النص المفهرس

صفحات 221-240

باب : كتابة الإمام الناس
فيه : حذيفة : قال النبي - عليه السلام -: (( اكتبوا لي من يلفظ
بالإسلام من الناس . فكتبنا له ألفًا وخمسمائة رجل : فقلنا : نخاف
ونحن ألف وخمسمائة ؟ فلقد رأيتنا ابتلينا حتى إن الرجل ليصلي وحده
وهو خائف )» .
وروى أبو حمزة عن الأعمش : ((خمسمائة)) .
وقال أبو معاوية: (( ما بين ستمائة إلى سبعمائة )).
وفيه : ابن عباس: (( جاء رجل إلى النبي - عليه السلام - فقال : يا
رسول الله، إني كتبت في غزوة كذا وكذا، وامرأتي حاجة . قال : ارجع
فاحجج مع امرأتك )» .
قال المهلب : فيه أن كتابة الإمام الناس سُنة من النبي - عليه
السلام- عند الحاجة إلى الدفع عن المسلمين ، فيتعين حينئذ فرض
الجهاد على كل إنسان يطيق المدافعة إذا نزلت بأهل ذلك البلد مخافة .
وفيه : أن وجوب ذلك لا يتعدى المسلمين ، وليس على أهل الذمة
بواجب ؛ لأن المسلمين إنما يدافعون عن كلمة التوحيد ، وليس على
أهل الذمة ذلك ، وإنما يدافعون عن أموالهم وذراريهم ، ولصيانتها
بذلوا لنا الجزية فعلينا حمايتهم والدفع عنهم .
وفيه : العقوبة على الإعجاب بالكثرة .
باب : إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر
فيه : أبو هريرة: (( وشهدنا مع النبي - عليه السلام - فقال لرجل ممن
يَدّعي الإسلام : هذا من أهل النار . فقاتل الرجل قتالا شديدًا وأصابته
- ٢٢١ -

جراحة ، فلم يصبر فقتل نفسه . فقال : أشهد أني رسول الله ، وأمر بلالا
ينادي في الناس أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ، وإن الله يؤيد الدين
بالرجل الفاجر)) .
قال المهلب : هذا مما أعلمنا النبي - عليه السلام - أنه ممن نفذ
علينا الوعيد من الفجار المذنبين ، لا أن كل من قتل نفسه أو غيره
يقضى عليه بالنار ، ولا يعارض هذا الحديث قوله عليه السلام: (( إنا
لا نستعين بمشرك)) لأن المشرك غيرُ المسلم الفاجر، وقوله: ((إنا
لا نستعين بمشرك)» قد يكون خاصا في ذلك الوقت ؛ لأنه قد استعان
بصفوان بن أمية في هوازن ، واستعار منه عليه السلام مائة درع
( ... )(١)، وخرج معه صفوان بن أمية حتى قالت له هوازن: تقاتل
مع محمد ولست على دينه ؟! فقال : رب من قريش خير من رب من
هوازن . وقد غدا معه المنافقون وهو يعلم نفاقهم وكفرهم .
وقوله: ((إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)) يشتمل على
المسلم والكافر ، فيصح أن قوله: ((لا نستعين بمشرك)) خاص في
ذلك الوقت ، والله أعلم .
وفيه من أعلام النبوة إخباره - عليه السلام - بالغيب الذي لا يدرك
مثله إلا بالوحي .
وفيه جواز إعلام الرجل الصالح بفضيلة تكون فيه والجهر بها لتبلغ
[معانديه] (٢) من أهل الباطل والقدح في فضائله ، فيحزنهم ذلك
ويعلمون ثباته وشدته على الحق .
(١) فى ((الأصل)) كلمة صورتها : بأذانها .
(٢) فى ((الأصل)): معانيده.
- ٢٢٢ -

[٢ / ق١٧٩ - ١]
باب : من تأمر في الحرب / من غير إمرة إذا خاف العدو
فيه: أنس: (( خطب النبي - عليه السلام - فقال : أخذ الراية زيد
فأصيب ، ثم أخذها جعفر فأصيب ، ثم أخذها عبد الله بن رواحة
فأصيب، ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففتح عليه ، وما يسرهم
أنهم عندنا ، وإن عينيه لتذرفان )) .
قال المهلب في قوله : (( ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة
ففتح له)) فيه من الفقه أن من رأى للمسلمين عورة قد بدت أن يتناول
سد خللها إذا كان مستطيعًا لذلك وعلم من نفسه منة وجزالة . وهذا
المعنى امتثل عليّ بن أبي طالب في قيامه عند قتل عثمان بأمر المسلمين
بغير شورى بينهم واجتماع ؛ لأنه خشي على الناس الضيعة ، وتفرق
الكلمة التي آل أمر الناس إليها ، وعلم إقرار جميع الناس بفضله ،
وأن أحدًا لا ينازعه فيه .
قال غيره : وروى البخاري في المغازي عن ابن عمر قال: ((أمر
رسول الله في غزوة مؤتة زيد بن حارثة ، فقال رسول الله : إن قُتل
زيد فجعفر ، وإن قُتْل جعفر فعبدالله بن رواحة )) فبان بهذا الحديث أن
جعفرًا وعبد الله إنما تقدما إلى أخذ الراية بتقديم الرسول لهما وتوليته
إياهما . ففي هذا من الفقه أن الإمام يجوز له أن يجعل ولاية العهد
بعده لرجل ، ثم يقول : فإن مات قبل موتي فإن الولاية لفلان -
رجل آخر يستحق ذلك - فإن مات المولَّى أولا فالعقد الثاني ثابت .
فإن قيل : كيف يصح ذلك ولا يخلو أن تنعقد ولاية الثاني في
الحال أَوْ لا تنعقد . فإن كانت منعقدة صارت الإمامة ثابتة لإمامين ،
وذلك لا يجوز ، وإن لم تنعقد للثاني في الحال فقد جوزتم ابتداء
عقدها على شرطٍ وصفةٍ .
قيل : إنما جوزنا استخلاف الاثنين على سبيل الترتيب إذا ترتبا في
- ٢٢٣ -

ولاية العهد . ولو قيل : إن عقد الولاية ينعقد لأحدهما لا بعينه
وتتعين لمن انعقدت له عند موت الإمام القائد كان سابقًا ، ألا ترى أن
عمر لم يعين على أحد من الستة في الشورى ، وانعقدت لأحدهم
الولاية من جهته ، وتعين الواحد منهم بعد موته ووقوع الاختيار من
بینهم عليه .
فإن قيل : إن الولاية تنعقد للأول ، وإن الثاني إنما وقع عليه
الاختيار من غير أن تنعقد له ولاية في الحال لتنعقد في الثاني ، فيلزم
الأمة حينئذ اتباعه باختيار الإمام له ، وإن اختياره لهم أولى من نظر
من يولَّى الاختيار منهم لكافتهم كان له وجه ، يتعلق ذلك بالمصلحة
العامة والنظر للكافة ، وقد وردت السنة بمثله ، وأجمعت الأمة على
استعماله .
ولى رسول الله زيد بن حارثة على الجيش الذي جهزه إلى مؤتة ،
فإن قُتل فأميره جعفر بن أبي طالب بعده ، ثم إمارة عبد الله بن رواحة
بعده، فإن ولَّى الإمام [ وليا] (١) بعده ، وقال : إن مات بعد إفضاء
الخلافة إليه بعدي لا قبلُ فالإمام بعده فلان انعقدت ولاية الأول وصار
إمامًا عند موت المتخلف ، فكان لولي العهد في حياته أن يختار غيره
لولاية العهد ؛ لأن الحق في الاختيار حينئذ يصير إليه بإفضاء الإمامة
إليه ، قاله بعض أهل العراق .
باب : العون بالمدد
فيه: أنس: (( أن النبي - عليه السلام - أتاه رعْل وذكوان وعصية وبنو
لحيان ، فزعموا أنهم قد أسلموا ، واستمدوه على قومهم ، فأمدهم
...
(١) في (( الأصل)): ولي .
- ٢٢٤ -

عليه السلام بسبعين من الأنصار كنا نسميهم : القراء ، يحتطبون بالنهار
ويصلون بالليل ، فانطلقوا بهم حتى بلغوا بئر معونة غدروا بهم
فقتلوهم، فقنت شهرًا يدعو عليهم . قال أنس : وقرءوا بهم قرآنًا : ألا
بلغوا قومنا، أنا قد لقينا ربنا ، فرضي عنا وأرضانا. ثم رفع بعد ذلك)).
قال المهلب : فيه أن السنة مضت من النبي - عليه / السلام - في [٢/ ق١٧٩ -ب]
أن يمد ثغوره بمدد من عنده ، وجرى بذلك العمل من الأئمة بعده .
وفيه : الدعاء في الصلاة على أهل العصيان والشرك ، وإنما ذلك
على قدر جرائمهم .
وفيه : أنه قد يجوز النسخ في الأخبار على صفة ولا تكون كليا ،
إما يكون نسخه ترك تلاوته فقط ، كما أن نسخ الأحكام ترك العمل
بها ، فربما عوض من المنسوخ من الأحكام حكمًا غيره ، وربما لم
يعوض في النسخ من الأحكام (١) .
منه أمره يعلى بالصدقة عند مناجاة الرسول ، ثم عفي عنا بغير
عوض من الشرع بنسخه ، بل ترك العمل به ، وكذلك الأخبار نسخها
من القرآن رفع ذكرها ، وترك تلاوتها لآثار تكتب بخبر آخر مضاد لها
مثله . بما نسخ من الأخبار ما كان يقرأ في القرآن: ((لو أن لابن آدم
واديين من ذهب لابتغى لهما ثالثًا ».
باب : من غلب قومًا فأقام على عرصتهم ثلاثًا
فيه: أنس عن أبي طلحة: (( أن النبي - عليه السلام - كان إذا ظهر
على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال )) .
(١) زيد هنا في ((الأصل)): ولم يعوض، فالظاهر أنه تكرار .
- ٢٢٥ -

قال المهلب : كان هذا منه - والله أعلم - ليريح الظهر والأنفس ،
هذا إذا كان في أمن من عدو وطارق ، وإنما قصد إلى ثلاث - والله
أعلم - لأنه أكثر ما يريح المسافر ؛ لأن الأربعة إقامة بحديث العلاء بن
الحضرمي ، وحديثه الآخر: (( لا يبقين مهاجر بمكة بعد قضاء نسكه
فوق ثلاث )) ولقسمة الغنائم .
#
باب : من قسم الغنيمة في غزوه وسفره
وقال رافع: (( كنا مع النبي - عليه السلام - بذي الحليفة فأصبنا غنمًا
وإيلا ، فعدل عشرة من الغنم ببعير )) .
فيه: أنس (( اعتمر الرسول من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين)).
قال المهلب : هذا إلى نظر الإمام واجتهاده يقسم حيث رأى الحاجة
والأمن ، ويؤخر إذا رأى في المسلمين غنى ، وخاف .
وممن أجاز قسمة الغنائم في دار الحرب : مالك والأوزاعي
والشافعي وأبو ثور .
وقال أبو حنيفة : لا تقسم الغنائم في دار الحرب .
والصواب قول من أجاز ذلك للسنة الواردة فيه ، روى ابن القاسم
عن مالك قال : الشأن قسمة الغنيمة في دار الحرب ؛ لأنهم أولى
برخصها ، وما عدل من البعير بعشرة شياه فليس بأمر لازم .
في قوله: ((عدل)) دليل على أن المعادلة والنظر فيها في كل بلد ؛
لأن البعير في الحجاز له قيمة زائدة ولأكل لحمه عادة جارية ، وليس
كذلك في غيره من البلاد ، وإنما هو إلى الاجتهاد في كل بلدة .
وفيه دليل على جواز بيع اللحم باللحم متفاضلا من غير جنسه أيضًا ..
- ٢٢٦ -

باب : إذا غنم المشركون مال المسلم ثم وجده المسلم
فیه : ابن عمر : « أنه أبق له غلام فلحق بالروم ، فظهر علیه خالد بن
الوليد فرده عليه ، وأن فرسًا له عار فلحق بالروم فظهر عليه ، فردوه
عليه )) .
وقال مرة : « إنه كان على فرس يوم لقي المسلمون ، وأميرهم يومئذ
خالد ، بعثه أبو بكر فأخذه العدو ، فلما هزم العدو رد خالد فرسه )) .
اختلف العلماء في ملك أهل الحرب، هل يملكون علينا ؟ فإن غنمناه
وجاء صاحبه قبل القسمة أخذه بغير شيء ، وإن جاء بعد القسمة أخذه
بالقيمة ، وهو قول عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وزيد بن
ثابت ، ومن التابعين سعيد بن المسيب وعطاء والقاسم وعروة، وبه
قال أحمد بن حنبل . وقال الحسن البصري والزهري : لا يرد إلى
صاحبه / قبل القسمة ولا بعدها .
[٢/ ق ١٨٠-١]
وقال الشافعي : لا يملك أهل الحرب علينا بالغلبة ولصاحبه أخذه
قبل القسمة وبعدها بغير شيء ، واحتج الشافعي بحديث حماد بن
زيد، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أبي المهلب ، عن عمران بن
حصين قال : ((أغار المشركون على سرح المدينة وأخذوا العضباء وامرأة
من المسلمين ، فلما كان في الليل قامت المرأة وقد ناموا ، فركبت
العضباء وتوجهت قبل المدينة ، ونذرت لئن نجاها الله لتنحرنها ، فلما
قدمت المدينة عُرفت الناقة ، فأتوا بها النبي - عليه السلام - فأخبرته
المرأة بنذرها فقال : بئسما جزيتها ، لا نذر فيما لا يملك ابن آدم ،
ولا نذر في معصية )) وزاد عبد الوهاب الثقفي قال : قال [ أبو أيوب
السختياني ](1): ((فأخذها النبي - عليه السلام)) فهذا دليل على أن
(١) فى ((الأصل)) : أبو داود السجستاني، وهو وهم، وقد روى الشافعي هذا
الحديث عن ابن عيينة وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عن أيوب وهو ابن
أبي تميمة السختياني ، قال الشافعي : وكان في حديث عبد الوهاب الثقفي بهذا
الإسناد :.. فقال النبي هذا القول وأخذ ناقته."انظر ((سنن البيهقي)) (٦٩/١٠).
- ٢٢٧ -

أهل الحرب لا يملكون علينا بغلبة ولا غيرها ، ولو ملكوا علينا لملكت
المرأة الناقة كسائر أموالهم لو أخذت شيئًا منها، ولو ملكتها لصح فيها نذرها.
وحجة مالك والجماعة حديث ابن عمر في الغلام والفرس وأنهما
رُدّاً عليه قبل القسمة ، وأيضًا ما رواه عبد الملك بن ميسرة ، عن
طاوس، عن ابن عباس: (( أن رجلا وجد بعيرًا له كان المشركون
أصابوه ، فقال رسول الله : إن أصبته قبل أن يقسم فهو لك ، وإن
أصبته بعد ما قسم أخذته بالقيمة )) .
قال ابن القصار : فدل على أن أهل الحرب قد ملكوه على المسلمين
وصارت لهم يد عليه ، ألا ترى أنه لو كان باقيًا على ملك مالكه لم
يختلف حكم وجوده قبل القسمة وبعدها ، والذي يقوي هذا أن العدو
لو أتلفه ثم أسلم لم يتبع بقيمته، ولو أتلفه مسلم على مسلم لزمه
غرمه ، ولما جاز أن يملك المسلم على الكافر بالقهر والغلبة جاز أن
يملك الكافر عليه بذلك .
ودليل آخر وهو قوله عليه السلام : (( وهل ترك لنا عقيل منزلا )
وكان عقيل استولى على دور النبي - عليه السلام - وباعها ، فلولا أن
عقيلا ملكها بالغلبة وباعها لأبطل النبي - عليه السلام - بيعها ولم
يجز تصرفه ؛ لأن بيع ما لا يصح ملكه لا حكم له .
فإن قيل : خبر ابن عباس رواه الحسن بن عمارة وهو ضعيف ؛ فإن
الطحاوي ذكر أن علي بن المديني روى عن يحيى [ عن ] (١) شعبة أنه
سأل مسعرًاً عن هذ الحديث فقال : هو من حديث عبد الملك بن
ميسرة فأثبته من حديثه ، فدل أنه قد رواه غير الحسن بن عمارة
فاستغنى عن روايته بشهرته عن عبد الملك بن ميسرة .
وأما خبر الناقة والمرأة فلا حجة لهم فيه ؛ لأن قوله عليه السلام:
((لا نذر لابن آدم فيما لا يملك)) إنما كان قبل أن تملك المرأة الناقة ؛
(١) في ((الأصل)): بن . وهو تحريف ويحيى هو ابن سعيد القطان.
- ٢٢٨ -

لأنها قالت ذلك وهي في دار الحرب ، وكل الناس تقول : إن من
أخذ شيئًا من أهل الحرب فلم ينج به إلى دار الإسلام أنه غير محرز
له، ولا يقع عليه ملكه حتى يخرج به إلى دار الإسلام ؛ فلهذا قال
عليه السلام: (( لا نذر لابن آدم فيما لا يملكه )) هذا وجه الحديث .
وقال ابن القصار : ما أحرزه المشركون وخرج عن أيديهم إلى
المسلمين فإن لم يقع في المقاسم ولا حصل بيد إنسان بعوض فإنه يعود
إلى ملك صاحبه ، فالمرأة لما أخذت الناقة بغير عوض انتقل ملكها عن
المشركين وحصل للنبي - عليه السلام - فأما إذا قسمت الغنائم وحصل
الشيء في يد أحد حصلت له شبهة ملك لأجل أنه حصل له بعوض ؛
لأن الغانمين قد اقتسموا وتفرقوا ، فإن أعطاه الإمام القيمة جاز ، وإن
لم يعطه لم يأخذه صاحبه إلا بعوض ؛ لأن القسم حكم الإمام مع
كون شبهه يد الكفار فيصير للغانم بحكم الإمام .
قال الطحاوي : والدليل أن المرأة لما أخذت الناقة انتقل ملكها
للنبي - عليه السلام - ما رواه سفيان ، عن سماك بن حرب ، عن
تميم بن طرفة: (( أن رجلا أصاب العدو له بعيرًا ، فاشتراه رجل
منهم، فجاء به فعرفه صاحبه ، فخاصمه إلى النبي - عليه السلام -
فقال : إن شئت [ أَعْطِه ] (١) ثمنه الذي اشتراه به وهو لك ، وإلا
فهو له )) فهذا وجه الحكم في هذا الباب من طريق الآثار .
وأما من طريق النظر فرأينا النبي - عليه السلام - حكم في مشتري
البعير من أهل الحرب أن لصاحبه أن يأخذه منه بالثمن وكان قد تملكه
المشتري من الحربيين ، كما يملك / الذي يقع في سهمه من الغنيمة ما [٢/ ١٨٠٥ -ب)
يقع في سهمه منها ، فالنظر على ذلك أن يكون الإمام إذا قسم الغنيمة
(١) في (( الأصل)) : أعطيه .
- ٢٢٩ -

فوقع منها في يد رجل شيء ، وإن كان أسر ذلك من يد آخر أن يكون
المأسور من يده من الذي وقع في سهمه بقيمته ، كما يأخذ من يد
مشتریه بثمنه .
وقوله : ((إن فرسًا عار)) قال صاحب العين: يقال : عار الفرس
والكلب وغير ذلك عيارًا : أفلت وذهب في الناس . قال الطبري :
يقال ذلك للفرس إذا فعله مرة بعد مرة ، ومنه قيل للبطال من الرجال
الذي لا يثبت على طريقة : عیار ، ومنه سهم عائر : لا يدری من أین أتى.
باب : من تكلم بالفارسية والرطانة
وقوله تعالى: ﴿واختلاف ألسنتكم وألوانكم﴾ (١)
فيه: جابر (( قلت : يا رسول الله ، ذبحنا بهيمة لنا ، وطحنت صاعًا من
شعير فتعال أنت ونفرٌ ، فصاح النبي - عليه السلام - : يا أهل الخندق،
إن جابرا قد صنع سؤراً فحي هلا بكم)) .
وفيه : أم خالد : « أتيت النبي - عليه السلام - مع أبي ، وعلي قميص
أصفر ، فقال عليه السلام : سَنَّهْ سَنَّه - وهي بالحبشية : حسنة ، قال
(عكرمة) (٢) : سنا: الحسن - قالت : فذهبت ألعب بخاتم النبوة،
فزبرني أبي . قال النبي - عليه السلام - : دعها - مرتين - ثم قال عليه
السلام: أبلي وأخلقي - ثلاث مرات. فبقيت(٣) حتى (ذكر، دكن)(٤).
(١) الروم : ٢٢.
(٢) كذا في ((الأصل)) وليس لعكرمة ذكر في إسناد هذا الحديث وإنما هذا كلام
(عبد الله)) وهو ابن المبارك كما وقع في الصحيح المطبوع (٢١٢/٦)، وفيه :
قال عبدالله: وهي بالحنشية : حسنة .
(٣) هذا قول عبد الله بن المبارك كما في الصحيح المطبوع .
(٤) كذا في ((الأصل)) جمع الكلمتين، وإنما المعروف أنه اختلف رواة الصحيح في=
- ٢٣٠ -

وفيه : أبو هريرة: (( أن الحسن بن علي أخذ تمرة من تمر الصدقة فجعلها
في فيه ، فقال له النبي: كخ كخ، أما تعرف أنا لا نأكل الصدقة)).
السؤر : الوليمة بالفارسية .
قال المؤلف : معنى هذ الباب في تأمين المسلمين لأهل الحرب
بلسانهم ولغتهم أن ذلك أمان لهم ؛ لأن الله - تعالى - يعلم الألسنة
كلها . وأيضًا فإن الكلام بالفارسية يحتاج إليه المسلمون للتكلم به مع
رسل العجم . قد أمر النبي - عليه السلام - زيد بن ثابت أن يتكلم
بلسان العجم ، ولذلك أدخل البخاري عن الرسول أنه تكلم بألفاظ
من الفارسية كانت متعارفة عندهم معلومة وفهمها عنه أصحابه ،
فالعجم أحرى أن يفهموها إذا خوطبوا بها ؛ لأنها لغتهم . وسيأتي
زيادة في هذا المعنى في باب (( قوله : إذا قالوا صبأنا ولم يحسنوا
أسلمنا )) بعد هذا - إن شاء الله .
قال المهلب : أما دعاؤه بأهل الخندق أجمع لطعام جابر ؛ فإنما فعله
لأنه علم منهم حاجة إلى الطعام ، وعلم أنه طعام قد أذن له فيه ببركته
ليكون آية وعلامة للنبوة ، فلذلك دعاهم أجمع ، ولم يدع السادس
إلى دار الخياط واستأذن الخياط أن يدخل معهم لتكون لنا سنة، ولأنه
طعام لم يؤذن له في إتيانه ، وإن كان كل طعامه فيه بركة ؛ ولكن
بركة تكون آية وعلامة (١) فليس هذا من ذلك الطعام .
وفيه مداعبة النبي - عليه السلام - للأطفال في اللعب بحضرة
آبائهم وغيرهم ، وكان عليه السلام على خلق عظيم .
أي الكلمتين قال ابن المبارك فقيل : حتى ذكر - يعني : دهراً أو مدة طويلة
=
وقيل: حتى دكن - يعني اسود لون القميص. راجع: (( مشارق الأنوار )»
للقاضي عياض (٢٥٧/١) والفتح (٢١٣/٦ - ٢١٤).
(١) زاد في ((الأصل)): للنبوة، وضرب عليها .
- ٢٣١ -

وقوله: ((أبلي وأخلقي)) هو كلام معروف عند العرب معناه الدعاء
بطول البقاء ، قال صاحب الأفعال : يقال : أبل وأخلقه : أي عش
فخرق ثيابك وارقعها . وخلقت الثوب : أي أخرجت باليه ولفقته .
وقوله: (( فزبرني )) يعني : انتهرني ، عن أبي علي . وقد تقدم
تفسير (كخ كخ)) في كتاب الزكاة في باب (( ما يذكر في الصدقة
للنبي - عليه السلام)).
وفيه : حمل الصبيان وتدريبهم على الشرائع ، والتجنب بهم الحرام
والمكروه ، وقد تقدم هذا المعنى بزيادة فيه في كتاب الزكاة في باب
((أخذ صدقة التمر عند صرام النخل)).
وفيه : مخاطبة الصبيان بما يخاطب به الكبار الفهماء إذا فهموا ،
وهذه المخاطبة وإن كانت للحسن ففيها تعريف للمسلمين أنه لا يأكل
الصدقة .
والرطانة كلام العجم ، قال صاحب الأفعال : يقال : رطن
رطانة، إذا تكلم بلسان العجم .
وقوله: (( فحي هلا بكم )) قال الفراء: معنى (( حي )) عند العرب
هلم وأهل . فالمعنى هلموا إلى طعام جابر وأقبلوا إليه ، ومثله قول
المؤذن : (( حي على الصلاة)) أي: أقبلوا إليها ، وفتحت الياء من
(حي)) لسكونها وسكون الياء التي قبلها ، كما قالوا : ليت ولعل .
(١٨١٥/٢-] ومنه قول ابن مسعود : إذا ذكر الصالحون فحي / هلا ، وحي هَلّ،
وحي هَلْ ، وحي أهلا آل عمر وحي هلا على عمر .
- ٢٣٢ -

باب : الغلول و قول الله تعالی : ﴿ ومن یغلل
يأت بما غل يوم القيامة ﴾ (١)
فيه: أبو هريرة: (( قام فينا النبي - عليه السلام - فذكر الغلول فعظمه
وعظم أمره وقال : لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء ،
على رقبته فرس لها حمحمة يقول : يا رسول الله ، أغثني ، فأقول :
لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك . وعلى رقبته بعير له رغاء [ يقول ] (٢)
يا رسول الله ، أغثني ، فأقول : لا أملك لك شيئًا ، قد أبلغتك . على
رقبته صامت يقول : يا رسول الله ، أغثني ، فأقول : لا أملك لك
[شيئًا](٢)، قد بلغتك . على رقبته رقاع تخفق يقول : يا رسول الله ،
أغثني ، فأقول : لا أملك لك شيئًا ، قد بلغتك)) .
قال المهلب : هذا الحديث على سبيل الوعيد من الله لمن أنفذه عليه
من أهل الغلول ، وقد تكون العقوبة حمل البعير وسائر ما غله على
رقبته على رءوس الأشهاد وفضيحته به ، ثم الله مخير بعد ذلك في
تعذيبه بالنار أو العفو عنه ، فإن عذبه بناره أدركته الشفاعة إن شاء الله،
وإن لم يعذبه بناره فهو واسع المغفرة .
وقوله: ((لا أملك لك من الله شيئًا)) أي : من المغفرة والشفاعة
حتى يأذن الله في الشفاعة لمن أراد ، كما قال تعالى : ﴿ولا يشفعون
إلا لمن ارتضى﴾ (٣).
وفيه : أن العقوبات قد تكون من جنس الذنوب .
وهذا الحديث يفسر قوله : ﴿يأت بما غل يوم القيامة﴾ (١) أنه يأتي
(١) آل عمران : ١٦١ .
(٢) زيادة من الصحيح المطبوع (٢١٤/٦).
(٣) الأنبياء : ٢٨ .
- ٢٣٣ -

يحمله على رقبته ليكون أبلغ في فضيحته وليتبين للأشهاد جنايته ،
وحسبك بهذا تعظيمًا لإثم الغلول وتحذير أمته .
وقوله : ((صامت )) هو الذهب والفضة.
وقال ابن المنذر : وأجمع العلماء أن على الغال أن يرد ما غل إلى
صاحب المقسم ما لم يفترق الناس .
واختلفوا فيما يفعل بذلك إذا افترق الناس ، فقالت طائفة : يدفع
إلى الإمام خُمسه ويتصدق بالباقي ، هذا قول الحسن البصري والليث
والثوري ، وروي معناه عن معاوية بن أبي سفيان ، وروي عن ابن.
مسعود أنه رأى أن يتصدق بالمال الذي لا يعرف صاحبه ، وروي معناه
عن ابن عباس . قال أحمد في الحبة والقيراط ( ... )(١) على
الرحل (٢) ولا يعرف موضعه : يتصدق به. وكان الشافعي لا يرى
الصدقة به وقال : لا أرى الصدقة به وجهًا ، إنه إن كان ماله فليس
عليه أن يتصدق به ، وإن كان لغيره فليس عليه الصدقة بمال غيره .
باب : القليل من الغلول
۔۔
ولم يذكر عبد الله بن عمرو عن النبي - عليه السلام - أنه حرق متاعه
وهذا أصح
فيه : عبد الله بن عمرو : (( كان على ثُقل النبي - عليه السلام - رجل
يقال له كركرة ، فمات فقال رسول الله : هو في النار . فذهبوا ينظرون
إليه ، فوجدوا عباءة قد غَلَّها )) .
(١) كلمتان لم أتبين قراءتهما فى ((الأصل)).
(٢) بدون نقط فى (( الأصل))
- ٢٣٤ -

قال المهلب : هذا يشبه ما قبله ، أي أنه في طريق النار إن أنفذ الله
عليه الوعيد .
وقول البخاري: ((وهذا أصح)) يعني : حديث عبد الله بن عمرو
((أن رسول الله لم يحرق رحل كركرة حين وجد فيه الغلول)).
وحديث ابن عمر انفرد به صالح بن محمد بن زائدة عن سالم ، وهو
ضعيف مدني ، تركه مالك ، وليس ممن يحتج بحديثه .
وقد قال قوم من العلماء بحديث ابن عمر أنه يحرق رحل الغال .
قال الحسن البصري : يحرق متاعه كله إلا أن يكون حيوانًا أو مصحفًا.
وقال مكحول وسعيد بن عبد العزيز والأوزاعي : يحرق متاعه كله .
وقال الأوزاعي : إلا ما غلَّ وسلاحه وثيابه التي عليه . وقال مالك
وأبو حنيفة والليث والثوري والشافعي : إنه يعزر ولا يحرق رحله .
وقد ذكرنا إجماع الفقهاء أن على الغال أن يرد ما غل إلى صاحب
المقاسم وهي توبة له . وقال الطحاوي : ولو صح حديث / ابن عمر [٥/٢ ١٨١-ب]
لاحتمل أن يكون حيث كانت العقوبات في الأموال ، كما قال في
مانع الزكاة ، وفي ضالة الإبل غرامتها مثليه وجلدات نكال ، وهذا
كله منسوخ .
وفي هذا الحديث تحريم قليل الغلول وكثيره كما قال عليه السلام
للذي أتاه بالشراك من المغنم قال: (( شراك أو شراكان من نار» وقال
في الشملة: (( إنها تشتعل عليه ناراً يوم القيامة)).
- ٢٣٥ -

باب : ما يكره من ذبح الإبل والغنم في المغانم
فيه : رافع: (( كنا مع النبي - عليه السلام - بذي الحليفة فأصاب
الناس جوع ، وأصبنا إبلا وغنمًا ، وكان النبي - عليه السلام - في
أخريات الناس ، فعجلوا فنصبوا القدور [ فأمروا بالقدور ] (١)
فأكفئت ، ثم قسم فعدل عشرة من الغنم ببعير ، فندّ منها بعيرٌّ، وفي القوم
خيل يسيرة، فطلبوه فأعياهم ، فأهوى إليه رجل بسهم فحبسه الله ، فقال :
هذه البهائم لها أوابد كأوابد الوحش، فما ندّ عليكم فاصنعوا به هكذا)).
قال المهلب : إنما أمر رسول الله بإكفاء القدور من لحوم الإبل
والبقر وأكلها جائز ، في دار الحرب بغير إذن الإمام عند العلماء .
هذا قول مالك والليث والأوزاعي والشافعي وجماعة من العلماء
رخصوا في ذبح الأنعام في بلاد العدو للأكل وفي أكل الطعام ؛ لأن
هؤلاء الذين أكفئت عليهم القدور إنما ذبحوه بذي الحليفة وهي أرض
الإسلام ، وليس لهم أن يأخذوا في أرض الإسلام إلا ما قسم لهم ؛
لأنها غنيمة فاضلة ، وإباحة الأكل من المغنم إنما هو في أرض العدو
وقبل تخليص الغنيمة وإحرازها ، فهذا الفرق بينهما .
وقد قال الثوري والشافعي : إن ما أخذه المرء من الطعام في أرض
العدو فيفضل منه فضلة وتقدم بها إلى بلدة الإسلام أنه يردها إلى الإمام .
وقال أبو حنيفة : يتصدق به ، فكيف من يتسور فيه في أرض
الإسلام ويأخذه بغير إذن الإمام ؟
ورخص مالك في فضلة الزاد مثل الخبز واللحم إذا كان يسيراً لا بال
له . وهو قول أحمد بن حنبل . وقال الليث : أحب إليّ إذا دنا من
أهله أن يطعمه أصحابه . وقال الأوزاعي : يهديه إلى أهله . وأما البيع
(١) زيادة من الصحيح المطبوع (٢١٨/٦).
- ٢٣٦ -

فلا يصلح ، فإن باعه وضع ثمنه في المغنم ، فإن فات ذلك تصدق به
عن الجيش ، ورخص فيه سليمان بن موسى .
قال المهلب : وأمرهم عليه السلام بإكفاء القدور ليعلمهم أن الغنيمة
إنما يستحقونها بعد قسمته لها فلا يفتاتوا في أخذ شيء قبل وجوبه
لقوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ (١) ولقوله: ﴿ يا أيها
الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ﴾ (٢) . قال الحسن: إن
هذه الآية نزلت في أهل (٣) ، نحروا قبل أن يصل النبي - عليه
السلام- فأمرهم أن يعيدوا الذبح . وقال مجاهد في هذه الآية : لا
تفتاتوا على رسول الله بشيء حتى يقضيه الله على لسانه. وقال
الكلبي: لا تقدموا بين يدي الله ورسوله بقول ولا فعل . وفيها قول
آخر ذكره ابن المنذر، عن سماك بن حرب ، عن ثعلبة بن الحكم قال:
(( أصبنا يوم خيبر غنمًا فانتهبناها ، فجاء رسول الله وقدورهم تغلي
فقال : إنها نهبة فأكفئوا القدور وما فيها ؛ فإنها لا تحل النهبة )).
قال بعض أهل العلم : هذا يدل أنهم كانوا قد خرجوا من بلاد
العدو ؛ لأن النهبة مباحة في بلاد العدو وغير مباحة في دار الإسلام ،
وهذه القصة أصل في جواز العقوبة في المال .
وقوله: (( فأكفئت)) قال الطبري: الأشهر والأفصح في كلام
العرب أن يقال : كفأ القوم القدور يكفئونها ، وإن كانت الأخرى
((أكفأت)) محكية ذكرها ابن الأعرابي عن العرب . وسيأتي ما في
الحديث من الغريب في (( كتاب الذبائح)) - إن شاء الله .
(١) الحشر : ٧ .
(٢) الحجرات : ١ .
(٣) هكذا في ((الأصل))، والظاهر أن هنا سقطًا، ولم أقف على هذا الأثر .
- ٢٣٧ -

باب : البشارة في الفتوح
فيه: جرير: (( قال لي النبي : ألا تريحني من ذي الخلصة ؟ وكان بيت
[٢/ ١٨٢-] في خثعم يسمى : الكعبة اليمانية / فانطلقت في خمس ومائة فارس كلهم
من أحمس ، فكسرها وحرقها ، وأرسل إلى النبي يبشره .... )) الحديث.
فيه البشارة في الفتوح وما كان في معناه من كل ما فيه ظهور
الإسلام وأهله ، ليبشر المسلمون بإعلاء الدين ، ويبتهلوا إلى الله في
الشكر على ما وهبهم من نعمه ومن عليهم من إحسانه ، فقد أمر الله-
تعالى - عباده بالشكر ووعدهم المزيد فقال تعالى : ﴿ لئن شكرتم
لأزيدنكم﴾ (١).
باب : لا هجرة بعد الفتح
فيه : ابن عباس: (( قال عليه السلام يوم الفتح بمكة : لا هجرة بعد
الفتح ، ولكن جهاد ونية ... )) الحديث .
وفيه [ : مجاشع ] (٢) « أنه جاء بأخيه مجالد بن مسعود إلى الرسول
١
فقال : هذا مجالد يبايعك على الهجرة . فقال : لا هجرة بعد فتح مكة ،
ولكن أبايعه على الإسلام)) .
وفيه: عائشة: (( انقطعت الهجرة بعد فتح مكة)) .
وروى البخاري (٣) عن عطاء قال: (( زرت عائشة مع عبيد بن عمير
(١) إبراهيم : ٧ .
(٢) هو ابن مسعود رضي الله عنه، ووقع في ((الأصل)): مساجع. وهو تحريف.
(٣) هذه الرواية جاءت تامّة هكذا في باب هجرة النبي ◌َّله وأصحابه إلى المدينة،
من كتاب: (( مناقب الأنصار))، وهي في المطبوع: (ح ٣٩٠٠) وفي
المغازي: (ح ٤٣١٢) .
- ٢٣٨ -

فسألها عن الهجرة فقالت : لا هجرة اليوم ، وكان المؤمنون يفرّ أحدهم
بدينه إلى الله وإلى رسوله مخافة أن يفتن عليه ، وأما اليوم فقد أظهر الله
الإسلام، والمؤمن يعبد ربه کیف شاء ، ولكن جهاد ونية )) .
فهذا بين أن الهجرة منسوخة بعد الفتح إلا أن سقوط فرضها بعد
الفتح لا يسقطها عمن هاجر قبل الفتح ، فدل أن قوله : (( لا هجرة
بعد الفتح )) ليس على العموم ؛ لأن الأمة مجمعة أن من هاجر قبل
الفتح أنه يحرم عليه الرجوع إلى وطنه الذي هاجر منه ، كما حرم
على أهل مكة الرجوع إليها ، ووجب عليهم البقاء مع النبي ،
والتحول معه حيث تحول لنصرته ومؤازرته وصحبته وحفظ شرائعه
والتبليغ عنه ، وهم الذين استحقوا اسم المهاجرين ومدحوا به دون
غيرهم .
ألا ترى أن النبي - عليه السلام - رثى بسعد بن خولة أن مات بمكة
في الأرض التي هاجر منها ، ولذلك دعا لهم فقال: ((اللهم أمض
لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم)) .
وذكر أبو عبيد في كتاب (( الأموال)) أن الهجرة كانت على غير أهل
مكة من الرغائب ولم تكن فرضًا ، يدل على ذلك قوله عليه السلام
للذي سأله عن الهجرة: (( إن شأنها شديد ، فهل لك من إبل تؤدي
زكاتها ؟ قال : نعم . قال : فاعمل من وراء البحار ؛ فإن الله
لا يَتِرَك من عملك شيئًا )) ولم يوجب عليه الهجرة .
وقيل : إنما كانت الهجرة واجبة إذا أسلم بعض أهل البلد ولم يسلم
بعضهم لئلا يجري على من أسلم أحكام الكفار ، فأما إذا أسلم كل
من في الدار فلا هجرة عليهم ؛ لقوله عليه السلام لوفد عبد القيس
حين أمرهم بما أمرهم به ولم يأمرهم بهجرة أرضهم : (( وقد عذر الله
المستضعفين من الرجال والنساء الذين لا يجدون حيلة ولا يهتدون
- ٢٣٩ -

سبيلا)) يعني : طريقًا إلى المدينة ، وأما الهجرة الباقية إلى يوم القيامة
فقوله عليه السلام: ((المهاجر من هجر ما نهى الله عنه)).
باب : إذا اضطر الرجل إلى النظر في شعور أهل
الذمة والمؤمنات إذا عصین الله وتجریدهن
فيه : أبو عبد الرحمن - وكان عثمانيا - قال لابن عطية - وكان علويا:
(( إني لأعلم ما الذي جرأ صاحبك على الدماء ، سمعته يقول: بعثني
النبي - عليه السلام - والزبير فقال : ائتوا روضة خاخ تجدون بها امرأة
أعطاها حاطب كتابًا . فأتينا الروضة فقلنا : الكتاب . قالت : لم يعطني.
قلنا : لتخرجن أو لنجردنك. فأخرجت من حجزتها ... )) الحديث.
قال المهلب : في هذا الحديث من الفقه أن من عصى الله لا حرمة
له، وأن المعصية تبيح حرمته وتزيل سترته ، ألا ترى أن عليا والزبير
أرادا كشف المرأة لو لم تخرج الكتاب ؛ لأن حملها له ضرب من
التجسس على المسلمين ، ومن فعل ذلك فعليه النكال بقدر اجتهاد
الإمام مسلمًا كان أو كافراً .
وقد أجمعوا / أن المؤمنات والكافرات في تحريم الزنا بهن سواء
فكذلك في تحريم النظر إليهن متجردات ، فهن سواء فيما أبيح من
النظر إليهن في حق الشهادة أو إقامة الحد عليهن ، وهذا كله من
الضرورات التي تبيح المحظورات .
[٢/ ق١٨٢ -ب)
وقول أبي عبد الرحمن: (( إني لأعلم ما الذي جرأ صاحبك على
الدماء )» ظن منه ؛ لأن عليا على مكانته من الفضل والعلم لا يقتل
أحدًا إلا بالواجب ، وإن كان قد ضُمن له الجنة بشهوده بدرًاً وغيرها .
- ٢٤٠ -