النص المفهرس

صفحات 401-420

وقوله تعالى : ﴿ أُحلَّ لكم صيد البحر ﴾ (١) يقتضي عمومه إباحة
كل ما في البحر من جميع الحيوان حوتًا كان أو غيره مما صاد ، خنزيرًاً
كان أو كلبًا أو ضفدعًا ، ويشهد لذلك قوله عليه السلام : ((هو
الطهور ماؤه الحل ميتته )) فأطلق على جميع ميتته وأباحها ؛ فسقط قول
أبي حنيفة .
قال ابن القصار : وقد قال أبو بكر الصديق : ((كل دابة في البحر
فقد ذكاها الله لكم )) ولم يخص ، ولا مخالف له ، وأيضًا فإن البحر
لما عُفي عن الذكاة فيما يخرج منه عُفي عن مراعاة صورها ، وبعضها
كصور الحيات ، وكذلك صورة الدابة التي يقال لها : العنبر خارجة
عن عادات السمك ولم يحرم أكلها . وأيضًا فإن اسم سبع وكلب
وخنزير لا يتناول حيوان الماء ؛ لأنك تقول خنزير الماء وكلب الماء
بالإضافة ، والخنزير المحرم مطلق لا يتناول إلا ما كان في البر خاصة ،
وكذلك البحري داخل في صيد البحر ولم يرو كراهته إلا عن عليّ
بإسناد لا يصح . وأجازه الكوفيون ؛ لأنه داخل في عموم السمك ،
وحرَّموا الضفادع ، وبه قال الشافعي .
وأما قول ابن عباس : كل ما صاد من البحر مجوسي أو غيره .
فهو قول جمهور العلماء ؛ لأن طعام البحر ميتة ولا يحتاج فيه إلى
ذكاة. قال مالك : فإذا أكل ميته فلا يضر من صاده . وقال الحسن :
أدركت سبعين من أصحاب النبي - عليه السلام - كلهم يأكل صيد
المجوسي ؛ الحيتان وما ينخلج في صدورهم منه شيء . وروي ذلك
عن عطاء ، والنخعي ، وهو قول مالك، والكوفيين ، والليث / ،[٢/ ق٢١٤-١]
والأوراعي ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي ثور . وقال أبو
عبد الله بن أبي صفرة : معنى قول أبي الدرداء : ((ذبح الخمر النينانُ
(١) المائدة : ٩٦ .
- ٤٠١ -

والشمسُ)) أن الخمر تطرح في الحيتان حتى تصير مريا فكأن الحيتان
والشمس ذكاة الخمر وذبحها الذي يحللها . وهذا حجة في جواز
تخليل الخمر ، وسيأتي ذلك في كتاب البيوع في باب : تحريم التجارة
في الخمر - إن شاء الله .
والقلات : جمع قلت والقلت نقرة بحجر يحفرها السيل وكل نقرة
في الجبل أو غيره : قلت ؛ فإنما أراد ما ساق السيل من الماء وبقي في
الغدر الصغار فكان فيها حيتان .
والجَرِّيّ ضرب من سمك. والخَبَط: اسم ما خبط من القشر والورق.
باب : الجراد
فيه : ابن أبي أوفى: (( غزونا مع النبي سبع غزوات - أو ستا - كنا
نأکل معه الجراد)) .
اختلف الناس في الجراد فقال الكوفيون : يؤكل الجراد كيفما مات
وهو قول الشافعي ، وقال مالك : إن وجده ميتًا لم يأكله حتى يقطع
رءوسه أو يطرح في النار وهو حي من غير أن تقطف رءوسه فهو حلال.
ومن أجاز أكله ميتًا جعله من صيد البحر كطافي الحيتان يجوز أكلها .
وذكر الطبري عن ابن عباس أنه قال : الجراد ذكي حيه وميته. وذكر
عبد الرزاق أن ابن عباس قال : كان عمر يأكل الجراد ، ويقول :
لا بأس به ؛ لأنه لا يذبح . وعن علي بن أبي طالب أنه قال : الجراد
مثل صيد البحر وهو قول عطاء . وأما مالك فهو عنده من صيد البر ،
ولا يجوز أكله إلا بذكاة ، وهو قول ابن شهاب وربيعة . وكان علقمة
يكره الجراد ولا يأكله .
٠
قال الأبهري : والدليل على أنه من صيد البر أن المحرم يجوز له
- ٤٠٢ -

صيد البحر وهو ممنوع من صيد الجراد ، وذلك لئلا يقتله ، فعلم أنه
من صيد البر ، وإذا كان ذلك كذلك فيحتاج إلى ذكاة إلا أن ذكاته
حسب ما تيسر كما يكون في الصيد ، ذكاته حسب ما يقدر عليه من
الرمي ، وإرسال الكلب ؛ لأنه لا يتمكن من ذبحه من الحلق واللبة ،
كذلك الجراد تذكيته كيفما تيسر ؛ لأنه لا حلق له ولا لبة ، ولما كان
يعيش في البر وجب أن يفارق السمك فلا يستباح إلا بما يقوم مقام
الذكاة من أخذه كيف تيسر ؛ لأن صيد البر لم يسامح فيه بغير ذكاة
كما سومح في صيد البحر .
باب : آنية المجوسي والميتة
فيه: أبو ثعلبة: قلت: (( يا رسول الله ، إنا بأرض أهل الكتاب نأكل في
آنيتهم ؟ فقال: لا تأكلوا في آنيتهم ، إلا أن لا تجدوا بدا ، فإن لم تجدوا
بدا فاغسلوا وكلوا .... )) الحديث.
وفيه : سلمة بن الأكوع : (( لما أمسوا يوم فتحوا خيبر ، وأوقدوا
النيران، فقال النبي - عليه السلام - علامَ أوقدتم هذه النيران ؟ قالوا :
لحوم الحمر الإنسية . قال : أهريقوا ما فيها واكسروا قدورها . فقام رجل
من القوم، فقال : نهريق ما فيها ونغسلها فقال عليه السلام: أو ذلك)).
قال المهلب : معنى ذكر آنية المجوسي في هذه الترجمة ، وذكر
سؤال أبي ثعلبة للنبي - عليه السلام - عن آنية أهل الكتاب ، من
أجل أن أهل الكتاب لا يتحرزون من الميتة والخنزير والخمر ،
و( ... )(١) أعناق الحيوان وذلك ميتة كطعام المجوس، وقد جاء هذا
(١) كلمة مطموسة في ((الأصل)).
- ٤٠٣ -

المعنى مبينًا في حديث أبي ثعلبة الخشني قال : قلت : يا رسول الله ،:
« إن أرضنا أرض أهل كتاب وإنهم يأكلون لحم الخنزير ، ويشربون
الخمر ، فكيف نصنع بآنيتهم وقدورهم ؟ فقال : إن لم تجدوا غيرها
فارحضوها واطبخوا فيها واشربوا )) فأباح عليه السلام غسل ما جعل
فيه الخنزير والخمر ، واستعمال الأواني . والعلماء مجمعون على أن
الماء مطهر لكل نجاسة من جميع أواني الشراب وغيرها إلا ما روى
أشهب عن مالك في زقاق الخمر أنها لا تطهر بالغسل ؛ لأنها تشرب
[١٢ ق٢١٤- ب] الخمر / وذلك مخالف لجميع الظروف .
وأما حديث تحريم الحُمر في هذا الباب فهو بين ؛ لأن الحُمر قد
ثبت تحريمها فهي كالميتة ، وأباح النبي - عليه السلام - القدور بعد
غسلها ، وكذلك آنية المجوس يجوز استعمالها بعد غسلها ؛ لأن
ذبائحهم ميتة ، وذكر ابن حبيب ، عن ابن عباس أنه قيل له : ((إنَّا
نغزو أرض الشرك ، وننزل بالمجوس وقد طبخوا في قدورهم الميتة ،
والدم ، ولحم الخنزير ، فقال : ما كان من حديد أو نحاس فاغسلوه
بالماء ثم اطبخوا فيه ، وما كان من فخارِ فاغلوا فيها الماء ، ثم
اغسلوها واطبخوا فيها ، فإن الله جعل الماء طهوراً )) وسيأتي الكلام.
في ظروف الخمر هل تضمن إذا كسرت في كتاب المظالم - إن
شاء الله .
.-
- ٤٠٤ -

كتاب الذبائح (١)
باب : التسمية على الذبيحة ومن ترك متعمداً
قال ابن عباس : من نسي فلا بأس . قال تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم
يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾ (٢)، والناسي لا يُسمى: فاسقًا ﴿وإن
الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ... ﴾ الآية .
فيه : رافع (( كنا مع الرسول بذي الحليفة فأصاب الناس جوع فأصبنا
إبلا وغنمًا ، وكان النبي - عليه السلام - في أخريات الناس فعجلوا
فتصبوا القدور فدفع النبي - عليه السلام - إلیهم فأمر بالقدور فأکفئت
13
ثم قسم فعدل عشرة من الغنم ببعير ، فَتَدّ منها بعير وكان في القوم خيل
يسيرة فطلبوا فأعياهم ، فأهوى إليه رجل بسهم فحبسه الله ، فقال النبي :
إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش فَما نَدَّ عليكم فاصنعوا به هكذا ،
وقال جَدِّي (٣) : إِنَّا لنرجو - أو نخاف - أن نلقى العدو غدًا ، ولیس
معنا مُدی ، فنذبح بالقصب ؟ قال : ما أنهر الدم وذكر اسم الله فگُلْ ،
ليس السن والظفر ، وسأحدثكم عنه : أما السن فعظم ، وأما الظفر
فمدى الحبشة )) .
قال المؤلف : اختلاف العلماء في التسمية على الذبيحة كاختلافهم
(١) سبقت الترجمة بـ: كتاب الصيد والذبائح. قال ابن حجر في الفتح
(٥٣٩/٩): ((وقع في بعض الشروح هنا (كتاب الذبائح) وهو خطأ)).
(٢) الأنعام : ١٢١ .
(٣) القائل ((قال جدّي)) هو عباية بن رفاعة بن رافع .
- ٤٠٥ -

على التسمية في الصيد ، وقد تقدم اختلاف العلماء في ذلك ،
والحجة لأقوالهم في أول كتاب الصيد فأغنى عن إعادته .
وقال أبو الحسن بن القابسي : يمكن أن يكون أمره عليه السلام
بإكفاء القدور من أجل أنهم استباحوا من الغنائم كما كانوا يعرفون فيما
بَعُد عن بلاد الإسلام ، وموضع الانقطاع عن مواضعهم ، فهم
مضطرون إلى ما وجدوه في بلاد العدو كما جاء في قصة خيبر أن قوماً
أخذوا جرابًا فيه شحم فما عيب عليهم ولا طولبوا به ، وقد مضى من
سنن المسلمين في الغنائم وأكلهم منها ما لا خلاف فيه .
وكانوا في هذه القسمة بذي الحليفة قريبًا من المدينة ، ولم يكونوا
مضطرين إلى أكل الغنيمة فأراهم النبي - عليه السلام - أن هذا ليس
لهم ، فمنعهم مما فعلوه بغير إذنه عليه السلام فكان في باب الخوف
من الغلول ، وقد تقدم هذا المعنى في كتاب الجهاد في باب (( ما يكره
من ذبح الإبل والغنم في المغانم)) وذكرت هناك وجهًا آخر.
قال ابن القابسي : ولو قيل أن معنى ذلك من قِبَل أنهم بادروا قبل :
القسم كان داخلا في المعنى الذي ذكره ، ولو قيل : إنما كان ذلك من
قبل أن الغنيمة كانت إبلا وغنمًا كلها لكان داخلا في المعنى ؛ لأن
وجهه أنهم فعلوا ما ليس لهم .
وقوله : (( ثم قسم وعدل)) ولم ينقل أحد أنه دخل في ذلك قرعة،
وما لم يدخله قرعة لا يضره اختلاف أجناسه في القسمة فساووا فيه
وتفاضلوا إذا رضوا بذلك .
وقوله: ((فَنَدَّ منها بعير )) يقال : ندّ نديدًا وندادًا إذا شرد .
وقوله : (( فأهوى إليه رجل منهم بسهم فحبسه الله )) يعني : أن
البعير حبسه الله بذلك السهم ومنعه من النفار الذي كان به حتى أُدرك
- ٤٠٦ -

فذُكي ، وليس في الحديث ما يمنع من هذا المعنى / إذ لم يقل فيه : [٢/ ف٢١٥-٢)
فحبسه الله فمات ، لما أنه أُدرك فذكي وذكاته ترفع التنازع في أكله
وتصير إلى الإجماع في أكله ، وهو قولنا فيما غَلَبَنَا من المواشي
الإنسية أنا [ نحبسها ] (١) بما استطعنا فما أدركنا منها لم تنفذ مقاتله
فذكيناه أكلناه ، وإذا أنفذنا مقاتله لم نحمله محمل الصيد ؛ إذ لم
يأتنا في ذلك شيء من تتبعه ، فنحن في صيد الوحش على ما أذن الله
ورسوله وفي ذكاة الإنسي على ما جاءنا به حكم الذكاة ، وسيأتي
اختلاف العلماء في هذه المسألة في بابها ، وفي سائر الحديث في
الذبح بالسن والظفر في بابه - إن شاء الله .
وقوله : ((إن لهذه البهائم أوابد)) قال أبو عمرو الشيباني : قال
النميري : الآبد : التي تلزم الخلاء فلا تقرب أحدا ، ولا يقربها .
وقال أبو عمرو : قد أبدت الناقة تأبدًا وأبودًا إذا انفردت وحدها
وتفردت ، وتأبد أي : تفرد .
وقال مرة : هي آبدة إذا ذهبت في المرعى ، وليس لها راعي
فأبعدت شهراً أو شهرين ، وقال أبو علي في البارع في باب وبد :
قال ابن أبي طرفة : المستوبد : المستوحش . يقال : خلوت واستوبدت
أي : استوحشت .
(١) في ((الأصل)): يحبسنا. والمثبت أنسب للسياق .
- ٤٠٧ -

باب : ما يذبح على النصب والأصنام
فيه : ابن عمر عن النبي - عليه السلام - (( أنه لقي زيد بن عمرو بن
[نفيل](١) بأسفل بَلْدَح - وذلك قبل أن ينزل على النبي الوحي - فقدم
إليه رسول الله سفرة فيها لحم ، فأبى أن يأكل منها ، ثم قال : إني لا آكل
مما تذبحون على أنصابكم ، ولا نأكل إلا ما ذكر اسم الله علیه )) .
قال المؤلف : ظاهر هذا الحديث يدل أن زيدًا قال للنبي : إني
لا آكل مما تذبحون علی أنصابکم . یوهم أن النبي کان یأکل ذلك ،
والنبي كان أولى باجتناب ذلك من زيد ، وقد جاء هذا الحديث مبينًا
في مناقب زيد بن عمرو في كتاب فضائل الصحابة ، بَيْنَهُ فضيل بن
[سليمان] (٢) عن موسى بن عقبة (٣) ((أن النبي - عليه السلام -
لقي زيد بن عمرو بأسفل بلدح - قبل أن ينزل الوحي على الرسول - .
فقدمت إلى النبي سفرة ، فأبى أن يأكل منها ، ثم قال زيد : إني
لست آكل مما تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلا مما ذكر اسم الله
عليه)) فالسفرة إنما قدمتها قريش للنبي - عليه السلام - فأبى أن يأكل
منها ، فقدمها النبي - عليه السلام - إلى زيد ، فأبى أن يأكل منها،
ثم قال لقريش الذين قدموها إلى النبي: (( أنا لا آكل مما تذبحون
على أنصابكم )) . ولم يكن زيد في الجاهلية بأفضل من النبي ، فحين
امتنع زيد فالنبي الذي كان حباه الله لوحيه واختاره ليكون خاتم النبيين
وسيد المرسلين أولى بالامتناع منها في الجاهلية أيضًا .
قال الطبري : أنصاب الحرم : أعلامه ، وهو جمع نصب ، وقد
(١) في (( الأصل)): نوفل . وهو خطأ .
(٢) هو النميري أبو سليمان البصري، ووقع في ((الأصل)): سليم. وهو تحريف.
(٣) يعني عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه .
- ٤٠٨ -

يجمع أيضًا : نصبًا. كما قال تعالى: ﴿وما ذبح على النصب﴾ (١)
وكانت هذه النصب ثلاثمائة وستين حجرًا مجموعة عند الكعبة، كانوا
يذبحون عندها لآلهتهم ولم تكن أصنامًا ، وذلك أن الأصنام كانت
تماثيل وصورًا مصورة ، وأما النصب فكانت حجارة مجموعة . وقال
ابن زيد : ما ذبح على النصب ، وما أهل به لغير الله واحد ، ومعنى
((أهل به لغير الله)): ذكر عليه غير اسم الله من أسماء الأوثان التي
كانوا يعبدونها ، وكذلك المسيح وكل اسم سوى الله . قال الطبري :
ومعنى (( ما أهل به لغير الله)): ما ذبح للآلهة والأوثان، فسمي عليه
غير اسم الله .
واختلف الفقهاء في ذلك : فكره عُمر ، وابن عمر ، وعائشة ما
أهل به لغير الله . وعن النخعي والحسن مثله ، وهو قول الثوري .
وكره مالك ذبائح النصارى لكنائسهم وأعيادهم ، وقال : لا يؤكل ما
سمي عليه المسيح . وقال إسماعيل بن إسحاق : كرهه مالك من غير
تحريم . وقال أبو حنيفة : لا يؤكل ما سمي عليه المسيح . وقال
الشافعي : لا يحل ما ذبح لغير الله ولا ما ذبح للأنصاب .
ورخص في ذلك آخرون / روي ذلك عن عبادة بن الصامت ، [٢/ ق٢١٥ -ب]
وأبي الدرداء ، وأبي أمامة ، وقال عطاء والشعبي : قد أحل الله ما
أهل به لغير الله ؛ لأنه قد علم أنهم سيقولون هذا القول وأحل
ذبائحهم ، وإليه ذهب الليث وفقهاء أهل الشام : مكحول ، وسعيد
ابن عبد العزيز ، والأوزاعي قالوا : سواء سمى المسيح على ذبيحته ،
أو ذبح لعيد أو كنيسة ، كل ذلك حلال ؛ لأنه كتابي ذبح لدينه ،
وكانت هذه ذبائحهم قبل نزول القرآن ، وأحلها الله في كتابه .
(١) المائدة : ٣ .
- ٤٠٩ -

قال المؤلف : وإذا ثبت أن ما ذبحوه لكنائسهم ، وأعيادهم ، وما
أهلوا به لغير الله من طعامهم المباح لنا ، فلا حجة لمن حرمه ومنعه .
باب : قول النبي - عليه السلام - :
فلیذبح على اسم الله
فيه: [ جُندب] (١) بن سفيان: (( ضحينا مع النبي - عليه السلام -
أضحاة ذات يوم ، فإذا ناس قد ذبحوا ضحاياهم قبل الصلاة ، فلما
انصرف رآهم النبي - عليه السلام - أنهم قد ذبحوا قبل الصلاة فقال :
من ذبح قبل الصلاة فليذبح مکانها أخری ، ومن لم يذبح حتی صلینا
فليذبح على اسم الله )) .
قال المهلب : قد تقدم أن التسمية من سنن الذبح .
وفيه العقوبة في المال ؛ لمخالفة السنة ، والتعزير عليها كما عاقب
الذين استعجلوا في ذي الحليفة ، وإنما اتجهت العقوبة بالمنع لهم كما
استعجلوه قبل وقته ، من أصل السنة أن من استعجل شيئًا قبل وجوبه
أنه يحرمه ، كمن استعجل الميراث حرمه أيضًا ، ومن استعجل الوطء
فنكح في العدة حرم ذلك أبدًا ، فكذلك هؤلاء الذين عجلوا
بالضحايا قبل وقتها حرموها عقوبة لهم .
باب : ما أنهر الدم من القصب والمروة والحديد
فيه : كعب بن مالك (( أن جارية لهم كانت ترعى بسَلْع فأبصرت شاة
من غنمها موتها فكسرت حجرًا فذبحتها ، فقال لأهله ::
--.
(١) هو جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي، وقد ينسب إلى جده ، وجاء في (
الأصل )) : حبيب ، وهو خطأ :.
- ٤١٠ -

لا تأكلوا حتى آتي النبي - عليه السلام - فأسأله. فأتى إليه، فأمر عليه
السلام بأكلها » .
وفيه : رافع « أنه قال: يا رسول الله ، ليس لنا مُدى . قال : ما أنهر الدم
وذكر اسم الله فكل ليس السن والظفر ، أما الظفر فمدى الحبشة وأما
السن فعظم )) .
وترجم لحديث رافع باب (( لا يذكى بالسن والعظم والظفر)).
المروة : الحجارة البيض ، وقيل : إنها الحجارة التي يقدح منها النار.
واختلف العلماء فيما يجوز أن يذبح به . فقالت طائفة : كل ما
ذكي به من شيء أنهر الدم وفرى الأوداج ولم يشرد جازت به الذكاة
إلا السن والظفر ؛ لنهي النبي عنهما ، وإن كانا منزوعين ، هذا قول
النخعي والليث والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور ، واحتجوا
بحديث نافع ، وقال مالك وأبو حنيفة : كل ما فرى الأوداج وأنهر
الدم تجوز الذكاة به ، وتجوز بالسن والظفر المنزوعين ، فأما إن كانا
غير منزوعين ، فإنه لا يجوز ذلك ؛ لأنه يصير خنقًا ، وفي ذلك ورد
النهي ، وكذلك قال ابن عباس : ذلك الخنق ؛ لأن ما ذبح به إنما
يذبح بكف لا بغيرها ، فهو مخنوق ، وكذلك ما نهي عنه من السن
إنما هو المركبة ؛ لأن ذلك يكون عضا ، فأما إن كانا منزوعين وفريا
الأوداج فجائز الذكاة بهما؛ لأن في حكم الحجر كل ما قطع ولم يُشْرد
. وإذا جازت التذكية بغير الحديد ، جازت بكل شيء في معناه.
وذكر الطحاوي : أن طائفة ذهبت إلى أنه تجوز الذكاة بالسن
والظفر المنزوعين وغير المنزوعين ، واحتجوا بما روى سفيان [ عن ] (١)
(١) سقطت من ((الأصل)).
- ٤١١ -

سماك بن حرب ، عن مُرِيّ بن قَطَرِيّ ، عن رجل من بني [ثعلب](١)
عن عدي بن حاتم (( قلت : يا رسول الله ، أرسل كلبي فيأخذ
الصيد، فلا يكون معي ما يذكيه به إلا المروة والعصا . قال : أنهر الدم
بما شئت ، واذكر اسم الله)).
[٢/ق٢١٦-٢]
وحديث رافع أصح من هذا الحديث / فالمصير إليه أولى ، ولو
صح حديث عدي فكان معناه : أنهر الدم بما شئت إلا بالسن والظفر،
وزاد الطبري : وما كان نظيراً لهما ، وهو القرن . قالا : وهذه زيادة
وتفسير لحديث عدي يجب الأخذ بها .
وفي حديث عدي جواز ذبيحة المرأة ، وهو قول جمهور الفقهاء
وذلك إذا أحسنت الذبح ، وكذلك الصبي عندهم إذا أحسن الذبح ،
واحتجوا بحدیث کعب . واحتج الفقهاء بحدیث کعب على جواز كل
ما ذبح بغير إذن مالكه ، وردوا بهذا الحديث على من أبى من أكل
ذبيحة السارق (٢) ، وهو قول يروى عن عكرمة وطاوس، وبه قال
أهل الظاهر وإسحاق ، وهو شذوذ لا يلتفت إليه ، والناس على
خلافه .
وقال ابن المنذر : وليس بين ذبيحة السارق وذبيحة المحرم فرق .
قال المهلب : فيه تصديق الراعي والأجير فيما اؤتمن عليه حتى يظهر
عليه دليل الخيانة والكذب .
(١) من شرح المعاني (١٨٣/٤) وغيره، وفي ((الأصل)): تعد وهو خطأ.
(٢) في (( الأصل)): السارق والسارق. كذا! ولعل الثانية تكرار أو محرفة من غيرها ..
- ٤١٢ -

باب : ذبيحة الأعراب ونحوهم
فيه : عائشة: (( أن قومًا قالوا للنبي - عليه السلام - : إن قومًا يأتوننا
باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا . فقال : سموا الله أنتم عليه
وكلوه. قالت : وكانوا حديثي العهد بكفر)).
قال المهلب : هذا أصل أن التسمية في الذبح ليست بفرض ، ولو
كانت فرضًا لاشترطت على كل حال . والأمة مجمعة أن التسمية على
الأكل مندوب إليه ، وليست بفريضة ، فلما نابت عن التسمية على
الذبح دل أنها سنة ؛ لأنه لا ينوب عن فرض ، وهذا الحديث يدل أن
حديث عدي بن حاتم وأبي ثعلبة محمولان على التنزه من أجل أنهما
كانا صائدين على مذهب الجاهلية فعلمهما أمر الصيد والذبح دقيقه
وجليله ، لئلا يواقعا شبهة من ذلك ، ويأخذا بأكمل الأمور في بدو
الأمر فعرَّفهم عليه السلام .
وهؤلاء القوم جاءوا مستفتين لأمر قد وقع ويقع من غيرهم ، ليس
لهم فيه قدرة على الأخذ بالكمال في بدئه ، فعرفهم عليه السلام
بأصل ما أحله الله لهم ، ولم يقل لعدي : إنك إن فعلت فإنه حرام ،
ولكن قال له: (( لا تأكل فإني أخاف )) فأدخل عليه الشبهة التي يجب
التنزه عنها ، والأخذ بالأكمل قبل مواقعتها . ويدل على صحة هذا
المعنى أنه قد يشتد قبل وقوع الأمر ولا يشتد بعد وقوعه : قصةُ اللعن
لشارب الخمر قبل شربها ، ونهيه عن اللعنة بعد شربها بقوله عليه
السلام: (( لا تعينوا الشيطان على أخيكم)).
- ٤١٣ -

باب : ذبائح أهل الكتاب وشحوم أهل الحرب وغيرهم
وقوله : ﴿ الیوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل
لكم وطعامكم حل لهم﴾ (١)
وقال الزهري : لا بأس بذبيحة نصارى العرب ، وإن سمعته يسمي
لغیر الله فلا تأکل ، فإن لم تسمعه فقد أحله الله ، وعلم كفرهم . ویذکر
عن عليٌّ نحوه. وقال الحسن وإبراهيم: لا بأس بذبيحة الأقلف .
وقال ابن عباس : طعامهم : ذبائحهم .
فیه : عبد الله بن مغفل : « کنا محاصری قصر خیبر ، فرمی إنسان
بجراب فيه شحم ، فنزوت الآخذه ، فالتفت فإذا النبي - عليه السلام -
فاستحییت منه ) .
قال المؤلف : أباح الله لعباده المؤمنين ذبائح أهل الكتاب بقوله
تعالى : ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ﴾ (١) وأجمعوا أنه أريد
بطعامهم في هذه الآية ذبائحهم . واختلفوا في شحومهم المحرمة
عليهم إذا ذكوها ، فكرهها مالك ، وقال ابن القاسم وأشهب : إنها
حرام . وأجاز أكلها الكوفيون والثوري والأوزاعي والليث والشافعي ،
واعتل من حرمها بأن الله إنما أباح لنا ما كان طعامًا لهم من ذبائحهم،
(٥/٢ ٢١٦-ب) والشحم ليس بطعام لهم / فدليله أن ما ليس بطعام لهم فلا يحل لنا،
وأيضًا فإنهم لا يقصدونه بالذكاة ، والذكاة تحتاج إلى قصد ، بدليل
أنها لا تصح من المجنون والمبرسم ، فجرت مجرى الدم الذي في
الشاة .
قال المهلب : والحجة لمن أجازها : أن الشحوم محرمة عليهم
(١) المائدة : ٥ .
- ٤١٤ -

لا علينا ؛ لأن ذبائحهم حلال لنا ، فما وقع تحت ذبائحهم مما هو في
شريعتنا مسكوت عنه بالتحريم فهو حلال بإطلاق الله لنا .
فإن قيل : لَمَّا لم تعمل ذكاتهم في الدم شيئًا لم يجب أن تعمل
في الشحوم . قيل : الدم منصوص على تحريمه علينا ، وعلى كل
أمة. والشحوم محرمة عليهم لا علينا . ألا ترى قوله تعالى : ﴿قل
لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا ... ﴾(١) الآية، وليس للشحوم فيها ذكر.
قال ابن القصار : ومن حجة من لم يحرمها أن التذكية لا تقع على
بعض الشاة دون بعض ، ولما كانت الذكاة شائعة في جميعها دخل
الشحم في التذكية ؛ لأنها إذا ذكيت ذبحت كلها ، ثم إذا فصل
الشحم فهو المحرم عليهم ، وكرهناه نحن بعد أن سبقت الذكاة فيه ،
وحديث ابن مغفل في قصة جراب الشحم واضحة في جوازه ؛ لأنه
لو كان حرامًا لزجره عنه عليه السلام ، وأعلمه تحريمه ؛ لأنه يلزمه
فرض التبليغ ، وبيان ما أنزل إليه من ربه ، إذْ كان الأغلب أن يهود
خيبر لا يذبح لهم مسلم ، ويحتمل أن يكون ذلك الشحم الذي في
الجراب [ من ] (٢) الشحم الذي لم يحرم عليه؛ إذ الآية [حرمت] (٢)
بعض الشحم دون بعض .
وقوله: ((فنزوت الآخذه)) قال صاحب الأفعال : نزى نزوًا ونزا
ونزوانًا : وثب . ونزى على الشيء : ارتفع .
وقد تقدم الاختلاف في ذبائح أهل الكتاب للأصنام في باب :
((ماذبح على النصب والأصنام)) ويذكر ما لم يذكر هناك.
ذكر البخاري عن علي : أنه أجاز ذبائح نصارى العرب إن لم
تسمعه يسمي لغير الله .
(١) الأنعام : ١٤٥ .
(٢) مطموس في (( الأصل)) وأثبته لأن السياق يدل عليه .
- ٤١٥ -

وذكر الطبري عن علي في نصارى بني تغلب خلاف ما ذكره
البخاري .
روي عن [ عبيدة ] (١) عن علي أنه سأله عن ذبائح نصارى العرب
فقال : لا تأکل ذبائحهم ، فإنهم لم یتمسكوا من دینهم إلا بشرب
الخمر، وهو قول ابن سيرين والنخعي . وقال مكحول : لا تأكلوا
ذبائح بني تغلب ، وکلوا ذبائح تنوخ وبهذا ( ) (٢) فمن نهى عن
أكل ذبائحهم ، فيجب على مذهبه أن ينهى عن نكاح نسائهم .
وقال آخرون : أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم حلال ، روي ذلك عن
ابن عباس وقرأ : ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ (٣) وعن الشعبي
والحسن وعطاء والحكم مثله .
قال الطبري : فإذا كان الاختلاف بين بني تغلب موجودًا بين
السلف، وكانت تغلب تدين بالنصرانية ، ولا تدفع الأمة أن عمر أخذ
منها الجزية بين ظهراني المهاجرين والأنصار من غير نكير ، وكان أخذه
ذلك بمعنى أنهم أهل كتاب ، لا بمعنى أنهم مجوس ، صح أنهم أهل
كتاب ، وأن ذبائحهم ونساءهم حلال للمسلمين ..
وأما ذبيحة الأقلف فروي عن ابن عباس أنها لا تؤكل .
قال ابن المنذر واتفق عوام أهل الفتيا من أهل الأمصار على
جوازها؛ لأن الله أباح ذبائح أهل الكتاب ، وفيهم من لا يختتن ،
فذبيحة المسلم الذي ليس بمختون أولى بالإباحة .
(١) هو السلماني كما رواه الشافعي وعبد الرزاق ، عن محمد بن سيرين عنه. راجع
فتح الباري (٥٥٣/٩)، ووقع في ((الأصل)): عبيد. وهو خطأ.
(٣) المائدة : ٥١ .
(٢) كلمة لم أستطع قراءتها .
- ٤١٦ -

فإن قيل : فما معنى قوله: ﴿وطعامكم حل لهم﴾(١) وهم لا يؤمنون
بالقرآن ؟
قال ابن قتيبة : فالذي عندي أن القصد بالتحليل لنا ، وإن كان
القول لهم كأنه قال : أحل لكم طعام أهل الكتاب أن تأكلوه ، وأحل
لكم أن تطعموهم طعامكم ، ولو لم يقل : ﴿وطعامكم حل لهم﴾
لم نعلم إن كان يجوز لنا أن نطعم الكفار طعامنا .
*
باب : ما نَدّ من البهائم
فهو بمنزلة [ الوحش ] (٢) وأجازه ابن مسعود .
قال ابن عباس : ما أعجزك من البهائم مما في يديك فهو كالصيد ،
وفي بعير تردى في بئر فذكه من حيث قدرت عليه ، ورأى ذلك علي
وابن عَمر وعائشة .
فيه: / رافع قلت: (( يا رسول الله، إنا ملاقو العدو غدًا، وليست معنا (٢/ ٢١٧٥-٢)
مُدى ، فقال : أعجل أو أرني ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكل ليس السن
والظفر . وأصبنا نهب إبل وغنم ، فندّ منها بعير ، فرماه رجل بسهم،
فحبسه . فقال عليه السلام : إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فإذا
غلبکم منها شيء فافعلوا به هكذا )» .
اختلف العلماء في الإنسي الذي لا يحل إلا بالذكاة في الحلق
واللبة إذا توحش فلم يقدر عليه ، أو وقع في بئر فلم يوصل إلى حلقه
ولبته ، فذهبت طائفة من العلماء إلى أنه يقتل بما يقتل به الصيد ،
(١) المائدة : ٥ .
(٢) من الصحيح المطبوع وهو واضح، وفي ((الأصل)): الرجس ، كذا .
- ٤١٧ -

ويجوز أكله . روى ذلك البخاري عن خمسة من الصحابة ، وقاله من
التابعين عطاء وطاوس ، ومن الفقهاء : الثوري ، وسائر الكوفيين ،
والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور .
وقال ابن المسيب : لا يكون ذكاة كل إنسية إلا بالذبح والنحر ، وإن
شردت لا تحل بما يجل به الصيد . وهو قول ربيعة ومالك والليث .
واحتج الكوفيون بحديث رافع بن خديج ، وقالوا : موضع الدلالة
من الحديث من وجهين : أحدهما : أنه لو كان رمى فلم ينكر النبي
عليه الرمي ؛ بل أقره عليه ، وإباحة مثل ذلك الرمي بأن قال :
(اصنعوا به هكذا)) ومن خالفنا لا يجيز رميه .
والدلالة الثانية : قوله : ((إن لها أوابد كأوابد الوحش)) ورسول الله
لا يعلمنا اللغة ، وإنما يعلمنا الحكم ، فعلم أنه أراد أنه يصير حكمه
حكم الوحشي في الذكاة. قالوا : ومن جهة القياس أنه لما كان
الوحشي إذا قدر عليه لم يحل إلا بما يحل به الإنسي ؛ لأنه صار
مقدوراً عليه ، فكذلك ينبغي في الإنسي إذا توحش وامتنع أن يحل بما
يحل به الوحشي .
واحتج الآخرون فقالوا : لا تلزم هذه الحجة ؛ لو كان المستأنس إذا
استوحش كالوحشي في الأصل ، لوجب أن يكون حكمه حكم
الوحشي في الجزاء فيه إذا قتله المحرم ، وفي أنه لا يجوز في الضحايا
والعقيقة ، ويجب أن يصير ملكًا لمن أخذه ولا شيء على قاتله .
قال مالك : لو أن رجلا رماها فقتلها غرمها ، ولم يحل له أكلها،
ولو كانت بمنزلة الصيد حلت له ، فلما أجمعنا على أن جميع أحكامه
التي كانت عليه قبل أن يتوحش لم تزل ولم تتغير ، وكانت كلها
بخلاف الوحشي في الأصل ، كذلك الذكاة . وأما احتجاجهم
بحديث رافع بن خديج فنقول : يجوز إذا نَدَّ ولم يقدر عليه أن يرميه
- ٤١٨ -

ليحبسه ثم يلحقه فيذكيه ، وهذا معنى قوله عليه السلام: (( فاصنعوا
به هكذا) أي : ارموه لتحبسوه ، ثم ذكوه ، ولم يُرد قتله كما يقتل
الوحشي ، قاله ابن القصار ، وقد تقدم بعض هذا المعنى في أول
کتاب الذبائح.
وقوله: (( أعجل أو أرني ما أنهر الدم )) وهكذا وقعت هذه اللفظة
في رواية الفربري بالألف والراء والنون والياء بعدها . ولم أجد لها
معنى يستقيم به الكلام ، وأظنها مصحفة - والله أعلم .
وقال الخطابي : هذا حرف طالما استثبت فيه الرواة ، وسألت عنه
أهل العلم باللغة فلم أجد عند واحد منهم شيئًا يقطع بصحته ، وقد
طلبت له مخرجًا فرأيته يتجه لوجوه : أحدها : أن يكون مأخوذًا من
قولهم: أران القوم فهم مُرينون ، إذا هلكت مواشيهم ، فيكون معناه:
أَهْلِكْهَا ذبحًا وأزهق أنفسها بكل ما أنهر الدم غير السن والظفر ، هذا
إذا رويته بكسر الراء على رواية أبي داود السجستاني .
والوجه الثاني : أن يقال : ( أرأن ) (١) القوم مهموز على وزن
أعْرَنْ من أَرِنَ يَأْرَنُ أَرنا إذا نشط وخَفَّ، يقول: خفّ وأعجل لئلا
يقتلها خنقًا ، وذلك أن غير الحديد لا يمور في الذكاة موره ،
و[الأرن](٢) الخفة والنشاط، يقال في مثل سَمِنَ فَأَرِنَ أي: بَطِرَ .
والوجه الثالث : أن يكون أَرْنِ بمعنى: أَدِمِ الحَزَّ ولا تفتر من
(١) من (( الأصل)) وفتح الباري (٥٥٥/٩) عن الخطابي ، وسيأتي في تعقب بعض
أئمة اللغة والنقد على هذا الموضع ما يدل على أن المثبت هنا هو المراد في كلام
الخطابي، ووقع في ((غريب الحديث)) المطبوع (٣٨٦/١): اثرن بتقديم الهمزة
على الراء ، وهو خطأ هنا ؛ لأن هذا هو الذي صوبه بعض الأئمة الذين نقل
عنهم ابن بطال ، تعقيبًا على كلام الخطابي ، وبالله التوفيق .
(٢) من غريب الحديث، وفي ((الأصل)»: اللارن ، كذا.
- ٤١٩ -

قولك: رَنَوْت النظر إلى الشيء إذا أدمته أو يكون أراد : أدم النظر إليه
وراعه ببصرك لا ( تزول ) (١) عن المذبح .
قال الخطابي : وأقرب من هذا كله : أن يكون أرزّ بالزاي من
قولك: أرزّ الرجل أصبعه إذا أناخها في الشيء ، وأرزّت الجرادة
إرزازًا، إذا أدخلت ذنبها في الأرض لكي تبيض . وارتز السهم في
(٢/ ٢١٧٠-ب) الجدار إذا ثبت ، هذا إن ساعدته رواية / والله أعلم بالصواب :
قال الخطابي : حدثنا به ابن داسة عن أبي داود قال : أرِن مكسورة
الراء على وزن عرِن ، ورواه البخاري ساكنة الراء على وزن عرْن ،
هكذا حدثني الخيام عن إبراهيم بن مغفل عنه .
قال المؤلف : فعرضت قول الخطابي على بعض أئمة اللغة والنقد
في كلام العرب فقال لي : أما الوجه الأول الذي قال : هو مأخوذ
من قولهم : أرن القوم فهم مرینون . فلا وجه له ؛ لأن أران لا يتعدى
إلى مفعول لا تقول أران الرجل غنمه ولا أرن غنمك ..
وقوله في الوجه الثاني : أرأن على وزن أعرن خطأ ؛ لاجتماع
همزتين في كلمة إحداهما ساكنة ، وإنما تقول في الأمر من هذه اللفظة
اثرن ، بياء بعد همزة الوصل بدلا من الهمزة التي هي فاء الفعل ؛
لأن المستقبل منها يأرن ، والأمر إنما يكون في الفعل المستقبل .
قال المؤلف : وهذا الوجه أولى بالصواب - والله أعلم - فكأنه
قال عليه السلام : أعجل وانشط في الذبح ؛ لأن السنة فيه سرعة
الإجهاز على المذبوح بخلاف فعل الجاهلية في تعذيب الحيوان ،
ويمكن أن يكون ((أو)» جاءت لشك المحدث في أي اللفظين قال عليه
(١) في المصدر السابق : يزلّ .
- ٤٢٠ -