النص المفهرس

صفحات 421-440

الطحاوي : فدل هذا على أن المطلوب لا يبرأ بكفالة الكفيل عنه ، وأن
للطالب أن يأخذ [ به ] (١) بعد الكفالة أيهما شاء. قال الأبهري :
ولما كان الضامن يلزمه إذا ضمن كما يلزم المديان أداء ما عليه، كان
صاحب الحق مخيرًا أن يأخذ ممن شاء منهما .
وقال المهلب : ترك النبي الصلاة على المديان، إنما هو أدب
للأحياء؛ لئلا يستأكلوا أموال الناس فتذهب ، وهذا كان في أول
الإسلام قبل أن يفتح الله عليه المال ، فلما فتح عليه الفيء جعل منه
نصيبًا لقضاء دين المسلم ، وهذه عقوبة في أمور الدين أصلها المال ،
فلما جاز أن يعاقب في طريق دينه على سبب المال ، جاز أن يعاقب
في المال على [ سبب ] (٢) الدين ، كما توعد النبي من لم يخرج إلى
المسجد أن يحرق بيته ، وسيأتي الحديث الذي نسخه في آخر باب من
تكفل عن ميت دينا ، والتنبيه عليه - إن شاء الله .
باب : الكفالة في القرض والدیون بالأبدان وغيرها
وبعث عمرُ حمزة بن عمرو مصدقًا ، فوقع رجل على جارية امرأته ،
فأخذ حمزة من الرجل كفيلاً حتى قدم على عمر ، وكان عمر قد جلده
مائة فصدقهم وعذرهم بالجهالة . وقال جرير والأشعث لعبد الله بن
مسعود في المرتدين : استتبهم وكفلهم ، فتابوا وكفلهم عشائرهم . وقال
حماد : إذا تكفل بنفس فمات فلا شيء عليه . وقال الحكم : يضمن .
فيه : أبو هريرة عن النبي - عليه السلام -: (( أنه ذكر رجلا من بني
إسرائل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار ، فقال : ائتني
(٢) في ((الأصل)): سبيل، والمثبت من (( هـ)).
(١) من (( هـ)).
- ٤٢١ -

!
۔۔۔
بالشهداء أشهدهم ، قال: كفى بالله شهيداً ، فقال : فائتني بالكفيل ،
قال: کفی بالله كفيلاً ، فدفعها إليه إلى أجل مسمىّ ، فخرج في البحر
فقضى حاجته ، ثم التمس مركباً يقدم عليه ، للأجل الذي أجله ، فلم
يجد ، فأخذ خشبة فنقرها ، فأدخل فيها الألف دينار وصحيفة منه إليه ،
(٣/ ق. مب) ثم أتى بها البحر / وقال : اللهم تعلم أني تسلفت منه ، وسألني شهيدًا
و كفيلاً ، فرضي بك ... )) وذكر الحديث .
قال المهلب : الكفالة [ في القرض ] (١) الذي هو السلف بالأموال
كلها جائزة ، وحديث الخشبة أصل في الكفالة بالديون من قرض
كانت أو بيع ، والكفالة بالأبدان والحدود غير صحيحة ، و[يستحق] (٢)
المدعى عليه الحد حتى ينظر في أمره ، إلا أن جمهور الفقهاء قد
أجازوا الكفالة بالنفس ، هذا قول مالك والليث والثوري والأوزاعي
وأبو حنيفة و[أحمد ] (٣) واختلف عن الشافعي ، فمرة أجازها ومرةٌ
ضعفها .
وقالت طائفة : لا تجوز الكفالة بالنفس ، ولم يختلف الذين
أجازوها في النفس أن المطلوب إن غاب أو مات لم يقم على الكفيل
به حد ، ولا لزمه قصاص ، فصارت الكفالة بالنفس عندهم غير
موجبة لحكم في البدن .
وشذ أبو يوسف ومحمد ، فأجازا الكفالة في الحدود والقصاص ،
وقالا : إذا قال المقذوف أو المدعي للقصاص : بينتي حاضرة ، كفلته.
ثلاثة أيام . واحتج لهما الطحاوي بما روي [ عن ] (٤) حمزة بن
(١) في (( الأصل)): بالقرض. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): يسجن. والمثبت من ( هـ)).
(٣) في (( الأصل)): محمد. وهو تحريف، والمثبت من (( هـ )) وسيأتي قول محمد
بعد ذلك .
(٤) من (( هـ)).
- ٤٢٢ -

عمرو وابن مسعود وجرير بن عبد الله والأشعث أنهم حكموا بالكفالة
بالنفس بمحضر الصحابة حتى كتب إلى عمر في ذلك ، ولا حجة فيه؛
لأن ذلك إنما كان على سبيل الترهيب على المطلوب والاستيثاق ، لا أن
ذلك لازم لمن تكفل إذا زال المتكفل به ؛ لأنه يؤدي ما ضمن في ذمته
عمن تكفل عنه ، وإنما تصح الكفالة في الأموال ؛ لأنه يؤدي ما
ضمن في ذمته عمن تكفل عنه ، وأصل الكفالة في المال قوله تعالى :
﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ (١) أي : كفيل وضامن.
واختلف الفقهاء في من تكفل بالنفس أو بالوجه ، هل يلزمه ضمان
المال ، فقال الكوفيون : من تكفل بنفس رجل لم يلزمه الحق الذي
على المطلوب . وهذا أحد قولي الشافعي ، وقال مالك والليث
والأوزاعي : إذا تكفل بنفسه وعليه مال ، فإنه إن لم يأت به غرم
المال، ويرجع به على المطلوب ، فإن اشترط ضمان نفسه أو وجهه
وقال : لا أضمن المال ؛ فلا شيء عليه من المال . قال : والحجة لمن
أوجب غرم المال أن الكفيل قد علم أن المضمون وجهه لا يطلب بدم
وإنما يطلب بمال ، فإذا ضمنه له ولم يأت به ، فكأنه قد فوته عليه
وغره منه ؛ فلذلك لزمه المال . واحتج الطحاوي للكوفيين فقال : أما
ضمان المال بموت المكفول به ، فلا معنى له إذا لم يشترط ؛ لأنه إنما
تكفل بالنفس وقد فاتت ، ولا قيمة لها يرجع إليها بعد عدمه ، وأيضًا
فإنه تكفل بالنفس ولم يتكفل بالمال ، فمحال أن يلزمه ما لم يتكفل به.
قال المهلب : وفي حديث الخشبة أن من صحّ منه التوكل على الله
[فإن الله - عز وجل - ملي بنصره وعونه ، قال الله - تعالى - :
﴿ومن يتوكل على الله ] (٢) فهو حسبه ﴾ (٣) فالذي نقر الخشبة توكل
(٢) سقطت من (( الأصل))، والمثبت من ( هـ).
(١) يوسف : ٧٢ .
(٣) الطلاق : ٣ .
- ٤٢٣ -

على الله ووثق به في تبليغها وحفظها ، والذي سلَّفه وطلب الكفيل
صح منه أيضًا التوكل على؛ لأنه قنع بالله [ كفيلاً وحميلاً] (١)،
فَوَصَّل إليه ماله ، وسيأتي حكم أخذ الرجل الخشبة حطبًا لأهله في
كتاب اللقطة - إن شاء الله تعالى .
باب : قول الله تعالى : ﴿ والذين عاقدت أيمانكم
فآتوهم نصيبهم ﴾ (٢)
--
فيه : ابن عباس ﴿ ولكل جعلنا موالي ﴾ (٢) قال: ورثة ﴿ والذين
عقدت أيمانكم ﴾ (٢) كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجر
الأنصاري دون ذوي رحمه ؛ للأخوة التي آخی بينهم النبي ، فلما نزلت
ولكل جعلنا موالي ﴾ (٢) نسخت، ثم قال: ﴿والذين عاقدت
أيمانكم﴾ (٢) إلا النصر والرفادة والنصيحة ، وقد ذهب الميراث ويوصى
له .
فيه: أنس: (( قدم علينا ابن عوف فآخى النبي - عليه السلام - بينه
وبين سعد بن الربيع )) .
وفيه : فقيل له: (( أبلغك أن النبي - عليه السلام - قال : لا حلف في
الإسلام ؟ قال : قد حالف النبي بين قريش والأنصار في داري)) ..
[٣/ق٥١-٢]
قال الطبري: / قد روي عن النبي - عليه السلام - أنه قال: ((لا
حلف في الإسلام ، وما كان من حلف الجاهلية فلن يزيده الإسلام
[إلا] (٣) شدة)) فإن قيل: فهذا يعارض قول أنس: (( حالف
(١) في ((الأصل)): وكيلاً. والمثبت من ((هـ)).
(٢) النساء : ٣٣.
(٣) من ((هـ)).
- ٤٢٤ -
٠

رسول الله بين قريش والأنصار في داري بالمدينة )" . قيل : كان هذا
في أول الإسلام ، كان عليه السلام آخى بين المهاجرين والأنصار ،
فكانوا [يتوارثون ] (١) بذلك العقد ، وعاقد أبو بكر مولى له فورثه ،
[وكانت] (٢) الجاهلية تفعل ذلك في جاهليتها، فنسخ الله ذلك
بقوله: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ﴾ (٣) ورد
المواريث إلى القرابات بالأرحام والحرمة بقوله : ﴿ يوصيكم الله في
أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ (٤) وأما الذي قال فيه عليه السلام:
(( ما كان من حلف في الجاهلية فلن يزيده الإسلام إلا شدةً﴾ [فهو](٥)
ما لم ينسخه الإسلام ، ولم يبطله حكم القرآن ، وهو التعاون على
الحق والنصرة على الأخذ على يد الظالم الباغي ، وهو معنى قول ابن
عباس : إلا النصر والرفادة ، أنها مستثناة مما ذكر نسخه من مواريث
المعاقدين .
باب : من تكفل عن میت دینًا فلیس له أن يرجع
وبه قال الحسن
فيه : سلمة بن الأكوع (( أن النبي أتي بجنازة ليصلي عليها ، فقال :
عليه دين ؟ قالوا : نعم . قال : صلوا على صاحبكم ، قال أبو قتادة :
عليّ دینه یا رسول الله ، فصلی علیه )) .
وفيه: جابر قال رسول الله: (( لو قد جاء مال البحرين أعطيتك هكذا
وهكذا ، فلم يجئ مال البحرين حتى قبض النبي - عليه السلام - فلما
(١) في ((الأصل)): يتعاقدون، والمثبت من (.هـ)).
(٢) في ((الأصل)): كان، والمثبت من (( هـ)).
(٣) الأحزاب : ٦ .
(٤) النساء : ١١ .
(٥) من (( هـ )).
- ٤٢٥ -

جاء مال البحرين أمر أبو بكر فنادى من كان له عند النبي - عليه
السلام - عدة أو دين فليأتنا ، فأتيته فقلت : إن النبي - عليه السلام -
قال لي كذا، فحثي لي حثيةً ، فعددتها فإذا هي خمسمائة درهم ، وقال :
خذ مثلها )) .
وفيه : أبو هريرة: (( أن النبي كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين ،
فيسأل هل ترك لدینه وفاءً ؟ فإن حدث أنه ترك وفاءً ، صلی علیه ، فلما
فتح الله الفتوح قال : أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، فمن توفي وترك
دينًا فعلي قضاؤه ، ومن ترك مالاً فلورثته)) .
اختلف العلماء فيمن تكفل عن ميت بدين ، فقال ابن أبي ليلى
وأبو يوسف ومحمد والشافعي : الكفالة جائزة عنه وإن لم يترك الميت
شيئًا ، ولا يرجع به في مال الميت إن ثاب للميت مالك ، وكذلك إن
كان للميت مال وضمن عنه لم يرجع في قولهم ؛ لأنه متطوع . قال
مالك : إذا تكفل عن ميت فله أن يرجع في ماله ، كذلك إن قال :
إنما أديت لأرجع في ماله . وإن لم يكن للميت مال وعلم الضامن
بذلك فلا رجوع له إن بان للميت مال . قال ابن القاسم : لأنه بمعنى
الهبة .
وشذ أبو حنيفة وخالف الحديث وقال : إذا لم يترك الميت شيئًا فلا
تجوز الكفالة ، وإن ترك شيئًا جازت الكفالة بقدر ما ترك ؛ وقال
الطحاوي : هذا خلاف لحديث النبي ؛ لأنه [ عليه السلام ] (١) قد
أجاز الضمان عن الميت الذي لم يترك شيئًا ، واحتج من قال أنه لا
رجوع له على الميت وإن كان للميت مال ، أنه لو كان له رجوع لقام
الكفيل مقام الطالب ، فلم يكن النبي - عليه السلام - ليصلي عليه
(١) من (( هـ)).
- ٤٢٦ -

حين ضمن دينه أبو قتادة ، وحجة مالك أن أبا قتادة علم أنه لا وفاء
للميت حين ضمن دينه ، ولو علم أن له مالاً وتكفل بدينه على أن
يرجع به في ماله ، لم يمنعه من ذلك كتاب ولا سنة ، بل هو الذي
بينه عليه السلام بقوله: (( لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسٍ
منه)) ، وكذلك اختلافهم إذا تكفل عن حيًّ بغير أمره ، فقال
الكوفيون والشافعي : لا يرجع به عليه إذا أداه ؛ لأنه متطوع . وروى
ابن القاسم عن مالك أن له الرجوع بذلك على المطلوب . وحجة
مالك أن كل من فعل عن غيره فعلاً كان واجباً على الغير / أن يفعله، [٣/ق٥١-ب)
فإنه واجب عليه الخروج مما لزمه عنه قياساً على الإمام يستأجر على
السفيه والممتنع من أداء الحق .
وقال المهلب : وأما تحمل [ أبي ] (١) يكر لعدات النبي - عليه
السلام - وديونه ، فذلك لأن الوعد منه عليه السلام يلزم فيه الإنجاز ،
لأنه من مكارم الأخلاق ، وقد وصفه الله بأنه على خلق عظيم ،
وأثنى على إسماعيل بأنه كان صادق الوعد ، وإنما صدق أبو بكر من
ادعى أن له قبل النبي عدةً أو دينًا؛ لقوله عليه السلام: (( ليس كذب
عليّ ككذب على غيري ، من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من
النار)» فهو وعيد ، ولا نظن بأن يقدم عليه من شهد الله لهم في كتابه
أنهم خير أمّة أخرجت للناس .
وحديث أبي هريرة فيه : تكفل النبي - عليه السلام - بديون من
مات من أمته معدمًا ، وتحمل كل دينهم وضياع عيالهم ، وقد جاء هذا
الحديث بهذا اللفظ ((ومن ترك كلاً أو ضياعًا فعلي)) قال : وهذا
الحديث ناسخ لتركه عليه السلام الصلاة على من مات وعليه دين .
(١) في ((الأصل)): أبو. والمثبت من (( هـ).
- ٤٢٧ -

وقوله: (( فعليّ قضاؤه)) يعني مما يفيء الله عليه من المغانم
والصدقات التي أمر الله بقمها على الغارمين والفقراء ، وجعل للذرية
نصيبًا في الفيء ، وقضى منه دين المسلم ، وهكذا يلزم السلطان أن
يفعله لمن مات وعليه دين ، فإن لم يفعله وقع القصاص منه في
الآخرة، ولم يحبس الغريم عن الجنة بدين له مثله في بيت المال ، إلا
أن يكون الدين الذي عليه أكثر مما له في بيت المال [ ولم تف بذلك
حسناته ، ومعلوم أن حق المسلم في بيت المال ] (١) وإن لم يتعين عنده
مال من ماله ، يعلمه الذي أحصى كل شيء عددًا ، ومحال أن يحبس
عن الجنة من له من الحسنات عند من ظلمه ولا يقدر على الانتصاف
منه في الدنيا مما يفي بدينه ، والله أعلم .
*
باب : جوار أبي بكر في عهد النبي وعقده
فيه: عائشة قالت: (( لم أعقل أبويّ [قط] (٢) إلا وهما يَدِينَان
الدِّينَ، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه النبي - عليه السلام - طرفي النهار
بكرةً وعشيةً ، فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرًا قبَل الحبشة ،
حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة ، وهو سيد القارة ، فقال : أين
تريد يا أبا بكر ؟ فقال أبو بكر : أخرجني قومي ، [ فأنا ] (٣) أريد أن
أسيح في الأرض وأعبد ربي . قال ابن الدغنة : إن مثلك لا يخرج ولا
يخرج ، [ فإنك ] (٢) تكسب المعدوم، وتصل الرحم، [ وتحمل
الكلّ](٢) ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق ، وأنا لك جار ،
فارجع فاعبد ربك ببلادك ، فارتحل ابن الدغنة فرجع مع أبي بكر ، فطاف
(١) من (( هـ).
(٢) من (( هـ ، ن)).
(٣) في ((الأصل)): أنا. والمثبت من ((هـ ، ن).
- ٤٢٨ -

في أشراف كفار قريش فقال لهم : [ إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا
يخرج، أتخرجون رجلاً يكسب المعدوم ، ويصل الرحم ، ويحمل الكل،
ويقري الضيف ، ويعين على نوائب الدهر ] (١) فأنفذت قريش جوار
ابن الدفنة، وأَمَّنوا أبا بكر [ و] (١) قالوا لابن الدغنة : مر أبا بكر
فليعبد ربه في داره ، فليصل وليقرأ ما شاء [ و ] (١) لا يؤذينا
[بذلك](١) ولا [يستعلن به، فإنا قد خشينا] (٢) أن يفتن أبناءنا
ونساءنا [ فقال ](٣) ذلك ابن الدغنة لأبي بكر ، فطفق أبو بكر يعبد ربه
في داره، ولا [يستعلن ] (٤) بالصلاة ولا بالقراءة في غير داره ، ثم بدا
لأبي بكر فابتنى مسجدًا بفناء داره، و[ برز ](٥) فكان يصلي فيه ويقرأ
القرآن فینقصف علیه نساء المشر کین وأبناؤهم یعجبون وينظرون إليه ،
وكان أبو بكر رجلاً بكَّاءً لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن ، فأفزع ذلك
أشراف قريش من المشركين ، فأرسلوا إلى ابن الدغنة ، فقدم عليهم
فقالوا له : إنا كنا أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربه في داره وإنه جاوز ذلك
وابتنى مسجداً بفناء داره ، وأعلن الصلاة والقراءة ، وقد خشينا أن يفتن
أبناءنا ونساءنا، فإنه إن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل ،
وإن أبى إلا يعلن ذلك فاسأله أن يرد إليك ذمتك ، فإنا كرهنا أن
نخفرك، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان ، / قالت عائشة : فأتى ابن
الدغنة أبا بكر فقال : قد علمت الذي عقدت لك عليه ، فإما أن تقتصر
على ذلك وإما أن تردّ إلي ذمّتي ؛ فإني لا أحب أن تسمع العرب أني
أُخْفرتُ في رجل عقدت له ، قال أبو بكر : إني أردّ إليك جوارك
[٣/ ق٥٢- ١]
(١) من (( هـ ، ن)).
(٢) في (( الأصل)): يشغلنا به بالنا قد حسبنا. وهو تحريف والمثبت من (( هـ، ن)).
(٣) في ((الأصل)): قال. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٤) في ((الأصل)): يشتغلن، والمثبت من ((هـ، ن)).
(٥) في ((الأصل ): نزل. والمثبت من (( هـ، ن)).
- ٤٢٩ -

وأرضى بجوار الله ، ورسول الله يومئذ بمكة ، فقال رسول الله : قد أريت
دار هجرتكم، فهاجر من هاجر قبل المدينة ، ورجع إلى المدينة بعض من
كان هاجر إلى أرض الحبشة ، وتجهز أبو بكر مهاجراً ، فقال النبي - عليه
السلام - : على رسلك ، فإني أرجو أن يؤذن لي ، فحبس أبو بكر نفسه
على النبي - عليه السلام - وعلف راحلتين كانتا عنده أربعة أشهر )).
قال المهلب : هذا الجوار كان [ معروفًا] (١) بين العرب، وكان
وجوه العرب يجيرون من لجأ إليهم واستجار بهم ، وقد أجار أبو
طالب النبي - عليه السلام - ولا يكون الجوار إلا من الظلم والعداء،
ففي هذا من الفقه أنه إذا خشي المؤمن على نفسه من ظالم أنه مباح له
وجائز أن يستجير بمن يمنعه ويحميه من الظلم ، وإن كان مجیره كافرًا،
إن أراد الأخذ بالرخصة ، وإن أراد الأخذ بالشدة على نفسه فله ذلك
كما رد أبو بكر الصديق على ابن الدغنة جواره ، ورضي بجوار الله
وجوار رسوله - عليه السلام - وأبو بكر يومئذ من المستضعفين ، فآثر
الصبر على ما يناله من أذى المشركين محتسبًا على الله وواثقًا به ،
فوقّى الله له ما وثق به فيه ، ولم ينله مكروه حتى أذن الله لنبيه في
الهجرة ، فخرج أبو بكر معه ونجَّهم الله - تعالى - من كيد أعدائهما
حتى بلغ مراده تعالى من إظهار النبوة وإعلاء الدين ، وكان لأبي بكر
في ذلك من الفضل والسبق في نصرة نبيه وبذل نفسه وماله في ذلك ما
لم يخف مكانه ، ولا جهل موضعه .
قال أبو على : ((قط )) تجزم إذا كانت بمعنى التقليل، وتضم وتثقل
إذا كانت في معنى الزمن والحين من الدهر ، تقول : لم أر هذا قط،
(١) في ((الأصل)) معروف، والمثبت من (( هـ)).
- ٤٣٠ -

وليس عندي إلا هذا فقط ، وأخفرت الرجل : نقضت عهده ،
وخفرته : منعته وحميته ، وفي كتاب الأفعال : طفق بالشيء طفوقاً إذا
أدام فعله ليلاً ونهاراً ، ومنه قوله تعالى : ﴿ فطفق مسحاً بالسوق
والأعناق﴾ (١) .
*
(١) ص : ٣٣ .
- ٤٣١ -

كتاب الوكالة
وكالة الشريك في القسمة وغيرها
وقد أشرك النبي - عليه السلام - عليا في هديه ، ثم أمره بقسمتها .
فيه : علي: (( أمرني النبي - عليه السلام - أن أتصدق بجلال البدن
التي نحرت وبجلودها » .
وفيه : عقبة بن عامر: (( أن النبي - عليه السلام - أعطاه غنما يقسمها
على صحابته ، فبقي عتود ، فذكره للنبي - عليه السلام - فقال : ضح
به أنت )) .
وكالة الشريك جائزة كما تجوز شركة الوكيل ، وهو بمنزلة الأجنبي
في أن ذلك مباح منه ، وحديث عليّ بين في الترجمة ، فإن قيل :
ليس في حديث عقبة وكالة الشريك ، قيل : عقبة إنما وكله النبي -
عليه السلام - على قسمة الضحايا وهو شريك للموهوب لهم ،
فتوكيله على ذلك كتوكيل شركائه الذين قسم بينهم الضحايا .
*
باب : إذا وكل المسلم حربيا في دار الحرب
[ أو في دار الإسلام جاز ] (١)
فيه: عبد الرحمن بن عوف: ((كاتبت أمية [ بن خلف ] (١) كتابًا أن
يحفظني في [ صاغيتي ] (٢) بمكة ، وأحفظه في [ صاغيته ] (٣) بالمدينة ،
(١) من ((هـ ، ن )).
(٢) في ((الأصل)): طاغيتي. والمثبت من ( هـ، ن)).
(٣) في ((الأصل)): طاغيته. والمثبت من (( هـ، ن)).
- ٤٣٢ -

فلما ذكرت : الرحمن ، قال : لا أعرف الرحمن ، كاتبني باسمك الذي
كان في الجاهلية ، فکاتبته عبد عمرو ، فلما كان يوم بدر خرجت إلى
جبل لأحذره حين نام الناس ، فأبصره بلال فخرج حتى وقف على
مجلس الأنصار ، فقال : أمية بن خلف ؟ لا نجوت / إن نجا أمية ، فخرج [٣/ق٥٢-ب]
معه فريق من الأنصار في آثارنا ، فلما خشيت أن يلحقونا خلفت لهم
ابنه لأشغلهم ، فقتلوه ، ثم أبوا حتى تتبعونا ، وكان رجلا ثقيلا ، فلما
أدركونا قلت له : ابرك . فبرك فألقيت عليه نفسي لأمنعه ، فتجللوه
بالسيوف من تحتي حتى قتلوه ، وأصاب أحدهم رجلي بسيفه . وكان
عبد الرحمن بن عوف يرينا ذلك الأثر في ظهر قدمه .
قال ابن المنذر : إذا وكل المسلم الحربي المستأمن أو وكل الحربي
المستأمن المسلم فهو جائز .
قال المؤلف : ألا ترى أن عبد الرحمن بن عوف وكل أمية بن خلف
بأهله وحاشيته بمكة أن يحفظهم ؟ وأميَّة مشرك ، والتزم عبد الرحمن
لأميّة من حفظ حاشيته بالمدينة مثل ذلك ( مجازاة ) (١) لصنعه .
قال المهلب : وترك عبد الرحمن بن عوف أن يكتب إليه عبد
الرحمن لأن التسمية علامة ، كما فعل ذلك النبي - عليه السلام -
يوم الحديبية حين قال له رسول أهل مكة : لا أعرف الرحمن
[فكتب] (٢) باسمك اللهم . فلم يضره محو ذلك عليه السلام ، ولا
تشاح فيه إذْ ما مُحِيَ من الكتاب ليس ( بمحو ) (٣) من الصدور ، وإذْ
التشاح في مثل هذا ربما آلَ إلى فساد ما أحكموه [ من ] (٤) المقاضاة.
(١) في (( هـ)): محاكاة.
(٢) في ((الأصل)): وكتب، والمثبت من ( هـ)).
(٣) في (( الأصل)): بمحوّاً، والمثبت من (( هـ)).
(٤) في ((الأصل)): في، والمثبت من (( هـ).
- ٤٣٣ -

وقوله : فألقيت عليه نفسي لأمنعه ، فلم يمتنع بذلك أمية بن خلف
من القتل ، هو منسوخ بقوله عليه السلام: (( يجير على المسلمين
أدناهم )) لأن حديث أم هانئ كان يوم فتح مكة .
وفيه من الفقه : مجازاة المسلمُ الكافرَ على البر يكون منه للمسلم
والإحسان إليه ، ومفأرضته على جميل فعله ، والسعي له في تخليصه
من القتل وشبهه .
وفيه أيضًا : المجازاة على سوء الفعل بمثله ، والانتقام من الظالم ،
وإنما سعى بلال في قتل أميّة بن خلف ، واستصرخ الأنصار عليه
وأغراهم به في ندائه : أميّة بن خلف ، لا نجوتُ إن نجا أميّة ؛ لأنه
كان [عذَّب] (١) بلالاً بمكة على ترك الإسلام، وكان يخرجه إلى
الرمضاء بمكة إذا حميت فيضجعه على ظهره ، ثم يأمر بالصخرة
العظيمة فتوضع على صدره ، ويقول : لا تزال هكذا أو تفارق دين
محمد، [فيقول ] (٢) بلال: أحد أحد ..
قال عبد الرحمن بن عوف : فكنت بين أميّة وابنه [ آخذاً] (٣)
بأيديهما ، فلما رآه بلال صرخ بأعلى صوته: يا أنصار الله ، رأس
الكفر أميّة بن خلف ، لا نجوتُ إن نجا، فأحاطوا بنا و[ أنا ] (٤) أذب عنه،
فضرب رجل ابنه بالسيف فُوقع ، وصاح أميّة صيحةً ما سمعت بمثلها قط ،
قلت : انج بنفسك -ولا نجاية- فوالله لا أغني عنك شيئًا [فهذوهما](٥)
بأسيافهم حتى فرغوا منهما. [ ذكره ابن إسحاق ] (٤) وذكر في حديث
آخر عن عبد الله بن أبي بكر وغيره عن عبد الرحمن بن عوف [قال] (٤):
(١) في ((الأصل)): عاب. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)): فيقلُ. والمثبت من ((هـ)).
(٣) في ((الأصل)): آخذ. والمثبت من (( هـ)).
(٥) في ((الأصل)): فهزموهما. والمثبت من (( هـ)).
(٤) من (( هـ ))
- ٤٣٤ -

وكان أمية بن خلف لي صديقًا بمكة ، وكان اسمي عبد عمرو فتسميت
حين أسلمت عبد الرحمن ونحن بمكة ، فكان يلقاني بمكة ويقول : يا
عبد عمرو [ أرغبت ] (١) عن اسم سماكه أبوك ؟! فأقول : نعم .
فيقول : فإني لا أعرف الرحمن ، فاجعل بيني وبينك شيئًا أدعوك به ،
فسماه عبد الإله .
فلما كان يوم بدر مررت به وهو واقف به مع ابنه عَلِيّ بن أمية ،
ومعي [ أدراع أسبيتها فأنا أحملها ] (٢) فلما رآني قال : يا عبد عمرو،
فلم أجبه . قال : يا عبد الإله ، قلت : نعم . قال : هل لكِ في
[فأنا] (٣) خير لك من هذه الأدراع التي معك، قلت: نعم . قال :
فطرحت الأدراع من يدي وأخذت بيده ويد ابنه ، وهو يقول : ما
رأيت كاليوم قط ، فرآهما بلال ، فكان حديثه ما تقدم ، فكان
عبد الرحمن يقول: يرحم الله بلالا، ذهبت أدراعي وفجعني بأسيري.
وقول بلال : أمية بن خلف ، معناه [ عليكم أمية ابن خلف ] (٤)،
ونصبه على الإغراء ، ويجوز فيه الرفع على أن يكون خبر ابتداء مضمر
تقديره : هذا أميّة بن خلف .
وقال الأصمعي : صاغية الرجل : الذين يميلون إليه ويأتونه .
قال المؤلف : وهو مأخوذ من صغى يصغو ويصغى صغوا ، إذا
مال، ومنه قوله تعالى : ﴿ ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون
بالآخرة﴾ (٥) وكل مائل إلى شيء أو معه فقد صغى إليه ، وأصغى
[من كتاب الأفعال ] (٤) .
*
(١) في ((الأصل)): رغبت. والمثبت من (( هـ)).
(٢) فى ((الأصل)): أسلبة فأنا أسملها. والمثبت من ( هـ).
(٣) في ((الأصل)): فار. والمثبت من ( هـ)).
(٤) من (( هـ)).
(٥) الأنعام : ١١٣ .
- ٤٣٥ -

[٣/ ق٥٣-١]
/ باب : الوكالة في الصرف والميزان ، وقد وكل
عمر وابن عمر في الصرف
فيه: أبو سعيد وأبو هريرة (( أن النبي - عليه السلام - استعمل رجلا
على خيبر [ فجاءهم بتمر جنيب ](١) فقال : أكل تمر خيبر هكذا ؟ قال :
إنا لنأخذ الصاع بصاعين والصاعين [ بالثلاثة ] (٢) فقال: لا تفعل ، بع
[ الجمع ] (٣) بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيهًا، وقال في الميزان مثل
ذلك)) .
الترجمة صحيحة ، وبيع الطعام [ بالطعام ] (٤) يدًا بيد مثل
الصرف سواء ، وهو شبيهه في المعنى ، فلذلك ترجم لهذا الحديث
باب الوكالة في الصرف ، وإنما صحت الوكالة في هذا الحديث لقوله
عليه السلام لعامل خيبر : (( بع الجمع بالدراهم )) بعد أن كان باغ على
غير السنة ، فلو لم يجز بيع الوكيل والناظر في المال لعرفه عليه
السلام بذلك ، وأعلمه أن بيعه مردود وإن وقع على السنة ، فلما لم
ينهه النبي - عليه السلام - إلا عن الربا الذي واقعه في بيعه الصاع
بالصاعين ، دل ذلك أنه إذا باع على السنة أن بيعه جائز .
وقال ابن المنذر : أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن
الوكالة في الصرف جائزة ، ولو وكل رجل رجلا يصرف له دراهم ،
ووكل آخر يصرف له دنانير ، فالتقيا وتصارفا صرفًا جائزاً ، أن ذلك
جائز ، وإن لم يحضر الموكلان أو أحدهما ، وكذلك إذا وكل الرجل
الرجلين يصرفان دراهم ، فليس لأحدهما أن يصرف ذلك دون
(١) في (( الأصل)): فأتاه بتمر طيب .. والمثبت من (( هـ، ن)).
(٢) في ((الأصل)): بالثلاث. والمثبت من (( هـ، ن )).
(٤) من ( هـ )).
(٣) من (( هـ، ن)).
- ٤٣٦ -

صاحبه، فإن قام أحدهما [ في المجلس الذي تصارفا فيه قبل تمام.
الصرف انتقض الصرف ؛ لقوله عليه السلام : (( الذهب بالذهب ربا
إلا هاء وهاء)). وقال أصحاب الرأي: إن قام أحدهما ] (١) قبل أن
يقبضا [انتقضت ] (٢) حصة الذي ذهب، وحصة الثاني جائزة .
وقال ابن المنذر : لم يجعل الموكل إلى أحدهما شيئًا دون الآخر ،
ولهذا أصل في كتاب الله - تعالى [ قال الله تعالى] (١): ﴿وإن
خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها﴾ (٣) ولا
يجوز لأحد من الحكمين [ أمر ] (٤) إلا مع صاحبه .
وقوله : ((و[ قال ] (١) في الميزان مثل ذلك )) يعني: أن الموزونات
حكمها في الربا حكم المكيلات ، وهذا عند أهل الحجاز في
المطعومات التي يجري فيها الكيل والوزن ، والكوفيون يجعلون علة
الربا الكيل والوزن في المطعوم وغيره ؛ لقوله في الذهب والورق :
(وزنًا بوزن)) وقوله في الطعام في حديث عبادة: « مدي بمدي و کیل
بکیل )) .
#
باب : إذا أبصر الراعي أو الوكيل شاةً تموت
أو شيئًا يفسد [ فأصلح ] (٥) ما يخاف الفساد
فيه: كعب بن مالك: (( أنه كانت ( له ) (٦) غنم ترعى بسلع ،
فأبصرت جارية لنا شاة من غنمنا [تموت، فكسرت ] (١) حجرًا فذبحتها به ،
(١) من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)»: انتقض. والمثبت من ( هـ ).
(٣) النساء : ٣٥ .
(٤) في ((الأصل)): الأمر. والمثبت من (( هـ).
(٥) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): أو أصلح.
(٧) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): موت وكسرت .
(٦) في (( هـ): لهم .
.
- ٤٣٧ -

فقال لهم : لا تأكلوا حتى أسأل رسول الله ، ( أو أرسل إلى النبي من
يسأله ، وإنه سأل النبي - عليه السلام - عن ذلك أو أرسل، فأمره) (١)
بأكلها ، قال عبيد الله : فيعجبني أنها أمة وأنها ذبحت )).
قال المهلب : وفيه من الفقه تصديق الراعي والوكيل على ما اؤتمن
عليه حتى يظهر عليه دليل الخيانة والكذب ، وهذا قول مالك
وجماعة، وقال ابن القاسم : إذا خاف الموت على شاة فذبحها لم
يضمن ، ويصدق إن جاء بها مذبوحة . وقال غيره : يضمن حتى يتبين
ما قال .
واختلف ابن القاسم وأشهب إذا أنزى على إناث الماشية بغير أمر
أربابها [ فهلك] (٢) فقال ابن القاسم : لا ضمان عليه؛ لأن الإنزاء
من صلاح المال ونمائه . وقال أشهب : عليه الضمان .
وقول ابن القاسم أشبه بدليل هذا الحديث ؛ لأن الرسول لما أجاز
ذبح الأمة الراعية للشاة ، وأمرهم بأكلها ، وقد كان يجوز ألا تموت
[٥٣٥/٣-ب] لو بقيت؛ دل على أن الراعي والوكيل / يجوز له الاجتهاد فيما
استرعي عليه ووكل به ، وأنه لا ضمان عليه فيما أتلف باجتهاده إذا
كان من أهل الصلاح ، وممن يعلم إشفاقه على المال والنية في
إصلاحه، وأما إن كان من أهل الفسوق والفساد وأراد صاحب المال أن
يضمنه فعل ؛ لأنه لا يصدق أنه رأى بالشاة موتًا ؛ لما عرف من فسقه،
وإن صدقه لم يضمنه .
(١) في (( هـ )): فأمر .
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): فهلكت .
- ٤٣٨ -

باب : وكالة الشاهد والغائب جائزة
وكتب عبد الله بن عمرو إلى قهرمانه وهو غائب عنه أن يزكي عن أهله
الصغير والكبير .
فيه : أبو هريرة: (([ كان ](١) لرجل على النبي - عليه السلام - سن
من الإبل ( فجاءه ) (٢) يتقاضاه ، فقال : أعطوه ، فطلبوا سنه ، فلم
يجدوا إلا سنا فوقها ، فقال : أعطوه ، فقال : أوفيتني أوفى الله بك ، قال
عليه السلام : إن خياركم أحسنكم قضاءً » .
هذا الحديث حجة على أبي حنيفة في قوله : لا يجوز توكيل
الحاضر بالبلد [ الصحيح ] (٣) البدن إلا برضى من خصمه أو عذر
مرض أو سفرٍ ثلاثة أيام ، وهذا الحديث خلاف قوله ؛ لأن النبي -
عليه السلام - أمر أصحابه أن يقضوا عنه السن التي كانت عليه ،
وذلك توكيل منه لهم على ذلك .
ولم يكن عليه السلام غائبًا ولا مريضًا ولا مسافرًا ، وعامة الفقهاء
يجيزون توكيل الحاضر الصحيح البدن وإن لم يرض خصمه بذلك على
ما دل عليه هذا الحديث ، وهذا قول ابن أبي ليلى ومالك و[ أبي] (٤)
يوسف ومحمد والشافعي إلا أن مالكًا قال : يجوز ذلك وإن لم يرض .
خصمه إذا لم يكن الوكيل عدوا للخصم . وقال سائرهم: يجوز ذلك
وإن كان الوكيل عدوا للخصم .
وقال الطحاوي : اتفق الصحابة على جواز ذلك ، فروي أن علي بن أبي
طالب وكل عقيلا عند أبي بكر ، فلما أسر عقيل وكل عبد الله ابن جعفر ،
فخاصم عبد الله بن جعفر طلحة في صغيرة أحدثها علي عند عثمان ،
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): قال.
(٢) في (( هـ )) : فجاء .
(٣) من (( هـ)) وفي ((الأصل)) : أو صحيح .
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): أبو . وهو خلاف الجادة .
- ٤٣٩ -

وأقر عثمان بذلك ، فصار ذلك إجماعا ، وقال النبي لعبد الرحمن بن ..
سهل الأنصاري لما خاصم إليه في دم أخيه عبد الله بن سهل ، الذي
وجد مقتولا بخيبر بمحضر من عميه [ حويصة ومحيصة: ((كبرّ كبرّ -
يريد ولي الكلام في ذلك الكبير منهما - فتكلم ] (١) حويصة ثم
محيصة ، وكان الوارث عبد الله بن سهل دونهما ، فكانا وكيلين ))
وأما [ إذا ] (١) وكل وكيلا غائبًا على طلب حقه ، فإن ذلك يفتقر إلى
قبول الوكيل للوكالة عند الفقهاء ، وإذا كانت الوكالة مفتقرة إلى قبول
الوكيل فحكم الغائب والحاضر فيها سواء ، فإن قيل : فأين
[القبول](٢) في حديث أبي هريرة؟ [ قيل ] (٣): عملهم بأمر النبي -
عليه السلام - من توفية صاحب ( الحق ) (٤) حقه ، قبول منهم لأمره
عليه السلام .
باب : الوكالة في قضاء الديون
فيه : أبو هريرة: (( أن رجلا أتى النبي - عليه السلام - يتقاضاه فأغلظ،
[ فهم ] (٥) به أصحابه ، فقال رسول الله: دعوه ، فإن لصاحب الحق
مقالا ، ثم قال : أعطوه سنًا مثل سنه ، فقالوا: لا نجد إلا أمثل من سنه ،
قال: أعطوه، فإن ( خيركم) (٦) أحسنكم قضاء)).
الوكالة في قضاء الديون وجميع الحقوق جائزة .
قال المهلب : وفيه من الفقه أن من آذى السلطان بجفاء أو استنقاص،
(١) من ( هـ)).
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)) : المقبول.
:.
(٤) في (( هـ)) : الدين .
(٣) من (٥ هـ)) وفي ((الأصل)): قلت .
(٥) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): فأهم.
(٦) في ((هـ) : من خياركم
- ٤٤٠ -