النص المفهرس

صفحات 81-100

يريد مالك أن النبي لما لم ينه الرجل أن يشرب من نفس واحد ،
وقال له : (( أبن القدح عن فيك)) عُلم أن ذلك كالإباحة ، وقد روي
عن سعيد بن المسيب ، وعطاء بن أبي رباح أنهما أجازا الشرب بنفس
واحد .
وقال ميمون بن مهران : رآني عمر بن عبد العزيز وأنا أشرب ،
فجعلت أقطع شرابي وأتنفس ، فقال : إنما نُهي أن يتنفس في الإناء ،
فأمّا إذا لم تتنفس في الإناء فاشربه إن شئت بنفس واحد .
وروي عن ابن عباس وطاوس وعكرمة كراهية الشرب بنفس واحد،
وقالوا : هو شرب الشيطان .
وقول عمر بن عبد العزيز تفسير لهذا الباب وأصل له .
باب : الشرب في آنية الذهب
فيه : حذيفة: (( أنه استسقى فأتاه دهقان بقدح فضة ، فرمى به ، فقال :
إني لم أرمه إلا أني نهيته فلم ينته ، وإن النبي نهانا عن الحرير والديباج
والشرب في آنية الذهب والفضة ، وقال: [ هن ] (١) لهم في الدنيا ،
وهن لكم في الآخرة ».
العلماء متفقون أنه لا يجوز [ الأكل و] (٢) الشرب في آنية الذهب
والفضة ؛ لأن ذلك من باب السرف ، إذْ جعل الله الذهب والفضة
قوامًا للناس وأثمانًا لمعايشهم وقيمًا للأشياء ، فكره استعمالها في غير
(١) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): هو .
(٢) من (( هـ )).
- ٨١ -

ذلك إلا ما أباحته السنة للرجال من السيف والخاتم والمصحف ،
والحلي للنساء .
قال المهلب : وقوله عليه السلام: (( هن لهم في الدنيا وهن لكم
في الآخرة)) وهو مثل قوله عليه السلام في الحرير: (( إنما يلبس هذه
من لا خلاق له في الآخرة )) وهم الكفار ؛ لأنه لما كان الحرير من
لباسهم في الدنيا ، وآثروه على ما أعده الله في الآخرة لأوليائه ،
وأحبوا العاجلة ؛ ذمّهم النبي بذلك ، ونهى المسلمين أن يتشبهوا
بالكفار المؤثرين الدنيا على الآخرة ، ولئلا يدخلوا تحت قوله تعالى :
﴿ أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ... ﴾ (١) الآية ، وقال مالك بن
دينار: قرأت فيما أنزل الله - تعالى -: (( أن قل لأوليائي : لا يطعموا
مطاعم أعدائي ، ولا يلبسوا ملابس أعدائي ، فيكونوا أعدائي كما هم
أعدائي )» .
باب : آنية الفضة
فيه: حذيفة، قال عليه السلام: (( لا تشربوا في آنية (الفضة) (٢))).
وفيه : أم سلمة أن النبي - عليه السلام - قال: (( الذي يشرب في آنية
( الفضة) (٢) إنما يجرجر في بطنه نار جهنم)) .
وفيه : البراء: (( أمرنا النبي - عليه السلام - بسبع ، ونهانا عن سبع ...
عن الشرب في آنية ( الفضة) (٢) ... )) الحديث .
(١) الأحقاف: ٢٠ .
(٢) في (( هـ)): الذهب والفضة.
- ٨٢ -

[ قد تقدم في الباب قبل هذا أنه لا يجوز الأكل والشرب في آنية
الفضة والذهب ] (١) .
واختلفوا في الآنية المفضضة ، فروي عن عائشة أنها نهت أن تضبب
الآنية أو تحلقها بفضة . وكان ابن عمر لا يشرب في آنية فيها حلقة أو
ضبة [ فضة] (١) . وهو قول عطاء ، وسالم ، وعروة بن الزبير ،
وبه قال مالك والليث .
ورخصت في ذلك طائفة ، روي [ ذلك ] (١) عن عمران بن
حصين وأنس بن مالك أنهما أجازا الشرب في الإناء المفضض ،
وأجازه من التابعين : طاوس والحكم والنخعي والحسن البصري .
وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا بأس أن يشرب الرجل بالقدح
المفضض إذا لم يجعل فاه على الفضة [كالشرب بيده وفيها الخاتم .
وقال أحمد بن حنبل : لا بأس به إذا لم يجعل فاه على الفضة](١)
وهو مثل العَلَمٍ في الثوب ، وبه قال إسحاق .
وقال ابن المنذر : / ثبت أن النبي - عليه السلام - نهى عن آنية (٢/ ٢٤٣٥-١)
الفضة ، والمفضض ليس بإناء فضة وكذلك المضبَّب ، فالذي يحرم فيه
الشرب ما نهى عنه النبي ولا نُعصِّي [ من ] (٢) شرب فيما لم ينه عنه.
وقال ( أبو عبيدة ) (٣) نحوه .
وفعل ابن عمر إنما هو محمول على التورع لا على التحريم ، كما
(١) من (( هـ)).
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): فيمن.
(٣) فى ((هـ)): أبو عبيد .
- ٨٣ -

:
روي عنه أنه كان ينضح الماء في عينيه لغسل الجنابة ، وليس ذلك
بواجب عليه .
وروى أبو نعيم قال: حدثنا شريك [ عن ] (١) حميد قال : ((رأيت
عند أنس قدح النبي - عليه السلام - فيه فضة أو [ شد ] (٢) بفضة)).
قال الطحاوي : ولا يخلو ذلك أن يكون في زمن النبي - عليه
السلام - أو أحدثه أنس بعده ، فأي ذلك كان، [ فقد ] (٣) ثبت عن
أنس إباحته ؛ لأنه كان يسقي الناس فيه تبركًا برسول الله قال أبو
عبيدة: الجرجرة : صوت وقوع الماء في الجوف ، وإنما يكون ذلك عند
شدة الشرب ، ومنه قيل للبعير إذا صاح : هو يجرجر .
وقوله : (( يجرجر في بطنه نار جهنم )) محمول عند أهل السنة على
أن الله في ذلك بالخيار لمن أراد أن ينفذ عليه الوعيد.
باب : الشرب من قدح النبي عليه السلام وآنیته
قال أبو بُردة : قال لي ابن سلام: « ألا أسقيك [ في ] (٤) قدح شرب
النبي - عليه السلام - فيه )) .
فيه : سهل: (( ذكر للنبي امرأة من العرب ، فأمر أبا أسيد الساعدي أن
يرسل إليها ، فأرسل إليها فقدمت ، فنزلت في أجم بني ساعدة ، فخرج
النبي حتى جاءها ، فدخل عليها فإذا امرأة منكسة رأسها ... )) الحديث
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): بن. وهو تحريف.
(٢) من (( هـ)) وفي ((الأصل)»: شبك.
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): قد .
(٤) من ((هـ)) وفى (( الأصل)): من .
- ٨٤ -
:

[إلى](١) قوله: (( اسقهم يا سهل (فأخذت ) (٢) هذا القدح فأسقيتهم
فيه ، فأخرج لنا سهل ذلك القدح ، فشربنا منه ، ثم استوهبه عمر بن
عبدالعزيز فوهبه له )) .
وفيه : عاصم الأحول : (( رأيت قدح النبي - عليه السلام - عند أنس
وكان قد انصدع ، فسلسله بفضة، وهو قدح جيد عريض من نُضَار ... )).
وقال ابن سيرين: (( إنه كان فيه حلقة من حديد ، فأراد أنس أن يجعل
مكانها حلقة من ذهب أو فضة ، فقال له أبو طلحة : لا تغيرن شيئًا صنعه
النبي - عليه السلام - فتركه ».
الشرب من قدح النبي وآنيته من باب التبرك بالنبي وامتثال فعله ،
كما كان ابن عمر يصلي في المواضع التي صلى فيها رسول الله ،
ويدور ناقته حيث أدارها ؛ تبركًا بالاقتداء به ، وحرصًا على اقتفاء
آثاره، ومن هذا الباب ما [يفعله ] (٣) الناس إلى اليوم من الدخول
في الغار الذي اختفى فيه عليه السلام وأبو بكر الصديق على صعوبة
الارتقاء إليه والدخول فيه ، وهذا كله وإن كان ليس بواجب ولا لازم
وإنما يحمل [ على ] (٤) فرط المحبة في النبي - عليه السلام -
والاغتباط بموافقته، وقد قال عليه السلام: (( [ والله ] (١) لا يؤمن
عبد حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده والناس أجمعين )).
وقوله : (( قدح عريض من نُضار)) قال صاحب العين : قدح من
(١) من (( هـ)).
(٢) في (( هـ )) : فأخرجت .
(٣) في ((الأصل)): فعله، والمثبت من (( هـ).
(٤) من (( هـ) وفي (( الأصل)): عليه .
- ٨٥ -

نضار - ويتخذ من أثل ، وَرَسِيّ اللون - وذهب نضار ، والنضار :
الخالص .
والأجم : جمع أجمة ، وهي الغياض ، قال ابن الفاسي :
النضار: عود أصفر يشبه لون الذهب ، وهو أعمق العود .
باب : شرب البركة والماء المبارك
فيه : جابر: (( رأيتني مع النبي - عليه السلام - وقد ( حضرته ) (١)
العصر ، وليس معنا ماء غير فضلة ، فجعل في إناء ، فأتي النبي به
فأدخل يده فيه وفرج بين أصابعه [ ثم قال : حيّ علي أهل الوضوء ،
والبركة من الله . فلقد رأيت الماء يتفجر من بين أصابعه ] (٢) فتوضأ
الناس وشربوا ، فجعلت لا آلو ما جعلت في بطني منه ، فعلمت أنه
بركة. قلت لجابر : كم كنتم يومئذ ؟ قال : ألف وأربعمائة ، وقال جابر:
[ خمس عشرة ](٣) مائة.
[٢/ ٢٤٣٥-ب] قال المهلب: قال البخاري: ((باب شرب البركة)) / لقول جابر
في الحديث: (( فعلمت أنه بركة )) وهذا جائز سائغ في لسان العرب.
أن يسمى الشيء المبارك فيه : بركة ، كما قال أيوب النبي - عليه
السلام - : (( لا غنى بي عن بركتك)) فسمى الذهب بركة ،
و[مثله] (٤) قوله تعالى: ﴿هذا خلق الله ﴾ (٥) يعني مخلوقاته ، والخلق
اسم الفعل .
(١) في (( هـ)): حضرت.
(٢) من (( هـ)).
(٣) في ((الأصل)): خمسة عشر.
(٤) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): من.
(٥) لقمان : ١١ .
- ٨٦ -

وفيه من الفقه : أن الإسراف في الطعام والشراب مكروه إلا الأشياء
التي أرى الله [ فيها ] (١) بركة غير معهودة وآية [ قائمة ] (٢) بينة، فلا
بأس بالاستكثار منها ، وليس في ذلك سرف ولا كراهية ، ألا ترى
قول جابر: (( فجعلت لا آكو ما جعلت في بطني منه)) أي لا أقصر عن
جهدي في الاستكثار من شربه .
وفيه : عَلَم عظيم من أعلام النبوة ، وقد تقدم بيان هذا المعنى وما
في نبع الماء من بين أصابع النبي من عظم الآية ، وشرف الخصوصية
في باب التماس الوضوء إذا حانت الصلاة في كتاب الوضوء ، فأغنى
عن إعادته .
والحمد لله وحده وصلواته علی خیر خلقه محمد وآله وصحبه
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): فيه.
(٢) من (( هـ).
- ٨٧ -

کتاب الأيمان والنذور
....
[ باب ](١) قول الله تعالى :
﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ... ﴾ (٢) الآية
وفيه: عائشة: (( أن أبا بكر لم يكن يحنث في يمين قط حتى أنزل الله
كفارة اليمين وقال : لا أحلف على يمين فرأيت غيرها خيراً منها إلا أنيت
الذي هو خير ، وكفرت عن يميني )) .
وفيه : عبد الرحمن بن سمرة قال : قال النبي - عليه السلام -: «يا
عبد الرحمن ، لا تسأل الإمارة ؛ فإنك إن أوتيتها عن مسألة وُكلتَ إليها،
وإن أوتيتها من غير مسألة أُعنْتَ عليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت
غيرها خيراً منها فکفر عن يمينك وائت الذي هو خیر )) .
وفيه : أبو موسى : (( أتيت النبي - عليه السلام - في (رهط ) (٣) من
الأشعريين أستحمله ، فقال : والله لا أحملكم ، وما عندي ما أحملكم
عليه ( قال : ثم ) (٤) لبثنا ما شاء الله أن نلبث، ثم أُنِيَ بثلاث ذود غُرّ
الذرى فَحَمَلَنا عليها ، فلما انطلقنا قلنا - أو قال بعضنا - : والله لا يبارك
لنا ؛ أتينا النبي نستحمله ، فحلف لا يحملنا ثم حملنا ، فارجعوا بنا
(نسأل ) (٥) النبي - عليه السلام - فَنُذَكِّره، فأتيناه فقال: ما أنا
حملتكم؛ بل الله حملكم ، وإني والله - إن شاء الله - لا أحلف على يمين
(١) من (( هـ ) .
(٢) البقرة: ٢٢٥، المائدة : ٨٩.
(٣) في (( هـ)) : نفر .
(٤) في (( هـ)): ثم . بدون لفظة قال .
(٥) في ((هـ)): إلى .
- ٨٨ -

فأرى غيرها خيرًا منها إلا كفرت [ عن ] (١) يميني ، وأتيت الذي هو
خیر، أو أتيت الذي هو خير و کفرت عن يميني )) .
وفيه: همام بن منبه قال: ((هذا ما ( حدثناه ) (٢) أبو هريرة عن النبي ،
قال : نحن الآخرون السابقون يوم القيامة . وقال رسول الله: والله ، لأَنْ
يلج أحدكم بيمينه في أهله [ آثم ] (٣) له عند الله من أن يعطي كفارته
التي افترض الله علیه )) .
وفيه : أبو هريرة: قال النبي - عليه السلام -: (( من استلج في أهله
بيمين ( هو) (٤) أعظم إثماً ؛ ليس تغني الكفارة » .
((ليبرٌ، يعني الكفارة)) للنسفي ، وكذا عند ابن الفاسي.
قال المؤلف : حض النبي - عليه السلام- أمته على الكفارة إذا كان
إتيانها خيرًا من التمادي على اليمين ، وأقسم عليه السلام أنه كذلك
يفعل هو ، ألا ترى أنه حلف ألا يحمل الأشعريين حين لم يكن عنده
ما يحملهم عليه ، فلما أتي بالإبل حملهم عليها ، وأقسم أيضًا أن
التمادي على اليمين والاستلجاج فيها أشد إثمًا من إعطاء الكفارة .
والاستلجاج في أهله هو أن يحلف ألا ينيلها خيراً ، أو لا يجامعها ،
أو لا يأذن لها في زيارة قرابة أو مسير إلى المسجد ، فتماديه في هذه
اليمين وبرّه فيها آثم له عند الله من إثمه أن لا يكفر يمينه ؛ لأن من
فعل ذلك دخل في قوله : ( تألى ) (٥) ألا يفعل خيرًا ، وهذا منهي
عنه ، وقد جاء مصداق هذه الأحاديث في كتاب الله - تعالى - قال
(١) من ( هـ )).
(٢) في ( هـ )) : حدثنا به .
(٤) في (( هـ )) : فهو .
(٣) في (( هـ)) وفي ((الأصل)): أتم .
(٥) كذا في ((الأصل)): وفي (( هـ )): فأتى.
- ٨٩ -

تعالى: ﴿ولا تجعلوا الله عرضةً لأيمانكم أن تبروا وتتقوا ... ﴾(١) الآية.
(٢/ ٢٤٤٥-١) قال أهل التفسير: نزلت / هذه الآية في الرجل يحلف أن لا يبّر
ولا يصل قرابته ورجمه ، ولا يصلح بين اثنين ، فأُمروا بالصلة
والمعروف والإصلاح بين الناس .
والعرضة في كلام العرب : القوة والشدة ، يقال : هذا الأمر
عرضةً لك أي : قوة وشدة على أسبابك ، فمعناه على هذا : لا تجعلوا
يمينكم قوةً لكم في ترك فعل الخير .
وأمّا قوله في حديث أبي هريرة: (( ليس تغني الكفارة )) هكذا رواه
جماعة ، وروى أبو الحسن بن القابسي [ (( ليبرّ ، يعني : الكفارة)).
وكذلك رواه النسفي ، وهو الصواب، ومن روى : ليس ] (٣) تغني
الكفارة فلا معنى له ؛ لأن الكفارة تغني غناءً شديداً ، وقد جعلها الله
تحلة الأيمان، ومعنى قوله: ((ليبرّ)) أي ليأت البرّ، ثم فسر ذلك البرّ.
ما هو بقوله: (( يعني الكفارة)) خوفًا من أن يظن أنه من [ إبرار ] (٤)
القسم والتمادي على اليمين ، وهذا الحديث يرد قول مسروق وعكرمة
وسعيد بن جبير ، فإنهم ذهبوا إلى أنه يفعل الذي هو خير ، ولا كفارة
عليه ، وقولهم خلاف الأحاديث ، فلا معنى له .
قال المهلب : وقوله تعالى : ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في
أيمانكم .. ﴾(٥) الآية يدل أن الله لا يعذب [ إلا] (٣) على ما كسبت
القلوب بالقصد والعمل من الجوارح ، لقوله : ﴿ ولکن یؤاخذجم بما
عقدتم الأيمان﴾ (٦) وبقوله عليه السلام: ((الأعمال بالنيات)) وسيأتي
تفسير وجوه اللغو في بابه - إن شاء الله .
(١) البقرة : ٢٢٤ .
(٤) من ((هـ))، وفي (( الأصل)): ابن.
(٥) البقرة : ٢٢٥، المائدة : ٨٩ .
(٢) في ((هـ)): القابسي. (٣) من (( هـ).
(٦) المائدة : ٨٩ .
- ٩٠ -

وقوله : ((غُرّ الذُّرى)) يعني بيض الأسنمة، والأغر : الأبيض في
حُسن ، ومن ذلك قيل للثنايا إذا كانت بيضًا حسَانًا : هن غُرّ ، وذروة
كل شيء أعلاه .
باب : قول النبي عليه السلام: ((وايْمُ الله))
فيه : ابن عمر: (( بعث النبي بعثًا ، وأمَّر عليهم أسامة بن زيد ، فطعن
بعض الناس في إمرته [ فقام النبي فقال ] (١): إن كنتم تطعنون في
إمرته ؛ فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل ، وايم الله إن كان لخليقًا
للإمارة ، وإن كان لمن أحب الناس إليّ ، وإن هذا لمن أحب الناس إليّ
بعده ) .
اختلف أهل العلم بلسان العرب في معنى (( ايْمِ الله )) فقال أبو
القاسم الزجاجي : ايْم الله وايْمن [الله ] (٢) ومَ الله كل هذه لغات
فيها ، واشتقاقها عند سيبويه من اليُمن والبركة ، وألفها عنده ألف
وصل ، واستدل على ذلك بقول بعضهم وايمن الله ( بكسر ) (٣)
الألف، ولو كانت ألف قطع لم تكسر ، و( سقوطها ) (٤) مع لام
الابتداء قال الشاعر :
وقال فريق : ليمن الله ما ندري (٥) .
وإنما التقدير [ لأيمن ] (٦) الله.
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): فقال رسول الله.
(٢) من (( هـ)).
(٣) في ((هـ): فكسر. (٤) في ((هـ)): بسقوطها.
(٥) كذا ((بالأصل))، و(( هـ)): وفي اللسان (مادة : يمن)
فقال فريق القوم لما نشدتهم : نعم وفريق : ليمن الله ما ندري .
وعزاه لنُصَيْب .
(٦) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): أيمن.
- ٩١ -

وقال الفراء : ألفها ألف قطع ، وهي جمع يمين عنده ، ومعنى
قولهم : يمين الله [ أي ] (١) يمين الحالف بالله؛ لأن الله لا يجوز أن
يوصف بأنه يحلف بيمين ، وإنما هذه من صفات المخلوقين ، وروي
عن ابن عمر وابن عباس أنهما كانا يحلفان بايم الله ، و[ رأى ] (٢)
الحلف بها الحسن البصري وإبراهيم النخعي ، وذكر ابن خواز بنداد
عن مالك أن [ ايم ] (٣) الله عنده يمين .
وقال الطحاوي : (( ايم الله )) يمين عند أصحابنا ، وهو قول مالك،
وقال الشافعي: إن لم يرد بأيم الله يمينًا [ فليست ] (٤) بيمين ، وقال
إسحاق بن راهويه . إذا أراد بها يمينًا كانت يمينًا بالإرادة وعقد القلب.
باب : كيف كانت يمين النبي عليه السلام
قال سعد: قال النبي: ((والذي نفسي بيده)) .
(٢/ ٢٤٤- ب] وقال أبو قتادة: قال أبو بكر / عند النبي - عليه السلام -: ((لا ها الله
إذًّا )) .
ويقال : والله وبالله وتالله ..
فيه: ابن عمر قال: ((كانت يمين النبي: لا ومقلب القلوب)).
وفيه : جابر بن سمرة وأبو هريرة: قال عليه السلام: (( إذا هلك قيصر
فلا قیصر بعده ، وإذا هلك کسری فلا کسری بعده ، والذي نفسي بيده
لتنفقن كنوزهما في سبيل الله )) .
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): إلى معنى.
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): أبى.
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): يمين.
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): فلست .
- ٩٢ -

وفيه : عائشة وأبو هريرة: قال عليه السلام: (( يا أمة محمد ، والله لو
تعلمون ما أعلم لبکیتم کثیرًا ولضحكتم قليلا )» .
وفيه : عبد الله بن هشام : (( كنا مع النبي وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب
فقال له عمر: [ يا رسول الله ] (١) لأنت أحب إليّ من كل شيء إلا
نفسي ، فقال عليه السلام : لا والذي نفسي بيده ، حتى أكون أحب إليك
من نفسك ، فقال [ له ] (١) عمر: يا رسول الله ، فإنه الآن ، والله لأنت
أحب إليّ من نفسي ، فقال عليه السلام: الآن يا عمر)).
فيه : أبو هريرة وزيد بن خالد، أن النبي - عليه السلام - قال: (( أما
والذي نفسي بيده، لأقضین بینکما بكتاب الله ، أما غنمك وجاريتك فرد
عليك ... )) الحديث .
وفيه: أبو [ بكرة ] (٢) قال النبي - عليه السلام -: (( أرأيتم إن كان
أسلم وغفار ومزينة وجهينة [ خيراً ](٣) من بني تميم وعامر بن صعصعة
وغطفان وأسد ، خابوا وخسروا ، فقال : والذي نفسي بيده لهم خير
منهم )) .
وفيه : أبو حميد (( أن النبي - عليه السلام - استعمل ( عاملا) (٤)
فجاءه العامل ... )) الحديث . فقال عليه السلام: (( [ والذي نفسي
بيده](١) لا يغل أحدكم منها شيئًا ... )) الحديث.
وفيه: أبو ذر: (( انتهيت إلى النبي في ظل الكعبة وهو يقول : هم
الأخسرون ورب الكعبة - مرتين، يعني الأكثرين ... )) الحديث (( إلا من
قال هکذا وهکذا » .
(١) من (( هـ )).
(٢) في (( الأصل)): بكر. وهو تحريف. والمثبت من (( هـ ).
(٣) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): خير .
(٤) في (( هـ)): رجلا .
- ٩٣ -

وفيه: أبو هريرة: قال النبي: (( قال سليمان : لأطوفن الليلة على
(سبعين) (١) امرأةً ، كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله . فلم يقل :
إن شاء الله ، وأیم الذي نفس محمد بيده لو قال : إن شاء الله ، جاهدوا
في سبيل الله فرسانًا أجمعون)) .
وفيه: البراء: ((أهدي إلى النبي - عليه السلام - سَرَقَة من حرير ،
فقال عليه السلام : والذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير
من هذا )» .
وفيه: عائشة (( أن هندًا ابنة عتبة قالت : يا رسول الله، ما كان على ظهر
الأرض أهل أخباء - أو خباء ، شك يحيى - أحب إليّ من أن يذلوا من
أهل أخبائك - أو خبائك - ثم ما أصبح اليوم أهل أخباء - أو خباء -
أحب إليّ أن يعزوا من أهل أخبائك - أو خبائك - قال النبي :
[وأيضاً](٢) والذي نفس محمد بيده ... )) الحديث .
وفيه ابن مسعود : « قال النبي لأصحابه : أترضون أن تكونوا ربع أهل
الجنة ؟ قالوا : بلى. قال: ( أفترضون ) (٣) أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟
قالوا : بلى . قال : فوالذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل
الجنة )) .
وفيه : أبو هريرة: (( قال النبي للذي قرأ : ﴿قل هو الله أحد ) :
والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن)) .
وفيه: أنس: قال عليه السلام: (( أتموا الركوع والسجود ؛ فوالذي
نفسي بيده، إني لأراكم من بعد ظهري إذا ركعتم وسجدتم )) .
وفيه: أنس: (( أن امرأة من الأنصار أتت النبي ومعها أولادها ، فقال :
والذي نفسي بيده إنكم لأحب الناس إلىّ - ثلاثًا)).
(١) في ( هـ)): تسعين
(٢) من ( هـ)). (٣) في (( هـ)): أترضون.
- ٩٤ -

قال المؤلف: أما قوله: ((والذي نفسي بيده)) و(( لا ومقلب
القلوب )) فهذه أيمان النبي - عليه السلام - فالسنة أن يحلف بهما وبما
شابههما من أسماء الله وصفاته - تعالى - وقد قال عليه السلام :
((من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت)).
وأجمع العلماء أنه من حلف فقال : والله أو بالله أو تالله أن عليه
الكفارة ؛ لأن الواو والباء والتاء هي حروف القسم عند العرب ،
والواو والباء يدخلان على كل محلوف به ، ولا تدخل الفاء إلا على
الله وحده .
وقولهم: ((لا ها الله)) أصله لا والله ، حذف حرف القسم
وعوض منه (( ها)) التي للتنبيه ، فصار / واو القسم خافضًا مضمرًا (٢/ ٥ ٢٤٥-)
مثله مظهرًا ، غير أنه لا يجوز أن يظهر مع ما هو عوض منه .
وأجمعوا أنه من حلف باسم من أسماء الله - تعالى - أن عليه
الكفارة واختلفوا فيمن حلف بصفاته ، وسيأتي ذلك في بابه - إن
شاء الله .
واحتج من أوجب الكفارة في الأيمان بالصفات كلها بحديث ابن
عمر (( أن النبي - عليه السلام - كانت يمينه لا ومقلب القلوب))
وصفاته تعالى كلها منه ، وليس شيء مخلوق .
وقوله: (( خباء أو أخباء )) : فالمعروف في جمع خباء أخبية ،
وكذلك تجمع فِعَال وفعيل في القليل على أفعلة ، كمثال وأمثلة ،
وسقاء وأسقية ، ورغيف وأرغفة ، وقد جمع فعيل على أفعال كيتيم
وأيتام ، وشريف وأشراف، ويمين وأيمان ، وهذا قياس خباء [ و](١)
أخباء .
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)) : أو .
- ٩٥ -

فإن قال قائل : بم يتعلق القسم في قوله عليه السلام في حديث
هند (( وأيضًا والذي نفسي بيده))؟ قيل: قد فَسَّر المعنى معمر في
روايته عن الزهري [ قال معمر] (١): ((لتزدادنٌ)) قال المؤلف: يعني
لتزدادنّ محبة فيما ذكرت إذا قوي إسلامك وتحكم الإيمان في قلبك ،
كما قال عليه السلام: (( والله لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه
من أهله وولده ومن الناس أجمعين)) يريد لا يبلغ حقيقة الإيمان وأعلى
درجاته .
باب : لا تحلفوا بآبائكم
فيه : ابن عمر : (( أن النبي - عليه السلام - أدرك عمر وهو يسير في
ر کب (فحلف ) (٢) بأبيه ، فقال : إن الله ینهاکم أن تحلفوا بآبائكم ، فمن
کان حالفًا فلیحلف بالله أو ليصمت . قال عمر : فوالله ما حلفت بها منذ
سمعت النبي - عليه السلام - ذاكرًا ولا آثرًا )) .
قال مجاهد: ﴿أو أثارة من علم﴾ (٣) قال: يأثرُ علمًا .
وفيه : (ابن عمر) (٤) قال عليه السلام: (( لا تحلفوا بآبائكم)).
وفيه: أبو موسى قال النبي - عليه السلام -: (( والله لا أحلف
[على](٥) يمين فأرى غيرها خيراً منها ... )) الحديث .
قال المهلب : كانت العرب في الجاهلية تحلف بآبائها وآلهتها ،
فأراد الله أن ينسخ من قلوبها وألسنتها ذكر كل شيء سواه ، ويبقى
(١) من (( هـ )).
(٣) الأحقاف : ٤ .
(٢) في (( هـ)) : يحلف .
(٤) في (( هـ)): عمر.
(٥) من ((هـ))، وفي ( الأصل)): عن.
- ٩٦ -

ذكره تعالى ؛ لأنه الحق المعبود ، فالسنة اليمين بالله ، كما رواه أبو
موسى وغيره عن النبي ، والحلف بالمخلوقات في حكم الحلف بالآباء،
لا يجوز عند الفقهاء شيء من ذلك .
قال الطبري في حديث عمر : إن الأيمان لا تصلح بغير الله -
تعالى - كائنًا ما كان، وأن من قال [ والكعبة ] (١) أو وجبريل
[وميكائيل] (٢) أو آدم وحوا [ ونوح أو ] (٢) قال: وعذاب الله، أو
ثواب الله أنه قد قال من القول هجرًا ، وتقدم على ما نهى النبي -
عليه السلام - عنه ، ولزمه الاستغفار من قوله ذلك دون الكفارة ؛
لثبوت الحجة أنه لا كفارة على الحالف بذلك .
[ قال غيره ] (٢): فإن قال قائل : فأين ما في القرآن من الإقسام
بالخلوقات نحو قوله : ﴿والطور وكتاب مسطور﴾ (٣) ﴿والتين
والزيتون﴾ (٤) ﴿والسماء والطارق﴾ (٥) وما كان مثله ؟.
قيل: المعنى فيه عند المفسرين: وربّ السماء والطارق، ورب
الطور، ورب النجم ، فعلى هذا القول هي إقسام بالله - تعالى -
لا بغيره .
قال ابن المنذر : فالجواب أن الله أقسم بما شاء من خلقه ، ثم بين
الرسول ( ما أراد ) (٦) الله من عباده أنه لا يجوز لأحد أن يحلف
بغيره؛ لقوله : من كان حالفا فليحلف بالله )) .
قال الشعبي : الخالق يقسم بما شاء من خلقه ، والمخلوق لا ينبغي
له أن يقسم إلا بالخالق ، والذي نفسي بيده لأن أقسم بالله فأحنث
أحب إليّ من أن أقسم بغيره فأبرّ . وذكر ابن القصر مثله عن ابن عمر.
(١) في ((الأصل)): ورب الكعبة والمثبت من ( هـ).
(٢) من (( هـ)).
(٤) التين : ١ .
(٣) الطور : ١ .
(٥) الطارق : ١ .
(٦) في (( هـ)): مراد .
- ٩٧ -

وقال قطرب : إنما أقسم الله بهذه الأشياء ليعجب منها المخلوقين ،
[٥/٢ ٢٤٥- بـ] ويعرفهم قدرته / فيها ليعظم شأنها عندهم ، ولدلالتها على خالقها ،
فلا يجوز لأحد أن يقسم بهذه الأقسام وشبهها ؛ لإجماع العلماء أنه
من وجبت له يمين على [ رجل ] (١) أنه لا يحلف [ له ] (٢) إلا بالله،
ولو حلف له بالنجم أو بالسماء والطارق وقال : نويت رب ذلك ،
لم يكن عندهم يمينًا !.
وقال ابن المنذر : من حلف بغير الله وهو عالم بالنهي فهو عاص .
قال : واختلف أهل العلم في معنى نهي النبي عن الحلف بغير الله ،
أهو عام في الأيمان كلها ، أو هو خاص في بعضها ؟ فقالت طائفة :
الأيمان المنهي عنها ، هي الأيمان التي كان أهل الجاهلية يحلفون بها.
تعظيمًا منهم لغير الله ، كاليمين باللات والعزى والآباء والكعبة
والمسيح وبملل الشرك ، فهذه المنهي عنها ولا كفارة فيها ، وأمّا ما كان
من الأيمان مما يؤول الأمر فيه إلى تعظيم الله فهي غير تلك ، وذلك
كقول الرجل : وحق النبي ، وحق الإسلام ، وكاليمين بالحج
والعمرة والصدقة والعتق وشبهه ، فكل هذا من حقوق الله ومن
تعظيمه ، وقال أبو عبيد : إنما ألفاظ الأيمان ما كان أصله يراد به
تعظيم الله والقربة إليه ، ومن القربة إليه اليمين بالعتق والمشي والهدي
والصدقة .
قال ابن المنذر : وقد مال إلى هذا القول غير واحد ممن لقيناه ،
واستدل بعضهم بما روي عن أصحاب النبي - عليه السلام - من
إيجابهم على الحالف بالعتق وصدقة المال و[ الهدي ] (٣) ما أوجبوه
(١) في ((الأصل)): رجال، والمثبت من ((هـ)).
(٢) من (( هـ)).
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): العتق.
- ٩٨ -

مع روايتهم هذه الأخبار التي فيها التغليظ في اليمين بغير الله ، أن
معنى النهي في ذلك غير عام ، إذ لو كان عاما ما أوجبوا فيه من
الكفارات ما أوجبوا ، ولنهوا عن ذلك .
وقوله: ((ذاكرًا )) يعني متكلمًا به ، كقولك: ذكرت لفلان حديثًا
حسنًا ، وليس من الذكر الذي هو ضد النسيان .
[وقوله ] (١): ((ولا آثرًاً)) يقول: ولا مخبراً عن غيري أنه حلف
[ به ] (١) .
وقال الطبري : ومنه حديث مأثور عن فلان ، أي تُحدِّث به عنه .
#
*
باب : لا يحلف باللات والعزى ولا بالطواغيت
فيه : أبو هريرة: قال النبي - عليه السلام -: (( من حلف فقال في
حلفه باللات والعزى فليقل : لا إله إلا الله ، ومن قال لصاحبه : تعال
أقامرك ، فليتصدق )) .
قال المهلب : كان أهل الجاهلية قد جرى على ألسنتهم الحلف
باللات والعزى ، فلما أسلموا ربما جرَوْا على عادتهم من ذلك من
غير قصد [ منهم ] (١) فكان من حلف بذلك فكأنه قد راجع حاله إلى
حالة الشرك ، وتشبه بهم في تعظيمهم غير الله ، فأمر النبي - عليه
السلام - من عرض له ذلك بتجديد ما أنساهم الشيطان أن يقولوا :
لا إله إلا الله ، فهو كفارة له ، إذْ ذلك براءة من اللات والعزى ومن
كل ما يعبد من دون الله .
قال الطبري : وقول ذلك واجب [ عليه ] (١) مع إحداث التوبة ،
(١) من (( هـ ).
- ٩٩ -

والندم على ما قال من ذلك ، والعزم على ألا يعود ، ولا يعظم غير
الله ، وقد روى أبو إسحاق السبيعي ، عن مصعب بن سعد ، عن
أبيه قال: (( حلفت باللات والعزى ، فقال أصحابي : ما نراك قلت
إلا هجرًا . فأتيت النبي فقلت : إن العهد كان قريبًا فحلفت باللات
والعزى . فقال : قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك
وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، ثلاث مرات ، وانفث عن
شمالك ثلاثًا، وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، ولا تعد)» .
قال الطبري : وفيه الإبانة أن كل من أتى أمرًا يكرهه الله، ثم أتبعه
من العمل بما يرضاه الله ويحبه بخلافه ، وندم عليه ، وترك العود له؛
فإن ذلك واضع عنه وزر عمله ، وماح إثم خطيئته ، وذلك كالقائل
يقول : كفر بالله إن فعل كذا ، فالصواب له أن يندم على قوله ندامة
[٢/ ٥ ٢٤٦-] [ ... ] (١) على / خلفه، وأن يحدث من قول الحق خلاف ما قالب
...
من الباطل ، وكذلك أعمال الجوارح ، كالرجل يهمّ بركوب معصية ،
فإن توبته ترك العزم عليه، والانصراف عن فعل ما هم به، [ وأن] (٣)
يهم بعمل طاعة الله مكان همّه بالعصية ، كما قال عليه السلام لمعاذ
في وصيته : ((إذا عملت سيئةً فأتبعها بحسنة تمحها)).
قال غيره: وأما قوله عليه السلام: ( من قال لصاحبه : تعال
أقامرك، فليتصدق )) فهو محمول عند الفقهاء على التدب لا على
الإيجاب ، بدليل أنه من أراد أن يعصي الله ولم يفعل ذلك قليس عليه
صدقة ولا غيرها ، وقد روى ابن عباس عن النبي - عليه السلام - أنه
قال : (( من هم ( بسيئة ) (٣) فلم يعملها كتبت له حسنة ) وروى أبو.
(١) كلمة غير مقروءة في (( الأصل)).
(٢) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): فإن.
(٣) في (( هـ)): بحسنة
- ١٠٠ -