النص المفهرس
صفحات 281-300
عليهم إلا بعد الصلح ، فإن الأرض لهم ، وإن أسلموا فهي لهم أيضًا، ويسقط عنهم خراج أرضهم و() (١) . وقال ابن حبيب : من أسلم من أهل العنوة أحرز نفسه وماله ، وأما الأرض فللمسلمين ، وماله وكلَّ ما كسب له ؛ لأن من أسلم على شيء في يده كان له ، والحجة لقول الشافعي أن الأرض تقسم كما قسم رسول الله خيبر ، وتأول قوله تعالى : ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ﴾ (٢) فدخل في هذا العموم الأرض وغيرها فوجب. قسمها . قال ابن المنذر : وذهب الشافعي إلى أن عمر استطاب أنفس الذين افتتحوا الأرض ، وأنكر أبو عبيد أن يكون استطاب أنفسهم . وذهب الكوفيون إلى أن عمر حدث عن الرسول أنه قسم خيبر ، وقال : لولا آخر الناس لفعلت ذلك ( فقد بَيَّن أن الحكمين جميعًا إليه ، لولا ذلك)(٣) ما تعدى سنة / رسول الله إلى غيرها ، وهو يعرفها . [٢/ ق ١٩٠ -ب] قال الطحاوي : ومن الحجة في ذلك ما رواه إبراهيم بن طهمان ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : أفاء الله خيبر ، فأقرهم على ما كانوا، وجعلها بينه وبينهم ، وبعث ابن رواحة يخرصها عليهم ، فثبت أن رسول الله لم يكن قسم خيبر بكمالها ، ولكنه قسم منها طائفة على ما ذكره عمر ، وترك منها طائفة لم يقسمها على ما روى جابر ، وهي التي خرصها عليهم ، والذي كان قسم منها وهو الشق النطاة ، وترك سائرها فعلمنا أنه قسم منها وترك ، فللإمام أن يفعل من ذلك ما رآه صلاحًا . (٢) الأنفال : ٤١ . (١) في ((الأصل)) صورتها : جماجهم. (٣) كتب هذا اللحق في الهامش بخط مغاير ، ولا بَدَّ منه هنا فكأنه سقط من الناسخ ، فاستدركهم بعضهم عند المقابلة بالأصل ، أو نحو ذلك . - ٢٨١ - واحتج عمر في ترك قسمة الأرض بقوله : ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول﴾ إلى قوله: ﴿ للفقراء المهاجرين﴾(١)، ﴿والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم﴾ إلى ﴿ والذين جاءوا من بعدهم ... ﴾ (٢) الآية. وقال عمر : هذه الآية قد استوعبت الناس كلهم ، فلم يبق أحد إلا له في هذا المال حق ، حتى الراعي بعدله . قال أبو عبيد : وإلى هذه الآية ذهب علي ومعاذ ، وأشارا على عمر بإقرار الأرض لمن يأتي بعد . قال إسماعيل : فكان الحكم بهذه الآية في الأرض أن تكون موقوفة كما تكون الأوقاف التي يقفها الناس أصلها محبوس ، ويقسم ما يخرج منها ، فكان معنى قول عمر : لولا الحكم الذي أنزل الله في القرآن لقسمت الأصول ، وهذا لا يشكل على ذي نظر ، وعليه جرى المسلمون ورأوه صوابًا . قال إسماعيل : والذين قاتلوا حتى غنموا لم يكن لهم في الأصل أن يعطوا ذلك ؛ لأنهم إنما قاتلوا لله لا للمغنم ، ولو قاتلوا للمغنم لم يكونوا مجاهدين في سبيل الله . قال عمر : إن الرجل ليقاتل للمغنم ، ويقاتل ليُرى مكانه ، وإنما المجاهد من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا . فلما كان أصل الجهاد أن يكون خالصًا لله ، وكان إعطاؤهم ما أعطوا من المغانم ، إنما هو تفضل من الله على هذه الأمة - أعطوا ذلك في وقت ، ومنعوه في وقت، فأعطوا من المغانم ما ليس له أصل يبقى فاشترك فيه المسلمون كلهم ، ومنعوا الأصل الذي يبقى، فلم يكن في ذلك ظلم لهم ؛ لأن (١) الحشر : ٧ - ٨ . (٢) الحشر : ٩ - ١٠ . ٠٠ - ٢٨٢ - ثواب الله الذي قصدوه جَارٍ لهم في كل شيء ينتفع به من الأصول التي افتتحوها ، ما دامت وبقيت . وحكى الطحاوي عن الكوفيين أن الإمام إذا أقرهم أرض العنوة أنها ملك لهم ، يجري عليهم فيها الخراج إلى الأبد أسلموا أو لم يسلموا، وإنما حملهم على هذا التأويل أنهم قالوا : إن عمر جعل على جريب النخل في أرض السواد بالعراق شيئًا معلومًا في كل عام ، فلو لم تكن لهم الأرض لكان يبيع التمر قبل أن يظهر . قال أبو جعفر الداودي : ولا أعلم أحدًا من الصحابة قال بقول أهل الكوفة . واحتج من خالفهم بأن الأرض كلها كانت لا شجر فيها فإنما اعتبر ما يصلح أن يوضع فيها ، فمن اكترى ما يصلح أن يزرع فيه البُرُّ جعل عليه بقدر ذلك ، وإن اكترى ما يصلح أن يزرع فيه الشعير جعل عليه بقدر ذلك ، ومن اكترى ما يصلح أن يجعل فيه الشجر جعل عليه بقدر ذلك ، لا على أن الشجر كانت في الأرض يومئذ . قال المؤلف : قول الكوفيين مخالف للكتاب والسنة ؛ إِذْ حَلَّت الغنائم للمسلمين ، فإذا افتتحت الأرض فاسم الغنيمة واقع عليها كما يقع على المال سواء ، فإن رأى الإمام أبقى الأرض لمن يأتي بعد ، فإنما يبقيها ملكًا للمسلمين من أجل أنها غنيمة ، كما فعل عمر ، فمن زعم أن الأرض تبقى ملكًا للمشركين فهو مضاد لحكم الله وحكم رسوله ، فلا وجه لقوله . وروى الليث ، عن يونس ، عن ابن شهاب أن رسول الله افتتح خيبر عنوة بعد القتال ، وكانت مما أفاء الله على رسوله ، فخمسها وقسمها بين المسلمين ، وترك من ترك من أهلها على الجلاء بعد القتال - ٢٨٣ - فدعاهم الرسول فقال : إن شئتم دفعت إليكم هذه الأموال على أن تعملوا بها ، ويكون ثمرها بيننا وبينكم ، وأقركم ما أقركم الله . فقبلوا الأموال على ذلك ، وروى يحيى بن سعيد ، عن بشير بن يسار [٥/٢ ١٩١ -١] أن رسول الله لما قسم خيبر عزل نصفها / لنوائبه وما ينزل به ، وقسم النصف الباقي بين المسلمين فلما صار ذلك بيد رسول الله لم يكن له من العمال ما يكفونه عملها ، فدفعها رسول الله إلى اليهود ليعملوها على نصف ما يخرج منها ، فلم يزل الأمر على ذلك حياة النبي ، وحياة أبي بكر حتى كان عمر وكثر العمال في أيدي المسلمين ، وقروا على عمل الأرض ، وأجلى عمر اليهود إلى الشام ، وقسم الأموال بين المسلمين إلى اليوم ، فهذا كله يرد قول الكوفيين ، ويبين أنهم إنما أبقوا في الأرض عمالا للمسلمين فقط ، فلما أغنى الله عنهم أُخرجوا منها . باب : من قاتل للمغنم هل ينقص من أجره فيه : أبو موسى قال: (( قال أعرابي للنبي - عليه السلام - : الرجل يقاتل للمغنم ، والرجل يقاتل ليذكر ، ويقاتل ليرى مكانه ، مَنْ في سبيل الله ؟ قال : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)). قال المهلب : من قاتل في سبيل الله ونوى بعد إعلاء كلمة الله ما شاء فهو في سبيل الله ، والله أعلم بمواقع أجورهم ، ولا يصلح لمسلم أن يقاتل إلا ونيته مبنية على الغضب لله ، والرغبة في إعلاء كلمته ، ويدل على ذلك أنه قد يقاتل من لا يرجو أن يسلبه من عريان ، ولا شيء معه، فيغرر مهجته مستلذا لذلك، ولو أعطي ملء الأرض على - ٢٨٤ - أن يغرر مهجته في غير سبيل الله ما غرر ، ولكن سهل عليه ركوب ذلك استلذاذًا بإعلاء كلمة الله ، ونكاية عدوه والغضب لدينه . وقد تقدم في باب قوله عليه السلام: (( الأعمال بالنيات)) في كتاب الإيمان أن ما كان ابتداؤه فيه من الأعمال لله لم يضره بعد ذلك ما عرض في نفسه ، وخطر بقلبه من حديث النفس ووسواس الشيطان، ولا يزيله عن حكمه إعجاب المرء اطلاع العباد عليه بعد مضيه على ما ندبه الله إليه ، ولا سروره بذلك ، وإنما المكروه أن يبتدئه بنية غير مخلصة لله ، فذلك الذي يستحق عامله عليه العقاب . باب : قسمة الإمام ما يقدم عليه ويخبأ لمن لم يحضره أو غاب عنه فيه : المسور: (( أهديت للنبي - عليه السلام - أقبية من ديباج مزردة بالذهب ، فقسمها في ناس من أصحابه ، وعزل منها واحدًا لمخرمة ، فجاء مخرمة إلى النبي - عليه السلام - فسمع صوته ، فأخذ قباء فتلقاه به واستقبله بأزراره ، فقال : يا أبا المسور ، خبأت لك هذا - مرتين - وكان في خلقه ( شدة) (١) )) . قال المؤلف : ما أهدي للنبي من هدايا المشركين فحلال له أخذه ؛ لأنه مخصوص بما أفاء الله عليه من غير قتال من أموال الكفار ، ويكون له دون سائر الناس ، وله أن يؤثر به من شاء ، ويمنع منه من شاء ، كما يفعل بالفيء ، ولذلك خبأ القباء لمخرمة ، ومن بعده من الخلفاء بخلافه في ذلك لا يكون له خاصة دون المسلمين ؛ لأنه إنما (١) في الصحيح المطبوع (٢٦١/٦): شيء. - ٢٨٥ - أهدي إليه ؛ لأنه أميرهم ، ويأتي القول في هدايا المشركين في باب الهبة - إن شاء الله وفيه ما كان عليه النبي من كريم الخلق ولين الكلمة ، والتواضع ، ألا ترى أنه استقبل مخرمة بأزرار القباء ، وكناه مرتين وألطف له في القول، وأراه إيثاره و[ اعتناءه ] (١) به في مغيبه؛ لقوله: (( خبأت لك هذا)) لما علم من شدة خلقه ، فترضاه بذلك ، فينبغي الاقتداء به في فعله عليه السلام [٢/ ق١٩١ -ب] باب : كيف قسم / النبي - عليه السلام - قريظة والنضير ، وما أعطى من ذلك في نوائبه فيه : أنس: (( كان الرجل يجعل للنبي - عليه السلام - النخلات ، حتى افتتح قريظة والنضير ، فكان بعد ذلك يرد عليهم )) . قوله: (( كان الرجل يجعل للنبي النخلات)) والرجل : الثلاث ، كل واحد على قدر جدته وطيب نفسه ، مواساة للنبي ومشاركة له لقوته ، وهذا من باب الهدية لا من باب الصدقة ؛ لأنها محرمة عليه ، أما سائر المهاجرين فكانوا قد نزل كل واحد منهم على رجل من الأنصار فواساه وقاسمه ، فكانوا كذلك إلى أن فتح الله الفتوح على الرسول ، فرد عليهم ثمارهم ، فأول ذلك النضير كانت مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب ، وانجلى عنها أهلها بالرعب فكانت خالصة لرسول الله دون سائر الناس، وأنزل الله فيهم: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب﴾(٢) (١) في ((الأصل)): اعتناؤه. (٢) الحشر: ٦ . - ٢٨٦ - فحبس منها رسول الله لنوائبه وما يعروه ، وقسم أكثرها في المهاجرين خاصة دون الأنصار ، وذلك أن النبي - عليه السلام - قال للأنصار : إن شئتم قسمت أموال بني النضير بينكم وبينهم ، وأقمتم على مواساتكم في ثماركم ، وإن شئتم أعطيتها المهاجرين دونكم ، وقطعتم عنهم ما كنتم تعطونهم من ثماركم . قالوا : بل تعطيهم دوننا ونقيم على مواساتهم ، وأعطى رسول الله المهاجرين دونهم فاستغنى القوم جميعًا ، استغنى المهاجرون بما أخذوا ، واستغنى الأنصار بما رجع إليهم من ثمارهم . وأما قريظة فإنها نقضت العهد بينها وبين النبي ، وتحزيت مع الأحزاب ، وكانوا كما قال الله فيهم : ﴿ إذ جاءوكم من فوقكم ﴾ قريظة ، ولم يكن بينهم وبين النبي خندق ﴿ ومن أسفل منكم ﴾ الأحزاب ﴿وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر﴾(١) فأنزل الله نصره ، وأرسل الريح على الأحزاب فلم تدع بناء إلا قلعته ، ولا إناء إلا قلبته ، فانصرفوا خائبين كما قال الله - تعالى - : ﴿وردَّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا ﴾ (٢) الآية . فلما انصرف رسول الله من الأحزاب سار إلى قريظة ، فحاصرهم ، حتى نزلوا على حكم سعد ، فحكم فيهم بأن تقتل المقاتلة ، وتسبى الذرية ، فقسمها النبي في أصحابه ، وأعطى من نصيبه في نوائبه . قال إسماعيل بن إسحاق : وزعموا أن هذه الغنيمة أول غنيمة قسمت على السهام جُعل للفرس ولصاحبه ثلاثة أسهم ، وللراجل سهم . # (١) الأحزاب : ١٠. (٢) الأحزاب : ٢٥ . - ٢٨٧ - باب : بركة الغازي في ماله حيا وميتا مع النبي - عليه السلام - وولاة الأمر فيه : ابن الزبير : (( لما وقف الزبير يوم الجمل دعاني ، فقمت إلى جنبه ، فقال : يا بني ، لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم ، وإني لا أُراني إلا سأُقتل اليوم مظلوماً ، وإن من أكبر همي لَدَيْنِي أَفَتُرى ديننا يُبقي من مالنا شيئًا . فقال : يا بني ، بع ما لنا واقض ديني . وأوصي بالثلث وثُلثه لبنيه - يعني : بني عبد الله بن الزبير - يقول : ثلث الثلث ؛ فإن فضل من مالنا فضل بعد قضاء الدين فثلثه لولدك . قال هشام (١) : وكان بعض ولد عبد الله قد وازی بعض بني الزبير - خبيب وعباد - وله يومئذ تسع بنين وتسع بنات ، فجعل يوصي بدينه ويقول : يا بني ، إن عجزت عن شيء منه فاستعن علیه مولاي . قال : فوالله ما دریت ما أراد ، فقلت : يا أبة ، من مولاك ؟ قال : الله . قال : فوالله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت : يا [مولى ] (٢) الزبير ، اقض عنه دينه ، فيقضيه ؛ فقتل الزبير - رضي الله عنه - ولم يترك دينارًا ولا درهمًا إلا أرضين منها الغابة ، وأحد عشر دارًا بالمدينة ، ودارين بالبصرة ، ودارًا بالكوفة ، ودارًا بمصر ، وقال : وإنما كان دينه الذي علیه أن الرجل کان یأتیه بالمال فیودعه إياه ، فيقول [١٩٢٥/٢ -ب) الزبير : لا ولكنه سلف / فإني أخشى عليه الضيعة ، وما ولي إمارة قط ، ولا جباية خراج ولا شيء إلا أن يكون في غزوة مع النبي - عليه السلام- أو مع أبي بكر وعمر وعثمان . قال عبد الله بن الزبير : فحسبت ما عليه من الدين، فوجدته ألفي ألف ومائتي ألف . قال [ فلقي ] (٣) حكيم بن حزام عبد الله بن الزبير فقال : يا ابن أخي ، كم على أخي من (١) هو ابن عروة بن الزبير . (٢) في (( الأصل)) : مولاي . خطأ. (٣) في ((الأصل)) : فلقيني . خطأ . - ٢٨٨ - الدين ؟ فكتمه ، وقال : مائة ألف . فقال حكيم : والله ما أرى أموالكم تسع لهذه . فقال عبد الله : أفرأيتك إن كان ألفي ألف ومائتي ألف ؟ قال: ما أراكم تطيقون هذا . قال : فإن عجزتم عن شيء منه فاستعينوا بي . قال : وكان الزبير اشترى الغابة بسبعين ومائة ألف فباعها عبد الله بألف ألف وست مائة ألف ، ثم قام فقال : من كان له على الزبير حق فليوافنا بالغابة . فأتاه عبد الله بن جعفر - وكان له على الزبير أربعمائة ألف - فقال لعبد الله: إن شئتم تركتها لكم . فقال عبد الله : لا . قال : فإن شئتم جعلتموها فيما تؤخرون إن أخرتم . قال عبد الله : لا . قال : فأقطعوني قطعة . قال : عبد الله : لك من هاهنا إلى هاهنا . قال : فباع منها فقضى دينه فأوفاه ، وبقي منها أربعة أسهم ونصف ، فقدم على معاوية وعنده عمرو بن عثمان والمنذر بن الزبير وابن زمعة ، فقال له معاوية : كم قومت الغابة ؟ قال : كل سهم مائة ألف . قال : كم بقي ؟ قال : أربعة أسهم ونصف . قال المنذر بن الزبير : قد أخذت سهمًا بمائة ألف ، وقال عمرو بن عثمان : قد أخذت سهمًا بمائة ألف ، وقال ابن زمعة : قد أخذت سهمًا بمائة ألف . وقال معاوية : كم بقي ؟ قال : سهم ونصف . قال : أخذته بخمسين ومائة ألف . قالوا : وباع عبد الله بن جعفر نصيبه من معاوية بستمائة ألف . قال : فلما فرغ ابن الزبير من قضاء دينه قال بنو الزبير : اقسم بيننا ميراثنا . قال : والله لا أقسم بينكم حتی أنادي بالموسم أربع سنين : ألا من كان له على الزبير دین فليأتنا فلنقضه . قال : فجعل كل سنة ينادي في الموسم، فلما قضى أربع سنين قسم بینهم . قال : و کان للزبير أربع نسوة ، ورفع الثلث ، فأصاب کل امرأة ألف ألف ومائتي ألف فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائتي ألف )» . قال المؤلف: قوله: (( لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم)) معناه - والله أعلم - أن الصحابة في قتال بعضهم بعضًا ، كل له وجه من - ٢٨٩ - الصواب يعذر به عند الله، فلا يسوغ أن يطلق على أحد منهم أنه قصد الخطأ وقاتل على غير تأويل سائغ له ، هذا مذهب أهل السنة ، فكل واحد منهم مجتهد محق عند نفسه ، والقاتل منهم والمقتول في الجنة - إن شاء الله . والله يوسع لكل منهم رحمته كما سبقت لهم الحسنى . فإن قيل : فما معنى قوله : إلا ظالم أو مظلوم ؟ قيل : معناه : ظالم في تأويله عند خصمه ومخالفه ، ومظلوم عند نفسه إن قُتْل ، وإنما أراد الزبير أن يبين بقوله هذا أن تقاتل الصحابة الذين هم خير أمة أخرجت للناس ليس كتقاتل أهل البغي والعصبية الذي القاتل والمقتول فيه ظالم؛ لقوله عليه السلام: (( إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار)) لأنه لا تأويل لواحد منهم يعذر به عند الله، ولا شبهة له من الحق يتعلق بها ، فليس منهم أحد مظلوم بل كلهم ظالم . وكان الزبير وطلحة وجماعة من كبار الصحابة خرجوا مع عائشة أم المؤمنين لطلب قتلة عثمان ، وإقامة الحد عليهم ، ولم يخرجوا لقتال علي ؛ لأنه لا خلاف بين الأمة أن عليا أحق بالإمامة من جميع أهل زمانه ، وكان قتلة عثمان لجئوا إلى علي ، فرأى عليّ أنه لا ينبغي إسلامهم للقتل على هذا الوجه حتى يسكن حال الأمة ، وتجري المطالب على وجوهها بالبينات وطرق الأحكام ؛ إذا علم أنه أحق بالإمامة من جميع الأمة ، ورجاء أن ينفذ الأمور على ما أوجب الله عليه ، فهذا وجه منع علي للمطلوبين بدم عثمان ، فكان من قدر الله [٢/ ق١٩٢ -ب] / ما جرى به القلم من تقاتلهم . ولذلك قال الزبير لابنه ما قال لما رأى من شدة الأمر وأن الجماعة لا تنفصل إلا عن تقاتل. وقال: ((لا أراني إلا سأقتل مظلومًا)) لأنه لم يين على قتال ولا عزم عليه ، ولما التقى الزحفان فرَّ ، فاتبعه ابن - ٢٩٠ - جرموز فقتله في طريقه في غير قتال ولا معركة ، وقد يمكن الزبير أن يكون سمع قول الرسول : (( بشر قاتل ابن صفية بالنار )) فلذلك قال: (( لا أراني إلا سأقتل اليوم مظلومًا » والله أعلم . قال المهلب: قوله: (( وثلثه لبنيه )) يعني : ثلث الثلث الموصى به لحفدته ، وهم بنو ابنه عبد الله . وقوله: (( فإن فضل فضل بعد قضاء الدين والوصية، فثلثه لولدك)) . يعني : ثلث ذلك الفضل الذي أوصى للمساكين من الثلث لبنيه . وقوله: ((وقد وازى بعض بني الزبير » يجوز أن یکون وازاهم في السن ، ويجوز أن يكون وازى بنو عبد الله في أنصبائهم من الوصية أولاد الزبير فيما حصل لهم من ميراث الزبير أبيهم ، وهذا الوجه أولى . وإلا لم يكن لذكر كثرة أولاد الزبير معنى في الموازاة في السن . وفيه دليل على دفع تأويل المتشيعة على عائشة ومن تابعها أنها ظالمة؛ لأن الله لا يكون وليا للظالم . وأما قول الزبير للذين كانوا يستودعونه (( لا ولكنه سلف)) إنما يفعل ذلك خشية أن يضيع المال فيظن به ظن سوء فيه أو تقصير في حفظه ، فيرى أن هذا أبقى لمروءته ، وأوثق لأصحاب الأموال ؛ لأنه كان صاحب ذمة وافرة ، وعقارات كثيرة ، فرأى أن يجعل أموال الناس مضمونة عليه ، ولا يبقيها تحت شيء من جواز التلف ، ولتطيب نفس صاحب الوديعة على ذمته . وتطيب نفسه هو على ربح هذا المال . وقوله: ((وما ولي إمارة قط ولا جباية خراج )) فيكثر ماله من هذا الوجه فيكون عليه فيه ظن سوء ومغمز لظنُّ عُمر والمسلمين بالعمال ، حتى قاسمهم ، بل كان كسبه من الجهاد وسهمانه من الغنائم مع . رسول الله وخليفتيه بعده ، فبارك الله في ماله لطيب أصله ، وربح أرباحاً بلغت ألوف الألوف . - ٢٩١ - اسی وقول عبد الله لحكيم بن حزام : إن دين أبي مائة ألف وكتمه ألفي ألف ومائة ألف ، فهذا ليس بكذب ، لأنه قصد في البعض ، وكتم بعضًا ، وللإنسان إذا سئل عن خبر أن يخبر منه بما شاء ، وله أن لا يخبر بشيء منه أصلا . وإنما كتمه لئلا يستعظم حكيم ما استدان الزبير فيظن بالزبير سوء ظن وقلة حزم ، ويظن بعبد الله فاقة إلى معونته ، فينظر منه بعين الاحتياج إليه . وقوله : (( لا أقسم حتى أنادي أربع سنين )) فيه أن الوصي له أن يمنع قسمة مال الميت الموضي ، حتى ينفذ ديونه ووصاياه إذا كان الثلث يحملها ، ولا يقسم ورثة الموصي مالا حتى يؤدى دينه وتستبرأ أمانته. وفيه : جواز الوصية للحفدة إذا كان لهم آباء في الحياة يحجبونهم . وفيه : أن أجل المفقود والغائب أربع سنين كما قال مالك . وفيه : أن من وهب هبة ولم يقبلها الموهوب له أنها رد على واهبها، ولواهبها الاستمتاع بها ؛ لأن ابن جعفر قال : إن شئتم تركتها لكم . ولا يلزمه قوله عليه السلام: (( العائد في هبته )) لأنه ليس بعود، وإنما يعود فيها إذا قبلت منه . وفيه : أن سيد القوم قد يكون قوله وقبوله جائز على من إليه اتباع قومه ، كما أن عبد الله لم يقبل الهبة وحده ، وقد كان يجب أن يعرف ما عند ورثة أبيه كلهم ، فكان قوله في الرد جائزًا على ورثة أبيه ، كما كان قول العرفاء عند سبي هوازن في هبة أنصبائهم من السبي جائزًا على من تبعهم . وليس هذا من الأمر المحكوم به عند التشاح ، لكن محكوم به في شرف النفوس ومحاسن الأخلاق ، ولا سيما في ذلك الزمان المتقدم . وقوله: (( فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائة ألف )) غلط في - ٢٩٢ - الحساب ، والصحيح فجميع ماله سبعة وخمسون ألف ألف وتسعمائة ألف (١) . [٢ / ق١٩٣ -١] / باب: إذا بعث الإمام رسولا في [ حاجة ] (٢) أو أمره بالمقام عليها هل يسهم له فيه : ابن عمر قال: (( أما تغيب عثمان عن بدر فإنه كانت تحته ابنة النبي، وكانت مريضة ، فقال له النبي : إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه )) . اختلف العلماء فيمن لم يشهد الوقعة ، هل يسهم له ؟ فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه من بعثه الإمام في حاجة حتى غنم الإمام أنه يسهم له ، وكذلك المدد يلحقون أرض الحرب بعد الغنيمة أنهم شركاؤهم فيها ، وأخذوا بحديث ابن عمر . قالوا : وقد ذكر أهل السير أن الرسول بعث سعيد بن زيد في حاجة له ، وأمر طلحة بالمقام في مكان ذكره له ، وأسهم لهما ، وقال لهما : لكما أجر من شهد . وذهب مالك والثوري والليث والأوزاعي والشافعي وأحمد وأبو ثور إلى أنه لا يسهم إلا لمن شهد القتال ، وبذلك حكم عمر بن الخطاب وكتب به إلى عماله بالكوفة ، واحتج هؤلاء بحديث أبي هريرة : ((أنه قدم على النبي وهو بخيبر بعد ما فتحوها ، فقلت : أسهم لي . فقال بعض بني [ سعيد ] (٣) بن العاصي : لا تسهم له يا رسول الله ... )) فذكر الحديث . (١) راجع الفتح (٢٦٨/٦). (٢) من الصحيح المطبوع (٢٧١/٦)، وسيأتي شرح المؤلف على هذا اللفظ ، وجاء في ((الأصل)» هنا: جباية. وأظنه تحريفًا من الناسخ . (٣) في (( الأصل)»: سعد . وهو خطأ . - ٢٩٣ - قال الطحاوي : وحجة أهل المقالة الأولى أن النبي - عليه السلام- قال: ((إن عثمان انطلق في حاجة الله ورسوله )) فضرب [ له ] (١). بسهم ولم يضرب لأحد غيره . قال : أفلا ترى أنه لما كان غائبًا في حاجة الله ورسوله جعله رسول الله كمن حضرها ، فكذلك كل من غاب عن وقعة المسلمين بأهل الحرب لشغل شغله به الإمام من أمور المسلمين ، فهو كمن حضرها . وأما حديث أبي هريرة فوجهه عندنا أن النبي - عليه السلام - وجه أبانًا إلى نجد قبل أن يتهيأ خروجه إلى خيبر ، ثم حدث من خروج النبي إلى خيبر ما حدث ، فكان ما غاب فيه أبان من ذلك ، ليس هو . لشغل شغله النبي عن حضور خيبر بعد إرادته إياها فيكون كمن حضرها ، فهذان الحديثان أصلان لكل من أراد الخروج مع الإمام إلى قتال العدو فرده الإمام عن ذلك بأمر آخر من أمور المسلمين ، فتشاغل. به حتی غنم الإمام ، فهو کمن حضر يسهم له ، وکل من تشاغل بشغل نفسه أو شغل المسلمين مما كان دخوله فيه متقدمًا ، ثم حدث للإمام قتال عدو ، فتوجه له ، فغنم ، فلا حق للرجل في الغنيمة ، وهو [ ليس ] (٢) كمن حضرها . واحتج أهل المقالة الثانية فقالوا : إن إعطاء النبي لعثمان وهو لم يحضر بدرًا خصوص له ؛ لأن الله - تعالى - جعل الغنائم لمن غنمها والدليل على خصوصه قوله عليه السلام لعثمان: (( لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه )) وهذا لا سبيل أن يعلمه غير النبي. وذكر الطبري عن قوم من أهل العلم قالوا : إن النبي إنما أعطى (١) في (( الأصل)»: لهم. وهو خطأ . (٢) زيادة من عندي لا بد منها . - ٢٩٤ - عثمان يوم بدر من سهمه عليه السلام من الخمس ، واحتجوا بقوله عليه السلام يوم خيبر: (( ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس ، وهو مردود فيكم )) فدل ذلك أنه عليه السلام لم يعط أحداً ممن لم يشهد الوقعة من الغنيمة ، وإنما أعطاه من نصيبه . باب : ومن الدليل أن الخمس لنوائب المسلمين ما سأل هوازن النبي - عليه السلام - برضاعه فيهم - فتحلل من المسلمين ، وما كان الرسول يعدُ الناس أن يعطيهم من الفيء والأنفال من الخمس ، وما أعطى الأنصار، وما أعطى جابر بن عبدالله من تمر خییر وفيه : مروان والمسور : (( قال عليه السلام حين جاءه وفد هوازن مسلمين ، فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم . فقال لهم النبي : اختاروا إحدى الطائفتين إما السبي وإما المال . وقد كنت استأنيت بهم وقد كان انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف - ، فلما تبين لهم أن النبي - عليه السلام - غيرُ رَادٌ لهم إلا إحدى الطائفتين / قالوا: (١٩٣٥/٢- ب] نختار سبينا . فقام عليه السلام ، فقال : إن إخوانكم هؤلاء جاءونا تائبين ، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم ، فمن أحب أن يطيب فليفعل ، ومن أحب أن یکون علی حظه حتى أعطیه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل. فقال الناس: قد طَيِّيْنَا ذلك يا رسول الله ... )) الحديث . وفيه : أبو موسى : (( أتيت النبي - عليه السلام - في نفر من الأشعریین نستحمله، فقال : والله لا أحملکم ، وما عندي ما أحملكم ، وأُتّي النبي بنَهْبِ إبلٍ فسأل عنَّا، فأمر لنا بخمس ذَوْدِ غُرِّ الذُّرَى)). - ٢٩٥ - وفيه : ابن عمر: (( بعث النبي سرية قبل نجد ، فغنموا إبلا كثيرة ، فكانت سهامهم اثني عشر بعيرًا)). وفيه: (( ابن عمر كان النبي ينفل بعض من بعث من السرايا لأنفسهم خاصة سوى قسم الجيش)). وفيه : أبو موسى : « بلغنا مخرج الرسول ونحن بالیمن ، فخرجنا مهاجرين أنا وأخوان لي أنا أصغرهم، أحدهما : أبو بردة ، والآخر : أبو رهم، إما في بضع أو ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلا من قومي، فركبنا سفينة ، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة ، ووافقنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده ، فقال جعفر : إن النبي بعثنا هاهنا ، وأمرنا بالإقامة ، فأقيموا معنا . فأقمنا معه ، حتى قدمنا جميعًا ، فوافقنا النبي حين افتتح خيبر ، فأسهم لنا - أو قال : فأعطانا منها - وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئًا إلا أصحاب سفينتنا (١) جعفر وأصحابه ، قسم لهم معهم » . وفيه : جابر قال عليه السلام: (( لو قد جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا، فلم يجئ حتى قبض النبي ، فلما جاء مال البحرین أمر أبو بكر مناديًا ، فنادى : من كان له عند الرسول عدة أو دين فليأتنا ... )) الحديث . وفيه: جابر: (( بينما الرسول يقسم غنيمة بالجعرانة ، فقال له رجل : اعدل . فقال : لقد شقيت إن لم أعدل )) . قال المؤلف : غرض البخاري في هذا الباب أن يبين أن إعطاء النبي في نوائب المسلمين إنما هو من الفيء والخمس الذين أَمرُهما مردود إليه، يقسم ذلك بحسب ما يؤدي إليه اجتهاده . (١) في الصحيح المطبوع مع الفتح (٢٧٣/٦) : مع جعفر وأصحابه . - ٢٩٦ - ويرد على الشافعي في قوله : إن الخمس مقسوم على خمسة أسهم، وهم الذين سمى الله الخمس لهم إلا سهم النبي ؛ فإنه مردود على الأربعة الأسهم الباقية . وبيان الحجة عليه أن النبي حين تحلل المسلمين من سبي هوازن ، واستطابهم ، ووعدهم أن يعوضهم من أول ما يفيء الله عليه إنما أشار إلى الخمس ، إذ معلوم أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين ، فبان أن الخمس لو كان مقسومًا على خمسة أسهم لم يف خمس الخمس بما وعد المسلمين أن يعوضهم من سبي هوازن . ذكر أهل السير أن هوازن لما أبت القتال للنبي أتوا بالإبل والنساء والشاء والذرية وجميع أموالهم أَفَتُرَى خمس الخمس يفي بما وعدهم من العوض من ذلك . وذهب البخاري إلى أنه إنما تحلل النبي المسلمين من سباياهم بعد ما كانوا فيئًا ، فأطلقهم لما كان نساء بني سعد ولُوا من رضاعه ، فراعى في قبيلهم كله حرمة ذلك ، كما روعي في المرأة صاحبة المزادتين أنه لم يضرب على الحي الذي كانت منه لذمامها في أخذ الماء منها حتى أسلم جميعهم . قال المهلب : وقد احتج بعض أصحاب مالك بقضية هوازن في أنه يجوز قرض الجواري إذا رَدّ غيرها ، ومنع من ذلك مالك ؛ لأنه عنده من باب عارية الفروج ، وذلك حرام . وكذلك الإبل التي حمل عليها النبي الأشعريين هي أيضًا من الخمس؛ إذ أربعة أخماس الغنيمة للغانمين. وحديث ابن عمر فيه أيضًا حجة واضحة أن النفل من الخمس كما قال مالك ؛ لأنه إنما نفلهم بعيرًاً بعيرًا بعد قسمة السهمان بينهم من غير ما وجبت فيه سهمانهم ، وهو الخمس . - ٢٩٧ - وقال الطحاوي : وذهب قوم إلى أنه ليس للإمام أن ينفل بعد إحراز. الغنيمة إلا من الخمس ، فأما من غير الخمس فلا ؛ لأنه قد ملكته المقاتلة ، فلا سبيل للإمام عليه . [٢/ ق ١٩٤-١] وقال ابن المنذر : روي هذا القول عن أنس / بن مالك وسعيد بن المسيب ، وهو قول مالك والكوفيين والشافعي ذكره أبو عبيد عن مكحول ، وعمر بن عبد العزيز ، وقال أبو عبيد : الناس اليوم على هذا ، لا نفل من جملة الغنيمة حتى يخمس . قال الطحاوي : وخالفهم آخرون فقالوا : للإمام أن ينفل من الغنيمة ما أحب بعد إحرازه إياها قبل أن يقسمها ، كما كان له قبل ذلك . وذكر ابن المنذر أن هذا قول القاسم بن عبد الرحمن ، وفقهاء أهل الشام قالوا : الخمس من جملة الغنيمة ، والنفل بعده ، ثُمَّ الغنيمة بعد ذلك بين أهل العسكر . وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق . وحجة هذه المقالة : حديث سليمان بن موسى ، عن زياد بن [جارية](١) عن حبيب بن مسلمة ((أن رسول الله نفل في بدأته الربع قبل الخمس )) فكذلك الثلث الذي ينفله في الرجعة هو الثلث أيضًا قبل الخمس ، وإلا لم يكن لذكر الثلث معنى . قال الطحاوي : فيقال لهم : بل له معنى صحيح ، وذلك أن المذكور من نفله في البدأة الربع ، هو مما يجوز له النفل منه ، وكذلك نفله في الرجعة الثلث مما يجوز له النفل منه وهو الخمس . وروى حديث حبيب بلفظ يدل على هذا المعنى . (١) بالجيم والياء آخر الحروف، كذا في الجرح (٣/ ت ٢٣٨٠)، وإكمال ابن ماكولا (٥/٢) وهو كذلك في شرح معاني الآثار (٢٣٩/٣) وغيرها وفي ((الأصل)»: حارثة - بالمهملة والمثلثة - وهو تصحيف . - ٢٩٨ - روى مكحول عن زياد بن [ جارية] (١) ، عن حبيب بن مسلمة أن رسول الله كان ينفل الثلث بعد الخمس . قال الطحاوي : واحتجوا أيضًا بما رواه سليمان بن موسى ، عن مكحول ، عن أبي سلام ، عن أبي أمامة الباهلي ، عن عبادة بن الصامت قال : كان رسول الله ينفلهم إذا خرجوا بادئين الربع ، وينفلهم إذا قفلوا الثلث . قيل لهم : وهذا لا حجة فيه ؛ لأنه محتمل أن يكون معناه : ينفلهم إذا قفلوا الثلث ، فيكون ذلك على قفول من قتال إلى قتال ، فيكون الثلث المنفل هو الثلث قبل الخمس ، وذلك جائز عندنا ؛ لأنه يرجى بذلك صلاح القوم وتحريضهم على قتال عدوهم . فأما إذا كان القتال قد ارتفع فلا يجوز النفل ؛ لأنه لا منفعة للمسلمين في ذلك . وقال أبو عبيد: النفل في قوله الذي ذكره ابن عمر (( ونفلوا بعيرًا بعيرًا )) بعد ذكر السهام . ولا وجه له إلا أن يكون من الخمس وقد جاء مبينًا في حديث مكحول : أن النبي نفل يوم حنين من الخمس . وروى ابن وهب عن يونس ، عن ابن شهاب قال : بلغني عن عبدالله بن عمر أنه قال : نفل رسول الله سرية بعثها قبل نجد من إبل جاءوا بها نفلا سوى نصيبهم من المغنم . قال الطحاوي : وقوله عليه السلام يوم حنين حين أخذ وبرة من جنب بعيره ثم قال: ((أيها الناس، إنه لا يحل لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، وهو مردود فيكم)). يدل أن ما سوى الخمس من المغنم للمقاتلة. ويدل على صحة ما قلنا ما رواه أبو عوانة ، عن عاصم بن كليب ، (١). انظر التعليق السابق . - ٢٩٩ - عن أبي الجويرية ، عن معن بن يزيد السلمي قال : سمعت رسول الله يقول: ((لا نفل إلا بعد الخمس)) أي: حتى [ يقسم] (١) الخمس. وإذا قسم الخمس انفرد حق المقاتلة وهو أربعة أخماس ، فكان ذلك النفل الذي ينفله الإمام [ من بعد أن ] (٢) [ آثر به ] (٣) هو من الخمس لا من الأربعة الأخماس التي هي حق المقاتلة ، ولو أخذنا النقل قبل ذلك لكان حقهم قد بطل بعد وجوبه ، وإنما يجوز النفل مما يدخل في ملك المنفل من ذلك العدو . فأما ما قد زال عن ملك العدو قبل ذلك وصار في ملك المسلمين فلا نفل فيه ؛ لأنه من مال. المسلمين ، فثبت بذلك ألا نفل بعد إحراز الغنيمة . ومما احتج به أصحاب مالك قالوا : إنما لم يجعل مالك النفل من: رأس الغنيمة ؛ لأن أهلها معينون ، وهم الموجفون ، وجعله من الخمس؛ لأن قسمته مردودة إلى اجتهاد الإمام وأهله غير معينين . وفي حديث ابن عمر رد لقول من قال : إن النفل من خمس الخمس ، وإنما في الحديث أنه نفل نصف السدس ؛ لأنه بلغت سهمانهم اثنا عشر بعيرًا ونفلوا بعيرًا بعيرًاً . [٢/ق١٩٤-ب] وأما حديث أبي موسى وأهل السفينة ، فإن للعلماء في معناه / تأويلات : أحدها ما ذكر موسى بن عقبة ، قال إن النبي - عليه السلام - استطاب أنفس الغانمين بما أعطاهم كما فعل في سبي هوازن، وقد روى ذلك عن أبي هريرة، رَوى [ خُثَيْم ] (٤) بن عراك، عن أبيه ، عن نفر من قومه أن أبا هريرة قدم المدينة هو ونفر من قومه فوجدوا النبي قد خرج إلى خيبر . قال : فقدمنا عليه وهو قد فتح خيبر ، فكلم الناس ، فأشركنا في سهامهم . وقيل : إنما أعطاهم من (١) زيادة من شرح المعاني (٢٤٢/٣) . (٢) من شرح المعاني، وفي ((الأصل)): أتى. (٣) من شرح المعانى، وفي ((الأصل)) : أثر ذلك. (٤) بالمعجمة ثم المثلثة، مصغر، انظر تهذيب الكمال (٣٢٨/٨) وتقريب التهذيب، وفي (( الأصل)): خيثم ، وهو خطأ. - ٣٠٠ -