النص المفهرس

صفحات 181-200

والشافعي وجمهور العلماء : الثّنْيَا لصاحبها في اليمين ما كان من ذلك
نَسَقًا يتبع بعضه بعضًا ، ولم يقطع كلامه قطعًا يشغل عن الاستثناء ما
لم يقم عن مجلسه ، فإذا سكت وقطع كلامه فلا ثنيا له .
وقال الحسن البصري وطاوس : للحالف الاستثناء ما لم يقم من
مجلسه. وقال قتادة : أو يتكلم . وقال أحمد : يكون له الاستثناء ما
دام في ذلك الأمر . وكذلك قال إسحاق ، إلا أن يكون سكوت ثم
عود إلى الأمر ، وعن عطاء رواية أخرى ، وهو أن له ذلك قدر حلب
الناقة الغزيرة ، وقال سعيد بن جبير : له ذلك بعد أربعة أشهر . وقال
مجاهد : له ذلك بعد سنتين . وروي (١) عن ابن عباس أنه قال :
يصح له الاستثناء ولو بعد حين . فقيل : أراد به سنة . وقال ابن
القصار : وقيل : أراد به أبدًا . وروى وكيع ، عن الأعمش ، عن
مجاهد ، عن ابن عباس قال : يستثني في يمينه متى ذكر ، واحتج
بقوله تعالى : ﴿واذكر ربك إذا / نسيت﴾ (٢).
[٣/ ق ٦-١]
واحتج من أجاز الاستثناء بعد [ السكوت بما روى قيس ، عن
سماك، عن عكرمة ] (٣)، عن ابن عباس ، أن النبي - عليه السلام-
قال: ((والله لأغزون قريشًا - ثلاثًا - ثم سكت ، ثم قال : إن شاء
الله)).
قال ابن القصار : ولا حجة في هذا ؛ لأن حديث ابن عباس رواه
شريك عن [ سماك ] (٣) عن عكرمة، عن النبي ، فالحديث مرسل،
(١) زاد في ((الأصل)) : ذلك . وهي زيادة مقحمة .
(٢) الكهف : ٢٤ .
(٣) من (( هـ)) وفي (( الأصل)) كلام مقحم نتيجة للخرم في الورق .
- ١٨١ -

ولو صح عن ابن عباس لم يرد به إسقاط الحنث ، وإنما أراد - والله
أعلم - أن الله - تعالى - أوجب الاستثناء على كل قائل أنه يفعل
شيئًا بقوله : ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله﴾(١)
يقول : فإذا نسي : إن شاء الله ، فليقله أي وقت ذكره ولو بعد سنة ،
حتى يخرج بذلك عن المخالفة ، لا أنه جوز هذا في اليمين ، ولو
صحّ الخبر عن النبي - عليه السلام - احتمل أن يكون [ ناويًا.
للاستثناء] (٢) وسكوته ليتذكر شيئًا أراده في اليمين حتى إذا تممه
استثنى، ويجوز أن يكون لانقطاع نَفَسٍ ، أو لشيء شغله عن اتصال
الاستثناء حتى يتمكن منه .
ومن حجة أهل المقالة الأولي أيضًا قوله عليه السلام: ((من حلف
على يمين فرأى غيرها خيراً منها ، فليأت الذي هو خير وليكفر عن
يمينه)) ولو أمكنه أن يخرج من هذه اليمين بقوله : إن شاء الله ، لما
أوجب كفارة على ( حانث ) (٣) أبدًا، ولقال له عليه السلام: إذا
حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها [ فاستثن وائت الذي هو
خيراً (٤) ولم يذكر كفارة، ولبطل معنى قوله [ تعالى ] (٥) ﴿قد
فرض الله لكم تحلة أيمانكم ﴾ (٦) وكذلك معنى حديث سليمان أن كان
حلف بالله ليطوفن على نسائه ، فإن الاستثناء بعد يمينه متى أرادها
كانت تخرجه من الحنث ، لو كان كما زعم من خالف أئمة الفتوى.
(١) الكهف: ٢٣، ٢٤ :.
(٢) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): تأويلا لئلا ينسى. وهو تحريف.
(٣) في ((هـ)): حالف.
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): استثني.
(٥) من (( هـ )).
(٦) التحريم : ٢ .
٠١
- ١٨٢ -

وقد قيل: إن قوله: ((لأطوفن)) لم يكن [ يمينًا ] (١) على ما
يأتي بيانه في هذا الباب - إن شاء الله .
قال المهلب : وإنما جعل الله الاستثناء في اليمين رفقًا منه بعباده في
أموالهم؛ ليوفر بذلك الكفارة عليهم إذا [ ردّوا ] (٢) المشيئة إليه تعالى.
واختلفوا في الاستثناء في الطلاق والعتق ، فقال مالك ، وابن أبي
ليلى ، والليث ، والأوزاعي : لا يجوز فيه الاستثناء وروي مثله عن
ابن عباس ، وابن المسيب ، والشعبي ، والحسن ، وعطاء ،
ومكحول، وقتادة ، والزهري .
وأجاز الاستثناء فيهما طاوس والنخعي و[الحكم ] (٣) ورواية عن
عطاء ، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وإسحاق ، واحتج لهم
[ بعموم قوله ] (٤) عليه السلام في حديث سليمان: ((لو قال: إن
شاء الله ، لم يحنث )) وأن قول الحالف : إن شاء الله ، عامل في
جميع الأيمان ؛ لأنه لم يخص بعض الأيمان من بعض ، فوجب أن
يرفع الاستثناء الحنث في الطلاق والعتق وجميع الأيمان .
وحجة من أوجب الطلاق والعتق ومنع دخول الاستثناء فيهما ، أن
الاستثناء لا يكون إلا في اليمين بالله وحده ، وبذلك ورد الأثر عن
النبي أنه قال: (( من حلف بالله ثم قال : إن شاء الله ، فلا حنث
عليه )) أسنده أيوب السختياني ، وكثير بن فرقد ، وأيوب بن موسى
-
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): يمين.
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): رد.
(٣) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): الحسن. وهو تحريف .
(٤) في ((الأصل)): بقوله. والمثبت من (( هـ).
- ١٨٣ -

عن نافع ، عن ابن عمر - في اليمين - عن النبي - عليه السلام -
وذكره مالك في الموطأ عن نافع ، عن ابن عمر من قوله .
قال الأبهري : فكان ذكره (١) الاستثناء إنما هو في اليمين بالله دون
غيرها من الأيمان ، ولم يجز تعدي ذلك إلى غيرها بغير دليل ، وأما
من جهة القياس ، فلما كان الطلاق والعتق لا تحله الكفارة التي هي
العتق والإطعام والكسوة ، وهي أقوى فعلا وأغلظ على النفوس من
الاستثناء الذي هو [ القول] (٢) لم يحله القول ؛ لأن ما لا يحله
الأوكد لم يحله الأضعف ، ولا تعلق لهم بحديث سليمان ؛ لأن
ظاهر قوله: ((لأطوفن)) لم يكن معه يمين ، وإنما كان قولا جعل فيه.
المشيئة لنفسه حين لم يقل : إن شاء الله ، فعاقبه الله بالحرمان ، كما :
قال تعالى لمحمد نبيِّه : ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا إلا أن
يشاء الله﴾ (٣) وأدّب عباده بذلك ليتبرءوا إليه تعالى من الحول والقوة،
ولم يكن قول سليمان يمينًا بالله يوجب عليه الكفارة فتسقط عنه
بالاستثناء .
فإن قيل: قوله عليه السلام: ((لو قال : إن شاء الله، لم يحنث))
يدل أنه كان يمينًا .
[٣/ق٦ -ب]
قيل : معنى قوله: ((لم يحنث)) لم يأثم / على [ تركه استثناء
مشيئة الله - تعالى - فلما أعطى لنفسه الحول عاقبه الله ] (٤) بالجرمان:
وخيبه ، فكأنه [ تحنيث لقوله ، والحنث في لسان العرب : الإثم .
(١) جاء في ((الأصل)): في. وهي زيادة مقحمة.
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): العدل .
(٣) الكهف : ٢٣، ٢٤ .
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): كلام مقحم في التصوير.
- ١٨٤ -

ومن ( لم ) (١) يَردّ المشيئة إلى ] (٢) الله - تعالى - في جميع
أموره فقد أثم وحرج ، و[ الحنث أيضًا أن لا يبرّ ولا يَصْدُق] (٢).
ووقع في رواية أبي زيد: (( بشائل)) مكان قوله: (( بإبل)) وأظنه
((بشوائل)) إن صحت الرواية ، وقال أبو عبيد عن الأصمعي : إذا أتى
على الناقة من يوم حملها سبعة أشهر جف لبنها ، فهي حينئذ شائل ،
وجمعها : شوائل . وفي كتاب العين : ناقة شائلة ، ونوق شول للتي
جف لبنها . وشولت الإبل : لزقت بطونها بظهورها .
باب : الكفارة قبل الحنث وبعده
فيه : حديث أبي موسى إلى قوله - عليه السلام -: (( إني والله إن شاء
الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير
وتحللتها)) .
وفيه : عبد الرحمن بن سمرة قال النبي - عليه السلام - : (( لا تسأل
الإمارة ... )) إلى قوله: ((وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها
فائت الذي هو خير و کفر عن يمينك )) .
اختلف العلماء في جواز الكفارة قبل الحنث ، فقال ربيعة ومالك
والثوري والليث والأوزاعي : تجزئ قبل الحنث . وبه قال أحمد
وإسحاق وأبو ثور ، وروي مثله عن ابن عباس وعائشة وابن عمر .
وقال الشافعي : يجوز تقديم الرقبة والكسوة و[الإطعام ] (٣) قبل
(١) سقطت من ((هـ)) والسياق يقتضيها
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)) : كلام مقحم في التصوير .
(٣) من (( هـ )) وفي (( الأصل)) : الطعام .
- ١٨٥ -

الحنث ، ولا يجوز تقديم الصوم . وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا تجزئ
الكفارة قبل الحنث .
[ قال ابن القصار] (١): ولا سلف لأبي حنيفة في ذلك.
واحتج له الطحاوي بقوله تعالى: ﴿ ذلك كفارة أيمانكم إذا
حلفتم﴾(٢) والمراد إذا حلفتم فحنثتم.
ولم يذكر البخاري في حديث أبي موسى ولا في حديث [ عبد؛
الرحمن بن ] (١) سمرة في هذا الباب تقديم الكفارة قبل الحنث، وقد
ذكر ذلك في [ باب الاستثناء في الأيمان، وفي أول ] (١) كتاب
الأيمان، وهو قوله عليه السلام: (( إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي
هو خير ، أو أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني)) .
وقال ابن المنذر قد قال بعض أصحابنا : إنه ليس في اختلاف
ألفاظ هذه الأحاديث إيجاب لتقديم أحدهما على الآخر ، إنما أمر
الحالف بأمرين : أمر بالحنث والكفارة ، فإذا أتى بهما جميعًا فقد أطاع
وفعل ما أمر به كقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ (٣) فأيهما
قدم على الآخر فقد أتى بما عليه ، كذلك إذا أتى بالذي هو خير وكفر
فقد أتى بما عليه .
قال ابن القصار : وقد رأى جواز تقديم الكفارة قبل الحنث أربعة
عشر من الصحابة ، وهم : ابن مسعود ، وعائشة ، وابن عباس ،
وابن عمر ، وأبو الدرداء ، وأبو أيوب ، وأبو موسى ، وأبو مسعود،
(١) من ( هـ)).
(٢) المائدة : ٨٩ .
(٣) البقرة : ١٩٦ .
- ١٨٦ -

وحذيفة، و[سلمان] (١)، ومسلمة بن مخلد [وابن الزبير] (٢)،
ومعقل ، ورجل لم يذكر ، وبعدهم من التابعين : سعيد بن المسيب ،
وعطاء ، وطاوس ، وسعيد بن جبير ، والحسن ، وابن سيرين ،
وعلقمة ، والنخعي ، والحكم بن عتيبة ، ومكحول .
فهؤلاء أعلام أئمة الأمصار ، ولا نعلم لهم مخالفًا إلا أبا حنيفة ،
على أن أبا حنيفة يقول ما هو أعظم من تقديم الكفارة ، وذلك لو أن
رجلا أخرج عنزًاً من الظباء من الحرم ، فولدت له أولادًا ثم ماتت في
يده هي وأولادها ؛ أن عليه الجزاء عنها وعن أولادها ، وإن كان حين
أخرجها أدى جزاءها ثم ولدت أولادًا ثم ماتت هي وأولادها لم يكن
عليه فيها ولا في أولادها شيء .
ولا شك أن الجزاء الذي أخرجه عنها وعن أولادها كان قبل أن
تموت هي وأولادها ، ومن قال هذا لم ينبغ له أن ينكر تقديم الكفارة
قبل الحنث .
وأما قوله : تقدير الآية : ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم [ فحتشتم ؛
فتقدير الآية عندنا: ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم] (٢) فأردتم أن تحنثوا.
وأما قول الشافعي : لا يجوز تقديم الصيام على الحنث ، فيرد
عليه قوله عليه السلام: ((فليكفر عن يمينه ، وليأت الذي هو خير ))
ولم يخص شيئًا من جنس الكفارة / في جواز التقديم ، فإن قال : إن (٣/ ٧٥-١)
الصيام من حقوق [ الأبدان، ولا يجوز تقديمها قبل وقتها ] (٣)
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): سليمان.
(٢) من (( هـ)).
(٣) من (( هـ)) وفي ((الأصل)) كلام مقحم في التصوير .
- ١٨٧ -

كالصلاة ، والعتق والكسوة والإطعام من حقوق الأموال فهي كالزكاة.
يجوز تقديمها .
قيل له : ليس كل حق يتعلق بالمال يجوز تقديمه قبل وقته ، ألا
ترى [ أن ] (١) كفارة القتل وجزاء الصيد لا يجوز تقديمه قبل وجوبه،
وقد جاز تقديم العتق والإطعام والكسوة في كفارة اليمين قبل وجوبه ،
فكذلك يجوز تقديم صيامها .
وقال الأبهري : وأما جواز تقديم ذلك من طريق النظر ؛ فلأن عقد
اليمين لما كان يحله الاستثناء إذا اتصل باليمين وإنما هو قول ؛ كانت
الكفارة بأن تحل عقد اليمين أولى ؛ لأنها أقوى ؛ لأنها ترفع حكم
الحنث حتى كأنه لم يكن [ فكذلك ترفع حكم العقد حتى كأنه لم
يكن ] (٢) وتشبيهه الإطعام والكسوة والعتق بالزكاة يجوز تقديمها فغير
صحيح ؛ لأن الزكاة لما كان وجوبها معلقًا بوقت لم يجز تقديمها ،
كما لا يجوز في الصلاة والصيام ، ووقت الكفارة غير معلق بوقت ،
وإنما هو على حسب ما يريده المكفر من الحنث ، فكان فعلها جائزًا
قبل الحنث وبعده .
(١) من ( هـ) ..
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)) كلام مقحم في التصوير ..
- ١٨٨ -

كتاب البيوع
[ باب ] (١) ما جاء في قول الله تعالى :
فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ... ﴾ (٢) إلى آخر
السورة وقوله تعالى : ﴿ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن
تكون تجارة عن تراض منكم ﴾ (٣)
فيه: أبو هريرة قال: ((إنكم لتقولون: إن أبا هريرة [ يكثر الحديث](١)
عن رسول الله، وتقولون : ما بال المهاجرين والأنصار لا [ يحدثون ] (٤)
عن رسول الله بمثل حديث أبي هريرة ؟! وإن إخواني من المهاجرين كان
يشغلهم صفق بالأسواق ، وكنت ألزم رسول الله على ملء بطني فأشهد
إذا غابوا ، وأحفظ إذا نسوا ، وقد قال النبي - عليه السلام - : إنه لن
يبسط أحد ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ثم يجمع إليه ثوبه إلا وَعَى ما
أقول ، فبسطت نمرةً علي حتى إذا قضى رسول الله ◌َّ﴾ مقالته جمعتها إلى
صدري، فما نسيت من مقالة رسول الله تلك [ من ](١) شيء)).
وفيه: عبد الرحمن بن عوف: (( لما قدمنا المدينة آخى رسول الله الآلات
بيني وبين سعد بن الربيع ، فقال سعد بن الربيع : إني لأكثر الأنصار مالا،
فأَقْسِمُ لك نصف مالي ، وانظر أي زوجتي هويت نزلت لك عنها ، فإذا
حلت تزوجتها . فقال له عبد الرحمن : لا حاجة لي في ذلك ، هل من
سوق فيه تجارة ؟ قال : سوق قينقاع . قال : فغدا إليه عبد الرحمن فأتى
بأقط وسمن ... )) الحديث .
(١) من (( هـ).
(٢) الجمعة : ١٠ .
(٣) النساء : ٢٩ .
(٤) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): يتحدثون.
- ١٨٩ -

وفيه : ابن عباس: ((كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقًا في
الجاهلية، فلما جاء الإسلام كأنهم تأثموا فيه ، فنزلت : ﴿ ليس عليكم
جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾ (١) في مواسم الحج )) .
قال المؤلف : أباح الله التجارة في كتابه وأمر بالابتغاء من فضله ،
وكان أفاضل الصحابة يَتْجرون ويتحرفون في طلب المعاش ، وقد نهى
العلماء والحكماء عن أن يكون الرجل لا حرفة له ولا صناعة ؛ خشية
أن يحتاج إلى الناس فيذل لهم ، وقد روي عن لقمان أنه قال لابنه :
يا بني ، خذ من الدنيا بلاغك، وأنفق ( من ) (٢) كسبك لآخرتك،
ولا ترفض الدنيا كل الرفض فتكون عيالا وعلى أعناق [الرجال] (٣)
كلا .
وروي عن حماد بن زيد أنه قال : كنت عند الأوزاعي فحدثه شيخ
كان عنده أن عيسى بن مريم - عليه السلام - قال : إن الله يحب العبد
يتعلم المهنة يستغني بها عن الناس ، وإن الله - تعالى - يبغض العبد
يتعلم العلم يتخذه مهنةً .
وقال أبو قلابة لأيوب السختياني : إني يا أيوب ألزم السوق ؛ فإن
الغنى من العافية .
قال المهلب : وفي حديث عبد الرحمن من الفقه أنه لا بأس
للشريف أن يتصرف في السوق في البيع والشراء ، ويتعفف بذلك عما
يبذل له من المال وغيره .
وفيه : الأخذ بالشدة على نفسه / في [ أمر معاشه، وأن العيش
[٣/ ق٧ -ب]
(١) البقرة : ١٩٨.
(٢) في (( هـ)): فضول .
(٣) من (( هـ)) وفي (( الأصل)): الرجل.
- ١٩٠ -

من الصناعات أولى بنزاهة الأخلاق من العيش ] (١) من الهبات
والصدقات وشبهها .
[ وفيه: بركة التجارة، وفيه: المؤاخاة في الإسلام ] (١) على
التعاون في أمر الله ، وبذل المال لمن يؤاخي عليه . وفيه : [ معان ](١)
ستأتي في كتاب النكاح - إن شاء الله .
[ و] (٢) في حديث أبي هريرة : الحرص على التعلم وإيثار طلبه
على طلب المال .
وفيه : فضيلة لأبي هريرة و[ هي ] (٣) أن النبي - عليه السلام -
خصه بأن يبسط له رداءه ، وقال : ضمه ، فما نسي من مقالة النبي -
عليه السلام - تلك من شيء ، وقد تقدم في كتاب العلم .
وأما قوله تعالى : ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم
بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ (٤) [ فإن إسماعيل بن
إسحاق ] (٢) قال : كل شيء حرمه الله من القمار ومن البيوع الفاسدة
[ فهو ] (٥) من أكل المال بالباطل ؛ لأن المقامر يقول لصاحبه : إن
كان كذا فلي كذا ، وإن لم يكن فلك كذا ، وكذلك البيع الفاسد من
الغرر؛ لأنه يبيع صاحبه البيع الذي فيه غرر ، فإن سلم غلبه المشتري،
وإن لم يسلم غلبه البائع .
وأما الربا فليس فساده من وجه القمار والغرر ، ولكنه أخذ من
صاحبه عوضًا للتأخير الذي لم يجعله الله له ثمنًا ، والقرض الذي
يجر منفعة ، وما أشبه ذلك .
(١) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): كلام مقحم .
(٣) في ((الأصل)): فيه. والمثبت من (( هـ)).
(٥) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): فهي.
(٢) من (( هـ)).
(٤) النساء : ٢٩ .
- ١٩١ -

وقوله : (( من مساكين الصفة)) فإن العرب تقول : صففت البيت
وأصففته : جعلت له صفةً ، وهي السقيفة أمامه ، وأصحاب الصفة :
الملازمون لمسجد النبي - عليه السلام - وقوله: (( [ فبسطت ] (١)
نمرة» النمرة : ثوب مخمل من وبر أو صوف .
باب : الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات
فيه: النعمان بن بشير، قال النبي - عليه السلام -: ((الحلال بين
والحرام بين وبينهما ( أمور مشبهة ) (٢) فمن ترك ما شبه عليه من الإثم
كان لما استبان أترك، ومن اجترأ على ما يشك فيه [ من ] (٣) الإثم
أوشك أن يواقع ما استبان، والمعاصي حمى الله ، فمن يرتع حول الحمى
يوشك أن یواقعه » .
قال المؤلف : ما نص الله على تحليله فهو الحلال البين ، كقوله
تعالى : ﴿اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل
لكم﴾ (٤) [ ﴿ وأحل الله البيع﴾ (٥) ﴿وأحل لكم ] (٦) ما وراء
ذلكم﴾(٧) وما نص على تحريمه فهو الحرام البين ، مثل قوله تعالى :
حرمت عليكم أمهاتكم ... ﴾ (٨) إلى آخر الآية ﴿ وحرم عليكم
صيد البر ما دمتم حزمًا ﴾ (٩) وتحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن،
وكل ما جعل الله فيه حدا أو عقوبة أو [ وعبدًا ] (١٠) فهو الحرام ،
كأكل أموال اليتامى ، وأكل أموال الناس بالباطل ، وهذا باب يتسع
(١) من ( هـ )).
(٢) في (( هـ)): مشتبهات .
.(٧) النساء : ٢٤ .
(٣) في ((هـ)): منها، وسقطت من ((الأصل)). (٤) المائدة: ٥ .
(٦) من (( هـ).
(٥) البقرة : ٢٧٥ .
(٨) النساء : ٢٣ .
(٩) المائدة : ٩٦ .
(١٠) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): وعدًا.
- ١٩٢ -

القول فيه ، وهو واضح يغني عن تدبره وطلبه . وأما المشتبهات فكل
ما تنازعته الأدلة من الكتاب والسنة وتجاذبته المعاني فوجه منه يعضده
دليل الحرام ووجه منه يعضده دليل الحلال ، فهذا الذي قال فيه عليه
السلام: (( وبينهما أمور مشتبهة)) وقال فيه: (( من ترك الشبهات فقد
استبرأ لدينه وعرضه)) فالإمساك عنه ورع ، والإقدام عليه لا يقطع
عالم بتحريمه ؛ لأن الحرام ما عرف بعينه منصوصًا عليه أو في معنى
المنصوص .
وقد اختلف العلماء في معنى الشبهات ، فقالت طائفة : الشبهات
التي أشار إليها عليه السلام في هذا الحديث حرام أو في حيز الحرام ،
واستدلوا بقوله عليه السلام: (( فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه
وعرضه)) قالوا: [ومن لم يستبرئ لدينه وعرضه](١) فقد واقع الحرام.
وقال آخرون : الشبهات المذكورة في هذا الحديث حلال بدليل قوله
عليه السلام فيه : (( كالراعي حول الحمى )) فجعل الشبهات ما حول
الحمى ، وما حول الحمى غير الحمى ، فدل أن ذلك حلال وأن تركه
ورع ، والورع عند ابن عمر ومن ذهب مذهبه ترك قطعة من الحلال
خوف مواقعة الحرام .
وقال آخرون : الشبهات لا نقول إنها حلال ولا إنها حرام ؛ لأن
النبي - عليه السلام - قال: ((الحلال [ (٢) بين والحرام بين)) وجعل
الشبهات غير الحلال البين والحرام البين ، فوجب أن نتوقف عندها ،
وهذا من باب الورع أيضًا ، ويقضي عليه قوله عليه السلام :
(١) من ( هـ)).
(٢) وقع في (( الأصل)) من هاهنا سقط بمقدار ورقة كاملة من وجهين واستدركنا
السقط من النسخة (( هـ)) وسننبه على نهاية السقط في موضعه إن شاء الله
تعالى .
- ١٩٣ -

(( لا يعلمها كثير من الناس)) فدل أن منهم من يعلمها ، فمن علمها
فهي عنده في أحد الحيزين الحلال أو الحرام ، وسأتقصى الكلام في
هذا المعنى في الباب بعد هذا - إن شاء الله تعالى .
وقال أبو الحسن بن القابسي : افهموا تكرير أسانيد هذا الحديث ،
ذكر في الإسنادين الأولين الشعبي سمعت النعمان، سمعت النبي وَل
وفي الإسناد الثالث النعمان عن النبي ، وفي الرابع النعمان قال النبي
وَّ وإنما ذكر هذا؛ لأن يحيى بن معين قال: قال أهل المدينة: إن
النعمان بن بشير لا يصح له سماع من النبي بُّر حديث علني ، أي
صَلَلـ
فلا بد أنه عقل عن النبي
مجاوبته لابيه .
وَشكـ
باب : تفسير المشبهات
وقال حسان بن أبي سنان : ما رأيت شيئًا أهون من الورع ، دع ما
یریبك إلى ما لا يريبك .
فيه: عقبة بن الحارث : (( أن امرأة سوداء جاءت فزعمت أنها
أرضعتهما، فذكره للنبي وُ لّ فأعرض عنه وتبسم النبي وَلّ قال: كيف
وقد قيل ؟ وكانت تحته ابنة أبي إهاب)).
وفيه : عائشة: (( كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد بن أبي
وقاص : أن ابن وليدة زمعة مني فاقبضه ، فلما كان عام الفتح أخذه سعد
وقال : ابن أخي قد عهد إليّ فيه ، فقام عبد بن زمعة فقال : أخي وابن
وليدة أبي، ولد على فراشه، فتساوقا إلى النبي يل) فقال رسول الله وآله:
هو لك يا عبد بن زمعة، ثم قال النبي ◌َّر: الولد للفراش وللعاهر
الحجر ، واحتجبي منه يا سودة ؛ لما رأى من شبهه بعتبة بن أبي وقاص،
فما رآها حتى لقي الله)) .
- ١٩٤ -

وفيه : عدي بن حاتم: ((سألت النبي وَلّر عن المعراض، فقال: إذا
أصاب بحده فكل ، وإذا أصاب بعرضه فقتل فلا تأكل ؛ فإنه وقيذ .
قلت : يا رسول الله، أرسل كلبي وأُسمّي فأجد معه كلبًا آخر على الصيد
[ لم] (١) أُسمّ عليه ، ولا أدري أيهما أخذ، قال: لا تأكل، إنما سميت
على كلبك ولم تُسمّ على الآخر )) .
قد تقدم في الباب قبل هذا أن الشبهات ما تنازعته الأدلة ،
وتجاذبته المعاني ، وتساوت فيه الأدلة ، ولم يغلب أحد الطرفين
صاحبه، وبيان ذلك في حديث عقبة بن الحارث ، وذلك أن جمهور
العلماء ذهبوا إلى أن النبي وَلّ أفتاه بالتحرر من الشبهة، وأمره بمجانبة
الريبة خوفًا من الإقدام على فرج يُخَاف أن يكون الإقدام عليه ذريعة
إلى الحرام ؛ لأنه قد قام دليل التحريم بقول المرأة : أنها أرضعتهما ،
لكنه لم يكن قاطعًا ولا قويا لإجماع العلماء أن شهادة امرأة واحدة .
لا تجوز في مثل ذلك، لكن أشار عليه رسول الله وَ له بالأحوط.
وأما حديث ابن وليدة زمعة فإنه عليه السلام حكم فيه بالولد
للفراش لزمعة على الظاهر ، وأنه أخو سودة على سبيل التغليب لا على
سبيل القطع أنه لزمعة عند الله - عز وجل - ثم أمر سودة بالاحتجاب
منه ؛ للشبهة الداخلة عليه وهي ما رأى من شبهه بعتبة ، فاحتاط لنفسه
[ و] (٢) ذلك فعل الخائفين لله - عز وجل - إذْ لو كان ابن زمعة في
علم الله في حكمه هذا لما أمر سودة بالاحتجاب منه كما لم يأمرها
بالاحتجاب من سائر إخوتها .
وأما حديث عدي بن حاتم فإن النبي وَ لاّ أفتاه بالتنزه عن الشبهة
(١) في ((هـ)): فلم. وهو ساقط من ((الأصل)).
(٢) في (( هـ)): في، وهو ساقط من (( الأصل)).
- ١٩٥ -

أيضًا خشية أن يكون الكلب الذي قتله غير مسمى عليه ، فكأنه أهل
به، وقد قال الله - تعالى - في ذلك: ﴿وإنه لفسق﴾ (١) فكأن في
فتياه عليه السلام باجتناب الشبهات دلالة على اختيار القول في
الفتوى، والاحتياط في النوازل والحوادث المحتملات للتحليل والتحريم
التي لا يقف العالم على حلالها وحرامها ؛ لاشتباه أسبابها ، وهذا
معنى قوله عليه السلام: (( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) يقول : دع
ما تشك فيه ولا تتيقن إباحته ، وخذ ما لا شك فيه ولا التباس .
وقال ابن المنذر: قال بعضهم : الشبهات تنصرف على وجوه :
فمنها شيء يعلمه المرء محرمًا ثم يشك فيه هل حل ذلك أم لا ، فما
كان من هذا النوع فهو على أصل تحريمه ، لا يحل التقدم عليه إلا
بيقين ، مثل الصيد حرام على المرء أكله قبل ذكاته ، وإذا شك في
ذكاته لم يزل عن التحريم إلا بيقين الذكاة ، والأصل فيه حديث عدي
ابن حاتم أن النبي وَّ قال له: ((إذا أرسلت كلبك فخالطه كلب لم
تسم عليه فلا تأكل ؛ فإنك لا تدري أيهما قتله )) وهذا أصل لكل
محرم أنه على تحريمه حتى يعلم أنه قد صار حلالا بيقين ، ومن ذلك
أن يكون للرجل أخ له ولا وارث له غيره ، فتبلغه وفاته ولأخيه
جارية، فهي محرمة عليه حتى يوقن بوفاته ، ويعلم أنها قد حلت له .
وكذلك لو أن شاتين ذكية وميتة سلختا فلم يدر أيهما الذكية ؛ كانتا
محرمتين بيقين على أصل التحريم حتى يعلم الذكية من الميتة ،
ولا يحل أن يأكل منهما واحدة بالتحرى ؛ لأنهما كانتا محرمتين بيقين،
فلا يجوز الانتقال من يقين التحريم إلى شك الإباحة .
والوجه الثاني : أن يكون الشيء حلالا فيشك في تحريمه ، فما كان
(١) الأنعام : ١٢١ .
- ١٩٦ -

من هذا الوجه فهو على الإباحة حتى نعلم تحريمه بيقين ، كالرجل
تكون له الزوجة فيشك في طلاقها ، أو يكون له جارية فيشك في
وقوع العتق عليها ، فالأصل في هذا حديث عبد الله بن زيد أن من
شك بالحدث بعد أن أيقن بالطهارة فهو على يقين طهارته ؛ لقوله عليه
السلام: (( فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا )).
والوجه الثالث : أن يُشكل الشيء فلا يدري أحرام هو أو حلال ،
ويحتمل الأمرين جميعًا ولا دلالة على أحد المعنيين ، فالأحسن التنزه
عنه كما فعل النبي وَّ في [التمرة] (١) الساقطة.
*
باب : ما يتنزه عنه من الشبهات
فيه: أنس: ((مر النبي 8 بتمرة مسقوطة ، فقال : لولا أن تكون
صدقةً لأكلتها )) .
وقال أبو هريرة عن النبي ◌َّلهُ: ((أجد تمرةً ساقطة على فراشي)).
قال المهلب: إنما ترك النبي و38َ أكل التمرة تنزهًا عنها؛ لجواز أن
تكون من تمر الصدقة ، وليس على أحد بواجب أن يتبع الجوازات ؛
لأن الأشياء مباحة حتى يقوم الدليل على التحظير ، فالتنزه عن
الشبهات لا يكون إلا فيما أشكل أمره ولم يدر أحلال هو أو حرام
واحتمل المعنيين ، ولا دليل على أحدهما ، ولا يجوز أن يحكم على
أحد من مثل ذلك أنه أخذ حرامًا ؛ لاحتمال أن يكون حلالا ، غير أنا
نستحب من باب الورع أن نقتدي برسول الله وَّ فيما فعل في التمرة،
وقد قال عليه السلام لوابصة بن معبد حين سأله عن البِرُّ والإثم فقال:
(١) في ((هـ)»: التمرو .
- ١٩٧ -

(«البر ما اطمأنت إليه النفس ، والإثم ما حاك في الصدر وإن أفتاك
الناس وأفتوك )) وقال ابن عمر : لا يبلغ أحد حقيقة التقوى حتى يدع
ما حاك في الصدر ..
وقال أبو الحسن بن القابسي : إن قال قائل : إذا وجد التمرة في
بيته فقد بلغت محلها وليست من الصدقة . قيل له : يحتمل أن يكون
النبي وَ لاّ كان يقسم الصدقة ثم ينقلب إلى أهله ، فربما علقت تلك
التمرة بثوبه فسقطت على فراشه ؛ فصارت شبهة .
قال غيره : وفيه من الفقه : تحريم قليل الصدقة وكثيرها على النبي
وَّ وآله، وقد تقدم اختلاف العلماء ] (١) / في ذلك في كتاب.
الزكاة .
[٣/ ق٩-١]
وفيه أيضًا : أن أموال [ المسلمين لا يحرم منها إلا ما له قيمة] (٢)
ويتشاح في مثله ، وأما التمرة واللبابة من الخبز أو التينة أو الزبيبة ، وما
أشبه ذلك ، فقد أجمعوا على أخذها ورفعها من الأرض ، وإكرامها
بالأكل دون تعريفها ، استدلالا بقوله عليه السلام: (( لأكلتها )) وأنها
مخالفة لحكم اللقطة ، وسيأتي ذلك في كتاب اللقطة .
باب : من لم ير ( الوساوس ) (٣) ونحوها من الشبهات
فيه : عبد الله بن زيد: (( شُكي إلى النبي [ الرجل ] (٤) يجد في
-----
(الصلاة ) (٥) شيئًا، أيقطع الصلاة ؟ قال: لا ، حتى يسمع صوتًا أو
یجد ریحًا )).
(١) هذا آخر ما استدركناه من (( هـ)) وهو ما سقط من الأصل.
(٢) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): كلام مقحم نتيجة لخرم في الورقة .
(٣) في (( هـ)): الوسواس.
هـ)). (٥) في (( هـ)): صلاته.
(٤) من ( هـ )).
- ١٩٨ -

وقال الزهري : لا وضوء إلا فيما وجدت الريح ، أو سمعت الصوت.
وفيه: عائشة: (( أن ( أقوامًا ) (١) قالوا : يا رسول الله ، إن قومًا يأتوننا
باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا ؟ فقال رسول الله : سموا الله
علیه و کلوه )) .
إنما لم يدخل الوسواس في حكم الشبهات المأمور باجتنابها لقوله
عليه السلام : (( إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل
به أو تكلم )) فالوسوسة ملغاة مطَّرِحة لا حكم لها ما لم تستقر وتثبت،
وحديث عبد الله بن زيد محمول عند الفقهاء على [ .... ] (٢)
الذي يعتريه ذلك كثيرًا؛ بدليل قوله: (( شكي إلى النبي )) ذلك ؛ لأن
الشكوى إنما تكون من علة ، فإذا كثر الشك في مثل ذلك وجب
إلغاؤه واطراحه ؛ لأنه ( لو أوجب) (٣) له عليه السلام حكمًا لما انفك
صاحبه من أن يعود إليه مثل ذلك التخيل والظن ، فيقع في ضيق
وحرج [ وقد قال الله - تعالى - : ﴿وما جعل عليكم في الدين من
حرج﴾ (٤) ] (٥) وكذلك حديث عائشة مثل هذا المعنى ؛ لأنه لو
حمل ذلك الصيد على أنه لم يذكر اسم الله عليه لكان في ذلك أعظم
الحرج ، والمسلمون محمولون على السلامة ، ولا ينبغي أن يظن بهم
ترك التسمية ، فضعفت الشبهة فيه فلذلك لم يحكم بها النبي - عليه
السلام - وغلب الحكم بضدها ؛ لأن المسلمين في ذلك الزمن كانوا
من القرن الذين أُثني عليهم ، فلا يتوجه إليهم سوء الظن في دينهم .
فإن قيل: فما معنى قوله عليه السلام: ((سموا الله وكلوا))؟
(١) في (( هـ )): قومًا.
(٣) فى (( هـ)): لما أوجب.
(٥) من (( هـ ).
(٢) كلمة غير واضحة في (( الأصل ، هـ )).
(٤) الحج : ٧٨ .
(٦) من (( هـ)) وفي (( الأصل)): نسى .
- ١٩٩ -

قيل : هذا منه عليه السلام من الأخذ بالحزم في ذلك خشية أن
[ينسى](١) الذي صاده التسمية، وإن كانت التسمية عند الأكل غير
واجبة لما قدمناه من فضل أهل ذلك القرن ، وبعدهم عن مخالفة
أمر الله ورسوله في ترك التسمية على الصيد .
*
باب : قوله تعالى: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها﴾(٢)
فيه: جابر قال: (( ( بينا ) (٣) نحن نصلي مع النبي - عليه السلام - إذ
أقبلت ( من الشام عير ) (٤) تحمل طعامًا ، فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع
النبي إلا اثنا عشر رجلا ، فنزلت ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها
وتركوك قائمًا ﴾ (٢) )) .
تقدير الآية عند المبرد : وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها ، وإذا رأوا لهوا
انفضوا إليه ، ثم حذف ضمير الثاني، وأُخُر ضمير الأول ، والمعنى
وإذا رأوا ذلك أسرعوا إليه .
واللهو ما يصنع عند النكاح من الدف ، وقيل : هو الطبل . وقال
قتادة: ﴿[وتركوك] (٥) قائمًا﴾ (٢) .
قال الحسن: قال النبي - عليه السلام -: ((لو اتبع آخرهم أولهم.
التهب الوادي عليهم نارًا )) وقال قتادة : لم يبق مع النبي إلا اثنا عشر
رجلا وامرأة . وقال الحسن : إن أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء
سعر، فلذلك خرجوا إلى العير حين قدمت .
﴿ قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة﴾ (٢) أي ما عند الله من
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): نى.
(٢) الجمعة : ١١ .
(٤) في (( هـ )) : عير من الشام .
(٣) في (( هـ)) : بينما .
(٥) من (( هـ)).
- ٢٠٠ -