النص المفهرس

صفحات 421-440

السلام لتقاربهما في المعنى أو تكون ((أو)) جاءت بمعنى الواو للتأكيد -
والله أعلم.
وقول الخطابي : وأقرب من هذا كله : أن يكون أرزّ بالزاء ، فلا
وجه له ؛ لعدم الرواية به .
باب : النحر والذبح
وقال ابن جريج عن عطاء : لا ذبح ولا نحر إلا في المذبح والمنحر .
قلت : أيجزئ ما يُذبح أن أنحره ؟ قال : نعم ، ذكر الله ذبح البقرة ، فإن
ذبحت شيئًا يُنحر جاز، والنحر أحب إلي ، والذبح : قطع الأوداج .
قلت : فَيُخَلِّفُ الأوداج حتى يقطع النخاع ؟ قال : لا إخال . ونھی ابن
عمر عن النخع يقول : يقطع ما دون العظم ثم يدع حتى يموت ﴿ وإذ
قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ﴾ (١) وقال : ﴿فذبحوها
وما كادوا يفعلون﴾ (١) وقال ابن عباس : الذكاة في الحلق واللبة.
وقال ابن عمر وابن عباس وأنس : إذا قطع الرأس فلا بأس .
فيه : أسماء (( نحرنا على عهد رسول الله فرسًا فأكلناه)) .
هكذا رواه جماعة عن هشام بن عروة ، عن فاطمة بنت المنذر ، عن
أسماء: ((ذبحنا على عهد رسول الله فرسًا ونحن بالمدينة فأكلناه)» ذكره البخاري.
قال المؤلف : غرضه في هذا الباب أن يبين أن ما يجوز فيه النحر
يجوز ذبحه ، وما يجوز فيه الذبح يجوز نحره ، فأما البقر فالأئمة
مجمعون على جواز النحر والذبح فيها ، قال تعالى: ﴿ إن الله يأمر كم
أن تذبحوا بقرة﴾ (١) وروت عمرة عن عائشة أنها قالت : ((دخل علينا
يوم النحر بلحم ، فقيل : نحر رسول الله عن أزواجه البقر » فجاز
(١) البقرة : ٦٧ .
- ٤٢١ -

فيها الوجهان . وأراد البخاري أن يريك أن الفرس مما يجوز فيه النحر
والذبح ، لما [ جاء ] (١) فيه من اختلاف الرواية ، وسأذكر اختلاف
العلماء في أكله في باب بعد هذا - إن شاء الله .
واختلفوا في ذبح ما ينحر من الإبل ونحر ما يذبح من الغنم ،
فأجاز أكثر الفقهاء أي ذلك فعل المذكي .
قال ابن المنذر : روي ذلك عن عطاء ، والزهري ، وقتادة .
وقال أبو حنيفة والثوري والليث والشافعي نحو ذلك ويكرهونه،
ولم يكرهه أحمد وإسحاق وأبو ثور ، وهو قول عبد العزيز بن أبي
سلمة في ذبح الإبل أو نحر ما يذبح من طير أو غيره من غير ضرورة.
وقال أشهب : إن ذبح بعيرًاً من غير ضرورة لم يؤكل ، واعتل
أصحابه بأن النبي - عليه السلام - بين وجه الذكاة فنحر الإبل وذبح
الغنم والطير ، ولا يجوز تحويل شيء من ذلك عن موضعه مع القدرة
عليه إلا بحجة واضحة .
وقال ابن المنذر : لا أعلم أحدًا حرم أكل ما نحر مما يذبح ، أو
ذبح ما ينحر ، وإنما كره ذلك مالك ولم يحرمه ، وقد يكره المرء
[٢١٨٥/٢-١] الشيء ولا يحرمه، وحجة الجمهور أنه لما / جاز في البقر والخيل
الذبح والنحر ، جاز ذلك في كل ما تجوز تذكيته ؛ ألا ترى قول ابن
عباس: ((الذكاة جائزة في الحلق واللبة)) ولم يخص شيئًا من ذلك
دون شيء فهو عام في كل ذي حلق وكل ذي لبة ، والناس على هذا،
ولم يخالف ذلك غير مالك وحده .
وأما قول ابن عباس : إن الذكاة في الحلق واللبة . فمعناه : أن
الذكاة لا تكون إلا في هذين الموضعين .
(١) في (( الأصل)): جاز. وهو خطأ.
- ٤٢٢ -

وقال صاحب العين : اللبة واللب من الصدر : أوسطه ، ولبة
القلادة واسطتها .
واختلف العلماء فيما يكون بقطعه من الحلقوم الذكاة . فقال بعض
الكوفيين : إذا قطع ثلاثة من الأوداج جاز . والأوداج أربعة وهي :
الحلقوم والمريء وعرفان من كل جانبٍ عرق .
وقال الثوري : إذا قطع الأوداج جاز وإن لم يقطع الحلقوم .
وحكى ابن المنذر عن محمد بن الحسن : إذا قطع الحلقوم والمريء
وأكثر من نصف الأوداج ثم يدعها تموت فلا بأس بأكلها وأكره ذلك ،
فإن قطع أقل من نصف الأوداج فلا خير فيها .
وقال مالك والليث : يحتاج أن يقطع الودجين والحلقوم ، وإن ترك
شيئًا منها لم يجز . ولم يذكر المريء .
وقال الشافعي : أقل ما يجزئ من الذكاة قطع الحلقوم والمريء،
وينبغي أن يقطع الودجين ، فإن لم يفعل فيجزئ ؛ لأنهما يسلان من
البهيمة والإنسان ويعيشان .
وقال ابن جريج : قال عطاء : الذبح : قطع الأوداج . قلت : فإن
ذبح ذابح فلم يقطع أوداجها ؟ فقال : ما أراه إلا قد ذكاها ، فليأكلها.
وروى يحيى عن ابن القاسم في الدجاجة والعصفور والحمام ، إذا
أجيز على أوداجه ونصف حلقه أو ثلثه فلا بأس بذلك إلا أن يتعمد .
وفي العتبية : في سماع أبي زيد عن ابن القاسم عن مالك فيمن
ذبح ذبيحة فأخطأ بالغلصمة (١) أن تكون في الرأس أنها لا تؤكل ،
وقاله أشهب وأصبغ وسحنون ومحمد بن عبد الحكم .
(١) الغلصمة: ( في الطب): صفيحة غضروفية عند أصل اللسان، سَرْجية
الشكل ، مغطاة بغشاء مخاطي ، وتنحدر إلى الخلف لتغطية فتحة الحنجرة
لإقفالها في أثناء البلع. ( المعجم الوسيط : ٦٥٨/٢) .
- ٤٢٣ -

قال ابن حبيب : إنما لم يؤكل ؛ لأن الحلقوم إنما هو من العقدة إلى
ما تحتها ، وليس فوق العقدة إلى الرأس حلقوم ، وإنما العقدة طرف
الحلقوم، فمن جهل فذبح فوق العقدة لم يقطع الحلقوم ، إنما قطع
الجلدة المتعلقة بالرأس ، فلذلك لم يؤكل .
وأجاز أكلها ابن وهب في العتبية ، وأجازه أشهب وأبو مصعب
وموسى بن معاوية من رواية ابن وضاح .
وذكر ابن أبي زيد ، عن أبي لبابة ، عن محمد بن عبد الحكم أنها
تؤكل . قال ابن لبابة على قياس قول القاسم : إذا جازت في البدن
وبقي في الرأس منها مقدار حلقة الخاتم أنها تؤكل إلا أن يبقى في
الرأس منها ما لا يستدير فلا تؤكل .
!
وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة أنه لا بأس بالذبح في الحلق كله،
أسفله وأوسطه وأعلاه .
وقال ابن وضاح : سألت موسى بن معاوية عن هذه المسألة ،
فغضب وقال : هذه من مسائل المريسي وابن علية يخلطون على الناس
دينهم . قد عَلَّم رسول الله أصحابه كل شيء حتى الخراءة أفكان
يدعهم لا يعرفهم الذبح ؟
قال موسى : لقد كتبت بالعراق نحواً من مائة ألف حديث ، وبمكة
كذا وكذا ألف وبمصر نحواً من أربعين ألف حديث ما سمعت لرسول
الله ولا لأصحابه ولا للتابعين فيها شيئًا ، وكان يحيى بن يحيى
وأصحابه يقولون : ما نعرف العقدة ، ما فرى الأوداج فَكُلْ .
قال ابن وضاح : ثم بلغني عن أبي زید بن أبي الغمر أنه روی عن
ابن القاسم ، عن مالك كراهتها ، فلما قدمت مصر سألته عنها ،
- ٤٢٤ -

فأنكرها وقال : ما أعرف هذا . قلت له : فما تقول في أكلها ؟ قال:
لا بأس بذلك .
قال ابن وضاح : ولم تعرف العقدة في أيام مالك ، ولا أيام ابن
القاسم ، وإنما أول ما سمعوا بها أن عبد الله بن عبد الحكم ذبح شاة
فطرحت العقدة إلى الجسد ، فأمر بها أن تلقى ، فبلغ ذلك أشهب
فأنكره ، وأجاز أكلها . وسئل عنها أبو مصعب بالمدينة ، وذلك أن
أهل المدينة يطرحون / العقدة في ذبائحهم إلى الجسد بمعنى الجلود، [٢/ ٢١٨٥-ب]
فأجاز ذلك ، فقيل له : إذا طرحها إلى الجسد لم يذبح في الحلق إنما
يذبح في الرأس ، فانتهره الشيخ ، وقال : مغاربة برابر يأتوننا يريدون
أن يعلمونا ! هذه دار السنة والهجرة ، وبها كان المهاجرون والأنصار ،
فكانوا لا يعرفون الذبح ؟ ولم يذكروا عقدة ولم يعبئوا بها ! .
قال ابن وضاح : ثم سألت بمكة يعقوب بن حميد بن كاسب -
ولم أر بالحجاز أعلم بقول المدنيين منه - فقال : لا بأس بها ، فرددت
عليه ، فنزع بحديث عائشة: (( أن ناسًا سألوا النبي - عليه السلام -
أن ناسًا يأتوننا بلحمان لا ندري أسموا الله عليها أم لا ، فقال
رسول الله: سموا وكلوا)) فقال ابن كاسب : فهلا قال لهم
رسول الله: انظروا إن كانوا يصيبون العقدة إن كان الذبح إنما هو فيها،
ونزع بحديث عطاء بن يسار: ((أن امرأة كانت ترعى غنمًا فرأت بشاة
موتها، فذكتها بشظاظ (١)، فقال النبي - عليه السلام -: (( ليس بها
بأس فكلوها )» فهلا قال لهم عليه السلام : انظروا أين طرحت
العقدة، أو هل كانت هذه تعرف العقدة .
قال ابن وضاح : ما فرى الأوداج ، وقطع الحلقوم فكل .
(١) في النهاية لابن الأثير (٤٧٦/٢): الشظاظ : خشبة محددة الطرف ...
- ٤٢٥ -

وأما قوله : فنهى ابن عمر عن النخع ، فقال أبو عبيدة : الفرس هو
النخع، يقال منه : فرست الشاة ونخعتها وذلك أن ينتهي الذبح إلى
النخاع، وهو عظم في الرقبة .
قال أبو عبيد : أما النخع فكما قال أبو عبيدة ، وأما الفرس فقد
خولف فيه فقيل : هو كسر رقبة الذبيحة .
وممن كره [ نخع ] (١) الشاة إذا ذبحت سوى ابن عمر : عمر ابن
الخطاب وقال : لا تعجلوا الأنفس حتى تزهق . وكرهه إسحاق.
وكرهت ذلك طائفة ، وأباحت أكله ، هذا قول النخعي والزهري
ومالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وأبي ثور .
وقال ابن المنذر : ولا حجة لمن منع أكلها ؛ لأن القياس أنها حلال
بعد الذكاة ، والنخع لا يحرم الذكي . وأما إذا قطع الرأس فأكثر
العلماء على إجازته ، وممن روي عنه سوى من ذكره البخاري : علي
ابن أبي طالب وعمران بن حصين . ومن التابعين : عطاء والنخعي
والشعبي والحسن والزهري ، وبه قال مالك والكوفيون والشافعي
وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، وكرهها ابن سيرين ونافع والقاسم وسالم
ويحيى بن سعيد وربيعة ، والصواب : قول من أجازها .
وقد قال فيها علي بن أبي طالب : هي ذكاة وَحِيَّة (٢) . إلا أنهم
اختلفوا إن قطع رأسها من قفاها ، فأجازه الكوفيون والشافعي
وإسحاق وأبو ثور ، وكره ذلك ابن المسيب وقال : لا بد في الذبح
من المذبح . وهو قول مالك وأحمد بن حنبل ، وقالوا : فاعل هذا
(١) يقتضيه السياق ، وكأنه سقط من الناسخ .
(٢) وحية - بفتح الواو وكسر الحاء المهملة بعدها تحتانية ثقيلة - أي : سريعة ، كذا
في الفتح (٩/ ٥٥٧) .
- ٤٢٦ -

فاعل غير ما أمر به ، فإذا ذبحها من مذبحها فسبقت يده فأبان الرأس
فلا شيء عليه .
باب: ما يكره من المُثْلة والمصْبورة والمجثمة
فيه: أنس: (( أنه رأى صبيانًا قد نصبوا دجاجة يرمونها ، فقال أنس :
نهى النبي - عليه السلام - أن تصبر البهائم )) .
وفيه : ابن عمر أنه دخل على يحيى بن سعيد وغلام من بني يحيى رابط
دجاجة يرميها ، فمشى ( بها ) (١) ابن عمر حتى حَلّها ، ثم أقبل بها
وبالغلام معه فقال : ازجروا غلامكم عن أن يصبر هذا الطير للقتل ؛
فإني سمعت النبي - عليه السلام - نهى أن تصبر بهيمة أو غيرها للقتل ،
وإن النبي لعن من فعل هذا)) .
وقال مرة: (( لعن النبي - عليه السلام - من مَثّل بالحيوان )) وعن ابن
عباس مثله .
وقال ابن عمر أيضًا: (( إن النبي - عليه السلام - نهى عن النهبى والمثلة)).
قال أبو عبيد : قال أبو زيد وابن عمرو وغيرهما في نهيه عليه
السلام أن تصبر البهائم : هو الطائر وغيره من ذوات الروح ، يصبر
حَيًا ثم يرمى حتى يقتل وأصل الصبر : الحبس ، وكل من حبس شيئًا
فقد / صبره . ومنه قيل للرجل يقدم فيضرب عنقه : قُتل صبرًاً .
يعني: أمسك للموت . قال أبو عبيد : فأما المجثمة فهي المصبورة
أيضًا، ولكنها لا تكون إلا في الطير والأرانب وأشباه ذلك مما يجثم
بالأرض .
[٢/ق٢١٩-٢]
(١) كذا في (( الأصل))، وفي الصحيح المطبوع: إليها.
- ٤٢٧ -

قال ابن المنذر : وقال أحمد وإسحاق : لا تؤكل المصبورة
والمجثمة. قال غيره : ولا أعلم أحدًا من العلماء أجاز أكل المصبورة
وكلهم يحرمها ؛ لأنه لا ذكاة في المقدور عليه إلا في الحلق واللبة.
قال المهلب : وهذا إنما هو نهي عن العبث في الحيوان وتعذيبه من
غير مشروع . وأما تجثيمها للنحر وما شاكله فلا بأس به ، وإنما يكره
العبث لحديث شداد بن أوس أن النبي - عليه السلام - قال : ((إن الله
كتب الإحسان على كل شيء ؛ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم
فأحسنوا الذبح ، وليحد أحدكم شفرته ، وليرح ذبيحته )» وكره أبو
هريرة أن تحد الشفرة والشاة تنظر إليها ، وروي أن النبي - عليه
السلام- رأى رجلا أضجع شاة ، فوضع رجله على عنقها، وهو
يجد شفرته فقال له عليه السلام: ((ويلك ، أردت أن تميتها موتات؟.
هلا أحددت شفرتك قبل أن تضجعها )) وكان عمر بن الخطاب ينهى أن
تذبح الشاة عند الشاة ، وكرهه ربيعة أيضًا ، ورخص فيه مالك .
وقال الطبري : في نهيه عليه السلام عن صبر البهائم الإبانة عن
تحريم قتل ما كان حلالا أكله من الحيوان إذا كان إلى تذكيته سبيل ،
وذلك أن رامي الدجاجة بالنبل ومتخذها غرضًا قد تخطئ رميته موضع
الذكاة فيقتلها ، فيحرم أكلها ، وقاتله كذلك غير ذابحه ولا ناحره،
وذلك حرام عند جميع الأمة ، ومتخذه غرضًا مقدم على معصية ربه
من وجوه : منها : تعذيبه ما قد نهي عن تعذيبه ، وتمثيله ما قد نهى
عن التمثيل به ، وإماتته بما قد يحظر عليه إصابته به ، وإفساده من ماله
ما كان له إلى إصلاحه والانتفاع به سبيل بالتذكية ، وذلك من تضييع
المال المنهي عنه .
وقال ابن عمر : من اتخذ شيئًا ممن فيه الروح غرضًا لم يخرج من
- ٤٢٨ -

الدنيا حتى تصيبه قارعة . وقال عبد الله بن عمر وقد أبصر قومًا
يفعلون ذلك بطائر : أما إنهم سيقادون لها .
وذكر الطبري عن قتادة ، وعن عكرمة ، عن ابن عباس : أن النبي
نهى عن المجثمة . وقال : المجثمة التي التصقت بالأرض ، وحبست
على القتل والرمي ، فإذا جثمت من غير أن يفعل ذلك بها فهي
جائمة. وفي كتاب الأفعال : يقال : جثم على ركبتيه جثومًا . ومنه
قوله تعالى: ﴿ فأصبحوا في ديارهم جاثمين﴾ (١).
قال الطبري : ويحتمل قوله عليه السلام عن المجثمة معنيين :
أحدهما : أن يكون نهيًا عن رميها بعد تجثيمها فيكون المعنى فيها النهي
عن تعذيبها بالرمي والضرب . والثاني : أن يكون معنى النهي عنها
عن أكل لحمها إذا هي ماتت بالضرب والرمي ؛ لأنها إذا ماتت كذلك
بعد أن تجثم ، فهي ميتة ؛ لأنها لا تجثم إلا بعد أن تصاد ، ولو كانت
هي الجاثمة من قبل نفسها ، ولم يقدر على صيدها إلا بالرمي ،
فرماها ببعض ما يخرجها ليحبسها ، فماتت من رميه كانت حلالا ؛
لأنها حينئذ جائمة لا مجئمة ، وهي صيد صيد بما يصاد به الوحش .
ونهيه عليه السلام عن المجئمة نظير نهيه عن المصبورة ، غير أن
التجثيم عند العرب هو في الممتنعات من الوحش والطير الذي ينبذ
بالأرض ويجثم بها ، وأن الصيد المُصْبر يكون في ذلك وغيره ، فإن
وجه موجه معنى نهيه عليه السلام عن المجثمة بالمعنى الأول ؛ كان ذلك
نظير نهيه عليه السلام عن صبر البهائم ، وذلك نهي عن تعذيبها، وإن
وجهه إلى المعنى الثاني ، وهو النهي عن أكل لحمها إذا ماتت من
الرمي ؛ كان ذلك نظير نهيه تعالى عن المنخنقة والموقوذة والمتردية ،
(١) هود : ٦٧، ٩٤.
- ٤٢٩ -

وتحريمه أكلها إذا ماتت من ذلك ، وإن جثمت فرست ولم تمت،
فذبحها مجثمها كان حلالا أكلها بالتذكية .
[٢/ ق٢١٩ -ب]
/ باب : الدجاج
فيه: أبو موسى ((رأيت النبي - عليه السلام - يأكل (دجاجة) (١))).
وقال زهدم الجرمي : كنا عند أبي موسى ، وكان بيننا وبين هذا الحي من
جرم إخاء ، فأتي بطعام فيه لحم دجاج ، وفي القوم رجل جالس أحمر
لم يدن من طعامه ، فقال: ادن [ فقد ] (٢) رأيت النبي - عليه السلام -
يأكل منه . قال : إني رأيته أكل شيئًا فقذرته ... )) وذكر الحديث.
قال الطبري : كان ابن عمر لا يأكل الدجاجة حتى يقصرها أيامًا؛
لأنها تأكل العذرة . قال غيره : وكان يتأول أنها من الجلالة التي نهى
النبي - عليه السلام - عن أكلها . روى سعيد بن أبي عروبة ، عن
قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس (( أن النبي - عليه السلام - نهى
عن الإبل الجلالة )) وكان ابن عمر إذا أراد أن يأكل بيض الدجاجة
قصرها ثلاثة أيام؛ وكره الكوفيون لحوم الإبل الجلالة حتى تحبس
أيامًا. وقال الشافعي : أكرهه إذا لم تكن أكلته غير العذرة ، أو كانت
أكثر أكله ، وإذا كان أكثر علفها غيره لم أكرهه .
وقال مالك والليث : لا بأس بلحوم الجلالة كالدجاج ، وما
يأكل (٣) .
(١) في الصحيح المطبوع : دجاجًا .
(٢) من الصحيح المطبوع وهو المناسب للسياق - وفي ((الأصل)): فقال. وهو خطأ ..
(٣) في (( الأصل)) صورتها : الحليفة، فكأن الصواب: الجيفة ، والله أعلم.
- ٤٣٠ -

قال أبو حنيفة : الدجاجة تخلط ، والدجاجة لا تأكل إلا العذرة
وهي التي تكره . فالعلماء مجمعون على جواز أكل الجلالة . وقد
سئل سحنون عن خروف أرضعته خنزيرة ؟ فقال : لا بأس بأكله .
قال الطبري : والعلماء مجمعون على أن حملا أو [ جديًا ] (١)
غذي بلبن كلبة أو خنزيرة أنه غير حرام أكله ، ولا خلاف أن ألبان
الخنازير نجسة ، كالعذرة . قال غيره : والمعنى فيه أن لبن الخنزيرة
لا يدرك في الخروف إذا ذبح بذوق ولا شم ولا رائحة ، فقد نقله الله
وأحاله كما يحيل الغذاء ، فإنما حرم الله أعيان النجاسات المدركات
بالحواس ، فالدجاجة والإبل الجلالة وما شاكلها لا يوجد فيها أعيان
العذرات ، وليس ذلك بأكثر من النبات الذي ينبت في العذرة ، وهو
طاهر حلال بإجماع ، ولا يخلو الزرع من ذلك . وإنما النهي عن
الجلالة من جهة التقذر والتنزه لئلا يكون الشأن في علف الحيوان
النجاسات ، والنهي عن الجلالة ليس بقوي الإسناد .
باب : لحوم الخيل
فيه : أسماء قالت: (( نحرنا فرسًا على عهد النبي فأكلناه )) .
وفيه : جابر (( نهى النبي - عليه السلام - يوم خيبر عن لحوم الحمر ،
ورخص في لحوم الخيل )) .
اختلف العلماء في أكل لحوم الخيل ، فكرهه مالك وأبو حنيفة
والأوزاعي .
وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي : حلال أكلها .
(١) في ((الأصل)) : جدي .
- ٤٣١ -

واحتج من كره أكلها بما رواه ثور بن يزيد عن صالح بن يحيى بن
المقدام ، عن أبيه ، عن جده ، عن خالد بن الوليد (( أن رسول الله
نهى عن لحوم الخيل والبغال والحمير)) (١).
قالوا : ومن جهة النظر أنه لو كانت الخيل تؤكل لوجب أن تؤكل
أولادها ، فلما اتفقنا على أن الأم إذا كانت من الخيل والأب حمار لم
يؤكل ما تولد منهما ، علمنا أن الخيل لا تؤكل ؛ ألا ترى أن ولد
البقرة يتبع أمه في جواز الأضحية به ، وإن كان أبوه وحشيا فلو كانت
الخيل تؤكل تبع الولد أمه في ذلك .
واحتج الذين أجازوا أكلها بتواتر الأخبار في ذلك ، وأن أحاديث
الإباحة أصح من أحاديث النهي . قالوا : ولو كان ذلك مأخوذًا من
طريق النظر لما كان بين الجيل الأهلية والحمر الأهلية فرق ، ولكن
الآثار عن النبي إذا صحت أولى أن يقال بها من النظر ، لا سيما وقد
أخبر جابر في حديثه أن النبي - عليه السلام - أباح لهم لحوم الخيل
في وقت منعه إياهم لحوم الحمر ، فدل ذلك على اختلاف حكم
لحومها ، قاله الطحاوي .
[٢ / ق ٢٢٠-١]
/ باب : لحوم الحمر الإنسية
[ فيه عن ] (٢) سلمة عن النبي - عليه السلام -
[ فيه : ابن عمر: (( نهى النبي - عليه السلام - ] (٢) عن لحوم الحمر
الأهلية يوم خيبر )) .
(١) قال الحافظ ابن حجر فى الفتح (٥٦٨/٩): ((تعقب بأنه شاذ منكر ؛ لأن في
سياقه [ يعني خالدًا!] أنه شهد خيبر، وهو خطأ ؛ فإنه لم يسلم إلا بعدها
على الصحيح ، والذي جزم به الأكثر أن إسلامه كان سنة الفتح ... )) :
(٢) سقط من ((الأصل)) بسبب انتقال النظر، وأثبته من الصحيح المطبوع.
- ٤٣٢ -

وفيه : علي : (( نهى النبي عن المتعة عام خيبر ، وعن لحوم الحمر
الإنسية)).
وفيه: [ جابر ](١) ((نهى النبي - عليه السلام - يوم خيبر عن لحوم
الحمر ، ورخص في لحوم الخيل )) .
وفيه: البراء وابن أبي أوفى: (( نهى النبي عن لحوم الحمر)).
وفيه : أبو ثعلبة قال : (( حرم رسول الله لحوم الحمر الأهلية )) رواه
صالح والزبيدي وعقيل ، عن ابن شهاب .
وقال مالك ومعمر والماجشون ويونس وابن إسحاق : عن الزهري
قال: (( نهى النبي عن أكل كل ذي ناب من السباع)).
وفيه: أنس: ((أنَّ النبي - عليه السلام - جاءهُ ( جائي) (٢) ، فقال :
أُكلَتْ الحمر، ثم جاءه (جائي) (٢) ، فقال: أُقْنَيَتْ الحمر ، فأمر مناديًا
فنادى في الناس: إن الله ورسوله ينهياكم عن لحم الحمر الأهلية ؛ فإنها
رجس . فأكفئت القدور، وإنها لتفور باللحم)) .
وفيه : عمرو : (( قلت لجابر بن زيد: [ يزعمون ] (٣) أن النبي - عليه
السلام - نهى عن لحم الحمر الأهلية . فقال: قد [ كان يقول ذاك ] (٤)
الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة . ولكن أبى ذلك [ البحر ] (٥)
ابن عباس ، وقرأ: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرمًا ... ﴾ (٦) الآية.
قال المؤلف : فقهاء الأمصار مجمعون على تحريم الحمر ، وروي
(١) من الصحيح المطبوع، وفي ((الأصل)): خالد. وهو خطأ.
(٢) هكذا في (( الأصل)) بإثبات الياء.
(٣) من الصحيح المطبوع، وفي ((الأصل)): ابن عمرو . وهو تحريف .
(٤) في (( الأصل)): يكون ذلك . والمثبت من الصحيح المطبوع.
(٥) من الصحيح المطبوع والسلطانية، وفي (( الأصل)" : النحرير.
(٦) الأنعام : ١٤٥ .
- ٤٣٣ -

خلاف ذلك عن ابن عباس فأباح أكلها ، وروي مثله عن عائشة ،
والشعبي . وقد روي عنهم خلافه .
۔۔
قال الطحاوي ، وقد افترق الذين أباحوا أكل الحمر على مذاهب
في معنى نهيه عليه السلام عن أكلها ، فقال قوم : إنما نهى رسول الله
عنها إبقاء على الظهر ليس على وجه التحريم. ورووا في ذلك حديث
يحيى بن سعيد ، عن الأعمش قال : حدثت عن عبد الرحمن بن.
أبي ليلى قال : قال ابن عباس : « ما نهى رسول الله يوم خيبر عن
أكل لحوم الحمر الأهلية إلا من أجل أنها ظهر )) وابن جريج ، عن
نافع ، عن ابن عمر قال: (( نهى رسول الله عن أكل الحمار الأهلي
يوم خيبر ، وكانوا قد احتاجوا إليها )) .
قال الطحاوي : فكان من الحجة عليهم أن [ جابرًاً ] (١) قد أخبر
أن النبي أطعمهم يومئذ لحوم الخيل ، ونهاهم عن لحوم الحمر ، فهم
كانوا إلى الخيل أحوج منهم إلى الحمر . فدل تركه منعهم أكل لحوم
الخيل أنهم كانوا في بقية من الظهر ، ولو كانوا في قلة منه حتى احتيج
لذلك أن يمنعوا من أكل لحوم الحمر لكانوا إلى المنع من أكل لحوم
الخيل أحوج ؛ لأنهم يحملون على الخيل كما يحملون على الحمر ،
ويركبون الخيل بعد ذلك لمعان لا يركبون لها الحمر ، فدل أن العلة
، التي ذكروها ليست هي علة منعها .
وقال آخرون : إنَّما منعوا منها لأنها كانت تأكل العذرة ، ورووا في
ذلك حديث شعبة [ عن ] (٢) الشيباني قال: ((ذكرت لسعيد بن جبير
حديث ابن أبي أوفى وأمر النبي - عليه السلام - بإكفاء القدور يوم
(١) في (( الأصل)) : جابر .
(٢) من شرح المعاني (٢٠٧/٤) وفي ((الأصل)»: بن . وهو خطأ .
- ٤٣٤ -

خيبر، فقال : إنما نهى عنها ؛ لأنها كانت تأكل العذرة )) فكان من
الحجة عليهم في ذلك أنه لو لم يكن جاء في هذا إلا الأمر بإكفاء
القدور لاحتمل ما قالوا ، ولكن قد جاء هذا وجاء النهي في ذلك
مطلقًا ؛ حدثنا علي بن [ معبد ] (١) حدثنا شبابة بن سوار ، حدثنا
أبو زيد عبد الله بن العلاء ، حدثنا مسلم بن مشكم - كاتب أبي
الدرداء - قال: سمعت أبا ثعلبة الخشني يقول: (( أتيت النبي - عليه
السلام - فقلت : يا رسول الله، حدثني ما يحل لي مما يحرم عليّ .
فقال : لا تأكل الحمار الأهلي ، ولا كل ذي ناب من السباع )) فكان
كلام الرسول في هذا الحديث جوابًا لسؤال أبي ثعلبة إياه عما يحل له
مما يحرم عليه ، فدل ذلك أن نهيه عليه السلام عنها لا لعلة تكون في
بعضها دون بعض من أكل العذرة وشبهها ولكن لها في أنفسها .
وقال قوم : إنما نهى عنها رسول الله ؛ لأنها كانت نهبة ، واحتجوا
بما روى يحيى بن أبي كثير [عن النحاز] (٢) / الحنفي، عن سنان [٢/ ٢٢٠٥-ب]
بن سلمة ، عن أبيه (( أن النبي - عليه السلام - مرّ يوم خيبر بقدور
فيها (الحُمر - حمر الناس - ) (٣) فأمر بها فأكفئت ، فكان من الحجة
عليهم في ذلك أن قوله : (( حمر الناس » يحتمل أن تكون نهبوها من
الناس ، ويحتمل أن تكون نسبتها إلى الناس ؛ لأنهم يركبوها فيكون
وقع النهي عنها ؛ لأنها أهلية لا لغير ذلك . وقد بين أنس في حديثه
أن النبي - عليه السلام - قال لهم : (( أكفئوها ، لأنها رجس )) فدل
أن النهي وقع عنها لأنها رجس لا لأنها نهبة .
(١) من شرح المعاني (٢٠٧/٤) وفي ((الأصل)): سعيد. وهو تحريف .
(٢) من شرح المعاني (٢٠٧/٤) وترجمته في إكمال ابن ماكولا (٣٣٤/٧)،
وتراجم الأحبار (١٤٣/٤) وفي (( الأصل)): البخاري. وهو تحريف .
(٣) في شرح المعاني : لحم حمر الناس.
- ٤٣٥ -

.-
- .
وروى سلمة بن الأكوع أن النبي - عليه السلام - قال لهم :
(أكفئوا القدور واكسروها. قالوا: يا رسول الله [ أو نغسلها](١)؟
قال : أو ذاك)) فدل ذلك على أن النهي كان لنجاسة لحومها ، لا لأنها
نهبة ؛ ألا ترى لو أن رجلا غصب شاة فذبحها وطبخ لحمها أن قدره
التي طبخ فيها لا تنجس وأن حكمها حكم ما طبخ فيه لحم غير
مغصوب ، فدل أمره بغسلها على نجاسة ما طبخ فيها ، وعلى أن الأمر
بطرح ما كان فيها لنجاسته ، وكذلك من غصب شاةً فذبحها وطبخها
أنه لا يؤمر بطرح لحمها في قول أحد من الناس ، فلما انتفى أن يكون
نهيه عليه السلام عن أكل لحوم الحمر بمعنى من هذه المعاني التي أدّعاها
الذين أباحوا لحمها ، ثبت أن نهيه كان عنها في أنفسها.
فإن قيل : فقد رويتم عن ابن عباس ما احتج به من قوله تعالى :
﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا ... ﴾ (٢) الآية.
قيل له : ما قاله رسول الله أولى مما قاله ابن عباس ، وما قاله
رسول الله هو مستثنى من الآية ، وعلى هذا ينبغي أن يحمل ما جاء.
عن رسول الله مجيئًا متواتراً في الشيء المقصود إليه بعينه مما قد أنزل الله في
كتابه آية مطلقة على ذلك الجنس ، فيكون ما جاء عنه عليه السلام
مستثنى من تلك الآية غير مخالف لها ، حتى لا يضاد القرآن السنة ،
ولا السنة القرآن .
قال غيره : وأما حديث أبي ثعلبة فلا يصح فيه تحريم الحمر ، إنما
يصح فيه ما رواه مالك عن ابن شهاب أن النبي - عليه السلام - نھی
عن أكل كل ذي ناب من السباع ، ومن ذكر فيه بهذا الإسناد الحمر
۔۔
(١) في ((الأصل)): أو نغسلوها. والمثبت من شرح المعاني.
(٢) الأنعام : ١٤٥ .
- ٤٣٦ -

فقد وهم ؛ لأن مالكًا ومعمرًا و( ابن الماجشون ) (١) ويونس بن يزيد
أثبت في ابن شهاب من صالح بن كيسان والزبيدي وعقيل .
باب : أكل كل ذي ناب من السباع
فیه : أبو ثعلبة : ( أن النبي - عليه السلام - نھی عن أکل کل ذي ناب
من السباع)) .
اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث ، فذهب الكوفيون والشافعي
إلى أن النهي فيه على التحريم ، ولا يؤكل ذو الناب من السباع ولا ذو
المخلب من الطير ، ولا تعمل الذكاة عند الشافعي في جلود السباع
شيئًا ، ولا يجوز الانتفاع بها إلا أن تدبغ .
وذكر ابن القصار أن الذكاة عاملة في جلودها عند مالك وأبي
حنيفة، فإن ذُكي سبع فجلده طاهر ، يجوز أن يتوضأ فيه ، ويجوز
بيعه وإن لم يدبغ ، والكلب منها ، إلا الخنزير خاصة .
والشافعي يحلل من السباع الضبع والثعلب خاصة ، وقال ابن
القصار : إن محمل النهي في هذا الحديث عن أكل ذي ناب من
السباع عند مالك على الكراهية لا على التحريم . قال : والدليل على
أن السباع ليست بمحرمة كالخنزير اختلاف الصحابة فيها ، وقد كان ابن
عباس وعائشة إذا سئلا عن أكلها احتجا بقوله تعالى : ﴿ قل لا أجد
فيما أوحي إليّ محرمًا ... ﴾ (٢) الآية.
ولا يجوز أن يذهب التحريم على مثل ابن عباس وعائشة مع
(١) هو يوسف بن يعقوب بن أبي سلمة، ويقال له : الماجشون أيضًا كما سبق في
صدر الباب .
(٢) الأنعام : ١٤٥ .
- ٤٣٧ -

مكانهما من رسول الله ويدركه غيرهما . ولا يجوز أن ينسخ القرآن
بالسنة إلا بتاريخ متفق عليه ، فوجب مع هذا الخلاف ألا نحرمها
كالميتة ، ونكرهها ؛ لأنه لو ثبت تحريمها لوجب نقله من حيث يقطع
العذر . وقد روي عن الرسول أنه أجاز أكل الضبع وهو ذو ناب.
(٢/ فى٢٢١-١] فبان بهذا أنه عليه السلام أراد بتحريم / كل ذي ناب من السباع
الكراهية . وقال الكوفيون والشافعي : ليس في قوله تعالى : ﴿ قل
لا أجد فيما أوحي إليّ محرما على طاعم يطعمه﴾ (١) حجة لمن
خالفنا؛ لأن سورة الأنعام مكية ، وقد نزل بعد هذا قرآن فيه أشياء
محرمات ، ونزلت سورة المائدة بالمدينة وهي من آخر ما نزل ، وفيها
تحريم الخمر وتحريم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة .
وحرم رسول الله من البيوع أشياء كثيرة . ونهيه عليه السلام عن
أكل ذي ناب من السباع كان بالمدينة ؛ لأنه رواه عنه متأخرو أصحابه :
أبو هريرة ، وأبو ثعلبة، وابن عباس . وقد حرم رسول الله نكاح المرأة
على عمتها وخالتها ، ولم يقل أحد من العلماء أن قوله : ﴿وأُحلَّ
لكم ما وراء ذلكم ﴾ (٢) يعارض ذلك ؛ بل جعلوا نهيه عن نكاح المرأة
على عمتها وخالتها زيادة بيان على ما في الكتاب .
واختلفوا هل المراد بالنهي عن أكل كل ذي ناب من السباع جميعها
أو بعضها ، فقال الشافعي : إنما أراد رسول الله بالنهي ما كان يعدو
على الناس ، ويفترس مثل الأسد ، والذئب ، والنمر ، والكلب
العادي وشبهه مما في طبعه في الأغلب أن يعدو ، وما لم يكن يعدو
فلم يدخل في النهي فلا بأس بأكله واحتج بحديث الضبع في إباحة
أكلها ، وأنها سبع . ولابن حبيب شيء نحو هذا ، قال في جلود
السباع العادية : إن ذكيت فلا تباع ولا يصلى عليها ، وينتفع بها في
(١) الأنعام : ١٤٥ .
(٢) النساء : ٢٤ .
- ٤٣٨ -

غير ذلك ، وأما السبع الذي لا يعدو إذا ذكي جاز بيعه ولباسه والصلاة
عليه .
وعند الكوفيين النهي في ذلك على العموم ، فلا يحل عندهم أكل
شيء من سباع الوحش كلها ولا الهر الوحشي ولا الأهلي ؛ لأنه
سبع ، ولا الضبع ولا الثعلب ؛ لعموم نهيه عليه السلام عن أكل كل
ذي ناب من السباع. قالوا فما دخل عليه اسم ((سبع )) فهو داخل
تحت النهي . قالوا : وليس حديث الضبع مما يعارض به حديث
النهي؛ لأنه انفرد به عبد الرحمن بن أبي عمار عن جابر ، وليس
بمشهور بنقل العلم ولا هو حجة إذا انفرد فكيف إذا خالفه من هو
أثبت منه ؟ وقد قال سعيد بن المسيَّب : إن الضبع لا يصلح أكلها.
وهو قول الليث . وقال ابن شهاب : الثعلب سبع لا يؤكل . ومالك
يكره أكل ما يعدو من السباع وما لا يعدو من غير تحريم .
ومن أجاز من السلف أكل الضبع والثعلب ، روي عن ابن عمر بن
الخطاب أنه كان لا يرى بأسًا بأكل الضبع ويجعلها صيدًا . وعن علي
ابن أبي طالب ، وسعد بن أبي وقاص ، وجابر ، وأبي هريرة مثله .
وقال عكرمة : لقد رأيتها على مائدة ابن عباس . وبه قال عطاء ،
ومالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأجاز الثعلبَ : طاوس
وقتادة واحتجا بأنه يؤذي ، وقالا : كل شيء يؤذي فهو صيد .
وأما الضب فقد ثبت عن النبي - عليه السلام - جواز أكله . وقال
ابن مسعود : لا بأس بأكل الوبر ، وهو عندي مثل الأرنب ؛ لأنه
يغتذي البقول والنبات . وأجاز أكله طاوس ، وعطاء . وأجاز عروة
وعطاء اليربوع ، وكره الحسن أكل الفيل ؛ لأنه ذو ناب ، وأجاز أكله
أشهب .
- ٤٣٩ -

واختلفوا في سباع الطير فروى ابن وهب عن مالك أنه قال : لم
أسمع أحداً من أهل العلم قديمًا ولا حديثًا بأرضنا ينهى عن أکل کل
ذي مخلب من الطير ، وقال أبو حنيفة والشافعي : لا يؤكل . ورووا
في ذلك حديث شعبة ، عن الحكم ، عن ميمون بن مهران ، عن ابن
عباس ، عن النبي - عليه السلام - « أنه نهى عن أکل کل ذي ناب
من السباع ومخلب من الطير)) ودفع أصحاب مالك هذا الحديث
وقالوا : لا يثبت . وقد أوقفه جماعة على ابن عباس ولم يسمعه منه
میمون ، وإنَّما رواه عن سعيد بن جبير عنه . وقد روي عن ابن عباس
خلافه ، وما يدل على أنه ليس عن النبي - عليه السلام - وإنما هو
قول لابن عباس ثم رجع عنه .
[٢/ ٢٢١ - ب] وقد روى عمرو بن دينار ، عن أبي الشعثاء ، عن ابن عباس / أنه
قال : كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرًا ، فبعث الله
نبيه ، وأنزل كتابه ، وأحل حلاله ، وحرم حرامه ، وما سكت عنه -
يعني لم ينزل فيه شيء - فهو معفو وتلا : ﴿ قل لا أجد فيما أوحي
إلي محرمًا ... ﴾ (١) الآيتين. فإن صح حديث النهي فيجوز أن يكون
نهى عنها ؛ لأن النفس تعافها لأكلها الأنجاس في الأغلب، والله أعلم.
باب : جلود الميتة
فيه: ابن عباس (( أن رسول الله مَرَّ بشاة ميتة ، فقال : هلا استمتعتم
بإهابها . قالوا : إنها ميتة . قال : إنما حرم أكلها)).
لم يذكر صالح بن كيسان في حديث ابن شهاب الدباغ ، وتابعه
مالك ، ومعمر ، ويونس . وقد ذكر ابن عيينة ، والأوزاعي ،
(١) الأنعام : ١٤٥ - ١٤٦ .
-: ٤٤٠ -