النص المفهرس

صفحات 241-260

القرص أو شرب الماء قبل التفرق ؛ لكان ذلك له جائزًا ، وكان قد
أكل ماله ، وسيأتي [ عند ] (١) ذكر مبايعة ابن عمر لعثمان بعد هذا -
إن شاء الله - فبان مذهب ابن عمر ، وأنه حجة لمن قال التفرق
بالكلام .
قال ابن المنذر : وإثبات النبي الخيار للمتبايعين ما لم ( يفترقا ) (٢)
إنما هو على ما سوى بيع الخيار لقوله عليه السلام: (( المتبايعان كل
واحد منهما على صاحبه بالخيار ما لم ( يفترقا ) (٢) إلا بيع الخيار)).
فاستثنى بيع الخيار [ فيما ] (٣) قد تم فيه البيع بالتفرق ، وبقي الخيار
في بيع الخيار بعد التفرق حتى يتم أمد الخيار ، فيختار البيع أو يرد .
باب : إذا خير أحدهما صاحبه بعد البيع فقد وجب البيع
فيه : ابن عمر قال النبي - عليه السلام -: (( إذا تبايع الرجلان فكل
واحد منهما بالخيار ما لم ( يفترقا) (٢) وكانا جميعًا، أو يخير أحدهما
الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع [ وإن تفرقا بعد أن يتبايعا ولم
يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع ](١))).
- ذهب أكثر العلماء الذين يرون الافتراق بالأبدان إلى أنه إذا خير
أحدهما صاحبه بعد البيع ، فاختار إمضاء البيع فقد تم البيع وإن لم
(يفترقا ) (٢) بالأبدان، إلا أحمد بن حنبل، فإنه قال: هما بالخيار
حتى يفترقا ، خَيَّر أحدهما صاحبه أو لم يُخَيِّرِه . وأما الذين يجيزون
البيع بالكلام دون افتراق الأبدان ، فهو عندهم بيع جائز ، قال : اختر
أو لم يقله ، فتحصل من ذلك اتفاق الجميع غير أحمد بن حنبل
وحده، وقوله / خلاف الحديث ، فلا معنى له .
[٣/ ق١٧-٢)
(١) من (( هـ)).
-
(٣) في (( هـ)): مما.
(٢) في (( هـ)): يتفرقا.
- ٢٤١ -

----
باب: إذا اشترى شيئًا فوهب من ساعته قبل ( التفرق)(١)
ولم ينكر البائع على المشتري ، أو اشترى عبدًا فأعتقه
وقال طاوس فيمن ( اشترى ) (٢) السلعة على الرضا ثم باعها:
(وجبت له، والربح له ) (٣)
فيه: ابن عمر: (( كنت مع النبي في سفر فكنت على بكر صعب لعمر،
فکان یغلبني فيتقدم أمام القوم ، فیزجره عمر ویرده ، ثم يتقدم فيزجره
عمر ويرده ، فقال النبي - عليه السلام - لعمر : بعْنيه . قال : هو لك يا
رسول الله . قال رسول الله : بعْنيه ، فباعه من رسول الله وقال الرسول :
هو لك یا عبد الله بن عمر تصنع به ما شئت )) .
وفيه : ابن عمر قال : « بعت من أمير المؤمنين عثمان مالا بالوادي بمال
له بخيبر ، فلما تبايعنا رجعت على عقبي حتى خرجت من بيته خشية أن
يرادني البيع ، وكانت السنَّة أن المتبايعين بالخيار ( ما لم يفترقا) (٤) قال
عبد الله : فلما وجب بيعي وبيعه ، رأيت بأني قد غبنته ( بأن ) (٥) سقته
إلى أرض ثمود بثلاث ليال، وساقني إلى المدينة بثلاث ليال)).
هذا الباب حجة لمن يقول الافتراق بالكلام في قوله عليه السلام :
« البيعان بالخيار ما لم ( يفترقا ) (٦) )» وحديث ابن عمر بين في ذلك،
ألا ترى أن النبي وهب الجمل من ساعته لابن عمر قبل التفرق من :
عمر ، ولو لم يكن الجمل للنبي لما جاز له أن يهبه لابن عمر حتى
يجب له بافتراق الأبدان ، وأما حديث ابن عمر في مبايعته لعثمان،
فقد احتج به من قال : إن الافتراق بالأبدان ، واحتج به من قال : إن
(١) في ((هـ)): أن يتفرقاً.
(٣) في (( هـ)): وجب له البيع.
(٥) في (( هـ)) : فإني قد .
(٢) في (( هـ)) : يشتري .
(٤) في (( هـ )): حتى يتفرقا ..
(٦) في (( هـ)) : يتفرقا.
- ٢٤٢ -

الافتراق بالكلام ، وكان من حجة الذين جعلوا الافتراق بالكلام أن
قالوا : لو كان معنى الحديث التفرق بالأبدان ، لكان المراد به الحض
والندب إلى حسن المعاملة من المسلم للمسلم ، وألا يفترسه في البيع
(على) (١) استخباره عن [الداء] (٢) والغائلة، وقد قال عليه
السلام: ((من أقال نادمًا أقال الله عثرته يوم القيامة )) من حديث أبي
هريرة ، ألا ترى قول ابن عمر : وكانت السنة أن المتبايعين بالخيار ما
لم (يفترقا). (٣) فحكى ابن عمر أن الناس كانوا يلتزمون حينئذ الندب ؛
لأنه كان ( زمن ) (٤) مكارمة ، وأن الوقت الذي حدث ابن عمر هذا
الحديث كان التفرق بالأبدان متروكًا ، ولو كان التفرق بالأبدان على
الوجوب ما قال ابن عمر : وكانت السنة [ بل كان يقول : وكانت
السنة ، ويكون أبدًا ] (٥) فلذلك جاز أن يرجع على عقبيه ؛ لأنه فهم
أن المراد بالحديث الحض والندب ، لا سيما وهو الذي حضر فعل
النبي في هبته البكر له بحضرة البائع قبل التفرق .
وقال الطحاوي : يحتمل قول ابن عمر الوجهين جميعًا ، فنظرنا
في ذلك فروينا عنه ما يدل أن رأيه كان في الفرقة بخلاف ما ذهب إليه
من قال : إن البيع لا يتم إلا بها ، وهو ما حدثنا سليمان بن شعيب ،
حدثنا بشر بن بكر ، حدثنا الأوزاعي ، حدثني الزهري ، عن حمزة
ابن عبد الله ، أن ابن عمر قال : ما أدركت الصفقة حيا فهو من مال
المبتاع . قال ابن المنذر : يعني في السلعة تتلف عند البائع قبل أن
يقبضها المشتري بعد تمام البيع . قال ابن المنذر: هي من مال المشتري؛
لأنه لو كان عبدًا فأعتقه المشتري كان عتقه [ جائزًا] (٦) ولو أعتقه
البائع لم يجز عتقه .
(١) في ((هـ)): عن .
(٣) في ((هـ): يتفرقا .
(٥) من (( هـ )).
(٢) من (( هـ )) وفي ((الأصل)): الدار .
(٤) في (( هـ )): من .
(٦) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): جائز.
- ٢٤٣ -

قال الطحاوي : فهذا ابن عمر [ قد كان ] (١) يذهب فيما أدركت
الصفقة حيا فهلك بعدها ، أنه من مال المشتري ، فدل ذلك أنه كان
يرى أن البيع يتم بالأقوال قبل الفرقة التي تكون بعد ذلك ، وأن المبيع
ينتقل بالأقوال من ملك البائع إلى ملك المبتاع حتى يهلك من ماله إن
هلك ، وهذا من ابن عمرٍ ( دال ) (٢) على مذهبه في الفرقة التي
سمعها من النبي - عليه السلام - فيما ذكروا ، وقد وجدنا عن رسول.
الله ما يدل على أن المبيع يملكه المشتري بالقول دون التفرق بالأبدان ،
(٣/ ١٧٥ - ب) وذلك أن النبي قال: ((من ابتاع طعامًا، فلا يبعه حتى يقبضه)) / فكان
ذلك [ دليلا ] (٣) على أنه إذا قبضه حل له بيعه ، ويكون قابضًا له قبل.
افتراق بدنه من بدن بائعه ، وروي عن سعيد بن المسيب قال : سمعت
عثمان يخطب على المنبر ويقول: (( كنت أشتري التمر فأبيعه بربح
[الآصع] (١) فقال لي رسول الله: ((إذا اشتريت فاكتل ، وإذا بعت
فكل)) فكان من ابتاع طعامًا مكايلة فباعه قبل أن يكتاله لا يجوز بيعه،.
فإذا ابتاعه فاكتاله وقبضه ، ثم فارق بائعه فكل قد أجمع أنه لا يحتاج
بعد الفرقة إلى إعادة الكيل ، وخولف بين اكتياله إياه بعد البيع قبل
التفرق وبين اكتياله إياه قبل البيع، فدل ذلك أنه إذا اكتاله اكتيالا يحل
[له ] (١) به بيعه ، فقد كان ذلك الاكتيال له وهو له مالك ، وإن
اكتاله [ اكتيالا ] (٤) لا يحل به بيعه ، فقد كاله وهو غير مالك له ،
فثبت بما ذكرنا وقوع ملك المشتري في المبيع بابتياعه إياه قبل فرقة تكون
بعد ذلك ، فهذا وجهه من طريق الآثار.
(١) من ( هـ)).
(٢) في (( هـ )): أدل .
(٣) من (( هـ)) وفي ((الأصل)»: دليل.
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): اكتيال .
- ٢٤٤ -

وأما من طريق النظر فرأينا الأموال تملك بعقود في أبدان ، وفي
أموال ، وفي أبضاع ، وفي منافع ، فكان ما يملك من الأبضاع هو
النكاح ، فكان يتم بعقده لا بفرقة بعد العقد ، وكان ما يملك به المنافع
هو الإجارات ، فكان ذلك أيضًا مملوكًا بالعقد لا بفرقة بعد العقد ،
فالنظر على ذلك أن تكون كذلك الأموال المملوكة بسائر العقود من
البيوع وغيرها ، تكون مملوكة بالأقوال لا بفرقة بعدها قياسًا ونظرًا .
وفي حديث ابن عمر جواز بيع الشيء الغائب على الصفة ،
وسيأتي ذلك بعد هذا - إن شاء الله .
وأجمع العلماء أن البائع إذا لم ينكر على المشتري ما أحدثه من
الهبة [ أو ] (١) العتق أنه بيع جائز ، واختلفوا إذا أنكر ولم يرض بما
أحدثه المشتري ، فالذين يرون أن البيع يتم بالكلام يجيزون هبته
وعتقه، ومن يرى التفرق بالأبدان لا [يجيز] (٢) شيئًا من ذلك إلا بعد
التفرق ، وحديث عمر حجة عليهم - والله الموفق .
*
باب : ما يكره من الخداع في البيع
فيه: ابن عمر: (( أن رجلا ذكر للنبي أنه يخدع في البيوع ، فقال : إذا
بايعت [ فقل ] (٣): لا خلابة)).
قال المهلب: قوله: ((فقل: لا خلابة)) أي: لا تخلبوني فإنه لا
يحل ، فإن اطلعت على عيب رجعت به .
-
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): و.
(٢) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): يجيزون .
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): فقال .
- ٢٤٥ -

وفي كتاب العين : الخلابة : المخادعة ، ورجل خلوب وخلبوب :
خداع .
وقال غيره : هذا الرجل المذكور في الحديث منقذ بن عمرو
الأنصاري جد واسع بن حبان ، روى ذلك ابن عيينة عن محمد بن
إسحاق ، عن نافع، عن ابن عمر (( أن منقذًا ضرب في رأسه مأمومة
في الجاهلية فحبلت لسانه ، وكان يخدع في البيوع . فقال له رسول الله:
((بع وقل: لا خلابة، وأنت بالخيار ثلاثًا . قال ابن عمر : فسمعته.
يقول إذا بايع : لا خلابة [ لا خلابة ] (١) )) وقيل : إن حبان بن منقذ
هو الذي كان يخدع ، وفيه جاء الحديث ، والأول أصح .
واختلف الفقهاء فيمن باع بيعًا غبن فيه غبنًا لا يتغابن الناس بمثله ،
فقال مالك : إن كانا عارفين بتلك السلعة ، وبأسعارها وقت البيع ،
لم يفسخ البيع كثيرًا كان الغبن أو قليلا ، وإن كانا أو أحدهما غير
عارف بتقلب السعر وبتغيره وتفاوت الغبن ، فسخ البيع ، إلا أن يريد
أن يمضيه. ومن أصحاب مالك من اعتبر مقدار ثلث [ قيمة ] (١)
السلعة ، ولم يحدَّ مالك في ذلك حدا ، ومذهبه إذا خرج عن تغابن
الناس في مثل تلك السلعة أنه يفسخ ، وبهذا قال أبو ثور .
وقال أبو حنيفة والشافعي : ليس له أن يفسخ في الغبن الكثير ،
كما لا يفسخ في القليل، وقد [ قال ] (٢) ابن القاسم في العتبية: إنه
لا يفسخ في الغبن الكثير . واحتج الكوفيون [فقالوا ] (١) : إن حبان
ابن منقذ أصابته آفة في رأسه فكان يخدع في البيوع ، فقال له النبي :
[٣/ ١٨٥-١] / ((إذا بايعت فقل: لا خلابة، ولك الخيار ثلاثًا)) قالوا : فموضع
الدليل منه هو أنه كان يخدع في البيع ، ومن كان يخدع في عقله
(١) من (( هـ).
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): قاله .
- ٢٤٦ -

بضعف يلحقه الغبن في عقوده ، فجعل له النبي الخيار لما يلحقه من
ذلك ، فلو كان الغبن شيئًا يملكه به فسخ العقد لما احتاج إلى شرط
الخيار مع استغنائه عنه ، وقال مالك : هذه الحجة لنا ؛ لأنه عليه
السلام قال له : لك الخيار ، ولم يقل له : اشترط الخيار ، وإنما قال
له [ قل ] (١) : لا خلابة أي : لا خديعة ، فلو كان الغبن مباحًا لم
يكن لقوله : لا خلابة معنى ، ولم ينفعه ذلك ، فلما كان ذلك ينفعه
جعل له النبي - عليه السلام - الخيار بعد ذلك لينظر فيما باعه ،
ويسأل عن سعره ، ويرى رأيه في ذلك وإنما جعل ذلك في حبان
ليعلمنا الحكم في مثله ، وإنما تعرف الأحكام بما ( بينه ) (٢) عليه
السلام ، فبَيِّن عليه السلام حكم من يغبن في بيعه إذا لم يكن عارفًا
بما يبيعه ، ودليل آخر وهو قوله عليه السلام: (( لا تلقوا الركبان
للبيع، فمن تلقاها فهو بالخيار إذا دخل السوق )) .
وإنما جعل له الخيار في ذلك لأجل الغبن الذي يلحقه ؛ لأنه لم
يدخل السوق ، ولا عرف سعر ما باع ، ومن يتلقاه فإنما يقصد الغبن
والاسترخاص ، فعلم بهذا أن الغبن يوجب الخيار ، وأيضًا فإنه لو
ابتاع سلعة فوجد بها عيبًا كان له الخيار في الرد ؛ لأجل النقص
الموجود بها ، فلا فرق بين أن يجد النقص بالسلعة أو بالثمن ، لأنه في
كلا الموضعين قد وجد النقص الذي يخرج به عن القصد .
فإن قيل : يلزمكم أن تفسدوا البيع وإن كان غبنًا يسيرًاً .
قيل : البيع لا يخلو من الغبن اليسير ؛ لأن كل واحد منهما يقصد
الاسترخاص ، فأجيز على حسب تعارفهم [ فيه ] (٣) فإذا خرج عن
عرفهم ثبت فيه الخيار ، ذكر هذا كله ابن القصار .
(١) من ((هـ)).
(٢) في (( هـ )) : سنه.
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)) : به.
- ٢٤٧ -

وذكر ابن حبيب قال : سئل مالك عن رجل جاهل باع حجرًاً ( أو
درة ) (١) بدرهمين ، فألفاه المشتري ياقوتة ، فلم ير فيه رجوعًا ؛ لأن
الغلط ماض على البائع والمبتاع في البيع على المساومة ، وإنما يرد في
البيع على المرابحة ، إلا أن يبيعه بائعه على أنه زجاج ، فألفاه المشتري
ياقوتة فإنه يرد البيع ، وكذلك لو باعه على أنه ياقوت فألفاه المشتري
زجاجًا [ يرده ] (٢) أيضًا.
باب: ما ( يذكر ) (٣) في الأسواق
وقال عبد الرحمن بن عوف : لما قدمنا المدينة قلت : هل من سوق فيه :
تجارة ؟ فقال : سوق قينقاع . وقال أنس : قال عبد الرحمن : دلوني على
السوق . وقال عمر : ألهاني الصفق بالأسواق .
فيه : عائشة قال النبي - عليه السلام -: (( يغزو جيش الكعبة ،
فيخسف بأولهم وآخرهم . قالت : قلت : يا رسول الله ، كيف يخسف
بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم ؟! قال : يخسف
بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم » .
وفيه : أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: (( صلاة أحدكم في
جماعة تزيد على صلاته في سوقه وبيته ... )) الحديث .
وفيه: أنس: (( كان النبي - عليه السلام - في السوق - وقال مرة : في
البقيع - فقال رجل : يا أبا القاسم ، فالتفت إليه النبي - عليه السلام .
فقال : إنما دعوت هذا ، فقال النبي : سموا باسمي ، ولا تکنوا بکنیتي )).
(١) في (( هـ)) : وحده .
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): يرد.
(٣) في (( هـ) : ذكر .
- ٢٤٨ -

وفيه : أبو هريرة : (( خرج النبي - عليه السلام - في طائفة النهار
لا يكلمني ولا أكلمه حتى أتى سوق بني قينقاع ، فجلس بفناء بيت
فاطمة فقال : أثم لكع [ أثم لكع ] (١) . فحبسته شيئًا ، فظننت أنها
تلبسه سخابًا [أو ] (٢) تغسِّله، فجاء يشتد حتى عانقه وقبله ... ))
الحديث .
وفيه : ابن عمر: (( أنهم كانوا يشترون الطعام من الركبان على عهد
النبي ، فيبعث عليهم من يمنعهم أن يبيعوه حيث اشتروه حتى ينقلوه
حيث يباع الطعام)) .
قال: وحديث ابن عمر: (( نهى النبي - عليه السلام - أن يباع الطعام
إذا اشتراه حتى يستوفيه )) .
إنما أراد بذكر الأسواق إباحة المتاجر ودخول السوق ، والشراء فيه
للعلماء والفضلاء ، وكأنه لم يصح عنده / الحديث الذي روي (( شر (١٨٥/٣ -ب]
البقاع الأسواق ، وخيرها المساجد)) وهذا إنما خرج على الأغلب ؛
لأن المساجد يذكر فيه اسم الله - تعالى - والأسواق قد غلب عليها
اللغط واللهو والاشتغال بجمع المال ، والكَلَب على الدنيا من الوجه
المباح وغيره ، وأما إذا ذكر الله في السوق فهو من أفضل الأعمال ،
روي [ عن ] (١) محمد بن واسع أنه قال : سمعت سالم بن عبد الله
يقول : (( من دخل السوق فقال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
له الملك وله الحمد [ بيده الخير] (١) يحيي ويميت ، وهو على كل
شيء قدير ، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة،
وبنى له بيت في الجنة )) وكذلك إذا لغا في المسجد أو لغط فيه ، أو
عصى ربه لم يضر المسجد ، ولا نقص من فضله ، وإنما أضر بنفسه ،
(١) من (( هـ)).
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): و.
- ٢٤٩ -

وبالغ في إثمه . وقد روي عن علي بن أبي طالب أنه قال : من
عصى الله في المسجد فكأنما عصاه في الجنة ، ومن عصاه في الحمام
فكأنما عصاه في النار ، ومن عصاه في المقبرة فكأنما عصاه في عرصات
القيامة، ومن عصاه في البحر فكأنما عصاه على أكف الملائكة.
قال المهلب : وفي حديث عائشة أن من كثَّر سواد قوم في معصية أو
فتنة أن العقوبة تلزمه معهم إذا لم يكونوا مغلوبين على ذلك ؛ لأن
الخسف ( لما ) (١) أخذ السوقة عقوبة لهم شمل الجميع .
واستنبط منه مالك أن من وجد مع قوم يشربون الخمر، وهو لا يشرب
أنه يعاقب، و[يؤيد ] (٢) أن المغلوبين على تكثير السواد ليسوا ممن
يستحق العقوبة قوله تعالى : ﴿ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم
تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ﴾ (٣).
وفيه : علم من أعلام النبوة ، وهو إخباره عليه السلام بما يكون .
و[قوله] (٤) في حديث أبي هريرة: (( ثم أتى المسجد لا ينهزه إلا
الصلاة)) النهز: الدفع، وقوله: ((أثم لكع)) فإنما أراد الحسن بن
:
٠
على
فيه من الفقه : أنه لا بأس بمهازلة الصبي وغيره إذا كان واقعًا تحت
السن والفضل لا سيما إن عضد ذلك أبوه ؛ لأن النبي أبوه ، والجد
أب ، واللكع : اللئيم ، تقول العرب : لكع الرجل لكعاً ولكعة :
إذا لؤم ، وهو لكع ولكيع وألكع ، والمرأة لكاع .
(١) في (( هـ)): قد .
(٣) الفتح : ٢٥.
(٢) من ( هـ )) وفي ( الأصل )» : یرید
(٤) من (( هـ ).
- ٢٥٠ -

باب : الكيل على البائع والمعطي
وقوله تعالى : ﴿وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون﴾ (١) كالوا لهم
أو وزنوا لهم، كقوله : ﴿يسمعونكم﴾ (٢) يسمعون لكم. وقال النبي :
((اكتالوا حتى تستوفوا)). ويذكر عن عثمان أن النبي عليه السلام قال:
((إذا بعت فكل، وإذا ابتعت فاكتل)).
فيه : ابن عمر أن النبي - عليه السلام - قال: (( من ابتاع طعامًا فلا
پبعه حتی یستوفیه )) .
وفيه : جابر : (( توفي عبد الله بن عمرو بن حرام وعليه دين ،.
[فاستعنت] (٣) النبي - عليه السلام - على غرمائه أن يضعوا من دينه،
فطلب النبي إليهم، فلم يفعلوا ، فقال لي النبي : اذهب [ فصنف ] (٤)
تمرك أصنافًا : العجوة على حدة ، وعذق ( زيد) (٥) على حدة ثم أرسل
إليّ، ففعلت ثم أرسلت إلى النبي - عليه السلام - فجاء فجلس على
أعلاه أو في وسطه ، ثم قال : كِلْ للقوم . فكلتهم حتى أوفيتهم الذي
لهم، وبقي تمري كأنه لم ينقص منه شيء)) .
وقال جابر مرة: « فما زال يكيل لهم حتى أداه )) .
وقال جابر عن النبي - عليه السلام -: (( جُذّ له فأوف له)) .
الذي عليه الفقهاء أن الكيل والوزن فيما يكال ويوزن من المبيعات
على البائع ، ومن كان عليه الكيل [ أو ] (٦) الوزن فعليه أجرة ذلك ،
وهو قول مالك وأبي حنيفة والثوري والشافعي وأبي ثور .
(١) المطففين : ٣ .
(٢) الشعراء : ٧٢ .
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): فاستفتت. وهو تحريف .
(٤) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): فنصف. وهو تحريف .
(٥) في ((الأصل)): ريده. وفي الفتح (٤٠٣/٤): ابن زيد .
(٦) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): و.
- ٢٥١ -

:
وقال الثوري : كُل بيع فيه كيل أو وزن أو عدد ، فهو على البائع
حتى يوفيه إياه ، فإن قال: أبيعك [ هذه ] (١) النخلة ، فجذاذها على
المشتري ، قال : وكل بيع ليس فيه كيل ولا وزن ولا عدد فجذاذه
(عليه ) (٢) ونقصه على المشتري .
قال المهلب : كتاب الله يشهد لقوله صلى الله عليه: (( [ إذا ] (٣)
بعت فكل، وإذا ابتعت فاكتل)) وهو قوله تعالى: ﴿ ويل
للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو
[١٩٥/٣- ١] وزنوهم / يخسرون﴾ (٤) فدل هذا [ على ] (١) أن يكيل له غيره إذا
اشترى ، ويكيل لغيره إذا باع ، وفي قصة يوسف - عليه السلام - أن
البائع عليه الكيل ، قال الله - تعالى - عنه : ﴿ألا ترون أني أوفي
الكيل وأنا خير المنزلين ﴾ (٥) وكذلك في ( قصة) (٦) جابر ، قال له
عليه السلام : (( كِل للقوم)) وجابر هو الغارم عن أبيه ، وهذا هو
الذي يعطيه النظر ؛ لأنه من باع شيئًا مسمى ، ومقدارًاً معروفًا من
طعام ، فعليه أن يعيِّنْه ويميزه مما سواه ، وكذلك من ابتاع [ إنما
يبتاع](١) بدراهم موزونة معلومة يعطيها للبائع في سلعته ، فعليه .
الوزن والانتقاء ؛ لأن عليه تعيين ما باعه من الدراهم بالسلعة -
والله الموفق .
*
(١) من (( هـ)).
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): فإذا .
(٥) يوسف : ٥٩ .
(٢) في (( هـ)) : وحمله .
(٤) المطففين: ١ - ٣ .
(٦) في (( هـ)): حديث.
- ٢٥٢ -

باب : بركة صاع النبي عليه السلام ومده
فيه : عائشة عن النبي - عليه السلام .
فيه : عبد الله بن زيد عن النبي عليه السلام [قال] (١): ((إن إبراهيم
حرم مكة ودعا لها ، وحرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة ، ودعوت لها
في مدها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم لمكة)) .
قوله عليه السلام: (( اللهم بارك لهم في صاعهم ومدهم )) يعني ما
يكال بالصاع والمد ، وأضمر ذلك لفهم السامع ، وهذا من باب تسمية
الشيء باسم ما يقاربه ، وكان مد أهل المدينة صغيرًا ، لقلة الطعام
عندهم ، فدعا لهم النبي بالبركة في طعامهم ، ويستحب أن يتخذ
ذلك المكيال رجاءً لبركة دعوة النبي - عليه السلام - والاستنان بأهل
البلد الذين دعا لهم ، وقد قال عليه السلام : (( كيلوا طعامكم يبارك
لكم فيه )» .
باب : كراهية الصخب في السوق
فيه : عطاء بن يسار: (( لقيت عبد الله بن عمرو ، فقلت : أخبرني عن
صفة النبي في التوراة . قال : أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض
صفته في القرآن : يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرا ونذيراً ،
وحرزًا للأميين ، أنت عبدي ورسولي ، سميتك المتوكل ، لست بفظ
ولا غليظ ، ولا صخاب في الأسواق ، ولا يدفع بالسيئة السيئة ، ولكن
يعفو ويغفر ، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا :
لا إله إلا الله ( ويُفْتَح به أعين عمي ، وآذان صم، وقلوب غلف) (٢))).
(١) من (( هـ)).
(٢) في ((هـ)): ويَفْتح بها أعينًا عميًا وآذانًا صما وقلوبًا غلفًا.
- ٢٥٣ -

ابن سلام : غلف : كل شيء في غلاف ، سيف أغلف ، وقوس غلفاء،
ورجل أغلف : إذا لم يكن مختونًا ، قاله البخاري في رواية السرخسي .
الصخب عند أهل اللغة : الصياح ، قال صاحب العين : صخب
صخبًا : إذا صاح ، ذكره في حرف الصاد ، ولم يذكره في حرف
السين، فهو في بعض نسخ البخاري بالسين ، وقال أبو حاتم : ما كان
مع الخاء [ من الحروف ] (١) فيجوز كتابته بالسين والصاد .
في هذا الحديث مدح النبي - عليه السلام - ببعض صفاته الشريفة،
التي خصه الله - تعالى - بها وجبله عليها .
قال المهلب: و[قوله ] (١): ((سميتك المتوكل)) لقناعته باليسير
من الرزق ، واعتماده على الله تعالى [ بالتوكل عليه ] (١) في الرزق
والنصر ، والصبر على انتظار الفرج ، والأخذ بمحاسن الأخلاق .
وقوله: (( ولا يدفع بالسيئة السيئة)) أي : لا يسيء إلى من أساء.
إليه على سبيل المجازاة المباحة ما لم تنتهك لله حرمة ، لكن يأخذ
بالفضل كما قال تعالى: ﴿ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم.
الأمور﴾(٢) و[قوله] (١): ((الملة العوجاء)) المعوجة وهي ملة الكفر،
فأقام الله بنبيه عوج الكفر حتى ظهر دين الإسلام ، ووضحت أعلامه،
وأيد الله نبيه بالصبر والأناة ، والسياسة لنفوس العالمين ، والتوكل على
الله ، وقد وصفه الله في آخر سورة براءة بنحو هذه الصفة .
وفيه هذا الحديث ذم الأسواق وأهلها ( إذ ) (٣) كانوا بهذه الصفة
المذمومة من الصخب واللغط والزيادة في المديحة [ أو ] (٤) الذم لما
(١) من (( هـ)).
(٣) في ((هـ)): إذا.
(٢) الشورى : ٤٣ .
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): و.
- ٢٥٤ -

يتبايعونه / والأيمان الحانثة ، وفي مثل هذا [ المعنى قال عليه السلام: (٣/ ق١٩- ب]
(( شر البقاع الأسواق)) لما يغلب على أهلها ] (١) من هذه الأحوال
المذمومة .
باب : ما يستحب من الكيل
فيه : المقدام قال عليه السلام: (( كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه )).
[ وفيه : عبد الله بن زيد قال النبي ◌َله: « إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها
في مدها وصاعها ، وحرّمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة ، ودعوت لها
في مدها وصاعها )) .
وفيه: أنس: قال النبي ◌َّر: ((اللهم بارك لهم في ](١) مكيالهم وبارك
لهم في صاعهم ومدهم - يعني أهل المدينة)) .
[ الكيل مندوب إليه فيما ينفقه المرء على عياله ونَدْبُ] (١) النبي
أمته إليه يدل على البركة فيه .
قال المهلب : ويحتمل المعنى - والله أعلم - أنهم كانوا يأكلون بلا
كيل ، فيزيدون في ( الأكل ) (٢) فلا يبلغ لهم الطعام إلى المدة التي
كانوا يقدرونها، فقال لهم عليه السلام: ((كيلوا)) أي : أخرجوا
بكيل معلوم يبلغكم إلى المدة التي قدرتم مع ما وضع الله من البركة في
مد أهل المدينة بدعوته عليه السلام .
فإن قيل: فما معنى قول عائشة : (( كان عندي شطر شعير ،
نأكل منه حتى طال علي فكلته ففني)) وهذا معارض لحديث المقدام. قال
(١) طمس فى ((الأصل)). والمثبت من ( هـ)).
(٢) فى (( هـ)) : الكيل .
- ٢٥٥ -

المهلب : ليس بينهما تعارض بحمد الله ، ومعناه : أنها كانت تخرج
قوتها بغير كيل ، وهي متقوتة باليسير ، فبورك لها فيه مع بركة النبي
الباقية عليها وفي بيتها [ فلما كالته علمت المدة التي ] (١) يبلغ إليها،
ففني عند انقضائها ، لا أن الكيل وكد فيه أن يفنى .
باب : ما يذكر في بيع الطعام والحكرة
فيه : ابن عمر : (( رأيت الذين يشترون الطعام مجازفة يُضربون على
عهد رسول الله وَليفة أن يبيعوه حتى يثووه إلى رحالهم)).
وفيه : ابن عباس: (( نهى الرسول أن يبيع الرجل طعامًا حتى يستوفيه ،
قلت [ لابن عباس ](١) : كيف ذلك ؟ قال : دراهم بدراهم ، و[ الطعام
مرجا)).
اختلف ] (١) العلماء في بيع الطعام جزافًا قبل أن يقبض ، فذهب
[أبو حنيفة وأصحابه والثوري والشافعي وأحمد وأبو ثور] (١) إلى أنه
لا يجوز بيعه قبل قبضه [ وروى الوقار عن مالك مثله ، وقال ابن عبد
الحكم ] (١) : إنه استحسان من قوله .
وقالت طائفة : يجوز بيع الطعام [ الجزاف قبل قبضه. روي
ذلك] (١) عن عثمان بن عفان ، وهو قول سعيد بن المسيب [ والحسن
البصري والحكم وحماد ، وهو المشهور عن ] (١) مالك ، وبه قال
الأوزاعي وإسحاق .
وحجة القول [ الأول ظاهر حديث ابن عمر، وعموم نهيه ] (١)
:
(١) طمس في ((الأصل)) والمثبت من ( هـ).
- ٢٥٦ -

عليه السلام عن بيع الطعام قبل استيفائه، فدخل فيه الجزاف [والمكيل،
وقد أشار ابن عباس إلى ] (١) أنه إذا باعه قبل قبضه أنه دراهم
بدراهم، والطعام لغو [ فأشبه عنده العينة، وقال الأبهري ] (١) :
العينة عنده من باب سلف جر منفعة .
والحجة لقول مالك [ ومن وافقه أن من ابتاع ] (١) جزافًا فلم
[يبع](٢) إلا ما وقعت حاسة العين عليه، ولذلك سقط الكيل عن
البائع [ والاستيفاء إنما يكون ] (١) بالكيل أو الوزن ، هذا هو المشهور
عند العرب ، ويشهد لذلك قوله - تعالى -: ﴿فأوف لنا الكيل﴾(٣)
﴿وأوفوا الكيل إذا كلتم﴾ (٤) وقوله: ﴿الذين إذا اكتالوا على الناس
يستوفون﴾ (٥) [ فإنما عنى ] (١) بالاستيفاء في المكيل والموزون
خاصة، وما عدا هذه الصفة فلم يبق [ فيه إلا التسليم، فبه ] (١)
يستوفى من جزاف الطعام كالعقار وشبهه .
فإن قيل : لو كان كما زعمتم لم يتأكد النهي عن ذلك حتى يضرب
الناس عليه ، فدل على أن حكم الجزاف كحكم المكيل .
فالجواب : أنهم إنما [ أمروا بانتقال ] (١) طعامهم وإن كان جزافًا،
لأنهم كانوا بالمدينة يتبايعون بالعينة ، وكذلك / يجب [ أن يؤمر [٢٠/٣-أ)
بانتقال الجزاف في كل موضع يشتهر فيه العمل بالعينة ؛ ليكون حاجزًا
بين دراهم بأكثر منها ، كان الطعام لغوًا وكانت دراهم بأكثر منها ،
وقد روي ] (١) عن ابن عمر أن النهي إنما ورد في المكيل [ خاصة ،
ذكر ابن وهب قال : حدثني عمرو بن الحارث ](1) عن المنذر بن عبيد
(١) طمس في (( الأصل)) والمثبت من ( هـ)).
(٢) في ((الأصل، وهـ)): يبيع.
(٤ ) الإسراء : ٣٥ .
(٣) يوسف : ٨٨.
(٥) المطففين : ٢ .
- ٢٥٧ -

المديني ، أن القاسم بن محمد حدثه ، أن عبد الله بن عمر حدثه «أنه
عليه السلام نهى أن يبيع أحد طعامًا اشتراه بكيل حتى يستوفيه )) .
وفي حديث ابن عمر ( رأيت الذين يشترون الطعام مجازفة يضربون
على عهد النبي حتى يثووه إلى رحالهم )» إباحة الحكرة ؛ لأنه لو لم
يجز لهم احتكاره لتقدم إليهم في بيعه ، ولم يؤذن لهم في حبسه ،
!
هذا قول أئمة الأمصار .
ورخصت طائفة لمن رفع الطعام من أرضه أو مَنْ جَلَبَه من مكان في
جنبه ، و[ منعت من ذلك لمشتريه من السوق للحكرة ] (١) وروي
ذلك عن عمر بن الخطاب ، وعن الحسن البصري وبه قال الأوزاعي .
وقال مالك فيمن رفع طعامًا في ضيعته فرفعه فليس [ بحكرة .
وقال أحمد بن حنبل: إنما يحرم احتكار ] (١) الطعام الذي هو قوت
دون سائر الأشياء .
وقالت [ طائفة: احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه ] (١) روي هذا
عن عمر بن الخطاب ومجاهد .
فإن قيل: [ قد روي عن النبي ◌َّيل أنه قال: ((لا يحتكر ] (١) إلا
خاطئ)) من حديث سعيد بن المسيب عن معمر بن [ عبد الله بن
نضلة، عن النبي ◌َ﴾] (١) وروي عن عمر بن الخطاب وعثمان بن
عفان أنهما نهيا [ عن الحكرة . قيل : معنى هذا النهي عند الفقهاء.
في] (١) وقت الشدة وما ينزل بالناس من الحاجة ، يدل [ على ذلك أن
ابن المسيب روى هذا الحديث ] (١) وكان يحتكر الزيت ، فقيل له في
ذلك، [ فقال: كان معمر يحتكر. وقد علما مخرج الحديث] (١) .
(١) طمس في ((الأصل)) والمثبت من (( هـ).
- ٢٥٨ -

وقال أبو الزناد : قلت لابن المسيب : أنت [ تحتكر ! قال : ليس
هذا بالذي قال رسول الله ] (١) إنما قال : أن يأتي الرجل السلعة عند
غلائها فيغالي بها [ وأما أن يشتريه إذا أبضع ثم يرفعه، فإذا احتاج](١)
الناس إليه أخرجه ، فذلك خير ، فبان أن معنى النهي عن الحكرة في
وقت حاجة الناس .
روى ابن القاسم عن مالك أنه قال : من اشترى [ طعامًا في وقت
لا يضر بالناس شراؤه ] (١) لا يضره إن تربص به ما شاء ، وهو قول
[الكوفيين والشافعي .
قال ] (١) مالك : وجميع الأشياء في ذلك كالطعام . وقال
[الأوزاعي: لا بأس أن يشتري في سنة] (١) الرخص طعامًا (لسنين)(٢)
لنفسه وعياله مخافة الغلاء [ قال مالك: وأما إذا قل ] (١) الطعام في
السوق ، فاحتاج الناس إليه ، فمن احتكر منه شيئًا فهو مضر
[بالمسلمين، فليخرجه إلى السوق وليبعه ] (١) بما ابتاعه ولا يزدد فيه ،
فعلى هذا ( القول ) (٣) [ تتفق الآثار، ألا ترى] (١) أن الناس إذا
استوت حالتهم في الحاجة ، فقد صاروا شركاء ، ووجب [ على
المسلمين المواساة في أموالهم ] (١) فكيف لا يمنع الضرر عنهم وقد
جمع النبي - عليه السلام [ الأزواد بالصهباء عند الحاجة ، ونهى
عن](١) ادخار اللحوم بعد ثلاث للدافة، وجمع [ أبو عبيدة ] (٤)
أزواد [ السرية وقسمها بين من لم يكن له زاد ] (١) وبين من كان له
زاد، وأمر عمر أن يحمل في عام [الرمادة على أهل كل بيت مثلهم](١)
من الفقراء ، وقال : إن [ المرء لا يهلك عن نصف شبعه] (١) .
(١) طمس في ((الأصل)) والمثبت من (( هـ)).
(٢) في (( هـ)): لسنتين .
(٣) في (( هـ)) : التأويل .
(٤) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): أبو عبيد .
- ٢٥٩ -

باب : بيع ما ليس عندك
فيه : مالك بن أوس : « أنه قال : من عنده صرف ؟ فقال طلحة : أنا
حتى يجيء خازننا من الغابة . فقال عمر : قال النبي - عليه السلام - :
الذهب ( بالورق ) (١) ربا إلا هاء وهاء، والبُرّ بالبُرُّربا إلا هاء وهاء،
والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء)).
[٣/ ق٢٠ -ب] قال المؤلف: لا يجوز بيع / [ ما ليس عندك ولا في ملكك
وضمانك من الأعيان المكيلة والموزونة والعروض كلها؛ لنهي رسول الله
عن ذلك .
وَشـ
وروي النهي عن بيع ما ليس عندك ، وعن ربح ما لم يضمن عن
النبي ◌َل من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، ومن
حديث حكيم بن حزام ، ولم يكن إسناده من شرط البخاري ،
فاستنبط معناه من حديث مالك بن أوس ، وذلك أنه يدخل من باب
بيع ما ليس عندك بالمعنى ما يكون في ملكك غائبًا من الذهب
والفضة، لا يجوز بيع غائب منها بناجز ، وكذلك البر والتمر والشعير
لا يباع شيء منها بجنسه ولا بطعام مخالف لجنسه إلا يدًا بيد ،
وكذلك ما كان في معناها من سائر أنواع الطعام ، لا يباع منها طعام
بطعام إلا يدًا بيد، لقوله عليه السلام: ((إلا هاء وهاء)) يعني خذ
وأعط حياطة من الله - تعالى - لأصول الأموال وحرزاً لها إلا ما
خَصَّت السنة بالجواز من بيع ما ليس عندك ومن ربح ما لم يضمن] (٢).
وهو السلم ، فجوزت فيه بيع ما ليس عندك مما يكون في الذمة من
غير الأعيان ، توسعة من الله - تعالى - لعباده ورفقًا بهم .
قال ابن المنذر : وبيع ما ليس عندك يحتمل معنيين : يحتمل أن
(١) في (( هـ، ن)): بالذهب .
(٢) من ((هـ)) وطمس في ((الأصل)).
- ٢٦٠ -