النص المفهرس
صفحات 241-260
باب : استقبال الغزاة فيه : ابن الزبير (( قلت لابن جعفر : أتذكر إذ لقينا النبي - عليه السلام- أنا وأنت وابن عباس ؟ قال: نعم، فحملنا وتركك )). قال السائب بن يزيد: (( ذهبنا نتلقى النبي - عليه السلام - مع الصبيان إلى ثنية الوداع » . قال المهلب : التلقي للمسافرين والقادمين من الجهاد والحج بالبشر والسرور أمر معروف ، ووجه من وجوه البر . وبهذا الحديث ثبت تشييعهم ؛ لأن ثنية الوداع إنما سميت بذلك ؛ لأنهم كانوا يشيعون الحاج والغزاة إليها ويودعونهم عندها ، وإليها كانوا يخرجون صغارًا وكبارًا عند التلقي ، وقد يجوز تلقيهم بعدها وتشييعهم إلى أكثر منها ، وفيه الفخر بإكرام النبي - عليه السلام . باب : ما يقول إذا رجع من الغزو وفيه : ابن عمر: (( كان النبي - عليه السلام - إذا قفل كبر ثلاثًا قال : آيبون إن شاء الله تائبون عابدون حامدون لربنا ساجدون ، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده )). وفيه : أنس « كنا مع النبي مقفله من عسفان ورسول الله على راحلته ، وقد أردف صفية بنت حيي فعثرت ناقته فصرعا جميعًا ، فاقتحم أبو طلحة فقال : يا رسول الله ، جعلني الله فداك . قال: عليك المرأة . فقلب ثوبًا على وجهه ، وأتاها فألقاه علیها ، فأصلح لهما مر کبهما فرکبا ، واكتنفنا رسول الله ، فلما أشرفنا على المدينة قال : آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون . فلم يزل يقول ذلك حتى دخل المدينة )). - ٢٤١ - قال المهلب : قد تقدم القول في التكبير عند الصعود والإشراف على المدن والتسبيح عند الهبوط . وفيه إرداف المرأة خلف الرجل وسترها عن الناس ، وفيه ستر من لا تجوز رؤيته وستر الوجه عنه . وفيه خدمة العالم والإمام وخدمة أهله. وفيه اكتناف الإمام والاجتماع حوله عند دخول المدن وتلقي الناس سنة ماضية وأمر جار . قال المؤلف : وفيه حمد الله للمسافر عند إتيانه سالمًا إلى أهله وسؤاله الله التوبة والعبادة ، وتقدير الكلام : نحن آيبون عابدون حامدون لربنا ساجدون - إن شاء الله - على ما رزقنا من السلامة. والنصر وصدق الوعد ولا تتعلق المشيئة بقوله: (( آيبون )) لوقوع الإياب ، وإنما تتعلق بباقي الكلام الذي لم يقع بعد . وفيه : أنه يجوز للمتكلم أن يقدم المشيئة الله في أول كلامه ، ثم يصلها بما يحب إيقاعه من الفعل . وفيه : أن الرجل الفاضل ينبغي له عندما تجدد له نعمة وسلامة أن يقر لله بطاعته ويسأله أن یدیم له حال توبته وعبادته له ، وإن كان الرسول قد تقرر عنده أنه لا يزال تائبًا عابدًا ساجدًا حامدًاً لربه ، لكن هذا هو أدب الأنبياء أخذًاً بقوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله ﴾ (١) ولعلمهم بمواقع نعم الله عندهم يعترفون له بها ، ويرغبون ويبرءون إليه من الحول والقوة ، ويظهرون الافتقار إليه مبالغة في شكره تعالى ، ولتقتدي بهم أممهم في ذلك صلوات الله عليهم . (١) الكهف : ٢٣ - ٢٤ - ٢٤٢ - باب : الصلاة إذا قدم من سفر / فيه: جابر: ((كنت مع النبي - عليه السلام - في سفر، فلما قدمنا [٢/ ١٨٣٥-١) المدينة قال لي : ادخل المسجد فصل ركعتين )) . وفيه : كعب: (( كان الرسول إذا قدم من سفر ضُحىّ دخل المسجد فصلى ركعتين قبل أن يجلس )) . قال المهلب : الصلاة عند القدوم سنة وفضيلة فيها معنى الحمد لله على السلامة والتبرك بالصلاة أول ما يبدأ به في حضره ، ونعم المفتاح هي إلى كل خير ، وفيها يناجي العبد ربه - تعالى - وذلك هدي رسول الله وسنته ، ولنا فيه أكرم الأسوة . باب : الطعام عند القدوم وكان ابن عمر يُفْطِرُ لمن يغشاه فيه : جابر: (( أن رسول الله لما قدم المدينة نحر جزورًا وبقرة . وقال مرة: فلما قدم المدينة أمرني أن آتي المسجد فأصلي فيه )) . ((صرار)) (١) موضع في نواحي المدينة . فيه : إطعام الإمام والرئيس أصحابه عند القدوم من السفر ، وهو مستحب ومن فعل السلف . وقال أبو عبد الله بن أبي صفرة: قوله: (( كان ابن عمر يفطر لمن يغشاه )) أي : إذا قدم من سفر أطعم من يغشاه وأفطر معهم ، أي ترك (١) وردت في هذا الحديث، وهو في المطبوع (٢٢٤/٦) وفيه: ((فلما قدم صرارًاً أمر ببقرة فذبحت فأكلوا منها ، فلما قدم المدينة أمرني أن آتي المسجد ... )) فلعل هذا السياق سقط من الناسخ ، أو اختصره المؤلف ، والله أعلم . - ٢٤٣ - قضاء رمضان ؛ لأنه كان لا يصوم رمضان في السفر أصلا ، فإذا انقضى إطعامه وزاده ابتدأ قضاء رمضان الذي أفطره في السفر ، وقد جاء هذا مفسراً في (( الأحكام )) لإسماعيل. قال المؤلف : أما الذي ذكره إسماعيل عن ابن عمر فليس فيه ما يدل على صحة ما تأوله أبو عبد الله ، والذي ذكر إسماعيل عن حماد ابن زيد ، عن أيوب، عن نافع ، عن ابن عمر « أنه كان إذا كان مقيمًا لم يفطر ، وإذا كان مسافرًا لم يصم ، فإذا قدم أفطر أيامًا لغاشیته ثم يصوم » فليس يدل هذا أن سفره كان أبدًا في رمضان دون سائر الشهور ، بل قوله: ((إذا كان مقيمًا لم يفطر)) يدل أن إفطاره لغاشيته قد يكون من صيامه التطوع ، فيحتمل أن يبيت الفطر . فإن قيل : ويحتمل أن يبيت الصيام ثم يفطر لوراده بعد التبييت . قال أبو عبد الله: يرد ذلك قوله: ((ذلك الذي يلعب بصومه)) وقد زوج ابنته ولم يفطر ، وقد دعاه عروة بن الزبير إلى وليمة فلم يفطر، وقال : ((لو أخبرتني ، ولكني أصبحت صائمًا )) فكيف لمن يغشاه ؟ قال المهلب : فأما إفطار سلمان لأبي الدرداء إِذْ بات عنده ؛ فإنما كان ذلك لأن أبا الدرداء كان أَسْرف على نفسه في العبادة وسرمد الصوم ، فأراد سلمان أن يأخذ به طريق الرخصة في الإفطار بعد التبييت ، ألا ترى أن ذلك جائز عند جماعة العلماء في الفرض إذا بيّته في السفر ثم أدركته مشقة الصوم أن له أن يفطر ، فكيف التطوع؟ فأخذ سلمان بالرخصة ، وأخذ ابن عمر بالشدة ؛ لأنه رأى التبييت من العقود التي أمره الله بالوفاء بها . وقد تقدم ما للعلماء في ذلك في كتاب الصيام. - ٢٤٤ - کتاب الخمس فرض الخمس فيه : علي: (( كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر ، وكان النبي - عليه السلام - أعطاني شارفًا من الخمس ، فلما أردت أن أبتني بفاطمة بنت رسول الله وَل﴿ واعدت رجلا صواغًا من بني قينقاع أن يرتحل معي فنأتي بإذخر أردت أن أبيعه الصواغين وأستعين به في وليمة عرسي. فبينا أنا أجمع لشارفي متاعًا من الأقتاب و[الغرائر ] (١) والحبال ، وشارفاي مناختان إلى جنب حُجْرة رجل من الأنصار ، فرجعت حين جمعت ما جمعت ، فإذا شارفاي قد اجتُب أسنمتهما ، ١ وبقرت خواصرهما ، وأخذ من أكبادهما ، ولم أملك عيني حين رأيت ذلك المنظر منهما ، فقلت: من فعل هذا ؟! فقالوا : حمزة بن عبد المطلب، وهو في هذا البيت في شرب من الأنصار / فانطلقت حتى أدخل على [١٨٣٥/٢ -ب] النبي - عليه السلام - وعنده زيد بن حارثة ، فعرف النبي في وجهي الذي لقيت ، فقال : ما لك ؟ فقلت : يا رسول الله ، ما رأيت كاليوم قط، غدا حمزة على ناقتي فاجتب أسنمتهما ، وبقر خواصرهما ، وهذا هو في بيت معه شرب . فدعا النبي بردائه فارتدى ، ثم انطلق يمشي، واتبعته أنا وزيد بن حارثة حتى جاء البيت الذي فيه حمزة ، فاستأذن ، فأذنوا لهم ، فإذا هم شرب ، فطفق رسول الله يلوم حمزة فيما فعل ، فإذا حمزة ثمل محمرة عيناه ، فنظر حمزة إلى رسول الله ، ثم صعد النظر ، (١) من الصحيح المطبوع (٢٢٦/٦)، وفي ((الأصل)): الأعراب . وهو خطأ. - ٢٤٥ - فنظر إلى ركبتيه ، ثم صعد النظر فنظر إلى سرته ، ثم صعد النظر فنظر إلى وجهه ، ثم قال حمزة : هل أنتم إلا عبيد لأبي ؟ فعرف رسول الله أنه ثمل ، فنكس رسول الله على عقبيه القهقرى وخرجنا معه )) . وفيه: عائشة: (( أن فاطمة بنت الرسول سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة النبي أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول الله مما أفاء الله عليه ، فقال لها أبو بكر : إن رسول الله قال : لا نورث ، ما تركنا صدقة . فغضبت فاطمة بنت رسول الله ، فهجرت أبا بكر ، فلم تزل مهاجرته حتی توفیت، وعاشت بعد رسول الله ستة أشهر . قال : و كانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة ، فأبی أبو بكر عليها ذلك وقال : لست تاركًا شيئًا کان رسول الله یعمل به إلا عملت به، فإني أخشى أن أترك شيئًا من أمره أن أزيغ ، فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى عليّ وعباس ، وأما خيبر وفدك فأمسكها عمر فقال : هما صدقة رسول الله كانتا حقوقه التي تعروه ونوائبه ، وأمرهما إلى من ولي الأمر قال : فهما على ذلك إلى اليوم )) . وفيه : مالك بن [ أوس ] (١): (( كنا عند عمر إذ جاء حاجبه يرفأ فقال: هل لك في عثمان وعبد الرحمن والزبير وسعد بن أبي وقاص يستأذنون ؟ قال : نعم. فأذن لهم ، فدخلوا وجلسوا ، ثم جلس يرفأ يسيرًا ، ثم قالوا : هل لك في علي وعباس ؟ قال : نعم . فأذن لهما فدخلا فسلما ، فقال عباس : يا أمير المؤمنين ، اقض بيني وبين هذا - وهما يختصمان فيما أفاء الله على رسوله من بني النضير -فقال الرهط- عثمان وأصحابه - : يا أمير المؤمنين ، اقض بينهما ، وأرح أحدهما من الآخر . تَيدَكم ، أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، [هل تعلمون أن رسول الله ﴿﴿ قال: ] (٢) لا نورث (١) هو ابن الحدثان كما في المطبوع (٢٢٧/٦)، وفي ((الأصل)): أنس. وهو خطأ. (٢) من الصحيح المطبوع، ولا بد منه، وسقط من ((الأصل)). - ٢٤٦ - : ما تركنا صدقة ؟ يريد رسول الله نفسه . قال الرهط : قد قال ذلك . فأقبل عمر على عليٌّ وعباس فقال : أنشدكما تعلمان أن رسول الله قد قال ذلك؟ [ قالا: قد قال ذلك ] (١) قال عمر : فإني أحدثكم عن هذا الأمر، إن الله قد خص رسوله من هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدًا غيره ثم قرأ: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم﴾ إلى قوله: ﴿ قدير﴾ (٢) فكانت هذه خاصة لرسول الله ، والله ما اختارها دونكم ولا استأثرها عليكم ، قد أعطاكموها وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال ، فكان عليه السلام ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال ثم يأخذ ما بقي فيجعله مَجْعَل مال الله ، فعمل بذلك رسول الله حياته ، أنشدكم بالله هل تعلمون ذلك ؟ قالوا : نعم . ثم قال لعلي وعباس : أنشدكما بالله هل تعلمان ذلك ؟ قال عمر : ثم توفى اللهُ رسوله . فقال أبو بكر : أنا ولي رسول الله. فقبضها أبو بكر فعمل فيها بما عمله رسول الله ، والله يعلم أنه فيها صادق بار راشد تابع للحق ، ثم توفی الله أبا بكر ، فكنت أنا ولي أبي بكر ، فقبضتها سنتين من إمارتي أعمل فيها بما عمل رسول الله وبما عمل فيها أبو بكر ، والله يعلم أني فيها لصادق بار راشد تابع للحق ، ثم جئتما تكلماني وكلمتكما واحدة وأمركما واحد ، جئتني يا عباس لتسألني نصيبك من ابن أخيك ، وجاءني هذا يريد نصيب امرأته من أبيها ، فقلت لكما : إن النبي قال : لا نورث ، ما تركنا صدقة . فلما بدا لي أن أدفعه إليكما قلت : إن شئتما دفعتها إليكما على أن عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيها بما عمل رسول الله وبما عمل فيها أبو بكر وبما عملتُ فيها منذ وليتها ، فقلتما : ادفعها إلينا ، فبذلك دفعتها إليكما ، فأنشدكم بالله، هل دفعتها إليهما بذلك ؟ قال الرهط : نعم . ثم أقبل على عليّ والعباس فقال : أنشدكما بالله ، هل دفعتها إليكما بذلك ؟ قالا : نعم . قال : فتلتمسان (١) كأنه سقط من ((الأصل))، وأثبته من الصحيح المطبوع (٢) الحشر : ٦ . - ٢٤٧ - مني قضاء غير ذلك ؟ فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيها قضاء غير ذلك ، فإن عجزتما عنها فادفعاها إليّ ؛ فإني أكفيكماها)). قال المؤلف : أما قول عليّ : أعطاني النبي - عليه السلام - شارفًا من الخمس )) يعني : يوم بدر ، فظاهره أن الخمس قد كان يوم بدر، [٢/ ١٨٤-١] ولم يختلف أهل السير أن الخمس لم يكن يوم بدر . ذكر إسماعيل / ابن إسحاق قال : في غزوة بني قريظة حين حكم سعد بأن تقتل المقاتلة وتسبى الذرية : - قيل : إنه أول يوم جعل فيه الخمس . قال : وأحسب أن بعضهم قال : نزل أمر الخمس بعد ذلك ، ولم يأت في ذلك من الحديث ما فيه بيان شاف ، وإنما جاء أمر الخمس يقينًا في غنائم حنين ، وهي آخر غنيمة حضرها رسول الله . قال المؤلف : وإذا لم يختلف أن الخمس لم یکن یوم بدر فیحتاج قول عليٌّ : أعطاني رسول الله شارفًا من الخمس إلى تأويل لا يعارض قول أهل السير ، ويحتمل أن يكون معناه - والله أعلم - ما ذكره ابن إسحاق أن النبي بعث عبد الله بن جحش في رجب في السنة الثانية من الهجرة [ قبل ] (١) بدر الأولى في سرية إلى نخلة بين مكة والطائف فوجد بها قريشًا ، فقتلوهم وأخذوا العير . قال ابن إسحاق : ذكر لي بعضُ آل عبد الله بن جحش أن عبد الله قال لأصحابه : إن لرسول الله مما غنمنا الخمس. وذلك قبل أن يفرض الله الخمس من المغنم فعزل لرسول الله خمس العير ، وقسم سائرها بين أصحابه ، فوقع فرض الله في قسمة الغنائم على ما كان عبد الله صنع في تلك العير ، ثم خرج رسول الله في رمضان بعد هذه السرية إلى بدر فقتل بها صناديد الكفار . فبان بهذا الخبر معنى قول علي أن (١) في ((الأصل)): بعدٍ، وهو وهم ، كما يعلم من كتب السير ، وكما سيأتي. - ٢٤٨ - الرسول أعطاه شارفًا من نصيبه من المغنم يوم بدر (( وأعطاني رسول الله شارفًا من الخمس يومئذ)). واختلف العلماء في الخمس كيف يقسمه الإمام ، فقال مالك : يسلك الخمس مسلك الفيء ، فإن رأى الإمام جعل ذلك لنوائب تنزل بالمسلمين فعل ، وإن شاء قسمه فأعطى كل واحد على قدر ما يغنيه ، ولا بأس أن يعطي أقرباء رسول الله على قدر اجتهاد الإمام ، وكان يرى التفضيل في العطاء على قدر الحاجة . وقال أبو حنيفة : الخمس على ثلاثة أسهم ، يقسم سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل فيهم ، ويؤخذ سهم ذوي القربى وسهم النبي فيردان في الكراع والسلاح . واحتج أبو حنيفة بما رواه الثوري عن قيس بن مسلم ، عن الحسن بن محمد ابن الحنفية أنهم اختلفوا في سهم الرسول وسهم ذوي القربى ، فقال : سهم الرسول للخليفة بعده. وقال بعضهم : سهم ذوي القربى هو لقرابة الرسول . وقال بعضهم : هو لقرابة الخليفة . فأجمع رأيهم أنهم جعلوا هذين السهمين في العدة والخيل ، فكان ذلك في خلافة أبي بكر وعمر . قال إسماعيل بن إسحاق : ولا يجوز أن يبطل عمر ولا غيره سهم ذوي القربى ؛ لأنه مسمى في كتاب الله ولم ينسخه شيء ، ومن أبطله فقد ركب أمراً عظيمًا . وزعم الشافعي أن الخمس يقسم على خمسة أخماس ، فيرد سهم النبي - عليه السلام - على من سمي معه من أهل الصدقات وهم ذوو القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ، وزعم أن قوله : ﴿لله﴾ مفتاح كلام. قال إسماعيل : ويسقط أبو حنيفة سهم ذوي القربى وأخذ في ظرف، وأخذ الشافعي في طرف آخر وترك التوسط من القول الذي مضى عليه الأئمة . والاختلاف الذي اختلفوا فيه لم يكن على ما - ٢٤٩ - توهم أبو حنيفة وإنما روى ابن عباس أنهم ناظروا عمر في سهم ذوي القربى على أن يكون لهم خمس الخمس فأبى عمر من ذلك ، وذهب إلى أن الخمس يقسم في ذوي القربى وغيرهم على الاجتهاد . قال إسماعيل : قوله: ﴿لله﴾ وقد ذكر الله في كتابه: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ﴾ (١) وقال تعالى : ﴿قل الأنفال الله والرسول ﴾ (٢) فأي كلام جاء بعد هذا فيكون هذا مفتاحًا له. وإذا قيل: ((الله)) فهو أمر مفهوم اللفظ والمعنى ؛ لأنه يعلم أن الرجل إذا قال : فعلت هذا الشيء لله أنه فيما يقرب إلى الله ، وهذا لا يحتاج أن يقال فيه : مفتاح كلام . وكذلك قوله : ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ﴾ (٣) معناه فيما يقرب من الله ورسوله ، وكذلك قال عمر بن عبد العزيز في قوله : ﴿لله﴾ قال: اجعلوه في سبيل الله التي يأمر بها . ولو كان قوله : ﴿لله ﴾ لا يوجب شيئًا لكان ما بعده لا يوجب شيئًا ؛ لأن ما بعده معطوف عليه، فإن كان القول الأول لا يجب به شيء فكذلك ما عطف عليه لا يجب به شيء . وأما حديث تنازع علي والعباس فلم يتنازعا في الخمس ، وإنما تنازعا فيما كان لرسول الله خاصاً مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فتركه الرسول صدقة بعد وفاته ، فحكمه كحكم الفيء ، ففيه حجة لمالك في قوله : إن مجرى الخمس والفيء واحد ، وهو خلاف قول الشافعي أن الفيء فيه الخمس ، وأن خمس الفيء يقسم على خمسة أسهم وهم الذين قسم الله لهم خمس الغنيمة . وهذا لم يقله أحد قبل الشافعي ، والناس على خلافه. (١) الحشر : ٦ . (٢) الأنفال : ١ . (٣) الأنفال : ٤١. - ٢٥٠ - وقول عمر في حديث مالك ابن أوس: (( فكان الرسول ينفق على أهله منه نفقة سنتهم، ثم يأخذ / ما بقي منه فيجعله مجعل ما لله)) [٢/ ١٨٤٥ -ب] يعني : مجعل الفيء ، ولم يذكر أنه كان عليه السلام يلزمه إخراج الخمس منه - حجة على الشافعي؛ لأنه يمكن أن يفضل له من سهمه بخيبر بعد نفقة سنته مثل الذي ينفقه أو أكثر أو أقل ، ولو كان فيه الخمس لبين ذلك . وقال الطحاوي : وقول الشافعي في الفيء أنه يخمس خطأ ؛ لأن الله - تعالى - ذكر الغنائم فأوجب فيها الخمس ، وذكر الفيء فقال تعالى: ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى﴾ (١) فذكر فيه الرسول وذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كما قال تعالى في آية الخمس ، ثم قال تعالى : ﴿والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم﴾ (٢) ﴿ والذين جاءوا من بعدهم﴾ (٣) فذكر في الغنائم الخمس لأصناف مذكورين، وذكر في آية الفيء الجميع في جميع الفيء ، حيث أن حكم الفيء غير حكم الغنيمة . قال المهلب : ووجه هجران فاطمة لأبي بكر أنها لم يكن عندها قوله عليه السلام : (( لا نورث، ما تركنا صدقة )) ولا علمته ، ثم أنفت أن تكون لا ترث أباها كما يرث الناس في الإسلام والجاهلية ، مع احتمال الحديث عندها أنه عليه السلام أراد بعض المال دون بعض، وأنه لم يرد به الأصول والعقار ، فانقادت وسلمت للحديث . وإنما كان هجرها له انقباضًا عن لقائه وترك ( مواصله ) (٤) وليس هذا من الهجران المحرم ، وإنما المحرم من ذلك أن يلتقيا فلا يسلم أحدهما على صاحبه ، ولم يَرْوِ أحد أنهما التقيا وامتنعا من التسليم ، ولو فعلا ذلك لم يكونا بذلك متهاجرين إلا أن تكون النفوس مظهرة (١) الحشر : ٧ . (٣) الحشر : ١٠ . (٢) الحشر : ٩ . (٤) كذا في ((الأصل)): ولعل الصواب: مواصلته. - ٢٥١ - للعداوة والهجران ، هذا وجه هجرانها له ، لكنها وجدت عليه أن حرمها ما لم يحرم أحد . ولسنا نظن بهم إضمار الشحناء والعداوة ، وإنما هم كما وصفهم الله ﴿رحماء بينهم﴾ (١) وروي عن عليٌّ أنه لم يغير شيئًا من سنة أبي بكر وعمر بعد ولايته في تركة رسول الله وَّ بل أجرى الأمر على ما أجریاہ في حياتهما . فإن قيل : فما معنى حديث عائشة في هذا الباب ، وليس فيه ذكر الخمس ؟ قيل : هو موافق للباب ؛ وذلك أن فاطمة إنما جاءت تسأل ميراثها من الرسول من فدك وخيبر وغيرهما ، وفدك مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فلم يجر فيها خمس . وأما خيبر فابن شهاب ذكر أن بعضها صلح وبعضها عنوة ، فجرى فيها الخمس . وقد جاء هذا في بعض طرق الحديث في كتاب المغازي قالت عائشة : ((إن فاطمة جاءت تسأل نصيبها مما ترك الرسول بما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك ، وإلى ما بقي من خمس خيبر )) وإلى هذا إشارة البخاري ، واستغنى بشهرة الأمر عن إيراده مكشوفًا بلفظ ((الخمس)) في هذا الباب. وفي حديث مالك بن أوس من الفقه أنه يجب أن يولى أمر كل قبيلة سيدهم ؛ لأنه أعرف باستحقاق كل رجل منهم لعلمه بهم . وفيه : أن للإمام أن ينادي الرجل الشريف باسمه وبالترخيم له، ولا عارَ على المنادى بذلك ولا نقيصة . وفيه : استعفاء الإمام مما يوليه ، واستنزاله في ذلك بألين الكلام ؛ لقول مالك لعمر خين أمره بقسمة المال بين قومه: ((لو أمرت به غيري )» . (١) الفتح : ٢٨. - ٢٥٢ - وفيه : الجلوس بين يدي السلطان بغير إذنه . وفيه : الشفاعة عند الإمام في إنفاذ الحكم إذا تفاقمت الأمور وخشي الفساد بين المتخاصمين ؛ لقول عثمان: ((اقض بينهما ، وأرح أحدهما من الآخر)) وقد ذكر البخاري في المغازي أن عليا والعباس استبًّا يومئذ . وفيه : تقرير الإمام من يشهد له على قضائه وحكمه ، وبيان وجه حكمه للناس . وأما مجيء العباس وعليَّ إلى أبي بكر فإنما جاءا يطلبان الميراث من تركة النبي من أرضه من فدك وسهمه من خيبر وصدقته بالمدينة على ما ثبت من حديث عائشة في هذا الباب ، فأخبرهم أنه قال عليه السلام: (( لا نورث ، ما تركنا صدقة)) فسلما لذلك وانقادا ، ثم جاءا بعد ذلك إلى عمر على اتفاق بينهما ، يطلبان أن يوليهما العمل، والنظر فيما أفاء الله على رسوله من بني النضير خاصة ؛ ليقوما به ، ويسبلاه في السبل التي كان النبي - عليه السلام - يسبله فيها ؛ إذ كانت عند ذلك مصروفة في تقوية الإسلام وأهله ، وسد خلة أهل الحاجة منهم ، فدفعه عمر إليهما على الإشاعة بينهما والتساوي والاشتراك في النظر والأجرة . وأما مجيئهما إليه المرة الثانية فلا يخلو من أحد وجهين : إما أن يطلب كل واحد منهما أن ينفرد بالعمل كله ، أو ينفرد بنصيبه ؛ فَرّا من الإشاعة ؛ لما يقع بين العمال والخدم من التنازع ، فأبى عمر أن يكون إلا على الإشاعة ؛ لأنه لو أفرد واحدًا منهما بالعمل والنظر لكان وجهًا من وجوه الأثرة ، فتناسخ القرون وهي بيد بعض قرابة الرسول دون بعض / فيستحقها الذي هي بيده ، ولم ير أن يجعلها [٢/ق ١٨٥-٩] نصفين على غير الإشاعة ؛ لأن سنة الأوقاف ألا تقسم بين أهلها ، - ٢٥٣ - وإنما يقسم علاتها ، فلذلك حلف أن يتركها مجملة ولا يقسمها بينهم، فيشبه ذلك التوريث ، والله أعلم . وقد ذكر البخاري في المغازي أن عليا غلب العباس على هذه الصدقة ومنعه منها ، ثم كانت بيد بني عليٌّ بعده يتداولونها . وجميع ما تركه الرسول من الأصول وما جرى مجراها مما يمكن بقاء أصله والانتفاع به ، فحكمه حكم الأوقاف تجري علاتها على المساكين، والأصل باق على ملك الموقف، فقوله: (( ما تركنا صدقة)) يعني : صدقة موقوفة ، وسيأتي معنى قوله عليه السلام: ((لا نورث ، ما تركنا صدقة )" في كتاب الفرائض - إن شاء الله. وأما قوله: (( إن الله خص رسوله )) فخصه بإحلال الغنيمة ولم تحل لأحد قبله ، وخصه بما أفاء الله عليه من غير قتال من أموال الكفار تكون له دون سائر الناس ، وخصه بنصيبه في الخمس ، وهذا معنى ذكر هذا الحديث في باب فرض الخمس ، وفيه أنه لا بأس أن يمدح الرجل نفسه ويطريها إذا قال الحق ، وذلك إذا ظن بأحد أنه يريد تنقصه . وفيه : جواز ادخار الرجل لنفسه وأهله قوت السنة ، وأن ذلك كان من فعل الرسول حين فتح الله عليه من النضير وفدك وغيرهما ، وهو خلاف قول جملة الصوفية المنكرة للادخار ، الزاعمين أن من ادخر فقد أساء الظن بربه ولم يتوكل عليه حق توكله . وفيه : إباحة اتخاذ العقار التي يبتغى منها الفضل والمعاش بالعمارة، وإباحة اتخاذ نظائر ذلك من المغنم وأعيان الذهب والفضة كسائر الأموال التي يراد بها النماء والمنافع لطلب المعاش وأصولها ثابتة ، - ٢٥٤ - وستأتي هذه المسألة في باب (( نفقة النبي بعد وفاته )) بزيادة فيها ، ويأتي أيضًا في كتاب الأطعمة - إن شاء الله . قال الطبري : وفيه من الفقه أن أبا بكر قضى على العباس وفاطمة بقول رسول الله: ((لا نورث)) ولم يحاكمهما في ذلك إلى أحد غيره، فكذلك الواجب أن يكون للحكام والأئمة الحكم بعلومهم ، لأنفسهم كان ذلك أو لغيرهم ، بعد أن يكون ما حكموا فيه بعلومهم مما يعلم صحة أمره (١) رعيتهم ، أو يعلمه منهم من أن يحتاجوا إلى شهادته إن أنكر بعض ما حكموا به من ذلك عليهم بعض رعيتهم ، كان في شهادتهم لهم براءة ساحاتهم ، وثبوت الحجة لهم على المحكوم عليه . قال الطبري : وفي حديث علي أن المسلمين كانوا في أول الإسلام يشربون الخمر ويسمعون الغناء حتى نهى الله عن ذلك بقوله : ﴿ إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان﴾ إلى قوله: فهل أنتم منتهون﴾ (٢) وسيأتي ما في سماع الغناء عن السلف في كتاب الاستئذان وفي كتاب فضائل القرآن ، وقد تقدم منه شيء في كتاب صلاة العيدين . وقوله: (( رجع القهقرى)) قال الأخفش : يعني: رجع وراءه و وجهه إليك . وقوله في حديث عمر: (( متع النهار)) قال صاحب العين : متَعَ النهار متوعًا ، وذلك قبل الزوال . وفي قوله : (( تيدكم أنشدكم بالله )) فذكر الكسائي في كتابه الذي شرحه : رويد زَيْد وَتَيْد زيدًا ورويدًا زيدًا بمعنى واحد ، ومعناه : أمهل (١) هاهنا لحق غير واضح في ((الأصل)). (٢) المائدة : ٩٠ - ٩١ . - ٢٥٥ - زيدًا، ومن روى : أتيدكم ، فلا يجوز في العربية؛ لأن أتاد لا يتعدى إلى مفعول ، لا تقول : أتادت زيدًا، وإنما تقول : تيدكم ، كما تقول رويدكم ، ومن روى : أجبت أسنمتها ، فلا يعرف ذلك في اللغة ، إنما تقول العرب : جب الشيء إذا قطع منه ، ومنه قيل للذي قطع إحليله فاستؤصل : مجبوب ، ومن رواه : اجتبت فهو جائز . والثمل : السكران . وسأذكر ما في هذا الحديث من الغريب في كتاب المياه في باب : بيع الجطب والكلأ - إن شاء الله . قال الخطابي : وقد احتج بعض أهل العلم بهذا الحديث في إيطال أحكام السكران وقالوا : لو لزم السكران ما يكون منه في حال سكره كما كان يلزمه في حال صحوه لكان المخاطب رسول الله بما استقبله به حمزة كافراً مباح الدم . قال أبو سليمان : وقد ذهب على هذا القائل أن ذلك كان منه إنما كان قبل تحريم الخمر وفي زمان كان شربها مباحًا ، وإنما حرمت الخمر بعد غزوة أحد. قال جابر : (( اصطبح الناس الخمر يوم أحد ، ثم قتلوا آخر النهار شهداء )، فأما وقت شُربت فشربها معصية، وما تولد منها لازم ، ورُخَصُ الله ما تلحق العاصي. قال المهلب : ذهب الخطابي إلى أنه لما كانت الخمر مباحة وقت شربها كان ما تولد منها بالسكر من الجفاء على النبي لا تلزم فيه عقوبة، فعذره عليه السلام لتحليل الخمر مع أنه كان شديد التوفير لعمه والتعظيم له والبِرِّ به . فأما اليوم والخمر محرمة فيلزم السكران حد الفرية وجميع الحدود ؛ لأنه سبب زوال عقله من فعل محرم عليه، وأما ضمان إتلاف الناقتين فلزم حمزة ضمانهما لو طالبه علي بذلك [٢/ ١٨٥- ب) ويمكن أن يعوضه النبي منهما / ؛ إذ العلماء لا يختلفون أن جنايات الأموال لا تسقط عن المجانين وغير المكلفين ، ويلزمهم ضمانها في كل حال كما يلزم العقلاء . - ٢٥٦ - فإن قيل : ما تقول فيمن سكر من لبن أو طعام أو دواء مباح فقذف غيره ؟ والجواب أن يحمل محمل المجنون والمغمى عليه والصبي يسقط حد القذف وسائر الحدود غير إتلاف الأموال ؛ لقوله عليه السلام : ((رفع القلم عن المجنون حتى يفيق ، وعن الصبي حتى يحتلم )" فمن سكر من شيء حلال فحكمه حكم هؤلاء . وقد بلغني عن الفقيه أبي عبد الله بن الفخار أنه كان يقول : من سكر من لبن أو طعام حلال أنه لا يلزمه طلاق إن طلق في حاله تلك. وحكى الطحاوي أنه إجماع من العلماء . و باب : أداءَ الخمس من الدّين فيه: ابن عباس: (( قدم وفد عبد القيس وقالوا : يا رسول الله ، إنا هذا الحي من ربيعة ، وبيننا وبينك كفار مضر ، ولسنا نصل إليك إلا في الشهر الحرام ، فمرنا بأمر نأخذ به وندعو إليه من وراءنا . فقال : آمركم بأربع ، وأنهاكم عن أربع : الإيمان بالله وشهادة أن لا إله إلا الله - وعقدها بيده - وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصيام رمضان ، وأن تؤدوا لله خمس ما غنمتم، وأنهاكم عن الدباء والنقير والحنتم والمزفت )) . قال المهلب : قد تقدم هذا الباب في كتاب الإيمان وترجم له ((باب أداء الخمس من الإيمان)) وذلك بيّن ؛ لأنه عليه السلام أمرهم بأربع فبدأ بالإيمان بالله وختم بأن تؤدوا إلى الله الخمس ، فدخل ذلك في جملة الإيمان ، وإنما لم يأمرهم بالحج ؛ لأنه لم يكن نزل حينئذ فرض الحج ، وأمرهم بأداء الخمس ؛ لأنه لا يكون الخمس إلا من جهاد ، وأمرهم بالجهاد داخل في أمرهم بالخمس ، وإنما قصد إلى أداء الخمس؛ لأن كل من بايع لم يبايع إلا على الجهاد ، وكان عبد القيس - ٢٥٧ - أهل غارات ، ولم يعرفوا أن يؤدوا منها شيئًا ؛ لأنهم كانوا من فتاك العرب ، فقصد لهم عليه السلام إلى إنهاء ما كانوا عليه من الباطل فذمه لهم ، ونهاهم عن أشياء كلها في معنى الانتباذ ؛ لأنهم كانوا كثيرًا يفعلونه ، فقصد لهم إلى الظروف التي كانوا يتذرعون فيها إلى السكر لإسراع النبيذ إلى السكر فيها ، ونسخ ذلك عليه السلام بعد هذا لما أمن منهم التذرع إلى الدباء والمزفت على ما يأتي في كتاب الأشربة - إن شاء الله . قوله: (( ولسنا نصل إليك إلا في الشهر الجرام)) إنما قال ذلك ، لأن كفار العرب كانوا لا يقاتلون في الأشهر الحرم ، ولا يحملون السلاح فيها . باب : نفقة نساء النبي عليه السلام بعد وفاته فيه : أبو هريرة قال رسول الله : « لا تقتسم ورثتي دینارًا، ما ترکت بعد نفقة نسائي ومئونة عاملي فهو صدقة )) . وفيه : عائشة : (( توفي النبي - عليه السلام - وما في بيتي شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رَفَّ لي، فأكلت منه حتى طال عَلَيَّ ، فَكلْتُهُ ، ففني )) . وفيه: عمرو بن الحارث: (( ما ترك النبي - عليه السلام - إلا سلاحه وبغلته البيضاء وأرضًا تر کها صدقة » . قال الطبري: قوله: (( لا تقتسم ورثتي دينارًا ولا درهمًا )) ليس بمعنى النهي ؛ لأنه لم يترك عليه السلام دينارًا ولا درهمًا يقتسم ؛ لأنه مات ودرعه مرهونة بوسق من شعير ، ولا يجوز النهي عما لا سبيل إلى فعله ، وإنما ينهى المرء عما يمكن وقوعه منه . ومعنى الخبر أنه ليس تقتسم ورثتي دينارًا ولا درهمًا ؛ لأني لا أخلفهما بعدي . ۔۔ - ٢٥٨ - وقال غيره : إنما استثنى عليه السلام نفقة نسائه بعد موته ؛ لأنهن حبوسات عليه لقوله تعالى : ﴿وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله﴾(١) الآية . وقوله : (( مئونة عاملي )) يريد عامل نخله فيما خصه الله به من الفيء في فدك وبني النضير ، وسهمه / بخيبر مما لم يوجف عليه [٢/ ١٨٦٥-) بخيل ولا ركاب ، وكان له من ذلك نفقته ونفقة أهله وجعل سائره في نفع المسلمين . وجرت النفقة بعده من ذلك على أزواجه وعلى عمال الحوائط إلى أيام عمر ، فخير عمر أزواجه بين أن يتمادى على ذلك أو يقطع لهن قطائع ، فاختارت عائشة وحفصة أن يقطع لهما قطائع فقطع لهما في ( ) (٢) وأخرجهما عن حصتهما من ثمرة تلك الحيطان، فملكتا ما أقطعهما عمر من ذلك إلى أن ماتتا وورث عنهما. قال الطبري : وفيه من الفقه أن من كان مشتغلا من الأعمال بما فيه لله بر وللعبد عليه من الله أجر أنه يجوز أخذ الرزق على اشتغاله به إذا كان في قيامه سقوط مئونة عن جماعة من المسلمين أو عن كافتهم ، وفساد قول من حرم ( ) (٢) أخذ الأجور على أعمالهم ، والمؤذنين أخذ الأرزاق على تأذينهم ، والمعلمين على تعليمهم . وذلك أن النبي - عليه السلام - جعل لولي الأمر بعده فيما كان أفاء الله عليه مؤنته ، وإنما جعل ذلك لاشتغاله ، فبان أن كل قيِّم بأمر من أمور المسلمين مما يعمهم نفعه سبيله سبيل عامل النبي - عليه السلام - في أن له المئونة في بيت مال المسلمين والكفاية ما دام مشتغلا به ، وذلك كالعلماء والقضاة والأمراء وسائر أهل الشغل بمنافع الإسلام . وفي حديث أبي هريرة من الفقه الدلالة البينة على أن الله أباح لعباده (٢) طمس بالأصل . (١) الأحزاب : ٥٣. - ٢٥٩ - المؤمنين اتخاذ الأموال والضياع ما يسعهم لأقواتهم وأقوات أهليهم وعيالهم ، ولما ينوب من النوائب ويفضل عن الكفاية ؛ لأن الرسول جعل الفضل عن نفقة أهله للسنة ومئونة عامله صدقة ، فكذلك كان هو يأخذ في حياته ، فكان يأخذ ما بقي فيجعله فيما أراه الله من قوة الإسلام ، ومنافع أهله ، والخيل والسلاح ، وما يمكن صرفه في ذلك فهو مال کثیر . وفي ذلك الدليل الواضح على جواز اتخاذ الأموال واقتنائها ؛ طلب الاستغناء بها عن الحاجة إلى الناس ، وصونًا للوجه والنفس استنانًا برسول الله ، وأن ذلك أفضل من الفقر والفاقة إذا أدى حق الله منها ، ولو كان الفقر أفضل لما كان الرسول يختار أخس المنزلتين عند الله على أرفعهما ، بل كان يقسم أمواله وأصوله على أصحابه ولا سيما بين ذوي الحاجة منهم ، فبان فساد قول من منع اتخاذ الأموال وادخار الفضل عن قوت يوم وليلة ، ووضح خطأ قول من زعم أن التوكل لا يصح لمؤمن على ربه إلا بعد [ ألا ] (١) يحتبس بعد غدائه وعشائه شيئًا في ملكه ، وأن احتباسه ذلك يخرجه من معنى التوكل ويدخله في معنى من أساء الظن بربه . ولا يجوز أن يقال أن أحدًا أحسن ظنا بربه من النبي - عليه السلام- ولا خفاء بفساد قولهم ، فإن اعترضوا بما روي عن ابن مسعود أن النبي - عليه السلام - قال: (( لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا)) فمعنى ذلك : لا تتخذوها إذا خفتم على أنفسكم باتخاذها الرغبة في الدنيا ، فأما إذا لم تخافوا ذلك فلا يضركم اتخاذها بدليل اتخاذ النبي - عليه السلام - لها . فإن قيل : فقد روى مسروق ، عن عائشة قالت : (( قال النبي - (١) في ((الأصل)): أن، وهو خطأ بَيِّن. - ٢٦٠ -