعادة المعلومة منه ، كما قضى [٣/ ق٥٧ -ب]
النبي على أبي بكر وعمر بتصديق كلام البقرة والذئب ، الذي توقف
الناس عن الإقرار به ، حتى احتاج رسول الله [ أن ] (٤) يقول أن هذا
(١) في ((هـ)): فيه أن.
(٣) فى (( هـ)) : لما .
(٢) النحل : ٨.
(٤) من ( هـ )).
- ٤٥٩ -

يقربه { معه ] (١) أبو بكر وعمر، وناهيك بذلك فضيلةً لهما ورقعة ؛
لشهادة النبي لهما الذي لا ينطق عن الهوى .
وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي : قال لي علي بن المديني :
سمعت أبا عبيدة معمر بن المثنى يقول في حديث النبي ، حين أخذ
الذئب الشاة وأُخذت منه، فقال: « من لها يوم السبع ، بيوم لا
راعي لها غيري)) قال : ليس هو السبع الذي يسبع الناس ، إنما هو
عيد كان لهم في الجاهلية يشتغلون بأكلهم ولعبهم ، فيجيء الذئب
فيأخذها .
باب : إذا قال اكفني مئونة النخل أو غيره
و[تشركني] (٢) في [ الثمر ] (٣)
فيه : أبو هريرة: (( قالت الأنصار : اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل ،
قال : لا ، قال : فتكفوننا المئونة ونشرككم في الثمرة ، قالوا : سمعنا
وأطعنا)).
قال المهلب : إنما أراد الأنصار مشاركة المهاجرين بأن يقاسموهم
أموالهم ، فكره رسول الله أن يخرج عتهم شيئًا من عقارهم ،
و[علم](٤) أن الله سيفتح عليهم البلاد فيغني جميعهم ؛ فأشركهم في
الثمرة على أن [ يكفوهم ] (٥) المثونة والعمل في النخيل، وتبقى
رقاب النخل للأنصار ، وهذه هي المساقاة بعينها .
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): و.
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): شركني.
(٣) من (( هـ)) .وفي ((الأصل)): التمر .
(٤) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): على .
(٥) من (هـ)) وفي ((الأصل)): يكفوا.
- ٤٦٠ -
۔