النص المفهرس

صفحات 21-40

الكلام فيه في باب ما يشتهى من اللحم يوم النحر ، والعناق من المعز
ابن خمسة أشهر أو نحوها ، وهو جذعة ، ولا يجوز في الضحايا
بإجماع ، وإنما يجوز من المعز الثني فما فوقه ، وهو ثني إذا تم له سنة
ودخل في الثانية ، وإنما يجوز الجذع من الضأن فقط ، وهو ابن سبعة
أشهر ، قيل : إذا دخل فيها . وقيل : إذا أكملها . وعلامته أن
[يرقد](١) صوف ظهره بعد قيامه، وإذا كان كذلك (٢) قالت العرب:
إنه قد أجذع . ولا يجوز من سائر الأزواج الثمانية من الأنعام إلا
الثنيّ فما فوقه ، فثنيّ البقر إذا كمل له سنتان ودخل في الثالثة ، وثنيّ
الإبل إذا كمل له خمس سنين ودخل في السادسة .
باب : من ذبح الأضاحي بیده
فيه : أنس: (( ضحى النبي - عليه السلام - بكبشين أملحين ، فرأيته
واضعًا قدمه على صفَاحِهما يسمي ويكبر ، فذبحهما بيده)).
ذبح الرجل أضحيته بيده هي السنة ، والعلماء يستحبون ذلك ، قال
أبو إسحاق السبيعي : كان أصحاب محمد يذبحون ضحاياهم بأيديهم.
قال مالك : وذلك من التواضع لله - تعالى - وأن رسول الله كان
يفعله ، فإن أمر بذلك مسلمًا أجزأته وبئس ما صنع . وكذلك الهدي،
وقد كان أبو موسى الأشعري يأمر بناته أن يذبحن نسكهن بأيديهن ،
وروى الزهري عن النبي - عليه السلام - أنه قال لعائشة أو لفاطمة :
(( اشهدي نسيكتك ، فإنه يغفر لك عند أول قطرة من دمها )) وترجم له
باب وضع القدم على صفحة الذبيحة ، ومعنى ذلك - والله أعلم -
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): يرصد .
(٢) زاد في ((الأصل)) : كان . وهي زيادة مقحمة.
- ٢١ -

ليقوى على الإجهاز عليها ، ويكون أسرع لموتها ؛ لقوله عليه السلام:
[٥/٢ ٢٣٢-١) (( إذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم / شفرته، وليرح
ذبيحته)) وليس ذلك من تعذيبها المنهي عنه ، إذ لا يقدر على ذبحها إلا
( بتفاقها ) (١) .
وقال ابن القاسم : الصواب أن يضجعها على شقها الأيسر ، وعلى
ذلك مضى عمل المسلمين ، فإن جهل فأضجعها على الشق الآخر لم
يحرم عليه أكلها . وترجم له باب التكبير عند الذبح .
قال المهلب : التكبير عند الذبح مما أمر الله به لقوله : ﴿ولتكبروا
الله على ما هداكم﴾ (٢) وهذا على الندب والاستنان، ومعناه إحضار
النية لله - تعالى - لا لشيء من المعبودات التي كانت الجاهلية تذبح
لها ، وكان الحسن البصري يقول عند ذبح أضحيته : بسم الله والله
أكبر ، هذا منك ولك اللهم تقبل من فلان .
وكره أبو حنيفة أن يذكر مع اسم الله غيره ، أن يقول : اللهم تقبل
من فلان عند الذبح ، ولا بأس بذلك قبل التسمية وقبل الذبح .
وقال ابن القاسم : ليقل الذابح : بسم الله والله أكبر ، وليس
بموضع صلاة على النبي ، ولا يذكر هناك إلا الله وحده . وهو قول
الليث ، وكان ابن عمر يقول : بسم الله والله أكبر .
قال ابن القاسم : وإن سمّى الله أجزأه ، وإن شاء قال : اللهم
تقبل مني .
وأنكر مالك قولهم : اللهم منك و(إليك ) (٣).
وقال الشافعي: التسمية على الذبيحة بسم الله ، فإن [ زاد ] (٤)
(١) كذا ((بالأصل، وهـ).
(٢) البقرة : ١٩٨ .
(٤) من (( هـ )) وفي (( الأصل)) : أراد
(٣) في (( هـ)»: لك.
- ٢٢ -

بعد ذلك شيئًا من ذكر الله أو صلى على محمد لم أكرهه ، وإن قال :
اللهم تقبل مني ، فلا بأس .
وقال محمد بن الحسن : إن ذبح شاة فقال : الحمد لله ، أو قال :
سبحان الله والله أكبر ، يريد بذلك التسمية ، فلا بأس ، وهذا كله
تسمية ، قال وإن قال : الحمد لله ، يريد أن يحمده ، ولا يريد به
التسمية ، فلا يجزئ شيء عن التسمية ، ولا يؤكل. وبه قال أبو ثور .
باب : من ذبح أضحية غيره وأعان رجل ابن عمر في بدنته
وأمر أبو موسى بناته أن یضحین بأیدیهن
فيه: عائشة قالت: (( دخل علي رسول الله وي ليه بسرف وأنا أبكي ،
فقال: ما لك ، أنفست ؟ قلت : نعم. قال: ( هذا) (١) أمر كتبه الله على
بنات آدم فاقضي ما يقضي الحاج غير ألا تطوفي بالبيت ، وضحى رسول
الله عن نسائه بالبقر)).
قال المهلب : في هذا الحديث حجة لرواية ابن عبد الحكم عن
مالك أنه إن ذبح لرجل أضحيته بغير أمره مَنْ يقوم بخدمته من الولد أو
بعض عياله ، وذبحها على وجه الكفاية ، أنها تجزئ عنه ، كما ذبح
الرسول عن أزواجه البقر .
وقال الأبهري : إذا ذبحها من يقوم بأمره كالأخ والوكيل فيجوز ؛
لأنه ناب عنه وذبح عنه .
واختلفوا إن أمر بذبحها غير مسلم ، فكره ذلك علي بن
(١) في (( هـ)): هو .
- ٢٣ -

أبي طالب ، وابن عباس ، وجابر ، ومن التابعين : ابن سيرين ،
والشعبي ، والحسن ، وربيعة ، وقاله الليث .
وقال مالك : أرى أن يبدلها بأخرى حتى يذبحها هو بنفسه
[صاغرا](١) ، فإن ذلك من التواضع ، وكان رسول الله يذبح بنفسه .
وكره ذلك الثوري والكوفيون والشافعي وأشهب صاحب مالك ، فإن
وقع أجزأ ذلك عندهم ، وأجاز ذلك عطاء .
(وجه ) (٢) هذه المقالة أن الله أباح لنا ذبائحهم ، وإذا كان لنا أن
نولي ذبائحنا من تحل لنا ذبيحته من المسلمين ، كان جميع من حلت
لنا ذبيحته في معناه في أنه يقوم مقامه ولا فرق بين ذلك .
قال ابن المنذر : ومن كرهه ، فإنما هو على وجه الاستحباب لا على
وجه التحريم .
قال مالك : فإن ذبحها أجنبي مسلم بغير أمره ، لم تُجز عنه ،
وهو ضامن لها ، وأجاز ذلك أبو حنيفة والشافعي .
وحجة من أجازها أن من أصولهم أن الضحية تجب عندهم بالشراء:
قياسا على ما اتفقوا عليه من الهدي إذا بلغ محله فذبحه ذابح بغير أمره
[ أنه ] (٣) يجزئ عنه ؛ لأنه شيء خرج من ماله لله فكأن الذابح ذبحه
للمساكين المستحقين له .
[٢/ ق٢٣٢ -ب]
وأما مالك فالهدي عنده / مخالف للضحايا ، فتجب الضحايا
عنده بالذبح لا بالشراء ؛ لأنه يُجيز للمضحي أن يبدل أضحيته بأفضل
منها وأسمن ، فهي مفتقرة إلى نية ، فلذلك لم يجز أن يذبحها أحد
(١) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): صاعداً.
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): أن.
(٢) في (( هـ ): وحجة .
- ٢٤ -

عنه بغير أمره ، وقول مالك أولى بالحديث - والله أعلم - وليس
لأحد عنده أن يبدل هديه .
#
باب : الذبح بعد الصلاة
فيه : البراء: (( سمعت النبي - عليه السلام - يخطب فقال : إن أول ما
نبدأ من يومنا هذا أن نصلي ، ثم نرجع فننحر ، فمن فعل هذا فقد
أصاب سنتنا ، ومن نحر قبل ذلك فإنما هو لحم قدمه لأهله ، ليس من
النسك في شيء ، فقال أبو بردة : يا رسول الله ، ذبحت قبل أن أصلي ،
وعندي جذعة خير من مسنة ؟ قال : اجعلها مكانها ولن تجزئ عن أحد
بعدك » .
وترجم له : باب من ذبح قبل الصلاة أعاد .
وزاد فيه حديث جندب بن سفيان البجلي قال: (( شهدت النبي -
عليه السلام - يوم النحر ، قال : من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها
أخرى، ومن لم يذبح فليذبح )).
قال المؤلف : سنة الذبح بعد الصلاة ، وأجمع العلماء أن من ذبح
قبل الصلاة فعليه الإعادة ؛ لأنه ذبح قبل وقته ، واختلفوا فيمن ذبح
بعد الصلاة وقبل ذبح الإمام ، فذهب أبو حنيفة والثوري والليث إلى
أنه يجوز ذلك ، واحتجوا بحديث البراء أن النبي - عليه السلام -
قال: ((أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر))
وبقوله [ في حديث ] (١) جندب بن سفيان: (( من ذبح قبل أن يصلي
فليعد )) قالوا : فإذا حل [ للإمام ] (٢) الذبح بتمام الصلاة، حلّ
لغيره ، ولا معنى لانتظاره .
(١) من (( هـ)).
(٢) من (( هـ)) وفي (( الأصل)): إمام.
- ٢٥ -

وقال مالك والأوزاعي والشافعي : لا يجوز لأحد أن يذبح قبل
الإمام ، واحتجوا بحديث ابن جريج ، عن أبي الزبير ، عن جابر :
(( أن النبي - عليه السلام - صلى يوم النحر بالمدينة ، فتقدم رجال
فنحروا وظنوا أن النبي قد نحر ، فأمرهم أن يعيدوا )) .
وقال الحسن في قوله تعالى : ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين
يدي الله ورسوله ﴾ (١) قال: نزلت في قوم نحروا قبل أن ينحر النبي-
عليه السلام .
ودفع الطحاوي حديث ابن جريج عن أبي الزبير ، عن جابر ،
وقال : رواه حماد بن سلمة ، عن أبي الزبير ، عن جابر: (( أن
رجلا ذبح قبل أن يصلي النبي - عليه السلام - فنهى رسول الله أن
يذبح أحد قبل الصلاة )) قال : ففي هذا الحديث أن النهي من النبي -
عليه السلام - إنما قصد به إلى النهي قبل الصلاة لا قبل ذبحه [هو](٢)
ولا يجوز أن ينهاهم عن الذبح قبل أن يصلي إلا وهو يريد [بذلك ](٢)
إعلامهم إباحة الذبح لهم بعدما يصلي ، وإلا لم يكن لذكر الصلاة
معنى .
[ قالوا ] (٢): ويشهد لهذا قوله عليه السلام في حديث البراء :
((إن أول نسكنا في يومنا هذا أن نبدأ بالصلاة ، ثم نرجع فننحر )) فأخبر
أن النسك يوم النحر إنما هو الصلاة ، ثم الذبح بعدها ، فدل ذلك
على أن ما يحل به الذبح هو الصلاة لا نحر الإمام الذي يكون
بعدها، وأن حكم النحر قبل الصلاة خلاف حكمه بعدها ، وأما من
طريق النظر فإنا رأينا الإمام لو لم ينحر أصلا لم يكن ذلك بمسقط
عن الناس النحر ، ولا مانع لهم منه ، ولو أن إماما تشاغل يوم النحر
(١) الحجرات : ١ .
(٢) من (( هـ)).
- ٢٦ -

بقتال عدوٍّ أو غيره فلم ينحر ؛ ( أن ) (١) لغيره ممن أراد الضحية أن
يضحي ، فإن قال : ليس له أن يضحي . خرج من قول جميع
الأئمة، وإن قال : لهم أن يضحوا بعد زوال الشمس لذهاب وقت
الصلاة . فدل أن ما حل به النحر ما كان وقت صلاة العيد ، إنما هو
الصلاة لا نحر الإمام ، ألا ترى أن الإمام لو نحر قبل أن يصلي لم
يجزئه ذلك ؟ وكذلك سائر الناس ، فكان حكم الإمام والناس في
الذبح قبل الصلاة سواء في أن لا يجزئهم ، فالنظر على ذلك أن يكون
الإمام وسائر الناس سواء في الذبح بعد الصلاة ، أنه يجزئهم كلهم .
قال المهلب : إنما كره الذبح قبل الإمام - والله أعلم - لئلا يشتغل
الناس [ عن ] (٢) الصلاة ويحرمها المساكين / مع المشتغلين بالذبح ،
ألا ترى أن النبي قد أمر بإخراج العوائق و[غيرهن ] (٣) ليشهدوا بركة
دعوة المسلمين ؟
[٢/ ٥ ٢٣٣-٢]
واختلفوا في وقت ذبح أهل البادية ، فقال مالك : يذبح أهل
البوادي إذا [ نحر أقرب أئمة ] (٤) القرى إليهم فإن [ أخطئوا وذبحوا
قبله ] (٥) أجزأهم .
وقال عطاء : يذبح أهل القرى بعد طلوع الشمس .
وقال الشافعي : وقت الذبح وقت صلاة النبي من حيث حلّت
الصلاة ، وقدر خطبتين ، وأما صلاة من بعده فليس فيها وقت . وبه
قال أحمد .
(١) في ((هـ)): أما . وهو خطأ.
(٢) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): قبل .
(٣) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): غيرهم.
(٤) في (( الأصل)): تحرى أقرب. والمثبت من (( هـ )).
(٥) في ((الأصل)): خطبوا وذبحوا قبلنا. وهو تحريف، والمثبت من ( هـ)).
- ٢٧ -

۔۔
وقال أبو حنيفة وأصحابه : من ذبح من أهل السواد بعد طلوع
الفجر أجزأه ؛ لأنه ليس عليهم صلاة العيد . وهو قول الثوري
وإسحاق .
باب : إذا بعث بهدیه لیذبح لم يحرم عليه شيء
فيه: مسروق: (( أنه أتى عائشة فقال لها : يا أم المؤمنين ، إن رجلا
يبعث بالهدي إلى الكعبة ، ويجلس في المصر [ فيوصي أن تقلد
بدنته](١) فلا يزال من ذلك اليوم محرمًا حتى يحل الناس ، قال :
فسمعت تصفیقها من وراء الحجاب ، فقالت : لقد كنت أفتل قلائد
هدي رسول الله فيبعث هديه إلى الكعبة ، فما يحرم عليه ( شيء) (٢)
حل للرجل من امرأته حتى يرجع الناس )) .
هذا الباب فيه رد على من قال : إن مَنْ بعث بهديه إلى الكعبة لزمه
إذا قلده الإحرام ، ويجتنب كل ما يجتنبه الحاج حتى ينحر هديه ،
روي هذا عن ابن عباس وابن عمر ، وهو قول عطاء بن أبي رباح .
وأئمة الفتوى على خلاف هذا القول ، وقد تقدم بيان الحجة لهم
في ذلك في كتاب الحج ، وهذا الحديث يرد ما روي عن أم سلمة عن
النبي أنه قال: (( من رأى منكم هلال ذي الحجة وأراد أن يضجي ،
فلا يأخذ من شعره وأظفاره حتى يضحي)) . وأخذ بظاهر حديث أم
سلمة سعيد بن المسيب ، وأحمد ، وإسحاق .
وقال الليث : قد جاء هذا الحديث ، وأكثر الناس على خلافه .
(١) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): ويوصي أو يقلد بدنة .
(٢) في (( هـ)) : مما .
- ٢٨ -

قال الطحاوي : حديث عائشة أحسن مجيئًا من حديث أم سلمة ،
لأنه جاء مجيئًا متواترًا ، وحديث أم سلمة قد طُعِنَ في إسناده ،
وقيل: إنه موقوف على أم سلمة ، رواه ابن وهب وعثمان بن عمر ،
عن مالك ، عن عمر بن مسلم ، عن سعيد بن المسيب ، عن أم
سلمة ، ولم يرفعه .
وأما من طريق النظر فرأينا الإحرام يحظر أشياء مما كانت حلالا
قبله، منها الجماع والقبلة وقص الأظفار وحلق الشعر والصيد. فكل
هذه الأشياء تحرم بالإحرام وأحكامها مختلفة ، وذلك أن الجماع يفسد
الإحرام ، ولا يفسده ما سوى ذلك ، ثم رأينا من دخلت عليه أيام
العشر لا يحرم عليه الجماع ، وهو أغلظ ما يحرم به الإحرام ، فكان
أحرى أن لا يمنع ما دون ذلك .
#
باب: ما يؤكل من ( لحم) (١) الأضاحي
وما يتزود منها
فيه: جابر: (( كنا نتزود لحوم الأضاحي على عهد النبي - عليه
السلام- إلى المدينة)).
وقال [غير](٢) مرة: (( لحوم الهدي)).
وفيه : أبو سعيد: (( أنه كان غائبًا ، فقدم إليه لحم ، فقالوا : هذا من
لحم ضحايانا . قال : أخروه ، لا أذوقه ، ثم قمت فخرجت حتى أجيء
أبا قتادة - و کان أخاه لأمه - فذكرت ذلك له ، فقال : إنه قد حدث
بعدك أمر )) .
(١) في (( هـ)»: لحوم.
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصول)): غيره.
- ٢٩ -

وفيه : سلمة قال: قال الرسول: (( من ضحى منكم فلا (يصبحن) (١)
بعد ثالثة [ و] (٢) في بيته منه شيء . فلما كان في العام المقبل قالوا : يا
رسول الله ، نفعل ما فعلنا عام الماضي ؟ قال : كلوا وأطعموا وادخروا ،
فإن ذلك العام کان بالناس جهد فأردت أن تعینوا فيها )) .
[٢/ ٢٣٣٥ -بـ] وفيه: عائشة قالت: (( الضحية كنا / نملح منه ، فتقدم به إلى النبي -
عليه السلام - بالمدينة ، فقال : لا تأكلوا إلا ثلاثة أيام . وليست بعزيمة ،
ولكن أراد أن نطعم منهٍ [ والله أعلم ] (٢))).
وفيه : أبو عبيد مولى ابن أزهر (( أنه شهد [ العيد ] (٣) يوم الأضحى
مع علي بن أبي طالب ، فصلى قبل الخطبة ثم خطب الناس فقال : إن
النبي - عليه السلام - نهاكم أن تأكلوا ( لحم ) (٤) نسككم فوق ثلاث)).
وفيه : ابن عمر قال عليه السلام: (( كلوا من الأضاحي ثلاثًا . وكان
ابن عمر يأكل بالزيت ( حين ) (٥) ينفر من منى من أجل لحوم الهدي )).
واختلف العلماء في هذا الباب ، فذهب قوم إلى أن يحرموا لحوم
الأضاحي بعد ثلاث ، واحتجوا بحديث أبي عبيد عن علي بن أبي
طالب: ((أن النبي نهى أن يؤكل من لحم الأضاحي بعد ثلاث))
وبحديث ابن عمر « أنه عليه السلام أباح لهم الأكل منها ثلاثًا » وإليه
ذهب ابن عمر .
وخالفهم في ذلك آخرون ولم يروا بأكلها وادخارها بأسًا ، وعليه
الجمهور ، واحتجوا بحديث جابر وحديث أبي سعيد الخدري وحديث
[سلمة] (٦) وقالوا: أحاديث الإباحة ناسخة للنهي [ في ذلك](٢)،
هذا قول الطحاوي
(١) في (( هـ)»: يضحي.
(٣) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): الأعيد.
(٥) في ((هـ )) : حتى.
(٢) من (( هـ ).
(٤) في (( هـ)): لحوم.
(٦) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): أم سلمة.
- ٣٠ -

وقال المهلب : والذي يصح عندي أنه ليس فيها ناسخ ولا منسوخ،
وقد فسر ذلك في الحديث بقوله : إنما كان ذلك من أجل الجهد ،
ومن أجل الدافة ، فكان نظرًا منه عليه السلام لمعنى ، فإذا زال المعنى
سقط الحكم ، وإذا ثبت المعنى ورأى ذلك الإمام عهد بمثل ما عهد به
عليه السلام ؛ توسعةً على المحتاجين .
وقول عائشة: (( وليست بعزيمة ولكنه أراد أن يطعم منه )) يبين أنه
ليس بمنسوخ ، ولا النهي عن ذلك بمعنى التحريم ، وأن للإمام
والعالم أن يأمر بمثل هذا ، ويحض عليه إذا نزل بالناس حاجة .
وروى إسرائيل عن أبي إسحاق ، عن ( عياش ) (١) بن ربيعة قال:
(( أتيت عائشة فقلت: يا أم المؤمنين ، أكان رسول الله (يحرم ) (٢)
لحوم الأضاحي فوق ثلاث ؟ قالت : لا ، ولكنه لم يكن ضحى منهم
إلا قليل ، ففعل ذلك [ ليطعم ] (٣) من ضحى منهم من لم يضح ،
ولقد رأيتنا نخبئ الكراع ثم نأكلها بعد ثلاث )) .
رواه الطحاوي عن فهد ، عن أبي غسان ، عن إسرائيل .
قال الطحاوي : فإن قيل : قد روى عبد الوارث، عن علي بن زيد
قال : حدثني النابغة بن مخارق بن سليم ، عن أبيه، عن علي ، عن
النبي أنه قال: (( إني كنت قد نهيتكم عن لحوم الأضاحي أن تدخروها
فوق ثلاث ؛ فادخروها ما بدا لكم )) وهذا يعارض ما روي عن علي
أنه خطب به الناس وعثمان محصور في الدار فقال: (( لا تأكلوا من
لحوم أضاحيكم بعد ثلاثة أيام ، فإن رسول الله كان يأمرنا بذلك)»
(١) في (( هـ)) : عابس.
(٢) في (( هـ ) : حرم .
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): ليلفي.
- ٣١ -

فدل هذا على أن النبي - عليه السلام - كان قد نهى عن ذلك بعد ما
أباحه حتى تتفق معاني ما روي عن علي في ذلك ولاتتضاد .
قيل : قد جاء في الحديث بيان هذا ، وذلك أنه قد كان عليه السلام
نهى عنها لشدة كان الناس فيها ، ثم ارتفعت تلك الشدة فأباح لهم.
ذلك ، ثم [ عاد ] (١) مثل ذلك في وقت ما خطب علي بالناس ،
فأمرهم بما كان رسول الله أمرهم به في مثل ذلك .
والدليل على ذلك حديث سلمة بن الأكوع أنه قال عليه السلام :
((كلوا وادخروا ؛ فإن ذلك العام كان بالناس جهد ، فأردت أن تعينوا
فيها)) وقال: ((إنما كنت نهيتكم من أجل الدافة التي دفت )) فدل هذا
القول أن النهي من رسول الله للعارض المذكور ، فلما ارتفع ذلك
العارض أباح لهم رسول الله ما كان حظر عليهم ، فكذلك ما فعل
عليّ في زمن عثمان ، وأمر به الناس بعد علمه بإباحة رسول الله ما قد
نهاهم عنه إنما كان لضيق بدا فيه مثلما كان في زمن رسول الله في
الوقت الذي نهاهم عن لحوم الأضاحي .
وبإباحة أكل لحوم الأضاحي وتزودها قال مالك والكوفيون
والشافعي وجمهور [ الأئمة ] (٢) .
[٢ / ق٢٣٤ -١]
فإن / قال قائل: فقوله عليه السلام : (( كلوا وأطعموا)) هل فيه
دليل على وجوب الأكل من الضحية ؟ وهل هو كقوله
﴿[ويذكروا](٣) اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة
الأنعام فكلوا منها ﴾ (٤).
(١) من (( هـ)).
(٢) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): الأمة.
(٣) في (( الأصل، هـ )): ليذكروا . وهو خطأ أو سبق قلم.
(٤) الحج : ٢٨ .
- ٣٢ -

قال الطبري : معناهما واحد ، وهو أمر بمعنى الإطلاق والإذن
للأكل، لا بمعنى الإيجاب ، وذلك أنه لا خلاف بين سلف الأمة
وخلفها أن المضحي غير حرج بتركه الأكل من أضحيته ولا آثم ، فدل
إجماعهم على ذلك أن الأمر بالأكل منها بمعنى الإذن والإطلاق .
فإن قيل : [ اذكر ] (١) لنا بعض من قال ذلك .
قيل : سئل مجاهد وعطاء عن الذي لا يأكل من أضحيته ، قالا :
إن شاء لم يأكل منها ، قال الله - تعالى - : ﴿ وإذا حللتم
فاصطادوا﴾(٢) أرأيت إن لم يصطد ؟.
وقال إبراهيم : كان المشركون لا يأكلون من ذبائحهم ، فرخص
للمسلمين ، فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل . وقال سفيان : لا بأس
ألا يأكل منها ويطعمها كلها .
قال الطبري : وهو قول جميع أئمة الأمصار .
فإن قيل : فهل روي عن أحد من السلف أنه كان يطعم منها غنيّاً أو
من ليس بمسلم ؟
قيل : نعم ، قد روى هشام [ بن ] (٣) عروة عن أبيه ، عن عائشة
قالت : كان عمر يبعث إلينا من فضول الأضاحي بالرءوس والأكارع.
وقال الحسن : لا بأس أن تطعم من أضحيتك جارك اليهودي
والنصراني والمجوسي .
فإن قيل : فكم مقدار ما يستحب له أن يأكل منها ، ومقدار ما
يتصدق به ؟
(١) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): ذكر .
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): عن.
(٢) المائدة : ٢ .
- ٣٣ -

:
قيل له : يستحب له أن يتصدق بثلثها ، ويأكل ثلثها ، ويُطعم
الجيران ثلثها ؛ لأن ذلك كان يفعله بعض السلف ، وأما [ قدر ) (١) ما
ينبغي له أن لا يقصر في أكله منها فبضعة ؛ لأن النبي ( قد ورد ) (٢)
عنه (( أنه أمر أن ( يطبخ ) (٣) من كل بدنة من بدنه التي نحرها بضعة،
فأكل منها وتحسّى من مرقها)).
وروي عن علي « أنه ذبح أضحيته ، فشوى كبدها وتصدق
بسائرها، ثم أخذ رغيفًا وكبدًا بيده الأخرى فأكل )).
وقال سفيان الثوري : إن أراد أن لا يتصدق من أضحيته بشيء ،
قال: لا ينبغي له ، ولكن إن تصدق بلقمة أجزأه .
(١) من ( هـ).
(٢) في ( هـ )»: روي .
(٣) في (( هـ)): يصلح.
- ٣٤ -

كتاب الأشربة
باب: قول الله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر ... ﴾ (١) الآية
فيه : ابن عمر قال عليه السلام: (( من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب
منها حرمها في الآخرة)) .
وفيه : أبو هريرة : « أن النبي أتي ليلة أسري به بإيلياء بقدحین من خمر
ولبن ، فنظر إليهما ثم أخذ اللبن ، فقال جبريل : الحمد لله الذي هداك
للفطرة ، ولو أخذت الخمر غوت أمتك )) .
وفيه : أنس قال عليه السلام: (( من أشراط الساعة أن يظهر الجهل،
ويقل العلم ، ويظهر الزنا ، ويُشرب الخمر ، ويقل الرجال ، وتكثر
النساء ، حتی یکون خمسین امرأة قیمهن رجل واحد )) .
وفيه : أبو هريرة قال النبي: (( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن
[ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ] (٢) ولا يسرق السارق حین
يسرق وهو مؤمن [ ولا ] (٢) ينتهب نهبة ذات شرف ... )) الحديث.
قال المهلب : تحريم الخمر في الكتاب والسنة والإجماع ، أما
الكتاب فقوله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب ... ﴾ (٣)
الآيتين، وبيَّن الله فيها علة تحريم الخمر بقوله: ﴿إنما يريد الشيطان أن
يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ... ﴾ (٤).
قال ابن القصار وغيره : وهاتان الآيتان تتضمن دلائل كثيرة على
(١) المائدة : ٩٠ .
(٣) المائدة : ٩٠ - ٩١ .
(٢) من (( هـ ).
(٤ ) المائدة : ٩١ .
- ٣٥ -

تحريمها : فمنها : قوله تعالى: ﴿رجس﴾ (١) يعني نجسًا، ثم قال
في موضع آخر : ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا على طاعم يطعمه
إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس ﴾ (٢) فبان
في هذه الآية أن الرجس المأمور باجتنابه في الآية الأخرى حرام بنص
الله - تعالى - على ذلك .
والثاني : قوله : ﴿ من عمل الشيطان﴾ (١).
[٢/ق٢٣٤-ب)
والثالث / : قوله : ﴿ فاجتنبوه لعلكم تفلحون ﴾ (١) أي : كونوا
جانبًا منه ، وهذا [ أمر ] (٣) كقوله: ﴿ فاجتنبوا الرجس من
الأوثان﴾(٤)، ﴿واجتنبوا الطاغوت﴾ (٥) وضد الفلاح الفساد ، ثم
قال تعالى : ﴿ فهل أنتم منتهون﴾ (٦) . وهذه اللفظة يقال: إنها أبلغ
لفظ للعرب في النكير والمنع ، وقال تعالى : ﴿ قل إنما حرم ربي
الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي ﴾ والمراد بالإثم الخمر ،
قال الشاعر :
شربت الإثم حتى ( زال ) (٧) عقلي
كذاك الإثم يذهب بالعقول
۔۔
وقال تعالى : ﴿ويسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير
ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ (٨) فلما جعل الغلبة للإثم
علم أن ذلك محرم .
قال المهلب : وهذه الأحاديث التي ذكرها البخاري في هذا الباب
تدل على التحريم ؛ لشدة الوعيد فيها ، وهي قوله : ((من شرب
(١ ) المائدة : ٩٠.
(٣) من ( هـ )) ..
(٢) الأنعام : ١٤٥ .
(٤) الحج : ٣٠ .
(٥) النحل : ٣٦ ..
(٧) في ( هـ )) : ضل .
(٨) البقرة : ٢١٩ .
(٦) المائدة : ٩١ .
- ٣٦ -

الخمر ثم لم يتب منها حُرِمَها في الآخرة )) ومعنى هذا عند أهل السنة:
إن أنفذ الله عليه الوعيد .
وقوله في حديث أبي هريرة: ( لو أخذت الخمر غوت أمتك))
دليل على تحريم الخمر ؛ لأن الغيّ محرم ، وفي هذا دليل على أن
الأقدار عند الله بشروط ، متى وقعت الشروط وقعت الأقدار ، ومتى
لم تقع الشروط لم يوقع الله تلك الأقدار على ما سبق من [ هدايته
لعبده ] (١) إلى تلك الشروط أو لغيرها من [ الأفعال ] (٢) التي أراد أن
[ ينفذها ] (٣) عليه من هدى أو ضلال .
وقوله في حديث أنس : (( إن من أشراط الساعة أن يظهر الزنا ،
ويُشرب الخمر)) فقرن بينهما في الرتبة [ فكذلك ] (٤) هما في
التحريم، وأما قوله: (( لا يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر وهو
مؤمن )) فهذا من أشد ما جاء في شارب الخمر ، وقد تعلق بظاهر هذا
الحديث الخوارج ؛ فكفروا المؤمنين بالذنوب .
والذي عليه أهل السنة وعلماء الأمة أن قوله : (( مؤمن )) يعني
مستكمل الإيمان ؛ لأن شارب الخمر والزاني أنقص حالا ممن لم يأت
شيئًا من ذلك لا محالة ، لا أنه كافر بذلك ، وسأستقصي مذاهب
العلماء في [ تأويل هذا الحديث ] (٥) في أول كتاب الحدود - إن شاء
الله- وإنما أدخل البخاري هذه الأحاديث في هذا الباب - والله أعلم -
بالوعيد والتشديد في الخمر ؛ ليكون عوضًا من حديث ابن عمر أن
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): هذا بينة لغيره. وهو تحريف .
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): الأقدار .
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): يعقدها.
(٤) من (( هـ)) وفي ((الأصل)) : كذلك.
(٥) من (( هـ)) وفي ((الأصل)) : ذلك .
- ٣٧ -

النبي - عليه السلام - قال : (( كل مسكر حرام)) ولم يخرجه في
کتابه ؛ لأنه - یروی موقوفًا - ؛ فلذلك تركه .
قال الطبري : وفي قوله تعالى: ﴿إنما يريد الشيطان ... ﴾ الآية(١)
الدلالة على تحريم الله على عباده المؤمنين أن يعادي بعضهم بعضًا ،
والأمر منه لهم بالألفة والتواخي والتواصل ، ودلت الآية على أن تحريم
الخمر إنما كان من أجل إيجابه إثارة العداوة والبغضاء ، [ومعلوم أن
الله - تعالى - إذا كان حرمه من أجل إيجابه العداوة والبغضاء ](٢) بين
عباده ، أن المعنى الذي حرم ذلك من أجله أوكد في التحريم ، وأبعد
من التحليل ، فالعداوة والبغضاء إذًّا بين المؤمنين أشد وأعظم عند الله،
بدلالة هذه الآية ، وكذلك التفريط في الصلاة وتضييع وقتها [أعظم
عند الله ] (٢) من شرب الخمر والقمار .
وفيه دليل أن عداوة المؤمن للمؤمن عدل [ تضييع ] (٣) وقت الصلاة
والتفريط فيها وفي ذكر الله ؛ لأن الله جمع بين جميع ذلك في تحريمه
السبب الذي يوجب ( لأجله ) (٤) ذلك، فحرم الله الخمر والميسر
لمصلحة خلقه .
باب : الخمر من العنب وغيره
فيه: ابن عمر: (( لقد حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء )).
وفيه : أنس قال: ((حرمت علينا الخمر حين حرمت ، وما نجد خمر
الأعناب إلا قليلا ، وعامة خمرنا البسر والتمر)) .
(١) المائدة : ٩١ .
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): بتضييع.
(٢) من ( هـ).
(٤) في ((هـ)): لأهله .
- ٣٨ -

وفيه : ابن عمر قال: (( قام عمر على المنبر فقال : أما بعد ، نزل تحريم
الخمر وهي من خمسة : العنب ، والتمر ، والعسل ، والحنطة ، والشعير،
و[الخمر ](١) ما خامر العقل)).
قال المؤلف : هذا الباب رد على الكوفيين في قولهم : إن الخمر
من العنب خاصة ، وإن كل شراب يتخذ من غيره فغير محرم ما دون
السكر منه .
قال المهلب / : وهذا التفسير من عمر مقنع ، ليس لأحد أن يتسور [٢٣٥٥/٢-٢)
فيقول : إن الخمر من العنب وحده ، فهؤلاء أصحاب النبي [ وهم](١)
فصحاء العرب ، و( الفقهاء ) (٢) عن الله ورسوله قد فسروا عين ما
حرمه الله وقالوا : إن الخمر من خمسة أشياء ، وقد أخير عمر بذلك
حكاية عما نزل من القرآن ، وتفسيراً للجملة ، وقال : الخمر ما خامر
العقل ، وخطب بذلك على منبر النبي - عليه السلام - بحضرة
الصحابة من المهاجرين والأنصار وغيرهم ، ولم ينكره أحد منهم فصار
كالإجماع ، وهذا ابن عمر يقول : ((حرمت الخمر وما بالمدينة منها
شيء)) يعني خمر العنب. وقال أنس: ((وما نجد خمر الأعناب إلا
قليلا)) وممن روي عنه من الصحابة أن الخمر يكون من غير العنب -
وإن كان لا مخالف فيهم - : عمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب
و[أبو] (٣) موسى الأشعري، وابن عباس، وابن عمر و[أبو] (٣)
هريرة ، وسعد ، وعائشة .
ومن التابعين : سعيد بن المسيب ، وعروة ، وعمر بن عبد العزيز،
في تابعي أهل المدينة .
(١) من ((هـ)).
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل) . أبي.
(٢) في (( هـ )) : الفهماء .
- ٣٩ -

ومن أهل الكوفة ابن مسعود روي عنه في نقيع التمر أنه خمر ،
وبه قال الشعبي ، وابن أبي ليلى ، والنخعي ، والحسن البصري ،
وعبد الله بن إدريس [ الأودي ] (١) وسعيد بن جبير ، وطلحة بن
مصرف ، كلهم قالوا : المسكر خمر . وهو قول مالك ، والأوزاعي،
والثوري ، وابن المبارك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وعامة
أهل الحديث .
وروى صفوان بن محرز قال : سمعت أبا موسى على المنبر يقول :
(( ألا إن خمر أهل المدينة : البسر والتمر ، وخمر أهل فارس :
العنب، وخمر أهل اليمن : البتع ، وهو العسل ، وخمر الحبشة :
الإسكركة ، وهو الأرز )) .
قال إسماعيل بن إسحاق : فإذا تبين أن الخمر يكون من هذا كله ،
وجب أن يجري كله مجرى واحدًا وألا نفرق بين المسكر من العنب ،
والمسكر من غيره ، والمزر يصنع من الشعير ، وهو الجعة أيضًا .
باب : نزل تحريم الخمر وهي من البسر والتمر
فيه: أنس قال: (( كنت أسقي أبا عبيدة وأبا طلحة وأبيّ بن كعب من
فضيخ، وهو تمر ، فجاءهم [ آت ] (٢) فقال: إن الخمر قد حرمت . فقال
أبو طلحة : قم يا أنس فأهرقها ، فهرقتها )).
وقال سليمان والد معتمر لأنس : (( ما شرابهم ؟ قال : رطب وبسر ،
(١) في ((الأصل)): الأزدي. وهو تحريف، والمثبت من ((هـ) والأنساب
(٢٢٦/١، ٢٢٧) :
.(٢) من((هـ)) وفي ((الأصل)): آتي.
- ٤٠ -