النص المفهرس

صفحات 161-180

أن يرجع ويحج مع امرأته ، فإن كان للعدو ظهور وقوة تعين فرض
الجهاد على كل أحد فلا يأذن له الإمام في الرجوع .
قال المهلب : والجهاد أفضل لمن قد حج عن نفسه من الحج ، لكن
لما استضاف إلى الحج النافلة ستر عورة وقطع ذريعة كان أوكد وأفضل
من الجهاد في وقت قد استظهر المسلمون فيه على عدوهم .
قال المؤلف : وقوله : (( ارجع فاحجج مع امرأتك )) محمول عند
العلماء على معنى الندب للزوج أن يحج مع امرأته / لا أنه يلزمه ذلك (٢/ق ١٦٦-١)
فرضًا كما لا يلزمه مئونة حملها في الحج ؛ فلذلك لا يلزمها أن (تحمله
إليه بنفسه ) (١) وقد تقدم في باب حج النساء في آخر كتاب الحج
اتفاق الفقهاء في أنه ليس للرجل منع زوجته من حجة الفريضة ، كما
لا يمنعها من صلاة ولا صيام ، فأغنى ذلك عن إعادته .
*
باب : الجاسوس وقوله تعالى: ﴿ لا تتخذوا
عدوي وعدوكم أولياء ﴾(٢)
فيه : علي: (( بعثني الرسول أنا والزبير والمقداد قال : انطلقوا حتى
تأتوا روضة خاخ ؛ فإن بها ظعينة ومعها كتاب فخذوه منها ؛ فانطلقنا
تعادي بنا خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة ، فإذا نحن بالظعينة فقلنا :
أخرجي الكتاب فقالت : ما معي من كتاب . فقلنا : لتخرجن الكتاب
أو لنلقين الثياب . فأخرجته من عقاصها، فأتينا به الرسول، فإذا فيه : من
حاطب بن [ أبي ] (٣) بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم
ببعض أمر النبي . فقال النبي : يا حاطب ما هذا ؟ فقال : يا رسول الله،
(١) كذا في ((الأصل)). (٢) الممتحنة: ١. (٣) ليست بالأصل والصواب إثباتها.
- ١٦١ -

لا تعجل علي ، إني كنت امرأ ملصقًا في قريش، ولم أكن من أنفسها ،
وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون بها أهليهم
وأموالهم؛ فأحببت إن فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدًا
يحمون بها قرابتي ، وما فعلت كفرًا ولا ارتدادًا، أو لأرضى بالكفر بعد
الإسلام . فقال النبي - عليه السلام - : قد صدقكم . فقال عمر : با
رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق . قال : إنه قد شهد بدرا ، وما
يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم ؛ فقد
عفوت عنكم)).
قال الطبري : في حديث حاطب بن [ أبي ] (١) بلتعة من الفقه أن
الإمام إذا ظهر من رجل من أهل الستر على أنه قد كاتب عدوًا من
المشركين ينذرهم ببعض ما أسره المسلمون فيهم من عزم ، ولم يكن
الكاتب معروفًا بالسفه والغش للإسلام وأهله ، وكان ذلك من فعله
هفوة وزلة من غير أن يكون لها أخوات ؛ فجائز العفو عنه كما فعله
الرسول بحاطب من عفوه عن جرمه بعدما اطلع عليه من فعله .
وهذا نظير الخبر الذي روت عمرة عن عائشة أن الرسول قال :
((أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا حدا من حدود الله)) فإن ظن ظان أن
صفحه - عليه السلام - إنما كان لما أعلمه الله من صدقه ، ولا يجوز
لمن بعد الرسول أن يعلم ذلك ، فقد ظن خطأ ؛ لأن أحكام الله في
عباده إنما تجري على ما ظهر منهم .
وقد أخبر الله نبيه عن المنافقين الذين كانوا بين ظهراني أصحابه
مقيمين معتقدين الكفر ، وعرفه إياهم بأعيانهم ، ثم لم يبح له قتلهم
وسبيهم؛ إذ كانوا [يظهرون] (٢) الإسلام بألسنتهم، فكذلك الحكم في كل
أحد من خلق الله أن يؤخذ بما ظهر لا بما بطن ، وقد روي مثل ذلك
(١) ليست بالأصل .
(٢) في ((الأصل)) : يظاهرون .
- ١٦٢ -

عن الأئمة ، روى الليث بن سعد ، عن يزيد بن أبي منصور قال :
((بلغ عمر بن الخطاب أن عامله على البحرين أتي برجل قامت عليه بينة
أنه كاتب عدواً للمسلمين بعورتهم ، وكان اسمه : أضرباس ، فضرب
عنقه وهو يقول : يا عمر ، يا عمراه ؛ فكتب عمر إلى عامله فقدم
عليه فجلس له عمر وبيده حربة ، فلما دخل عليه علا لجبينه بالحربة
وجعل يقول : أضرباس لبيك ، أضرباس لبيك . فقال له عامله : يا
أمير المؤمنين ، إنه كاتبهم بعورة المسلمين وهمّ أن يلحق بهم . فقال له
عمر: قتلته على هذه ، وأينا لم يهمّ ، لولا أن تكون سيئة لقتلتك به)).
قال الطبري : وفيه البيان عن بعض أعلام النبوة ؛ وذلك إعلام الله
نبينا بخبر المرأة الحاملة كتاب حاطب إلى قريش ، ومكانها الذي هي
به، وحالها الذي تغلب عليها من الستر وكل ذلك لا يعلم إلا بوحي
/ الله - تعالى .
[٢/ق١٦٦ -ب)
وقال المهلب : وفيه هتك ستر المذنب ، وكشف المرأة العاصية .
وفيه : أن الجاسوس قد يكون مؤمنًا ، وليس تجسسه مما يخرجه من
الإيمان .
وفيه : أنه لا يتسور في قتل أحد دون رأي الإمام .
وفيه : إشارة الوزير بالرأي على السلطان وإن لم يستشره .
وفيه: الاشتداد عند السلطان على أهل المعاصي، والاستئذان في قتلهم.
وفيه : جواز العفو عن الخائن لله ورسوله تجسس أو غيره .
وفيه : مراعاة فضيلة سلفت ، ومشهد شاهده الجاسوس وغيره من
المذنبين والتشفع بذلك له .
وفيه : الحجة لترك إنفاذ الوعيد من الله لمن شاء ذلك له بقوله :
- ١٦٣ -

(لعل الله اطلع على [ أهل] (١) بدر فقال : اعملوا ما شئتم ؛ فقد
غفرت لكم )) .
وفيه : جواز غفران ما تأخر وقوعه من الذنوب قبل وقوعه ،
وسيأتي بعض معاني هذا الحديث في باب (( المتأولين )) في آخر كتاب
الديات وفي كتاب الاستئذان في باب من (( نظر في كتاب من يحذر
على المسلمين ؛ ليستبين أمره)) .
واختلف الفقهاء في المسلم يكاتب المشركين بأخبار المسلمين ، فقال
مالك : ما فيه شيء وأرى فيه اجتهاد الإمام . وقال أبو حنيفة
والأوزاعي : يوجع عقوبة ، ويطال حبسه . وقال الشافعي : إن كان
ذا هيئة عفا الإمام عنه ، واحتج بهذا الحديث أن النبي - عليه السلام-
لم يعاقب خاطبًا ، وإن كان غير ذي هيئة عذره الإمام ؛ لأنه لا يحل
دم أحد إلا بكفر بعد إيمان أو زنا بعد إحصان أو قتل نفس .
وقال ابن القاسم في العتبية : يضرب عنقه ؛ لأنه لا تعرف توبته .
وهو قول سحنون ، وقال ابن وهب : يقتل إلا أن يتوب . وقال ابن
الماجشون : إن كان نادرًا من فعله ، ولم يكن من أهل الطعن على
الإسلام ، فلينكل لغيره ، وإن كان معتادًا لذلك فليقتل .
ومن قال بقتل الجاسوس المسلم فقد خالف الحديث وأقوال المتقدمين
من العلماء ، فلا وجه لقوله .
واختلفوا في الحربي المستأمن أو الذمي يتجسس ويدل على عورات
المسلمين ، فقال الثوري والكوفيون والشافعي : لا يكون ذلك نقضًا
١٠
للعهد في حربي ولا ذمي ، ويوجعه الإمام ضربًا ويطيل حبسه .
-
(١) ساقط من ((الأصل
- ١٦٤ -

وقال الأوزاعي : قد نقض العهد وخرج من الذمة ؛ فإن شاء الإمام
قتله أو صلبه . وهو قول سحنون . وقال مالك في أهل الذمة : إذا
تلصصوا أو قطعوا الطريق لم يكن ذلك نقضًا للعهد حتى يمنعوا الجزية
ويمتنعوا من أهل الإسلام فهؤلاء فيء إذا كان الإمام عدلا .
وعند مالك إذا استكره الذمي مسلمة فزنى بها فهو نقض للعهد وإن
طاوعته لم يخرج من العهد . وعند الشافعي لا ينقض الذمة شيء من
فعله إلا الامتناع من أداء الجزية ، أو الامتناع من الحكم ؛ فإذا فعلوا
ذلك نبذ إليهم .
وقال الطحاوي : لم يختلفوا أن المسلم لو فعل ذلك لم يبح دمه ؛
فكذلك المستأمن ، والذمي قياسًا عليه . ولم يراع الطحاوي اختلاف
أصحاب مالك ولا غيره من المتقدمين مع خلافهم للحديث .
والظعينة : المرأة في الهودج ، ولا يقال لها : ظعينة إلا وهي كذلك
قال الخطابي : إنما قيل للمرأة : ظعينة ؛ لأنها تظعن مع زوجها إذا
ظعن . والعقاص : السِّير الذي تجمع به شعرها على رأسها ،
والعقص : الظفر ، والظفر هو الفتل .
وقوله: ((إني كنت ملصقًا في قريش)) يعني : كنت مضافًا إليهم
ولست منهم ، وأصل ذلك من لصاق الشيء بغيره ؛ ليبين منه ،
ولذلك قيل : المدعي في القوم ملصق ، عن الطبري .
باب : الكسوة للأسارى
فيه : جابر : (( لما كان يوم بدر أتي بأسارى، وأتي بالعباس ولم يكن
عليه ثوب ، فنظر النبي - عليه السلام - له / قميصًا، فوجدوا قميص [٢/ فق١٦٧-١)
- ١٦٥ -

عبدالله بن أبي يقدره عليه فكساه النبي إياه ؛ فلذلك نزع النبي قميصه
الذي ألبسه إياه )) .
قال ابن عيينة : كانت له عند النبي - عليه السلام - يد أحب أن يكافئه.
قال المهلب : وفيه كسوة الأسارى والإحسان إليهم ، ولا يتركوا
عراة فتبدوا عوراتهم ولا يجوز النظر إلى عورات المشركين .
وفيه: وجوب المكافأة على اليد تُسدى إلى قريب الرجل إذا كان ذلك
إكرامًا له في قريبه ولم يطلبها القريب ، إذا كانت بسبب الستر من أهله.
وفيه : أن المكافأة تكون في الحياة وبعد الممات .
باب : فضل من أسلم علی یدیه رجل
فيه : سهل قال عليه السلام يوم خيبر: (( لأعطین الراية غدًا رجلا يفتح
الله على يديه ... )) الحديث إلى قوله : « فوالله لئن يهدي الله بك رجلا
خير لك من حمر النعم )) .
قال المؤلف : ومما يُشبه معنى هذا الحديث قوله عليه السلام: ((من
سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص
من أجورهم شيئًا)) وقد روينا عن الرسول (( أن العالم إذا لم يعمل
بعلمه يأمر الله به إلى النار يوم القيامة ، فيقول رجل - قد كان علمه
ذلك العالم علمًا دخل به الجنة فيقول - : يا رب ، هذا علمني ما
دخلت به الجنة ، فهب لي معلمي . فيقول تعالى. هبوا له معلمه)).
وقال ابن الأنباري : حمر النعم : كرامها وأعلاها منزلة . وقال أبو
عبيد عن الأصمعي : بعير أحمر إذا لم يخالط حمرته شيء ، فإن
خالطت حمرته قنوء فهو كميت .
- ١٦٦ -

باب : الأسارى في السلاسل
فيه: أبو هريرة قال عليه السلام: (( عجب الله من قوم يدخلون الجنة
في السلاسل )» .
قال المهلب: قوله: ((يدخلون الجنة في السلاسل)) يعني:
يدخلون الإسلام مكرهين ، وسمي الإسلام باسم الجنة ؛ لأنه سببها
ومن دخله دخل الجنة ، وقد جاء هذا المعنى بينًا في الحديث ، ذكره
البخاري في التفسير في قوله تعالى : ﴿ كنتم خير أمة أخرجت
للناس﴾ (١) قال: ((خير الناس للناس يأتون بهم في السلاسل في
أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام )» .
وفيه : سوق الأسرى في الحبال والسلاسل والاستيثاق منهم حتى
يرى الإمام فيهم رأيه .
وقال ابن فورك : والعجب المضاف إلى الله يرجع إلى معنى الرضا
والتعظيم، وأن الله يعظم من أخبر عنه بأنه تعجب منه ويرضى عنه(٢).
باب : فضل من أسلم من أهل الكتابين
فيه : أبو موسى قال رسول الله: (( ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين : الرجل
تكون له الأمة فيعلمها فيحسن تعليمها ، ثم يعتقها ويتزوجها ، ومؤمن
أهل الكتاب الذي كان مؤمنًا ، ثم آمن بالنبي - عليه السلام - والعبد
يؤدي حق الله وينصح لسيده )) ثم قال الشعبي : أعطيتكها بغير ثمن ،
وقد كان الرجل يرحل في أهون منها إلى المدينة .
(١) آل عمران: ١١٠.
(٢) سبق التنبيه والتحذير من مثل هذه التأويلات ، وأنَّ ابن فورك يذهب مذهب
الجهمية في تأويل الصفات الثابتة عن الله عز وجل ، وله مصنفٍ في ذلك ،
ومذهب أهل السنة والجماعة فى هذا وشبهه معروف ، وهو المتمسك لمن أراد
النجاة ، والله الهادي إلى سواء السبيل .
- ١٦٧ -

قال المهلب : فيه أن من أحسن في معنيين من أي فعل كان من أفعال
البر ؛ فله أجره مرتين ، والله يضاعف لمن يشاء ، وإنما جاء النص في
هؤلاء الثلاثة ؛ ليستدل بذلك في سائر الناس وسائر الأعمال.
وفي قول الشعبي جواز الامتنان بالعلم والتعنيف لخطره لينبه على
ذلك من يجهل مقداره .
باب : / أهل الدار يبيتون فتصاب الولدان والذراري
[٢/ ق١٦٧ -ب]
بیانًا : ليلا
فيه : الصعب: (( مر بي النبي - عليه السلام - بالأبواء - أو بودان -
فسئل عن أهل الدار يبيتون من المشركين فتصاب من نسائهم وذراريهم .
قال : هم منهم . وسمعته يقول : لا حمی إلا لله ولرسوله )) .
اختلف الفقهاء في العمل بهذا الحديث ، فتركه قوم وذهبوا إلى أنه
لا يجوز قتل النساء والولدان في الحرب على كل حال ، وأنه لا يحل
أن يقصد إلى قتل غيرهم إذا كان لا يؤمن في ذلك تلفهم مثل أن
يتترس أهل الحرب بصبيانهم ولا يستطيع المسلمون رميهم إلا بإصابة
صبيانهم فحرام عليهم رميهم ، وكذلك إن تحصنوا بحصن أو سفينة
وجعلوا فيها نساء وصبيانًا وأسارى مسلمين فحرام رمي ذلك الحصن
وحرق تلك السفينة ؛ إذا كان يخاف تلف النساء والصبيان والأسارى .
واحتجوا بعموم نهيه عليه السلام عن قتل النساء والصبيان ، وبعموم
قوله تعالى: ﴿ لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابًا أليمًا﴾ (١).
هذا قول مالك والأوزاعي .
(١) الفتح : ٢٥ .
- ١٦٨ -

وقال الكوفيون والشافعي : إنما وقع النهي عن قتل النساء والصبيان
إذا قصد إلى قتلهم ، فأما إذا قصد إلى قتل غيرهم ممن لا يوصل إلى
ذلك منهم إلا بتلف نسائهم وصبيانهم فلا بأس بذلك ، واحتجوا بقوله
عليه السلام: ((هم منهم)).
قال الطحاوي : فلما لم ينههم النبي عن الغارة ، وقد كان يعلم
أنهم يصيبون فيهم الولدان والنساء الذي يحرم القصد إلى قتلهم دل
ذلك أن ما أباح في حديث الصعب معنى غير المعنى الذي من أجله
منع قتلهم في حديث ابن عمر ، وأن الذي أباح هو القصد إلى قتل
المشركين وإن كان في ذلك تلف غيرهم ممن لا يحل القصد إلى قتله ؛
حتى لا تتضاد الآثار .
وقد أمر عليه السلام بالغارة على العدو في آثار متواترة ، ولم يمنعه
من ذلك ما يحيط به علمًا أنه لا يؤمن من تلف النساء والولدان في
ذلك ، والنظر يدل على ذلك أيضًا ، وقد روي عن رسول الله في
الذي عض يد رجل فانتزع يده فسقطت ثنايا العاض ؛ فأبطل ذلك
عليه السلام .
قال الطحاوي : فلما كان المعضوض نزع يده وإن كان في ذلك
تلف ثنايا غيره وكان حرامًا عليه القصد إلى نزع ثنايا غيره بغير إخراج
يده من فيه ، ولم يكن القصد في ذلك إلى غير التلف كالقصد إلى
التلف في الإثم ولا في وجوب العَقْل ، كان كذلك من له أخذ شيء
وفي أخذه إياه تلف غيره مما يحرم عليه القصد إلى تلفه ، فكذلك
العدو قد جعل لنا قتالهم ، وحرم علينا قتل نسائهم وذراريهم فحرام
علينا القصد إلى ما نهينا عنه من ذلك ، وحلال لنا القصد إلى ما أبيح
لنا ، وإن كان فيه تلف غيره مما حرم علينا .
وقوله في حديث الصعب: (( لا حمى إلا لله ولرسوله )»
- ١٦٩ -

فلا شيء فيه من معنى ما تقدم من التبيت ، هو سبيبه (١) بما روي عن
أبي هريرة عن النبي - عليه السلام - (( نحن الآخرون السابقون يوم
القيامة)) ثم وصل ذلك المحدث بكلام آخر ليس فيه شيء من معنى ما
قبله ، وإنما كانوا يحدثون بالأحاديث على نحو ما كانوا يسمعونها، وقد
تقدم بيان هذا في ((كتاب الطهارة)) في باب (( لا يبول في الماء الدائم)).
باب : قتل الصبيان في الحرب
فيه : ابن عمر (( أن امرأة وجدت في بعض مغازي النبي - عليه
السلام- مقتولة ، فأنكر النبي قتل النساء والصبيان)) .
وترجم له باب ((قتل النساء في الحرب)) وقال مكان ((فأنكر ))
«فنھی )) .
ولا يجوز عند جميع العلماء قصد قتل نساء الحربيين ولا أطفالهم ؛
لأنهم ليسوا ممن قاتل في الغالب . وقال تعالى : ﴿وقاتلوا في سبيل
الله الذين يقاتلونكم ﴾ (٢) وبذلك حكم رسول الله في مغازيه أن تقتل
المقاتلة وتسبى الذرية ؛ لأنهم مال للمسلمين إذا سبوا .
--
[٢/ق١٦٨-١]
واتفق الجمهور على أن النساء والصبيان إذا قاتلوا قتلوا وهو قول /
مالك والليث وأبي حنيفة والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد
وإسحاق وأبي ثور ، وقال الحسن البصري : إن قاتلت المرأة وخرجت.
معهم إلى ديار المسلمين فلتقتل، وقد قتل رسول الله يوم قريظة والخندق
( ... ) (٣) وقتل يوم الفتح قينتين كانتا تغنيان بهجاء رسول الله .
(١) كذا في الأصل .
(٢) البقرة : ١٩٠.
(٣) كلمة صورتها : أو فرقة ولم أقف على تسمية من ذكر هنا .
- ١٧٠ -

واتفق مالك والكوفيون والأوزاعي والليث أنه لا يقتل الشيوخ ولا
الرهبان ، وأجاز قتلهم الشافعي في أحد قوليه ، واحتج بأن رسول الله
أمر بقتل دريد بن الصمة يوم حنين ، وكذلك أجمعوا أن من قاتل من
الشيوخ أنه يقتل ، واحتج الطحاوي فقال : قد روى علقمة بن مرثد ،
عن بريدة ، عن أبيه أن الرسول كان إذا بعث سرية قال : (( لا تقتلوا
شيخًا كبيرًاً)).
وهذا خلاف حديث دريد ، وقد قال رسول الله في حديث المرقع
ابن صيفي في المرأة المقتولة : ما كانت هذه تقاتل . فدل ذلك أن من
أبيح قتله هو الذي يقاتل ، والذي يجمع بين الأحاديث أن النهي من
الرسول في قتل الشيوخ هم الذين لا معونة لهم على شيء من أمر
الحرب في قتل ولا رأي .
وحديث دريد في الشيوخ الذين لهم معونة في الحرب كما كان
لدريد ، فلا بأس بقتلهم ، وإن لم يكونوا يقاتلون ؛ لأن تلك المعونة
أشد من كثير من القتال ، وهذا قول محمد بن الحسن ، وهو قياس
قول أبي حنيفة وأبي يوسف .
باب : لا يعذب بعذاب الله
فيه: أبو هريرة: (( بعثنا الرسول في بعث، فقال: (( إن وجدتم فلانًا
وفلانًا فأحرقوهما بالنار)) ثم قال حين أردنا الخروج: ((إني أمرتكم أن
تحرقوهما وإن النار لا يعذب بها إلا الله ؛ فإن وجدتموهما فاقتلوهما)).
وفيه: عكرمة: (( أن عليا حرق قومًا ، فبلغ ابن عباس فقال : لو كنت
أنا لم أحرقهم؛ لأن النبي - عليه السلام - قال: (( لا تعذبوا بعذاب الله))
ولقتلتهم كما قال عليه السلام: (( من بدل دينه فاقتلوه )) .
- ١٧١ -

قال المهلب : ليس نهيه عليه السلام عن التحريق بالنار على معنى
التحريم ، وإنما هو على سبيل التواضع لله ، وأن لا يتشبه بغضبه في
تعذيب الخلق ؛ إذ القتل يأتي على ما يأتي عليه الإحراق .
والدليل على أنه ليس بحرام سمل الرسول عين العرنيين بالنار في
مصلى المدينة بحضرة الصحابة . وتحريق علي بن أبي طالب الخوارج
بالنار ، وأكثر علماء المدينة يجيزون تحريق الحصون على أهلها بالنار ،
وقول أكثرهم بتحريق المراكب ، وهذا كله يدل أن معنى الحديث على
الحض والندب لا على الإيجاب والفرض - والله أعلم .
وممن كره رمي أهل الشرك بالنار : عمر بن الخطاب وابن عباس
وعمر بن عبد العزيز ، وهو قول مالك بن أنس ، وأجازه علي بن أبي
طالب ، وحرَّق خالد بن الوليد ناسًا من أهل الردة ، فقال عمر لأبي
بكر الصديق : انزع هذا الذي يعذب بعذاب الله . فقال أبو بكر :
لا [أشيم ] (١) سيفًا سله الله على المشركين .
وأجاز الثوري رمي الحصون بالنار .
وقال الأوزاعي : لا بأس أن يدخن عليهم في المطمورة إذا لم يكن
فيها إلا المقاتلة ، ويحرقوا ويقتلوا بكل قتلة ، ولو لقيناهم في البحر
رميناهم بالنفط والقطران .
وأجاز ابن القاسم حرق الحصن والمراكب إذا لم يكن فيها
إلا المقاتلة فقط .
(١) أي: أغمده، وهو من الأضداد، راجع لسان العرب (١٢/ ٣٣٠) وغيره وفيه
هذا الأثر، ووقع في (( الأصل)) : أشم .
٠ -
- ١٧٢ -

باب: ﴿فإما منا بعد وإما فداءً﴾(١)
[ فيه حديث ] (٢) ثمامة [ وقوله عز وجل ] (٢): ﴿ ما كان لنبي أن
يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ﴾ (٣) يغلب في الأرض .
اختلف العلماء في حكم الأسرى من أجل اختلافهم في تأويل قوله:
فإما منا بعد وإما فداءً ﴾ فقال السدي وابن جريج : نسخها قوله :
: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ (٤) وقال قتادة : نسخها قوله
تعالى: ﴿وإما تثقفنهم / في الحرب فشرد بهم من خلفهم﴾(٥) وقال [٢/ ١٦٨٥ -ب]
الطبري : روي عن أبي بكر الصديق أنه قال : لا يفادى بأسير
المشركين وإن أعطي فيه كذا وكذا مديًا من مال .
قال الزهري : كتب عمر بن الخطاب : اقتلوا كل من جرت عليه
المواسي . وهو قول الزهري ومجاهد ، واعتلوا لإنكارهم إطلاق
الأسرى بقوله تعالى : ﴿ ما کان لنبي أن یکون له أسری حتی یثخن في
الأرض تريدون عرض الدنيا﴾ (٣) الآيات.
قالوا : فأنكر الله إطلاق أسارى بدر على نبيه على الفداء ، فغير
جائز لأحد أن يتقدم على فعله ، وسنة الله - تعالى - في أهل الكفر
به إن كانوا من أهل الأوثان ، فقتلهم على كل حال ؛ لقوله تعالى :
فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ (٦) الآية .
وإن كانوا من أهل الكتاب ، حتى يسلموا أو يعطوا الجزية ، فأما
إطلاقهم على فداء يؤخذ منهم فتقوية لهم .
وقال الضحاك : قوله تعالى: ﴿فإما منا بعد وإما فداءً﴾ (١) هي
(١) محمد : ٤ .
(٢) من الصحيح المطبوع (١٧٦/٦) وكأنه سقط من ((الأصل)).
(٤) التوبة : ٥ .
(٣) الأنفال : ٦٧ .
(٥) الأنفال : ٥٧ .
(٦) التوبة: ٥، وفي ((الأصل)): اقتلوا المشركين.
- ١٧٣ -

ناسخة لقوله تعالى: ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ (١) ومثل
هذا عن ابن عمر قال : أليس بهذا أمرنا الله ؟ قال تعالى : ﴿حتى إذا
أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداءً ﴾ (٢) وهو قول عطاء
والشعبي والحسن البصري ، كرهوا قتل الأسير ، وقالوا : مُنَّ عليه أو
فَاده .
وبمثل هذا استدل الطحاوي فقال : ظاهر قوله تعالى : ﴿فإما منا
بعد وإما فداءً﴾ (٢) يقتضي المن أو الفداء ويمنع القتل .
قالوا : ولو كان لنا من قتلهم بعد الإيثاق ما لنا قبله لم يفهم قوله
تعالى : ﴿ حتى إذا أثخنتموهم فشدَّوا الوثاق ﴾ (٢) فدل أن حكم
الكافر بعد الاستيثاق والأسر خلاف حكمه قبل ذلك ، قال أبو عبيد :
والقول عندنا في ذلك أن الآيات جميعًا محكمات لا نسخ فيهن ، يبين
ذلك ما کان من أحکام رسول الله فيهم وذلك أنه عمل بالآیات کلها،
من القتل والمن والفداء ، حتى توفاه الله على ذلك ، فكان أول
أحكامه فيهم يوم بدر ، فعمل بها كلها يومئذ ، بدأ بالقتل فقتل عقبة
ابن أبي معيط والنضر بن الحارث في قفوله ، ثم قدم المدينة فحكم في
سائرهم بالفداء ، ثم حكم يوم الخندق سعد بن معاذ بقتل المقاتلة ،
وسبي الذرية ، فصوب ذلك النبي - عليه السلام - وأمضاه .
ثم كانت غزاة بني المصطلق رهط جويرية بنت الحارث ،
فاستحياهم جميعًا وأعتقهم . ثم كان فتح مكة ، فأمر بقتل ابن خطل
ومقيس والقينتين ، وأطلق الباقين ، ثم كانت حنين فسبى هوازن ،
وَمَنَّ عليهم ، وقتل أبا غرة الجمحي يوم أحد - وقد كان مَنَّ عليه يوم
(١) التوبة: ٥، وفي (الأصل)): اقتلوا المشركين.
(٣) في ((الأصل)): فإذا . خطأ.
(٢) محمد : ٤ .
- ١٧٤ -

بدر - وأطلق ثمامة بن أثال . وكانت هذه أحكامه عليه السلام بالمنُّ
والفداء والقتل ، فليس شيئًا منها منسوخًا ، والأمر فيهم أن الإمام وهو
مخير بين القتل والمنّ والفداء ، يفعل الأفضل في ذلك للإسلام وأهله،
وهو قول مالك والشافعي وأحمد وأبي ثور .
قال المهلب : وأما قوله تعالى : ﴿ ما كان لنبي أن يكون له أسرى
حتى يثخن في الأرض ﴾ (١) فإن هذه الآية نزلت في أسرى بدر ، أخذ
فيهم عليه السلام رأي أبي بكر الصديق في استحيائهم وقبول الفداء
منهم ، وكان عمر أشار عليه بقتلهم ، وأشار عليه غيره بحرقهم
استبلاغًا فيهم ، فبات النبي يرى رأيه في ذلك ، وكانت أول وقعة
أوقعها الله - تعالى - بالكفار ، فأراد الله أن يكسر كيدهم بقتلهم ،
فعاتب النبي - عليه السلام - وأنزل عليه : ﴿ ما كان لنبي أن يكون له
أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا ﴾ (٢) يعني: الفدية،
﴿والله يريد الآخرة﴾ (٢) أي: إعلاء كلمته ، وإظهار دينه بقتلهم.
وقال عليه السلام: ((لو نزلت آية عذاب ما نجا منها إلا عمر))
لأنهم طلبوا الفداء ، وكانت الغنائم محرمة عليهم .
وقال الطبري : في قوله عليه السلام: (( لو نزلت آية عذاب ما
نجا منها غير عمر)) وفي قوله : ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما
أخذتم عذاب عظيم ﴾ (٣) إن قيل: كيف استحقوا هذه اللائمة
العظيمة؟ قال الطبري : إن النبي - عليه السلام - ومن شهد معه بدرًا
لم يخالفوا أمر ربهم ؛ فيستوجبوا اللائمة ، وإن الذين / اختاروا فداء (١٦٩٥/٢-١]
الأسرى على قتلهم اختاروا أوهن الرأيين في التدبير على أحزمهما
(١) الأنفال : ٦٧ .
(٣) الأنفال : ٦٨ .
(٢) الأنفال: ٦٧ وفي ((الأصل)): تكون .
- ١٧٥ -

:
وأقلهما نكاية في العدو ، فعاتبهم الله على ذلك ، وأخبرهم أن الأنبياء
قبل محمد لم تكن الغنائم لهم حلالا ، فكانوا يقتلون من حاربوا
ولا يأسرونه على طلب الغداء ﴿ لولا كتاب من الله سبق﴾ (١) لولا
قضاؤه أنه يحل لكم الغنيمة ولا يعذب من شهد بدرًا ﴿ لمسكم فيما
أخذتم﴾(١) من الفداء ﴿عذابٌ عظيم﴾ (١).
وفي حديث ثمامة من الفقه جواز المنِّ على الأسير بغير مال ، وهو
قول مالك والشافعي وأحمد وأبي ثور وقالوا : لا بأس أن يفادي
بأسرى المسلمين وبالمال أيضًا .
وقال الطحاوي: اختلف قول أبي حنيفة في هذه المسألة ، فروي
عنه أن الأسرى لا يفادون ولا يردون حربًا ؛ لأن في ذلك قوة لأهل
الحرب ، وإنما يفادون بالمال وبما سواه مما لا قوة لهم فيه ، وروي عنه
أنه لا بأس أن يفادى بالمشركين أسارى المسلمين ، وهو قول أبي
يوسف، ومحمد ، قال ابن القصار : ومما يرد به على أبي حنيفة أنا
اتفقنا معه أن مكة فتحت عنوة ، وأن نبي الله مَنّ عليهم بغير شيء كما
فعل بشمامة .
باب : هل للأسير أن يَقْتُلَ
أو يَخْدَعَ الذين أسروه حتى ينجو من [ الكفرة ] (٢)
فيه : المسور عن النبي - عليه السلام.
قال المؤلف: يريد حديث: ((صالح النبي - عليه السلام -
المشركين بالحديبية ، على أن يردوا من هرب إليهم مسلمًا ، فهرب أبو
بصير إلى النبي ، فأرسلوا في طلبه رجلين إلى النبي ؛ وقالوا : العهد
(١) الأنفال : ٦٨ .
(٢) من الصحيح المطبوع (١٧٧/٦) وهو الصواب المناسب لما يأتي في الشرح، وفي
((الأصل)»: الكفر.
- ١٧٦ -

الذي جعلت لنا ، فدفعه إلى الرجلين ، فخرجا به حتى بلغا ذا
الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم ، فقال أبو بصير لأحد الرجلين :
والله إني لأرى سيفك يا فلان جيدًا فاستله الآخر ، وقال : أجل ،
والله إنه لجيد ، لقد جربت به ، ثم جربت . فقال له أبو بصير :
أرني أنظر إليه ، فأمكنه منه فضربه به حتى برد ، وفَرَّ الآخر حتى أتى
المدينة ، فدخل المسجد يعدو ، فقال الرسول حين رآه : لقد رأى هذا
ذعرًا فجاء أبو بصير ، فقال : يا نبي الله ، قد أوفى الله بذمتك
ورددتني إليهم ، ثم أنجاني الله منهم . فقال عليه السلام: ويل امِّه(١)
مسعر حرب ، لو كان له أحد . فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده ،
فخرج حتى أتى سيف البحر ، ولحق به أبو جندل ، وكل من أسلم
من قريش ، حتى اجتمعت منهم عصابة ، وكانوا لا يسمعون بعير
خرجت لقريش إلا قتلوهم ، وأخذوا أموالهم ، فأرسلت قريش إلى
النبي - عليه السلام - تناشده الله والرحم ، فمن أتاه منهم فهو آمن ،
فأنزل الله - تعالى - : ﴿وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم
ببطن مكة ﴾ وذكر الحديث .
اختلف العلماء في الأسير ، هل له أن يقتل المشركين أو يخدعهم
حتى ينجو منهم ، فقالت طائفة من العلماء : لا ينبغي للأسير المقام
بدار الحرب إذا أمكنه الخروج ، وإن لم يتخلص منهم إلا بقتلهم ،
وأخذ أموالهم ، وإحراق دورهم ؛ فعل ما شاء من ذلك ، وهو قول
أبي حنيفة والطبري ، وقال أشهب : إن خرج به العلج في الحديد
ليفادي به ، فله أن يقتله إن أمكنه ذلك وينجو .
واختلفوا إذا أمنوه ، وعاهدهم ألا يهرب ، فقال الكوفيون :
(١) ضبطها الحافظ بوصل الهمزة (٤١٢/٥).
- ١٧٧ -

إعطاؤه العهد على ذلك باطل . وقال الشافعي: له أن يخرج ولا يأخذ
شيئًا من أموالهم ؛ لأنه قد أمنهم بذلك كما أمنوه . وقال مالك : إن
عاهدهم على ذلك فلا يجوز أن يهرب إلا بإذنهم . وهو قول سحنون
وابن المواز ، قال ابن المواز : وهذا بخلاف إذا أجبروه ألا يهرب
بطلاق أو عتاق ، أنه لا يلزمه ، وذلك لأنه مكره . ورواه أبو زيد عن
ابن القاسم .
وقال غيره : لا معنى لقول من فرق بين يمينه وعهده ألا يهرب ؛ لأن
حالته حال المكره حلف لهم أو وعدهم أو عاهدهم ، سواء أمنوه أو
(١٦٩٥/٢-ب) أخافوه ؛ لأن الله فرض على / المؤمن ألا يبقى تحت أحكام الكفار،
وأوجب عليه الهجرة من دارهم ، فخروجه على كل وجه جائز ،
والحجة في ذلك ( خروج أبي بصير ، الرسول فعله ورضاه ) (١)
باب : إذا حرق المشرك المسلم هل يحرق
فيه: أنس: (( أن رهطًا من عكل ثمانية قدموا على النبي - عليه
السلام- فاجتووا المدينة ، فقالوا : يا رسول الله ، ابغنا رسْلاً . فقال: ما
أجد لكم إلا أن تلحقوا بالذود فانطلقوا ، فشربوا من أبوالها وألبانها ،
حتى صحوا وسمنوا ، وقتلوا الراعي ، واستاقوا الذود - إلى قوله -
فقطع أيديهم وأرجلهم ، ثم أمر بمسامير فأحميت ، فكحلهم بها ... ))
الحدیث.
وفيه: أبو هريرة، قال الرسول: (( قرصت نملة نبيًّا من الأنبياء ، فأمر
بقرية النمل فأحرقت ، فأوحى الله إليه أن قرصتك نملة أحرقت أمة من
الأمم تسبح ! )).
(١) كذا في (( الأصل))، والمعنى واضح، وإن كان في السياق شيء.
- ١٧٨ -

قال المهلب : قوله : باب إذا أحرق المشرك المسلم هل يحرق ،
ولم يذكر سمل العرنيين أعين الرعاة ، يدل أن ذلك من فعلهم مرويّ،
إلا أن طرق ذلك ليست من شرط كتابه .
قال المؤلف : وسأذكر الروايات بذلك في كتاب المحاربين - إن شاء الله.
وقد يخرج معنى الترجمة من هذا الحديث بالدليل لو لم يصح سمل
العرنيين للرعاة ، وذلك أن النبي - عليه السلام - لما سمل أعين
العرنيين - والسمل تحريق بالنار - استدل منه البخاري أنه لما جاز
تحريق أعينهم بالنار ، ولو كانوا لم يحرقوا أعين الرعاء ، أنه أولى
بالجواز تحريق المشرك إذا أحرق المسلم . وروى سحنون عن ابن
القاسم أنه لا بأس برمي المركب من مراكب العدو بالنار إذا بدءونا
بالرمي ، وإن كان فيهم أسرى مسلمين ونساء وصبيان لهم .
وكذلك حديث النبي - عليه السلام - الذي أحرق فيه النمل ، فيه
دليل على جواز التحريق ؛ لأن الله إنما عاتبه في تحريق جماعة النمل
التي لم تقرصه ، ولم يعلمه أن ذلك من فعله حرام ، ولا أنه أتى
كبيرة ، فتلزمه التوبة منها ؛ لأن الأنبياء [معصومون ] (١) من الكبائر،
وقد تقدم ذكر من أجاز التحريق بالنار ، ومن كرهه من السلف في
باب: (( لا يعذب بعذاب الله )) قبل هذا . وسيأتي شيء منه في كتاب
المحاربين .
والرّسْل : اللبن . وترجل النهار : ارتفع . في كتاب العين .
#
(١) في ((الأصل)): معصومين وهو خلاف الجادة.
- ١٧٩ -

باب : حرق الدور والنخیل
فيه: جرير قال الرسول: ((ألا تريحني من ذي الخلصة - وكان بيتًا في
خثعم يسمى : الكعبة اليمانية - قال : فانطلقت في خمسين ومائة فارس
من أحمس وكانوا أصحاب خيل ، وكنت لا أثبت على الخيل ، فضرب
في صدري ، حتى رأيت أثر أصابعه في صدري ، وقال : اللهم ثبته
واجعله هاديًا مهديًا . فانطلق إليها فحرقها وكسرها ، ثم بعث إلى النبي
بخبره ، فقال رسول جرير : والذي بعثك بالحق ما جئتك حتى تركتها
كأنها جمل أجوف - أو أجرب - قال : فبارك في خيل أخمس
ورجالها- خمس مرات )»
وفيه : ابن عمر (( أن النبي - عليه السلام - حرق نخل بني النضير)).
قال المهلب : في حديث جرير من الفقه جواز هتك كل ما افتتن
الناس به من بناء أو إنسان أو حيوان أو غيره .
وفي حديث ابن عمر بيان أن للمسلمين أن يكيدوا عدوهم من
المشركين بكل ما فيه تضعيف شوكتهم ، وتوهين كيدهم وتسهيل.
الوصول إلى الظفر بهم من قطع ثمارهم ، وتغوير مياههم والحول
بينهم وبين ما يتغذون به من الأطعمة والأشربة ، والتضييق عليهم
بالحصار ، وذلك أن رسول الله لما أمر بتحريق نخل بني النضير كان
[٢/ق.١٧-١] معلومًا أن ما كان من نظير ذلك من قطع أسباب معاشهم / وتغوير
مياههم فجائز فعله بهم . وقد روي عن علي بن أبي طالب قال :
(أمرني رسول الله أن أغور مياه بدر)) قاله الطبري.
وفيه الدعاء للجيوش إذا بعثت ، وفيه بركة دعوة النبي ، وفيه
البشارة في الفتوح ، وفيه الدليل على صحة قول من أباح إضرام ..
النيران في حصون العدو ، ونصب المجانيق عليهم ، ورميهم
بالحجارة، وكل ذلك يعمل في الضر مثل عمل النار أو نحوه .
- ١٨٠ -