النص المفهرس

صفحات 181-200

واختلف العلماء في قطع شجر المشركين ، وتخريب بلادهم ،
فرخصت في ذلك طائفة وكرهته طائفة ، فممن أجاز ذلك مالك ،
والكوفيون ، والشافعي . قال الكوفيون : تحرق شجرهم ، وتخرب
بلادهم ، وتذبح الأنعام ، وتحرق إذا لم يمكن إخراجها . وقال
مالك: يحرق النخل ولا تعرقب المواشي . وقال الشافعي : تحرق
الأشجار المثمرة والبيوت ، وأكره تحريق الزرع والكلأ .
وأما من كره ذلك : فروى الزهري عن سعيد بن المسيب أن أبا بكر
الصديق قال في وصية الجيش الذي وجه إلى الشام: (( لا تغرقن نخلا
ولا تحرقنها ، ولا تعقروا بهيمة ، ولا شجرة مثمرة ولا تهدموا بيعة ))
وقال الليث : أكره حرق النخل والشجر المثمر ، ولا تعرقب بهيمة ،
وهو قول الأوزاعي في رواية ، وبه قال أبو ثور ، والحجة في قول من
أجاز تحريقها ؛ لشهادة الكتاب والسنة له ، قال تعالى : ﴿ ما قطعتم
من لينة﴾ (١) الآية . قال ابن عباس : اللينة: النخلة والشجرة. وقال
ابن إسحاق : التحريق سنة إذا كان أنكى للعدو . وحديث جرير وابن
عمر يشهد لصحة هذا القول .
وقد تأول بعض الفقهاء أن أمر أبي بكر الصديق: (( ألا تحرقن
شجرة)) إنما كان من أجل أن النبي - عليه السلام - أخبرهم أنهم
يفتتحونها .
وقال الطحاوي : خبر أبي بكر مرسل ؛ لأن سعيد بن المسيب لم
يولد في أيام أبي بكر الصديق ، وقال الطبري : نهي أبي بكر عن
تحريق النخل وتغريقه إنما هو نهي أن يقصد بذلك ويتعمد ، فأما إذا
أصابه التحريق والغرق في خلال الغارة فغير متبوع به في الدنيا والآخرة
من فعله ، كما النهي عن قتل النساء والصبيان ، إنما هو نهي
(١) الحشر : ٥ .
- ١٨١ -

عن قصدهم بالقتل وتعمدهم بأعيانهم ، فأما من أصابته الخيل في
البيات ، أو هلك عند سقوط حصن المدينة عليهم عند هدم المسلمين
إياه إرادة وصولهم إلى المقاتلة ، أو من أحرقته النار ، أو غرقه الماء
على هذا الوجه ؛ فغير داخل في الذين نهى الرسول عن قتلهم ؛ لأن
النبي - عليه السلام - قد نصب المنجنيق على الطائف ، ولا شك أن
حجارته إذا وقعت في الحصن ربما أصابت المرأة والطفل ، فلو كان
سبيل ما أصابه ذلك سبيل ما أصاب الرامي بيده متعمدًا كان عليه السلام
لا ينصبه خشية أن تصيب حجارته من نهى عن قتله ، فلما فعل ذلك
وأباحه لأمته كان مخالفًا سبيل القصد والعمد في ذلك .
واختلفوا إذا غنم المسلمون مواشي الكفار ودوابهم، وخافوا من كرَّةً
عدوهم وأخذها من أيديهم . فقال مالك وأبو حنيفة : تعرقب وتعقر
حتى لا ينتفعوا بها. وقال الشافعي : لا يحل قتلها ، ولا عقرها ،
ولكن تخلى . واحتج ابن القصار في ذلك فقال : لا خلاف بيننا أن
المشرك لو كان راكبًا لجاز لنا أن نعرب ما تحته ونقتله ؛ لنتوصل بذلك
إلى قتله ، فكذلك إذا لم يكن راكبًا ، وكذلك فعل ما فيه توهينهم
وضعفهم بمنزلة واحدة ؛ ألا ترى أن قطع شجرهم وإتلاف زروعهم
يجوز ؛ لأن في ذلك ضعفهم وتلفهم وكذلك خيلهم ومواشيهم .
وقد مدح الله - تعالى - من فعل ذلك فقال : ﴿ولا ينالون من عدو
نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح ﴾ (١) فهو عام في جميع ما ينالون ،
ولما كانت نفوسهم وأموالهم سواء في استحلالنا إياهم ، ثم جاز
قتلهم إذا لم يتمكن من أسرهم ، كذلك يجوز إتلاف أموالهم التي
یتقوون بها.
:
(١) التوبة : ١٢٠.
- ١٨٢ -

باب : قتل المشرك النائم
/ فيه: البراء: ((بعث النبي - عليه السلام - رهطًا من الأنصار إلى (٢/ ق١٧٠ -ب]
أبي رافع ليقتلوه ، فانطلق رجل منهم ، فدخل حصنهم، قال : فدخلت
في مربط دواب لهم قال : وغلقوا باب الحصن ، ثم إنهم فقدوا حمارًا
لهم فخرجوا يطلبونه ، فخرجت فيمن خرج أريهم أني أطلبه معهم ،
فوجدوا الحمار ، فدخلوا ودخلت ، وأغلقوا باب الحصن ليلا ، ووضعوا
المفاتيح في كوة حيث أراها ، فلما ناموا أخذت المفاتيح ، ففتحت باب
الحصن ، ثم دخلت عليه ، فقلت : يا أبا رافع . فأجابني ، فتعمدت
الصوت ، فضربته فصاح ، فخرجت ثم رجعت كأني مغيث فقلت : يا
أبا رافع - غيرت صوتي - فقال : مالك ، لأمك الويل ؟! فقلت : ما
شأنك ؟ قال : لا أدري من دخل علي فضربني . قال : فوضعت سيفي
في بطنه ، فتحاملت عليه حتى قرع العظم ، ثم خرجت ، وأنا دهش ،
فأتيت سلمًا لهم لأنزل منه ، فوقعت فوثئت رجلي ، فخرجت إلى
أصحابي فقلت : ما أنا ببارح حتى أسمع الناعية ، فما برحت حتى
سمعت نعايا أبي رافع تاجر أهل الحجاز ، فقمت وما بي قلبة حتی أتینا
الرسول فأخبرناه)». وقال البراء: ((إن عبد الله بن عتيك دخل عليه بيته
فقتله وهو نائم » .
قال المهلب : فيه جواز الاغتيال لمن أغار على رسول الله بيد أو
مال، أو ( راعب ) (١)، وكان أبو رافع يعادي رسول الله ويؤلب
الناس عليه، وهذا من باب قوله عليه السلام: (( الحرب خدعة)).
فيه : جواز التجسس على المشركين ، وطلب غرتهم ، وفيه
الاغتيال في الحرب ، والإيهام بالقول ، وفيه الأخذ بالشدة في
الحرب، والتعرض لعدد كثير من المشركين ، والإلقاء إلى التهلكة في
سبيل الله، وأما الذي نهي عنه من ذلك فهو في الإنفاق في سبيل الله،
(١) هكذا في (( الأصل)).
- ١٨٣ -

وألا يُخْل يده من المال فيه رجوعًا وضياعًا ، وهي رحمة من الله
ورخصة ، ومن أخذ بالشدة فمباح له ذلك وأحب إلينا ألا يأخذ
بالشدة في إخلاء يده من المال ؛ لوقوع النهي فيه خاصة ، وفيه الحكم
بالدليل المعروف والعلامة المعروفة على الشيء ؛ لحكم هذا الرجل
بالواعية على موت أبي رافع.
وقال صاحب العين : الواعية (١) : الصارخة التي تندب القتيل ،
والوَعَى : الصوت ، والوَعَى : جلبة وأصوات الكلاب في الصيد إذا
جَدَّتْ (٢).
وقوله : (( فما برحت حتى سمعت نعايا أبي رافع )) المعنى : انع أبا
رافع ، جعل دلالة الأمر فيه ، وعلامة الجزم آخره بغير تنوين . كما
قالت العرب في نظير ذلك من «أدركها)»: دراكها ، ومن «نظمت)):
نظام كقول الراجز : دراكها من إبل دراكها .
يعني : أدركها : وزعم سيبويه أنه يطرد هذا الباب في الأفعال
الثلاثية كلها ، أن يقال فيها : فعال بمعنى : افعل . نحو : حذار ،
ومتاع ، وتراك ، كما تقول اترك ، احذر امتع ، وأنشد للكميت :
تبعا جذامًا غير موت ولا قتل
أراد : انع جذامًا !
وقوله : (( وما بي قلبة)) قال الفراء: أصله من القلاب، وهو داء:
يصيب الإبل ، وزاد الأصمعي : يشتكي البعير منه قلبه ، فيموت من
يومه ، فقيل : ذلك لكل سالم ليست به علة . وقال ابن الأعرابي :
معناه : ليست به علة يقلب لها فينظر إليه .
(١) سبق في المتن: الناعية، وهكذا هي في الصحيح المطبوع مع الفتح (٦/ ١٨٠)
وغيره، وانظر مشارق الأنوار (٢٩١/٢) .
(٢) كتاب ((العين )) (٢٧٢/٢) وفيه: إذا جَدَّت في الطلب وهربت .
:
- ١٨٤ -

باب : لا تمنوا لقاء العدو
فيه: ابن أبي أوفى قال النبي - عليه السلام -: (( لا تمنوا لقاء العدو)).
وفيه : أبو هريرة ، عن النبي - عليه السلام - وزاد: (( فإذا لقيتموهم
فاصبروا » .
نهى الرسول أمته عن تمني لقاء العدو ؛ ولأنه لا يعلم ما يئول أمره
إليه ولا كيف ينجو منه ، وفي ذلك من الفقه النهي عن تمني
المكروهات ، والتصدي للمحذورات ، ولذلك سأل السلف العافية من
الفتن والمحن ؛ لأن الناس [مختلفون] (١) / في الصبر على البلاء، [٢/ ١٧١٥-١)
ألا ترى الذي أحرقته الجراح في بعض المغازي مع رسول الله وَلا فقتل
نفسه، وقال الصديق: ((لأن أعافى فأشكر أحب إلي من أن أبتلى
فأصبر)).
وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال لابنه: (( يا بني لا تدعون
أحدًا إلى المبارزة ومن دعاك إليها فاخرج إليه ؛ لأنه باغ ، والله -
تعالى - قد ضمن نصر من بغي عليه )) .
وأما أقوال الفقهاء في المبارزة، فذكر ابن المنذر قال : أجمع كل من
نحفظ عنه من العلماء أن على المرء أن يبارز ، ويدعو إلى البراز بإذن
الإمام ، غير الحسن البصري ؛ فإنه يكره المبارزة ولا يعرفها ، هذا
قول الثوري ، والأوزاعي ، وأحمد ، وإسحاق .
وأباحت طائفة البراز ، ولم يذكر بإذن الإمام ولا بغير إذنه ، هذا
قول مالك ، والشافعي ، وسئل مالك عن الرجل يقول بين الصفين :
من يبارز ؟ قال : ذلك إلى نيته ، إن كان يريد به وجه الله فأرجو أن
(١) في (( الأصل)): مختلفين وهو خلاف الجادة.
- ١٨٥ -

لا يكون به بأس ، قد كان يفعل ذلك من مضى . وقال أنس بن
مالك: قد بارز البراء بن مالك مرزبان الزارة (١) فقتله . وقال أبو
قتادة: ((بارزت رجلا يوم حنين فقتلته ، وأعطاني النبي - عليه
السلام- سلبه )) وليس في خبره أنه استأذن الرسول في ذلك ،
واختلفوا في معونة المسلم المبارز على المشرك ، فرخص في ذلك
الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وذكر الشافعي قضية حمزة وعبيدة ،
ومعونة بعضهم بعضا ، قال : فأما إن دعا مسلم مشركاً ، أو مشرك
مسلمًا إلى أن يبارزه ، وقال له : لا يقاتلك غيري أحببت أن يكف عن
أن يحمل عليه غيره . وكان الأوزاعي يقول : لا تعينوه على هذا .
قيل للأوزاعي : وإن لم يشترط ألا يخرج إليه غيره ؟ قال : وإن
لا (٢)؛ لأن المبارزة إنما تكون على هذا ، ولو حجزوا بينهما ثم خلوا
سبيل العلج المبارز ، فإن أعان العدو صاحبهم فلا بأس أن [ يعين
المسلمون](٣) صاحبهم .
--
باب : الحرب خدعة
فيه : أبو هريرة، عن النبي : « هلك کسری ثم لا یکون کسری بعده،
وقیصر لیهلکن ثم لا یکون قيصر بعده ، ولتنفقن کنوزهما في سبيل الله،
ثم سمى الحرب : خدعة )) .
وفيه : جابر قال عليه السلام: ((الحرب خدعة)).
قال المؤلف : ذكر بعض أهل السير أن النبي - عليه السلام - قال
هذا يوم الأحزاب لما بعث نعيم بن مسعود أن يحول بين قريش وغطفان
(١) مثله فى الإصابة (١٤٤/١).
(٢) كذا ، والمعنى : وإن لم يشترط .
(٣) في ((الأصل)) : يعينوا المسلمين خطأ.
- ١٨٦ -

ويهود ، ومعناه أن المماكرة في الحرب أنفع [ من ] (١) المكاثرة والإقدام
على غير علم ، ومنه قيل : نفاذ الرأي في الحرب أنفذ من الطعن
والضرب . وقال المهلب : الخداع في الحرب جائز كيفما أمكن ذلك
إلا بالأيمان والعهود والتصريح بالأيمان(٢) ، فلا يحل شيء من ذلك.
قال الطبري : فإنما يجوز من الكذب في الحرب ما يجوز في غيرها
من التعريض مما ينحى به نحو الصدق مما يحتمل المعنى الذي فيه
الخديعة والغدر والألغاز ، لا القصد إلى الإخبار عن الشيء بخلاف
ما هو عليه .
قال المهلب : ومن ذلك أن يقول للمبارز له : خذ حزام فرسك ،
قد انحل ؛ يشغله عن الاحتراس منه فيجد فرصة ، وهو يريد أن حزام
سرجه قد انحل فيما مضى من الزمان ، أو يخبره بخبر يفظعه من
موت أميره وهو يريد موت المنام أو الدين ، ولا يكون قصد الإخبار
عن الشيء على خلاف ما هو عليه البتة ؛ لأن ذلك حرام ، ومن ذلك ما
روي عن النبي - عليه السلام - أنه كان إذا أراد غزو قوم وَرَى بغيرهم.
وقال : حديث أبي هريرة عام في كسرى ، وخاص في قيصر .
ومعناه : لا قيصر بعده في أرض الشام ، وقد دعا النبي لقيصر لما قرأ
كتابه أن يثبت ملكه فلم يذهب ملك الروم أصلا إلا من الجهة التي
جلي منها . وأما كسرى فمزق كتاب رسول الله فدعا عليه النبي -عليه
السلام - أن يمزق ملكه كل ممزق ، فانقطع إلى اليوم .
/ وفيه من علامات النبوة إخباره عليه السلام أن كنوزهما ستنفق في
سبيل الله ، فكان كذلك .
وفي قوله عليه السلام: (( الحرب خدعة)) لغات ، قال سلمة بن
[٢/ ق١٧١ -ب]
(١) في ((الأصل)): و. والمثبت هو المناسب للسياق.
(٢) هكذا ، ولعل الصواب : بالأمان .
- ١٨٧ -

عاصم تلميذ الفراء ؛ من قال الحرب خُدْعَة فهو يخدع وإذا خدع أحد
الفريقين صاحبه فكأنها خُدِعَتْ هي ، ومن قال : خدعة ، فقد وصفها
باسم المصدر ، فيحتمل أن يكون في معنى خدعة تخدعه أي : هي
تخدع وصف المفعول بالمصدر ، كما تقول : درهم ضرب الأمير،
وإنما هو مضروب الأمير .
وقال بعض أهل اللغة : معنى الخَدْعَة : المرة الواحدة . أي : من
خدع فيها مرة واحدة لم تقل العثرة بعدها .
وقال ثعلب : الحرب خَدْعَة ، هذه أفصح اللغات بفتح الخاء
وإسكان الدال ، قال : وذكر لي أنها لغة النبي - عليه السلام .
باب : الكذب في الحرب
فيه : جابر قال النبي - عليه السلام -: (( مَن لكعب بن الأشرف ، فإنه
آذى الله ورسوله ؟ قال محمد بن مسلمة : أتحب أن أقتله يا رسول الله ؟
قال : نعم . قال فأتاه فقال : إن هذا - يعني : محمدًا - قد عَنَّانَا ، وسألنا
الصدقة. قال أيضاً: والله [لَتَمُلَنْهُ] (١) قال: فإنا قد اتبعناه فنكره أن
ندعه حتى ننظر ما يصير أمره . قال : فلم يزل يكلمه حتى استمكن منه
فقتله )) .
قال المؤلف : روى ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أم
كلثوم قالت: (( ما سمعت النبي - عليه السلام - رخص في الكذب
إلا في ثلاث - كان عليه السلام يقول : لا أعدهن كذبًا -الرجل
يصلح بين الناس ، والرجل يحدث زوجته، والرجل يقول في الحرب»
(١) من الصحيح المطبوع (١٨٤/٦)، وكأنها سقطت من الناسخ .
- ١٨٨ -

فسألت بعض شيوخي عن معنى هذا الحديث ، فقال لي : إن الكذب
الذي أباحه عليه السلام في الحرب هي المعاريض التي لا يفهم منها
التصريح بالتأمين ؛ لأن من [ السنة ] (١) المجتمع عليها أن من أمَّن
كافرا فقد حقن دمه ، ولهذا قال عمر بن الخطاب : يتبع أحدكم العلج
حتى إذا اشتد في الجبل قال له : مترس ، ثم قتله، والله لا أُوتَى بأحد
فعل ذلك إلا قتلته .
وقال المهلب : موضع الكذب من هذا الحديث قول محمد بن
مسلمة : قد عَنَّانا وسألنا الصدقة ؛ لأن هذا الكلام يحتمل أن يتأول
منه أن اتباعهم له إنما هو للدنيا على نية كعب بن الأشرف ، وليس هو
بكذب محض بل هو تورية ومن معاريض الكلام ؛ لأنه ورَّى له عن
الحق الذي اتبعوه له في الآخرة ، وذكر العناء الذي يصيبهم في الدنيا
والنصب ، أما الكذب الحقيقي فهو الإخبار عن الشيء على خلاف ما
هو به ، وليس في قول ابن مسلمة إخبار عن الشيء على خلاف ما
هو به ، وإنما هو تحريف لظاهر اللفظ ، وهو موافق لباطن المعنى .
ولا يجوز الكذب الحقيقي في شيء من الدين أصلا ، ومحال أن
يأمر بالكذب وهو عليه السلام يقول: (( من كذب علي متعمدا فليتبوأ
مقعده من النار )) وإنما أذن له أن يقول ما لو قاله بغير إذن النبي - عليه
السلام - وسمع منه لكان دليلا على النفاق ، ولكن لما أذن له في
القول لم يكن معدودًا عليه أنه نفاق ، وسيأتي في كتاب الصلح زيادة
في هذا المعنى في (( باب ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس)) إن شاء
الله تعالى .
(١) في ((الأصل)): سنة .
- ١٨٩ -

باب : الفتك في الحرب
فيه : جابر قال عليه السلام: « مَن لكعب بن الأشرف ؟ قال محمد بن
مسلمة : أتحب أن أقتله ؟ قال : نعم. قال : فائذن لي فأقول . قال (١):
قد فعلتُ)).
الفتك في الحرب على وجهين : أحدهما محرم ، والثاني جائز ،
فالفتك الذي يحرم به الدم أن يصرح بلفظ يفهم منه التأمين . فإذا أمنه
فقد حرم بذلك دمه والغدر به وعلى هذا جماعة العلماء ، وأما الوجه
المباح منه فهو أن يخادعه بألفاظ هي معاريض غير تصريح بالتأمين ،
فهذا يجوز ؛ لأن الحرب خدعة .
قال المؤلف : / واختلف في تأويل قتل ابن الأشرف على وجوه ،
فقيل : إن قتله هو من هذا الباب المباح ؛ لأن ابن مسلمة لم يصرح له
بشيء من لفظ التأمين ، وإنما أتاه بمعاريض من القول فيجوز هذا أن
يسمى : فتكًا على المجاز .
[٢/ ق١٧٢ - ٢]
وفيه وجه آخر قاله بعض شيوخنا قال : إن قتل ابن الأشرف هو من
باب أن من آذى الله ورسوله قد حل دمه ، ولا أمان له يعتصم به فقتله
جائز على كل حال ؛ لأن الرسول - عليه السلام - إنما قتله بوحي من الله
وأذن في قتله فصار ذلك أصلا في جواز قتل من كان لله ولرسوله
حربًا، عن الطبري .
قال غیرہ : ألا تری لو أن رجلا أدخل رجلا مشرکًا في داره فأمنه،
فسب عنده النبي - عليه السلام - حل بذلك للذي أمنه قتله ، ونحو
هذا ما حكاه ابن حبيب ، قال : سمعت [ المدنيين ] (٢) من أصحاب
(١) من الصحيح المطبوع، وفي ((الأصل)): ما .
(٢) في (( الأصل)) : الدينين ، كذا .
- ١٩٠ -

مالك يقولون : إنما تجب الدعوة لكل من لم يبلغه الإسلام، ولا يعلم
ما يقاتل عليه ، فأما من قد بلغه الإسلام ، وعلم ما يُدعى إليه ، ومن
حارب وحورب مثل الروم والإفرنج ، فالدعوة فيما بيننا وبينهم مطرحة
ولا بأس بتبييت مثل أولئك بالغارة وتصبيحهم ، وانتهاز الفرصة فيهم
بلا دعوة ، وقد بعث رسول الله عبد الله بن أنيس الجهني إلى عبد الله
ابن نبيح الهذلي فاغتاله بالقتل ، وهو بعرفة من جبال عرفة ، وبعث
نفرًا من الأنصار إلى ابن أبي الحقيق ، وإلى كعب بن الأشرف
فهجموا عليهما بالقتل في بيوتهما بخيبر .
قال المؤلف : فلا يجوز أن يقال : إن ابن الأشرف قتل غدراً ؛ لأنه
لم يكن معاهدًا ، ولا كان من أهل الذمة ، ومن قال : إنه قتل غدرًاً
فهو كافر ويقتل بغير استتابة ؛ لأنه تنقص النبي - عليه السلام - ورماه
بكبيرة ، وهو الغدر وقد نزهه الله عن كل دنية ، وطهره من كل ريبة.
ألا ترى قول هرقل لأبي سفيان : سألتك : هل يغدر ؟ فزعمت أن
لا، وكذلك الرسل لا يغدرون ، وإنما قال هذا هرقل ؛ لأنه وجد في
الإنجيل صفته ، وصفة جميع الأنبياء - عليهم السلام - أنه لا يجوز
عليهم صفات النقص ؛ لأنهم صفوة الله وهم معصومون من الكبائر ،
والغدر كبيرة ، وسيأتي في كتاب الرهون في باب ((رهن السلاح))
زيادة في معنى قتل كعب بن الأشرف - إن شاء الله .
وروي في الأثر أن ( تاسٍ السبائي ) (١) قال في مجلس علي بن
أبي طالب : إن ابن الأشرف قتل غدرًا . فأمر به علي فضرب عنقه .
وقد قال مالك : من تنقص النبي - عليه السلام - فإنه يقتل ، ومن
قال : إن زر النبي - عليه السلام - وسخة يريد بذلك الإزراء عليه
(١) كذا في (( الأصل)).
- ١٩١ -

قُتل ، قال : ومن سبه قتل بغير استتابة إن كان مسلمًا ، وإن كان ذميا
قتل قبل أن يسلم .
وقال الكوفيون : من سب النبي فقد ارتد ، وإن كان ذميا عزر ولم
يقتل ، وسيأتي تمام هذه المسألة، والحجة فيها في موضعه - إن شاء الله.
باب : ما يجوز من الاحتيال
والحذر [ مع ](١) من تخشى معرته
:
فيه : ابن عمر: (( انطلق النبي - عليه السلام - ومعه أَبِيّ قبَل ابن صيّاد
فحُدِّثَ به في نخل ، فلما دخل عليه رسول الله طفق يتقي بجذوع
النخل، وابن صياد في قطيفة له فيها رمرمة ، فرأت أم ابن صياد
رسول الله [ فقالت : يا صاف ، هذا محمدٌ . فوثب ابن صياد ، فقال
رسول الله : ](٢) لو تر كته بیّن » .
قال المهلب : فيه الترجمة ، وفيه ألا يعجل على من ظهر منه
مكروه؛ حتى يتيقن أمره ، وفيه أن الإمام إذا أشكل عليه أمر من جهة
الشهادات عنده أن يلي ذلك بنفسه ، فيباشره ؛ حتى يسمع ما نُقل
إليه، ويرى ما شُهد به عنده ، فبالعيان تنكشف الريب .
وفيه نهوض السلطان راجلا ليعرف ما يحتاج إليه ، وفيه زجر أهل
(٢/ ١٧٢٥- ب] الباطل بزجر الكلاب وفيه ترك عقوبة غير البالغ / من الرجال ، وقد
تقدم في ((كتاب الجنائز)) في باب: ((هل يعرض على الصبي
الإسلام)» شيء من معنى هذا الحديث ، وسيأتي شيء منه في (( كتاب
الاعتصام)) في باب (( من رأى ترك النكير حجة لا مِن غير الرسول)).
(١) من الصحيح المطبوع: (١٨٥/٦) وهو الأنسب للسياق، وفي (( الأصل)): على.
(٢) من الصحيح المطبوع ، وسقط من الأصل ، ولا بد منه .
- ١٩٢ -

باب : الرجز في الحرب ورفع الصوت في حفر الخندق
فيه : سهل وأنس عن الرسول ، ويزيد عن سلمة .
وفيه [ البراء قال ](١) : رأيت النبي - عليه السلام - يوم الخندق وهو
ينقل التراب حتى وارى التراب شعر صدره ، وكان كثير الشعر ، وهو
يرتجز برجز عبد الله : اللهم لولا أنت ما اهتدينا - إلى قوله - : إذا أرادوا
فتنة أبينا - ويرفع بها صوته )) .
قال المهلب : فيه ابتذال الإمام وتوليه المهنة في التحصين على
المسلمين لينشط الناس بذلك على العمل ، ولذلك ارتجز هذا الرجز
ليذكرهم ما يعملون ولمن يعملون ذلك ، ويعرفهم أن الأمر أعظم
خطرًا من ابتذالهم وتعبهم .
وفيه أنه لا بأس برفع الصوت في أعمال الطاعات إذا لم يكن
مضعفًا عنها ولا قاطعًا دونها .
باب : من لا يثبت على الخيل
فيه : جرير : (( ما حجبني النبي - عليه السلام - منذ أسلمت ، ولا رآني
إلا تبسم في وجهي ، ولقد شكوت إليه أني لا أثبت على الخيل ،
فضرب بيده في صدري ، وقال : اللهم ثبته ، واجعله هاديًا مهدیا )) .
فيه أن الرجل الوجيه في قومه له حرمة ومكانة على من هو دونه ؛
لأن جريرًا كان سيد قومه . وفيه أن لقاء الناس بالتبسم وطلاقة الوجه
من أخلاق النبوة ، وهو مناف للتكبر وجالب للمودة . وفيه فضل
(١) من الصحيح المطبوع (١٨٦/٦)، وسقط من ((الأصل)).
- ١٩٣ -

الفروسية وإحكام ركوب الخيل وأن ذلك مما ينبغي أن يتعلمه الرجل
الشريف والرئيس .
وفيه أنه لا بأس للعالم والإمام إذا أشار إلى إنسان في مخاطبته أو
غيرها أن يضع عليه يده ، ويضرب بعض جسده ، وذلك من التواضع
وفيه استمالة النفوس . وفيه بركة دعوة النبي ؛ لأنه قد جاء في هذا
الحديث أنه ما سقط بعد ذلك من الخيل .
وقوله: (( هاديًا مهديا )) من باب التقديم والتأخير الذي في كلام
العرب ؛ لأنه لا يكون هاديا لغيره إلا بعد أن يهتدي هو ويكون مهدیا.
باب : ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب
وعقوبة من عصى إمامه وقوله: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا﴾(١) الآية.
فيه : أبو موسى: «بعث الرسول معادًا و [ أبا ] (٢) موسی إلی الیمن،
فقال: يَسِّرا ولا تُعَسِّرا، بَشِّرا ولا تُنَفِّرا، وتطاوعا ولا تختلفا)» .
فيه: البراء: (( جعل النبي على الرجالة يوم أحد - وكانوا خمسين -
عبد الله بن جبير ، فقال : إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم
هذا حتى أرسل إليكم ، وإن رأيتمونا هزمنا القوم [ وأوطأناهم ] (٣)
فلا نبرجوا حتى أرسل إليكم [ فهزموهم ] (٤) فأنا والله رأيت النساء
[یشددُن ] (٥) قد بدت خلاخیلهن (٦) وسوقهن رافعات ثيابهن .
(١) الأنفال : ٤٦ .
(٢) في (( الأصل)) : أبو .
(٣) في ((الأصل)): وأوطانهم. والمثبت من الصحيح المطبوع (١٨٨/٦) وهو الصواب.
(٤) من الصحيح المطبوع، وفي ((الأصل)): فهزمهم .
(٥) في (( الأصل)) : ينشدون خطأ ، والمثبت من المطبوع .
(٦) في الصحيح المطبوع ؛ خلاخلهن .
- ١٩٤ -

قال أصحاب عبد الله بن جبير : الغنيمة ، أي قوم ، الغنيمة ، ظهر
أصحابكم فما تنتظرون ؟ قال عبد الله : أنسيتم ما قال لكم النبي ؟ قالوا:
والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة ، فلما أتوهم صرفت وجوههم،
وأقبلوا منهزمين ، فذلك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم فلم يبق مع
النبي - عليه السلام - إلا اثنى عشر رجلا فأصابوا منّا سبعين، وكان
النبي وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة: سبعين أسرى
/ وسبعين قتلى ، فقال أبو سفيان: في القوم محمد - ثلاث مرات. [٢/ق١٧٣-١)
فنهاهم النبي أن يجيبوه . ثم قال : أفي القوم ابن أبي قحافة - ثلاثا - ثم
قال : أفي القوم ابن الخطاب - ثلاثا - ثم رجع إلى أصحابه فقال : أما
هؤلاء فقد قتلتموهم . فما ملك عمر نفسه فقال: كذبت والله يا عدو الله،
إن الذين عددت لأحياء كلهم وقد بقي لك ما يسوؤك . قال : يوم بيوم
بدر والحرب سجال ، إنكم ستجدون في القوم مثْلَة لم آمر بها ، ولم
تسؤني. ثم أخذ يذكر ويقول [ اعْلُّ] (١) هُبَل [اعْلُ] (١) هُبَل. فقال
عليه السلام : أفلا تجيبوه ؟ قالوا : ما نقول ؟ قال: قولوا : الله
أعلى وأجلّ . قال : إن لنا العزى ولا عزى لكم . قال عليه السلام :
ألا تجيبوه ؟ قالوا : ما نقول ؟ قال : قولوا : الله مولانا ولا مولى
لكم )).
قال المهلب : التنازع والخلاف هو سبب الهلاك في الدنيا والآخرة ؛
لأن الله - تعالى - قد عبر في كتابه بالخلاف الذي قضى به على عباده
عن الهلاك في قوله : ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ (٢) ثم قال: ﴿ولذلك
خلقهم ﴾ (٣) فقال قوم: خلقهم للخلاف . وقال آخرون : خلقهم
ليكونوا : فريق في الجنة وفريق في السعير من أجل اختلافهم . وهذا
(١) من الصحيح المطبوع، وفي ((الأصل)): أعلى. وهو خطأ.
(٢) هود: ١١٨، وكان في ((الأصل)): ولو شاء الله ما اختلفوا. كذا !
(٣) هود : ١١٩ .
- ١٩٥ -

كثير في كتاب الله ، وقد أخبر الله - تعالى - أن مع الخلاف يكون
الفشل والكسل ، فيتمكن العدو من المخالفين ؛ لأنهم كانوا كلهم
مدافعين دفاعًا واحدًا ، فصار بعضهم يدافع بعضًا ، فتمكن العدو .
وفي حديث عبد الله بن جبير معاقبة الله على الخلاف ، وعلى ترك
الائتمار للرسول والوقوف عند قوله كما قال تعالى : ﴿ فليحذر الذين
يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ﴾ (١).
وفي قوله: (( حتى تخطفنا الطير)) دليل على جواز الإغياء في
الكلام . وفيه بيان أن النبي لم ينهزم كل أصحابه . ونهي النبي - عليه.
السلام - عن جواب أبي سفيان تصاون عن الخوض فيما لا فائدة فيه،
وإجابة عمر بعد نهي النبي إنما هي حماية للظن بالنبي - عليه السلام -
أنه قتل ، وأن بأصحابه الوهن ، فليس في هذا عصيان للنبي في
الحقيقة ، وإن كان عصيانًا في الظاهر ، فهو مما يؤجر به .
وقوله: ((قد بقي لك ما يسوؤك)) أرهب عليه لما ظن به الوقيعة ،
وكسر شوكة الإسلام ، وأنه قد مضى النبي وسادة أصحابه ، فعرفهم
أنهم أحياء ، وأنه قد بقي له ما يسوؤه .
و((هُبَل)) صنم كانوا يعبدونه في الجاهلية ، وأمر النبي بجوابه ؛
لأنه بعث بإعلاء كلمة الله - تعالى - وإظهار دينه ، فلما كُلم هذا
الكلام لم يسعه السكوت عنه ، حتى تعلو كلمة الله ، ثم عرفهم في
جوابه أنهم يقرون أن الله أعلى وأجل لقولهم : ﴿إنما نعبدهم ليقربونا
إلى الله زلفى ﴾ فلم يراجعه أبو سفيان ، ولا نقض عليه كلامه ،
اعترافًا بما قال . ثم ذكر صنمًا آخر فقال : إن لنا العزى ولا عزى
لكم . فأمر الرسول بمجاوبته ، وعرف في جوابه أن العزى ومثلها من
(١) النور : ٦٣ .
- ١٩٦ -

الأصنام لا موالاة لها ، ولا نصر . فقال : الله مولانا ولا مولى لكم.
فعرف أن النصر من عند الله ، وأن الموالاة والنصر لا تكون من الأصنام
، فبكته بذلك ، ولم يراجعه ، وإنما ترك النبي مجاوبته بنفسه تهاونًا
من خصام مثله ، وأمر من ينوب عنه تنزهًا عنه .
وقال الخطابي: ((إن رأيتمونا تخطفنا الطير)) مَثَلٌ، والمعنى : إن
رأيتمونا قد انهزمنا وولينا ، فلا ترجعوا . يقال : فلان ساكن الطير،
وواقع الطير إذا كان هاديًا وقوراً . وضرب المثل بالطير ؛ لأنه لا يقع إلا
على الشيء الساكن ، ويقال للإنسان إذا طاش وأسرع: قد طار طيره.
#
باب : من رأی العدو فنادی
بصوته یا صباحاه حتى يسمع الناس
فيه: سلمة: (( خرجت من المدينة ذاهبًا نحو الغابة ؛ حتى إذا كنت بثنية
الغابة لقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف ، فقلت : ويحك مالك ؟!
قال: قد أخذت لقاح النبي - عليه السلام - قلت : من أخذها ؟ قال :
غطفان ، وفزارة ، فصرخت ثلاث صرخات / أسمعت ما بين لابتيها : [٢/ ٥ ١٧٣ -ب]
يا صباحاه يا صباحاه ، ثم اندفعت حتى ألقاهم ، وقد أخذوها ، فجعلت
أرميهم وأقول : أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع . فاستنقذتها منهم
قبل أن يشربوا ، فأقبلت بها أسوقها ، فلقيني النبي - عليه السلام -
فقلت : يا رسول الله ، إن القوم عطاش ، وإني أعجلتهم أن يشربوا
[سقْيَهم] (١) فابعث في إثرهم فقال: يا ابن الأكوع، ملكت فأسجح،
إن القوم [يُقْرَوْن ] (٢) في قومهم)).
(١) من الصحيح المطبوع)، وفي (( الأصل)): سقتهم . خطأ.
(٢) من الصحيح المطبوع، وسيأتي في الشرح كأنها : يغزون ، لكن ذكرها الحافظ
في الفتح وأشار إلى أنها تصحيف ، فأثبت ما شرح عليه المصنف لأنه أقطع
وأثبت .
- ١٩٧ -

قال المهلب : فيه وجوب النذير بالعسكر والسرية بالصراخ بكلمة تدل
على ذلك .
وقوله : (( يا صباحاه)) معناه : قد أغير عليكم في الصباح ، أو قد
صوبحتم فخذوا حذركم . وفيه جواز الأخذ بالشدة ، ولقاء الواحد
أكثر من المثلين ؛ لأن سلمة كان وحده ، وألقى بنفسه إلى التهلكة ،
وفيه تعريف الإنسان بنفسه في الحرب شجاعته وتقدمه . وسيأتي في
الباب بعد هذا زيادة في ذلك ، وفيه فضل الرماية ؛ لأنه وحده قاومهم
بها ورد الغنيمة .
وقوله: ((واليوم يوم الرضع)) فيه أقوال للعلماء : قيل : معناه أن
من أرضعته الحرب من صغره ، فهو الظاهر ، وقيل : معناه أن اليوم
يعرف من رضع كريمة أو من رضع لئيمة ، فيبدو فعله في الدفع عن
حريمه .
وقال الخطابي : معناه أن اليوم يوم هلاك اللئام من قولهم : لئيم
رضع ، وهو الذي يرضع الغنم لا يحلبها ، فيسمع صوت الحلب .
وقوله : ((فاستنقذتها منهم قبل أن يشربوا )) يعني : الماء ، وعلى
ذلك يدل قوله : (( إن القوم عطاش )» يحضه على اتباعهم وإهلاكهم،
فقال له عليه السلام: ((ملكت فأسجح)) أي : استنقذت الغنيمة
فملكتها وملكت الحماية فأسجح . أي ارفق ولا تبالغ في المطالبة ،
فربما عادت عليك كسرة من حيث لا تظن ، فبعد أن كنت ظفرتَ يُظفر
بِك ، وقال ذلك عليه السلام رجاء توبة منهم ، ودخول في الإسلام.
وقوله: إن القوم (( يُقرون)) يعني: أنهم سيلقون أول بلادهم
فيطعمون ويسقون قبل أن تبلغ منهم ما تريد ، ومن روى ((يَقرون ))
- ١٩٨ -

جعل القِرَى لهم أنهم يضيفون الأضياف ، فراعى لهم عليه السلام
حق ذلك ورجا أن يتوب الله عليهم .
*
باب : من قال أنا ابن فلان
وقال سلمة : خذها وأنا ابن الأكوع .
فيه: البراء : (( أما رسول الله لم يول يوم حنين ، كان أبو سفيان آخذًا
بعنان بغلته ، فلما غشيه المشركون نزل فجعل يقول : أنا النبي لا كذب ،
أنا ابن عبد المطلب . فما رئي في الناس يومئذ أشد منه )).
قال المؤلف: في (( النوادر )) قال محمد بن عبد الحكم : لا بأس
بالافتخار عند الرمي ، والانتماء بالقبائل ، والرجز ، وكل ذلك إذا
رمى بالسهم فظنه مصيبًا أن يصيح عليه ، وبالذكر الله أحب إلي ، وإن
قال : أنا الفلاني - لقبيلته - فذلك جائز كله مستحب .
وفيه إغراء لبعضهم ببعض ، وروي عن النبي - عليه السلام - أنه
قال: ((أنا ابن العواتك)) ورمى ابن عمر بين الهدفين فقال: ((أنا
لها، أنا لها ، وقال : أنا أبو عبد الرحمن . فقال : أنا الغلام
الهذلي. وكان مكحول فارسيا وكانت لغته بالدال .
وقوله: (( خذها، وأنا ابن الأكوع)) أي : أنا ابن المشهور في
الرمي ( بالإصابة ) (١) عن القوس ، وهذا على سبيل الفخر ؛ لأن
العرب تقول : أنا ابن نجدتها . أي : القائم بالأمر . وأنا ابن جلاء ،
يريد المنكشف للأمر الواضح الجلي . وقال الهذلي :
وأبنت للأشهاد حرة أدعي
فرميت فوق ملاءة محبوكة
يقول: أبنت لهم قولي : خذها وأنا ابن فلان ، و(( حرة )) يعني
(١) هكذا في (( الأصل)) ولعلها زائدة.
- ١٩٩ -

ساعة أدعي إلى قومي ، ولا يقول مثل هذا إلا الشجاع البطل ،
والعادة عند العرب أن يعلم الشجاع نفسه بعلامة في الحرب يتميز بها
[٢/ ١٧٤٥-١] من غيره ليقصده / من يدعي الشجاعة ، فأعلم النبي نفسه بالنبوة
المعصومة ، وبنسبه الطاهر فقال :
أنا ابن عبد المطلب
أنا النبي لا كذب
ليقوي قلب من تمكن الشيطان منه فاستزله وانهزم ، ولذلك نزل
عليه السلام بالأرض ؛ لأن النزول غاية ما يكون من الطمأنينة ، والثقة
بالله - تعالى - ليقتدي به المؤمنون فيثبتوا ؛ لأن الرسول لا يجوز عليه
من كيد الشيطان أن يقذف في قلبه خوفًا يزل به قدمه ، أو ينكص على
عقبيه فينهزم ؛ لأنه على بصيرة من أمره ، ويقين من نصر الله له ،
وإتمام أمره ، ومنعه من عدوه ، وقد تقدم هذ المعنى .
قال الطبري : وقد اختلف السلف : هل يعلم الرجل الشجاع نفسه
عند لقاء العدو ؟ فقال بعضهم : ذلك جائز على ما دل عليه هذا
الحديث ، وقد أعلم نفسه حمزة بن عبد المطلب يوم بدر بريشة نعامة
في صدره ، وأعلم نفسه أبو دجانة بعصابة محضر النبي - عليه السلام -
وكان الزبير يوم بدر معتم بعمامة صفراء ، فنزلت الملائكة معتمين
بعمائم صفر .
وقال ابن عباس في قوله تعالى : ﴿ بخمسة آلاف من الملائكة
مسومين ﴾ إنهم أتوا محمدًا - عليه السلام - مسومين بالصوف ،
فسوم محمد وأصحابه أنفسهم وخيلهم على سيماهم بالصوف ، وكره
آخرون التسويم والإعلام في الحرب ، وقالوا : فعل ذلك من الشهرة،
ولا ينبغي للرجل المسلم أن يشهر نفسه في خير ولا شر ، قالوا : وإنما
- ٢٠٠ -