النص المفهرس

صفحات 141-160

قيس بن سعد كان من الأنصار ، وهم الذين كانوا عاقدوا الرسول أن
يقاتلوا الناس كافة حتى يقولوا : لا إله إلا الله. فهم أشد الناس في
قتال العدو بعد من هاجر مع النبي - عليه السلام - وبالأنصار نادى
الرسول يوم حنين أول من نادى .
وفي حديث علي أيضًا أن الراية لا يجب أن يحملها إلا من ولاه
الإمام إياها ولا تكون فيمن أخذها إلا بولاية .
وقال الطبري : فيه الدلالة البينة على إمام المسلمين إذا وجد جيشًا
أو سرية أن يؤمر عليهم أميرًاً موثوقًا بنيته وبصيرته في قتالهم ممن له
بأس وعنده معرفة سياسة الجيش وتدبير الحرب ، وذلك أنه - عليه
السلام - وجه إلى خيبر من أفضل أصحابه وأنفذهم بصيرة وغناء
وأنكاهم للعدو ، وجعل له لواء وراية يجتمع جيشه تحتها فيثبتوا لثباتها
عند اللقاء ويرجعوا لرجعتها .
وقوله : (( لأعطين الراية )) فعرفها بالألف واللام يدل أنها كانت من
سنته - عليه السلام - في حروبه فينبغي أن يسار بسيرته في ذلك .
وروي أن لواء النبي - عليه السلام - كان أبيض ورايته سوداء من مرط
مرجل لعائشة .
وقال جابر : دخل النبي مكة ولواؤه أبيض . وقال مجاهد : كان
لرسول الله لواء أغبر . وروي أن راية علي يوم صفين كانت حمراء
مكتوب فيها : محمد رسول الله ، وكانت له راية سوداء .
قال المهلب : وفي حديث الزبير أن الراية لا يركزها إلا بإذن الإمام؛
لأنها علامة على الإمام ومكانه ؛ فلا ينبغي بأن يتصرف فيها إلا بأمره ،
ومما يدل أنها ولاية قوله عليه السلام: (( أخذ الراية زيد فأصيب ، ثم
أخذها خالد من غير إمرة ففتح له )) . فهذا نص في ولايتها .
- ١٤١ -

وقوله : ((أراد الحج فرجل)). يريد أنه رجل شعره ؛ لطول بقائه
شعثًا ، والله أعلم . قال الطبري : وفي حديث علي الخبر عن بعض
أعلام النبوة ، وذلك خبره عن الغيب الذي لا يكون مثله إلا بوحي
من الله، وهو قوله: (( يفتح الله على يديه )).
باب: قول الرسول: ((نصرت بالرعب مسيرة شهر)) وقوله تعالى:
﴿سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله﴾ (١)
فيه: أبو هريرة (( قال النبي - عليه السلام -: بعثت بجوامع الكلم، ونصرت
بالرعب ، وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي».
قال أبو هريرة: (( وقد ذهب النبي - عليه السلام - وأنتم تتثلونها)) .
وفيه : ابن عباس (( أن أبا سفيان أخبره أن هرقل لما قرأ كتاب النبي -
عليه السلام - كثر عنده الصخب وارتفعت الأصوات ، فأخرجنا ،
فقلت لأصحابي: لقد أَمِرَ / أَمْرُ ابن أبي كبشة يخافه ملك بني الأصفر)).
[٢/ ق١٦٢-١]
قال المهلب قوله: ((نصرت بالرعب)) . هو شيء خصه الله وفضله
به ، لم يؤته أحدًا غيره ورأينا ذلك عيانًا ، أخبرنا أبو محمد الأصيلي
!
قال : افتتحنا برشلونة مع ابن أبي عامر ، ثم صح عندنا بعد ذلك
عمن أتى من القسطنطينية أنه لما اتصل بأهلها افتتاحنا برشلونة بلغ بهم
الرعب إلى أن غلقوا أبواب القسطنطينية ساعة بلوغهم الخبر بها نهارًا،
وصاروا على صورها (٢) وهي على أكثر من شهرين.
وأما قوله: (( أُتيت بمفاتيح خزائن الأرض)» فإن العرب كانت أقل
(١) آل عمران: ١٥١، وفي ((الأصل)): سألقي. (٢) هكذا في ((الأصل)).
- ١٤٢ -

الأمم أموالا فبشرهم أنها ستصير أموال كسرى وقيصر إليهم ، وهم
الذين يملكون الخزائن .
وقوله : ((وقد ذهب رسول الله وأنتم تنتثلونها )) يعني : أن
رسول الله ذهب ولم ينل منها شيئًا ، بل قسم ما أدرك منها بينكم
وآثركم بها، ثم أنتم اليوم تنتثلونها على حسب ما وعدكم . وهذا
الحديث في معنى حديث مصعب بن عمير الذي مضى ولم يأخذ من
الدنيا ، زهدًا فكذلك رسول الله . وأما جوامع الكلم فهو القرآن ؛
لأنه تأتي منه الآية في معان مختلفة ولها تأويلات مختلفة ، وكل يؤدي
إلى ( ... )(١) والأخذ به ، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿ ما فرطنا
في الكتاب من شيء ﴾ (٢) فهذا يدل أن القرآن جوامع ، وبقوله:
﴿خذ العفو واؤمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ﴾ (٣) فلو أن هذا نزل
في تدبير الدنيا والآخرة لكفاها .
باب : حمل الزاد في الغزو وقوله :
وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ﴾ (٤)
فيه : أسماء : (( أنها صنعت سفرة النبي - عليه السلام - في بيت أبي
بكر حين أراد أن يهاجر إلى المدينة قالت : فلم نجد لسفرته ولا لسقايته
ما نربطهما فقلت لأبي بكر: والله ما أجد شيئًا أربط به إلا نطاقي. قال :
فشقيه باثنين واربطيه : بواحد السقاء ، وبالآخر السفرة . ففعلت ؛
فلذلك سميت : ذات النطاقين)) .
(١) كلمة أو اثنتين لم أتبين قراءتها .
(٣) الأعراف : ١٩٩ .
(٢) الأنعام : ٣٨ .
(٤) البقرة : ١٩٧ .
- ١٤٣ -

وفيه : جابر (( كنا نتزود لحوم الأضاحي على عهد النبي إلى المدينة)).
وفيه : سوید بن النعمان ( أنه خرج مع النبي عام خیبر حتى إذا كانوا
بالصهباء - وهي من خيبر وهي أدنى خيبر - فصلوا العصر فدعا
الرسول بالأطعمة ، فلم يؤت إلا بالسويق ، فلكنا فأكلنا وشربنا ، ثم قام
النبي - عليه السلام - فمضمض وصلينا )) .
وفيه : سلمة : « خف أزواد الناس فأملقوا فأتوا النبي [ في نحْر إبلهم،
فأذن لهم ، فلقيهم عمر] (١) فأخبروه، فقال: ما بقاؤكم بعد إبلكم ؟ فدخل
على النبي - عليه السلام - فقال له ذلك، فقال عليه السلام : ناد في الناس
يأتون بفضل أزوادهم . فدعا وبرك عليه ، ثم دعا بأوعيتهم فاحتثى الناس
حتى فرغوا، ثم قال الرسول : أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله )) .
قال المهلب : فيه من الفقه أخذ الزاد وتحمل ثقله في الأسفار البعيدة
لفعل خير البرية وأكرمها على الله وعلى عباده وشفيع الأمم كلها يوم
القيامة، وهذا يدفع ما يدعيه أهل البطالة من الصوفية والمخرقة على
الناس باسم [ التوكل ] (٢) الذي المتزودون أولى به منهم .
وقوله : إن أكرم الأمم قد أملقوا بالصهباء فجمع رسول الله بقايا
أزوادهم وجعلهم فيه شركاء سواء ، ليس من كان له بقية منها بأولى
من ليس له شيء .
ففي هذا من الفقه أنه إذا أصاب الناس مخمصة ومجاعة أن يأمر
الإمام الناس بالمواساة ويجبرهم على ذلك ، على وجه النظر لهم بثمن
وبغير ثمن ، وقد استدل بعض الفقهاء من هذا الحديث أنه جائز للإمام
عند قلة الطعام أن يأمر من عنده طعام يفضل عن قوته أن يخرجه.
(١) من الصحيح المطبوع (٢٩٨٢) ، وسقط من الناسخ ، والمعنى لا يستقيم بدونه ،
وسيأتي في الشرح ما يدل على ذلك .
(٢) في (( الأصل)): المتوكل، والمثبت أنسب.
- ١٤٤ -

للبيع، ويجبره على ذلك لما فيه من صلاح الناس ، ولم ير ذلك مالك
وقال : لا يجبر الناس على إخراج الطعام في الغلاء .
وفيه من الفقه أن للإمام أن يحبس الناس في الغزو ويصبرهم على
الجوع وعلى غير زاد ، ويعللهم ما أمكن حتى يتم قصده / ونصبه
[٢ / ق١٦٢ - ب]
الضلعين (١) إنما فعله اعتبارًا لخلق الله وتعجبًا لعظيم قدرته ؛ ليخبر
بذلك المخبر فيتذكر بذلك السامع .
وقول عمر : (( ما بقاؤكم بعد إبلكم )) فيه من الفقه اعتراض الوزير
رأي الأمير وإن لم يشاوره الأمير ؛ لأن الخطة تعطيه ذلك ، وقد جعل
ذلك أبو بكر الصديق في سلب قتادة .
وفيه أن الظَّهْر عليه مدار المسافر لا سيما بالحجاز الذي الراجل فيه
هالك في أغلب أحواله إن لم يأو إلى ظهر أو صاحب ظهر ؛ ليحمل
له بعض مؤنته ؛ ألا ترى قول عمر: (( ما بقاؤكم بعد إبلكم )) يعني :
أن بقاءهم يسير ؛ لغلبة الهلكة على الراجل .
وهذا القول من عمر أصل نهي الرسول عن أكل لحوم الحمر
الأهلية يوم خيبر استبقاء لظهورها ليحمل المسلمين عليها وتحمل
أزوادهم، وفي قوله: (( ما بقاؤكم بعد إبلكم)) دليل على أن الأرض
تقطع مسافتها وليست تطوى المسافات كما يدعي بعض [ البطالين ](٢)
أنه يحج من قاصية من قواصي الأرض في ثلاثة أيام أو أربعة .
وهذا منتقض من وجوه ، وإنما قال النبي - عليه السلام -: ((إن
الأرض تطوى بالليل )) . أي أنها تقرب مسافاتها بتيسير المشي وقطع ما
لا يرى منها ، فإذا أصبح وعرف مكانه حمد سراه «عند الصباح
يحمد القوم السرى )) .
(١) يعني نصب أبي عبيدة بن الجراح - وكان أميرهم - ضلعي الحوت الذي ألقاه البحر
بالساحل، وسيأتي مفصلاً في كتاب ((المغاري)، وانظر ((الفتح)) (٦٧٨/٧).
(٢) في ((الأصل)) الخياطين، ولا مناسبة لها هنا فالظاهر أنها تحرفت على الناسخ
وسيأتي قريباً استعمال المصنف لكلمة ((البطالين)) في معنى مشابه، فأثبت
الأنسب هنا .
- ١٤٥ -

وفيه علامة من علامات النبوة في بركة الطعام القليل حتى تزودوا منه
أجمعون ، فكيف بمن يدعي من البطالين قلب الأعيان بعد رسول الله.
وأما قوله : ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ﴾ (١) فإن جماعة من
المفسرين قالوا : نزلت في ناس من أهل اليمن كانوا يخرجون إلى مكة
بغير زاد ، وقد تقدم ذلك في (( كتاب الحج )) .
باب : حمل الزاد على الرقاب
فيه : جابر ( خرجنا ونحن ثلاثمائة نحمل زادنا على رقابنا ، ففني زادنا
حتى كان الرجل منا يأكل في كل يوم تمرة ، قال رجل : يا عبد الله وأين
كانت التمرة تقع من الرجل ؟ قال : لقد وجدنا فقدها حین فقدناها حتى
أتينا البحر فإذا حوت قد قذفه البحر - يعني : السمك - فأكلنا منها
ثمانية عشر يومًا ما أحببنا )) .
قال المهلب : هذه التمرة إنما كانت تغني عنهم ببركة النبي وبركة
الجهاد معه (٢)، وإنما بارك الله لهم في التمرة حتى وجدوا لها مسدا
من الجوعة متبينة في أجسامهم وصبرهم حين فقدوها على الجوع ؛ لئلا.
تخرق العادة عن رتبتها ، ولا تخرج الأمور على معهودها المتسق في
حكمته مع أنه قدير أن يخلق لهم طعامًا ويجعل لهم من الحجارة خبزًاً
ومن الجلاميد فاكهة ، لكنه مع قدرته على ذلك لم يخرجهم عن
العادة ، وفيه الترجمة .
(١) البقرة : ١٩٧ .
(٢) ظاهرِ هذا أن النبي 30َّ كان شاهدًا، وإنما جاءت رواية موهمة في صحيح
مسلم، وقد نظر في هذا الحافظ في الفتح (٧/ ٦٨١ - ٦٨٢) فراجعه .
- ١٤٦ -

باب : إرداف المرأة خلف أخیھا
فيه: عائشة: (( قلت : يا رسول الله ، يرجع أصحابك بأجر حج وعمرة
ولم أزد على الحج ؟ فقال لها : اذهبي وليردفك عبد الرحمن ، وأمره أن
يعمرها من التنعيم ) .
قال المهلب : فيه جواز ركوب رجلين الدابة وهذا إنما هو محمول
على طاقة الدابة ، فإذا قصرت قوتها عن شيء لم يجز حمله عليها إذا
كان مسرفًا في المشقة عليها ، وأما المشقة اليسيرة التي تستطيع بمثلها ،
فللرجل أن يُحَمِّل دابته ومملوكه ذلك ما لم يكن إسرافًا .
وركوب المرأة مع الرجل على الدابة وإن كانت ذات محرم منه ،
فإن السنة في ذلك والأدب أن تكون خلفه على الدابة ، ولا يحملها
أمامه خوف الفتنة وكذلك فعل موسى بابنة شعيب حين دلته على
الطريق وكانت الريح تضرب ثيابها فقال لها : كوني خلفي وأشيري
لي الطريق . ولذلك قالت لأبيها : ﴿إن خير من استأجرت القوي
الأمين ﴾ (١) .
/ باب : الارتداف في الغزو والحج
[٢/ ق١٦٣-١]
فيه: أنس: (( كنت رديف [ أبي ] (٢) طلحة ، وإنهم ليصرخون بهما
جميعًا: الحج، والعمرة)) .
وقد تقدم ذكر الارتداف في (( كتاب الحج)) ومعناه : التعاون على
أفعال البر في الغزو والحج ، وكل سبيل الله - تعالى - وأن ذلك من
السنة ومن فعل السلف الصالح وهو من باب التواضع .
(١) القصص : ٢٦ .
(٢) فى (( الأصل)) : أبا .
- ١٤٧ -

باب : الردف على الحمار
فيه: أسامة: (( أن الرسول ركب على حمار على إكاف عليه قطيفة
وأردف أسامة وراءه )) .
فيه : ابن عمر: (( أن الرسول أقبل يوم الفتح من أعلى مكة على
راحلته مردفًا أسامة ... )) الحديث .
قال المهلب : في هذا التواضع من وجوه : أحدها : ركوب الإمام
الحمار ، ثم ركوبه على قطيفة ، ثم مردفًا غلامًا .
وقال الطبري : فيه البيان على أنه عليه السلام مع محله من الله
وجلالة منزلته لم يكن يرفع نفسه عن أن يحمل ردفًا معه على دابته ،
ولکنه کان یردف لتتأسی به في ذلك أمته ، فلا یأنفوا مما لم یأنف منه،
ولا يستنكفوا مما لم يستنكف منه .
باب : من أخذ بالركاب ونحوه
فيه : أبو هريرة: (( قال النبي - عليه السلام - : كل سلامى من الناس
عليه صدقة ، كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الاثنين صدقة ، ويعين
الرجل على دابته فيحمل عليها ، أو يرفع عليها متاعه صدقة ... ))
الحدیث .
قال المهلب : الأخذ بالركاب من الفضائل ، وهي صدقة من الآخذ
بالركاب على الراكب ؛ لأنه معروف .
فإن قيل : أين موضع الترجمة من الحديث ؟
قيل: هو في قوله: (( يعين الرجل على دابته )) فدخل فيه الأخذ
بالركاب وغيره .
- ١٤٨ -

وقد روي عن ابن عباس : أنه أخذ بركاب زيد بن ثابت قال له :
لا تفعل يا ابن عم رسول الله ! فقال : هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا.
فأخذ زيد يد ابن عباس فقبلها فقال له : لا تفعل ! فقال : هكذا أمرنا
أن نفعل بآل رسول الله .
باب : السفر بالمصاحف إلى أرض العدو
وكذلك يروى عن [ محمد بن بشر ] (١) عن عبيد الله ، عن نافع ، عن
ابن عمر ، عن النبي - عليه السلام .
وقد سافر النبي وأصحابه في أرض العدو وهم يُعَلّمُون القرآن .
فيه : ابن عمر: ((أن رسول الله نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو)).
هذا الباب وقع فيه غلط من الناسخ ؛ لأن قوله : وكذلك يروى
عن محمد بن بشر ، ولم يتقدم في هذا الباب ذكر شيء يشار إليه ،
فلذلك لا معنى له ، والصواب فيه أنه يكون حديث مالك ، عن
نافع، عن ابن عمر في أول الباب ، ثم يقع بعده وكذلك يروى عن
محمد بن بشر ، وتابعه ابن إسحاق ، وإنما احتاج إلى ذكر هذه
المتابعة؛ لأن بعض الناس زاد في الحديث : مخافة أن يناله العدو .
وجعله من لفظ النبي - عليه السلام - [ ولم ] (٢) تصح هذه الزيادة
عند مالك ولا عند البخاري ، وإنما هي من قول مالك (٣) .
قال المهلب: وفائدة قوله: (( وقد سافر النبي وأصحابه في أرض
العدو وهم يعلمون القرآن )) فإنما أراد أن يبيِّن أن نهيه عليه السلام عن
(١) هو العبدي أبو عبد الله الكوفي، ووقع في ((الأصل)): محمد بن بشير .
وهو تحريف ، وسيأتي في الشرح على الصواب .
(٢) في (( الأصل)): ولن .
(٣) انظر إجابة الحافظ عن كلام المصنف هذا في الفتح (١٥٦/٦)
- ١٤٩ -

السفر بالقرآن إلى أرض العدو ، ليس على العموم ، ولا على كل
الأحوال ، وإنما هو في العساكر والسرايا التي ليست مأمونة ، وأما إذا
كان في العساكر العظام فيجوز حمل القرآن إلى أرض العدو ، ولأن
[٢/ ٥ ١٦٣ -ب] / أصحاب رسول الله كان يعلم بعضهم بعضًا القرآن ؛ لأنهم لم
یکونوا مستظهرین له .
وقد يمكن أن يكون عند بعضهم صحف فيها قرآن يُعَلِّمُون منها ؛
فاستدل البخاري أنهم في تعلمهم كان فيهم من يتعلم بكتاب ، فلما
جاز لهم تعلمهم في أرض العدو بغير كتاب وبكتاب كان فيه إباحة
لحمله إلى أرض العدو إذا كان عسكرًا مأمونًا ، وهذا قول أبي حنيفة .
ولم يفرق مالك بين العسكر الكبير والصغير في النهي عن ذلك ،
ومعنى النهي عن السفر به إلى أرض العدو خشية أن يناله العدو
ولا يكرموه ، وقد أخبر الله أنه ﴿ في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة
بأيدي سفرة كرام بررة ﴾ (١) وهم الملائكة ، وقال تعالى: ﴿لا يمسه
إلا المطهرون﴾ (٢) وهم الملائكة أيضًا ففهم من هذا الندب إلى أن
لا يمسه عندنا إلا طاهر ، وأن نهيه - عليه السلام - عن السفر به إلى
أرض العدو ليس على وجه التحريم والفرض وإنما هو على معنى
الندب للإكرام للقرآن ؛ لأن النبي - عليه السلام - قد كتب إلى قيصر
بآية إلى آخرها وهو يعلم أنهم نجس وعلم أنهم يقرءونها ، فصح أن
نهيه عن ذلك في حال دون حال وفي العساكر التي ليست مأمونة .
(١) عبس : ١٣ - ١٦
(٢) الواقعة : ٧٩ .
- ١٥٠ -

باب : التکبیر عند الحرب
فيه: أنس: (( صبح النبي - عليه السلام - خيبر وقد خرجوا بالمساحي
على أعناقهم ، فلما رأوه قالوا : هذا محمد والخميس ، فلجأوا إلى
الحصن فرفع النبي يديه وقال : الله أكبر ... )) الحديث .
قال المهلب : إنما فعل النبي هذا استشعارًا لكبرياء الله على ما تقع
عليه العين من عظيم خلقه وكبير مخلوقاته أنه أكبر الأشياء وليس ذلك
على معنى أن غيره كبير وإنما معنى قولهم : الله أكبر : الله الكبير ،
هذا قول أهل اللغة ، وقال معمر عن أبان : لم يعط أحد التكبير إلا
هذه الأمة ، وكذلك يفعل عليه السلام في أسباب الجبال ، ورفع
اليدين في الدعاء ، والتكبير استسلام لله - تعالى - وتبرؤ من الحول
والقوة إليه (١) ، وقد روى سفيان ، عن أيوب في هذا الحديث ((
حالوا إلى الحصن)) أي: حولوا إليه . يقال : حلت عن المكان إذا
تحولت عنه و ( ... ) (٢) حلت عنه .
باب : ما یکره من رفع الصوت بالتكبير
فيه : أبو موسى: (( كنا مع النبي - عليه السلام - فكنا إذا أشرفنا على
واد هللنا وكبرنا ارتفعت أصواتنا قال - عليه السلام - : أيها الناس، أربعوا
على أنفسكم ، إنکم لا تدعون أصم ولا غائبًا ، إنه معکم سمیع قریب )) .
قال المهلب : إنما نهاهم - والله أعلم - عن رفع الصوت إبقاء
عليهم ورفقًا بهم ؛ لأنهم كانوا في مشقة السفر فأراد : اكلفوا من
(١) كذا في ((الأصل)) ولعل الأشهر: إلا إليه.
(٢) كلمة صورتها : مثلنا ولعل الصواب : مثلها .
- ١٥١ -

العمل ما تطيقون وكان بالمؤمنين رحيمًا ، ثم أعلمهم أن الله يعلم خفي
كلامهم بالتكبير كما يسمع عاليه ؛ إذ لا آفة تمنعه من ذلك ؛ لأنه
سميع قريب .
قال الطبري : في هذا الحديث من الفقه كراهية رفع الصوت
بالدعاء وهو قول عامة السلف من الصحابة والتابعين ، حدثني يعقوب
ابن إبراهيم ، حدثني إسماعيل ، عن هشام ، حدثني قتادة ، عن:
الحسن ، عن قيس بن عبادة قال: (( كان أصحاب رسول الله يكرهون
رفع الصوت عند ثلاثة مواطن : عند الذكر وعند القتال ، وعند
الجنائز)).
وروى يحيى بن سعيد ، حدثنا هشام ، عن قتادة ، عن الحسن ،
عن قيس بن عبادة قال: (( كان أصحاب رسول الله يكرهون رفع
الصوت ورفع الأيدي عند القتال ، والدعاء)) .
قال سعيد بن أبي عروبة : حدثنا قتادة ، عن سعيد بن المسيب قال:
(٢/ ١٦٤-)) (( ثلاث / مما أحدث الناس : رفع الصوت عند الدعاء ، ورفع
الأيدي، واختصار السجود)) وذكر عن مجاهد أنه رأى رجلا يرفع
صوته بالدعاء فحصبه
وقوله: ((أربعوا على أنفسكم)) ففي كتاب الأفعال : ربع به :
رفق به ، وربع عن الشيء : كف عنه ، ومنه قيل : أربع على نفسك.
باب : التكبير إذا علا شرفا
فيه: جابر: (( كنا إذا صعدنا كبرنا، وإذا نزلنا سبحنا )).
وفيه: ابن عمر: (( كان عليه السلام إذا قفل من الحج والعمرة -
- ١٥٢ -

ولا أعلمه إلا قال : الغزو - يقول كلما أوفى على ثنية أو فدفد كبر
ثلاثًا، ثم قال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو
على كل شيء قدير ، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون ،
صدق الله وعده ، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده )) .
قال المهلب : تكبيره عند إشرافه على الجبال استشعار لكبرياء الله
عندما تقع عليه العين من عظيم خلقه أنه أكبر من كل شيء - تعالى -
وقد تقدم هذا في باب التكبير عند الحرب . وأما تسبيحه في بطون
الأودية فهو مستنبط من قصة يونس - عليه السلام - وتسبيحه في بطن
الحوت ، قال تعالى: ﴿فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى
يوم يبعثون﴾ (١) فنجاه الله بذلك من الظلمات فامتثل النبي - عليه
السلام - هذا التسبيح في بطون الأودية ؛ لينجيه الله منها ومن أن
يدركه عدوه ، وقد قيل : إن تسبيح يونس كان صلاة قبل أن يلتقمه
الحوت فروعي به فضلها ، والأول أولى بدليل تسبيح الرسول في
بطون الأودية وكل منخفض .
وقال غيره : معنى تسبيحه في بطون الأودية وما انخفض من الأرض
أنه لما كان التكبير لله - تعالى - عند رؤية عظيم مخلوقاته وجب أن
يكون فيما انخفض من الأرض تسبيح لله ؛ لأن التسبيح في اللغة
تنزيه الله عن صفات الانخفاض والضعة . قال ابن الأنباري : سبحان
الله : تنزيه الله من الأولاد والصاحبة والشركاء . وقال غيره : سبحان
الله : براءة الله من ذلك .
قال أبو عبيد : الفدفد : المكان المرتفع فيه صلابة ، والثنية : أعلى
مسيل في رأس الجبل . وقال صاحب العين : الثنايا : العقاب .
(١) الصافات : ١٤٣ - ١٤٤ .
- ١٥٣ -

باب : يكتب للمسافر ما كان يعمل في الإقامة
فيه : أبو بردة : « أنه اصطحب ویزید بن أبي كبشة في سفر فکان یزید
يصوم في السفر ، فقال أبو بردة : سمعت أبا موسى مراراً يقول : قال
رسول الله : إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحًا
مقيمًا)» .
قال المهلب : أصل هذا في كتاب الله ، قال تعالى : ﴿ لقد خلقنا
الإنسان في أحسن تقويم » إلى ﴿ الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم
أجر غير ممنون﴾ (١) أي: غير مقطوع ، يريد أن لهم أجرهم في حال
الكبر والضعف عما كانوا يفعلونه في الصحة غير مقطوع لهم ؛
فلذلك كل مرض من غير الزمانة وكل آفة من سفر وغيره يمنع من
العمل الصالح المعتاد ؛ فإن الله قد تفضل بإجراء أجره على من منع
ذلك العمل بهذا الحديث .
قال المؤلف : وليس هذا الحديث على العموم ، وإنما هو لمن كانت
له نوافل وعادة من عمل صالح فمنعه الله منها بالمرض أو السفر وكانت
نيته لو كان صحيحًا أو مقيمًا أن يدوم عليها ولا يقطعها ؛ فإن الله
يتفضل عليه بأن يكتب له أجر ثوابها حين حبسه عنها ، فأما من لم
يكن له تنفل ولاعمل صالح فلا يدخل في معنى الحديث ؛ لأنه لم
[١٦٤٥/٢-ب) يمنعه مرضه من شيءٍ / فكيف يكتب له ما لم يكن يعمله ؟ وما يدل
أن الحديث في النوافل ما روى معمر ، عن عاصم بن أبي النجود ،
عن خيثمة ، عن عبد الله بن عمرو قال رسول الله: ((إن العبد إذا
كان على طريق حسنة من العبادة ، ثم مرض قيل للملك الموكل به :
اكتب له مثل عمله إذا كان طلقًا حتى أطلقه أو أكفته إليّ )) وقوله: ((إذا
(١) التين : ٤ - ٦ .
- ١٥٤ -

كان على طريق حسنة من العبادة )) لا يقال إلا في النوافل ، ولا يقال
ذلك لمؤدي الفرائض خاصة ؛ لأن المريض والمسافر لا يسقط عنهما
صلوات الفرائض ؛ فسنة المريض الجلوس ، وسنة المسافر قصر الصلاة،
فلم يبق أن يكتب للمريض والمسافر إلا أجر النوافل كما قال عليه
السلام: (( ما من امرئ تكون له صلاة من الليل يغلبه عليها نوم إلا
كتب له أجر صلاته ، وكان نومه صدقة عليه )) وهذا لا إشكال فيه .
باب : السير وحده
فيه : جابر : (( ندب الرسول الناس يوم الخندق ؛ فانتدب الزبير ثلاثًا
فقال عليه السلام : إن لكل نبي حواريّ، وحواريّ الزبير )) قال سفيان :
الحواري : الناصر .
وفيه : ابن عمر قال عليه السلام: (( لو يعلم الناس ما أعلم ما سار
راکب بلیل وحده » .
قال المهلب : نهيه عن الوحدة في سير الليل إنما هو إشفاق على
الواحد من الشياطين ؛ لأنه وقت انتشارهم وأذاهم للبشر بالتمثل لهم
وما يفزعهم ويدخل في قلوبهم الوساوس ؛ ولذلك أمر الناس أن
يحبسوا صبيانهم عند حدقة الليل ، وأما قصة الزبير فإنما هي ليعرف
أمر العدو ، والواحد الثابت في ذلك أخفى على العدو وأقرب إلى
التجسس بالاختفاء والقرب منهم مع ما علم الله من نيته والتأييد عليها
فبعثه عليه السلام واثقًا بالله ، ومع أن الوحدة ليست محرمة وإنما هي
مكروهة ؛ فمن أخذ بالأفضل من الصحبة فهو أولى ، ومن أخذ
بالوحدة فلم يأت حرامًا ، وقد تقدم الكلام في حديث جابر
والأحاديث المعارضة له في باب: (( هل يبعث الطليعة وحده ))، وفي
باب (( سفر الاثنين )) قبل هذا بأبسط من هذا وأتم فأغنى عن إعادته.
- ١٥٥ -

باب : السرعة في السير
وقال أبو حميد عن الرسول : (( إني متعجل إلى المدينة ، فمن أراد أن
يتعجل معي فليتعجل)).
فيه : أسامة: (( سئل عن مسيرِ النبي فى حجة الوداع ، فقال : كان
يسير العَنَق ؛ فإذا وجد فجوة نَصّ - والنّصّ فوق العنق)) .
وفيه : ابن عمر : « أنه بلغه بطريق مكة عن صفية بنت أبي عبيد شدة
وجع ؛ فأسرع السير وقال : إني رأيت رسول الله إذا جد به السیر أخر
المغرب )) .
وفيه: أبو هريرة قال رسول الله: (( السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم
نومه وطعامه وشرابه ؛ فإذا قضى أحدكم نهمته فليعجل إلى أهله )) .
قال المؤلف : أما تعجيله عليه السلام إلى المدينة ؛ فليخرج نفسه من
عذاب السفر ، وليفرح بنفسه أهله وجماعة المؤمنين بالمدينة .
وأما تعجيل السير إذا وجد فجوة حين دفع من عرفة ؛ فليتعجل
الوقوف بالمشعر الحرام ويدعو الله في ذلك الموقف ؛ لأن ساعات
الدعاء في ذلك الوقت ضيقة ولا تدوم ونادرة ، إنما هي من عام إلى
عام، وأما تعجيل ابن عمر إلى زوجته إنما هو ليدرك من حياتها ما
يمكنه أن تعهد إليه بما لا تعهد به إلى غيره ، ولئلا يحرمها ما تريده من
[٢/ ١٦٥-٤١ طاعة الله في عهدها ، ومع ذلك فإنه كان يسرها بقدومه / .
وفيه التواضع وترك التكبر .
:
- ١٥٦ -

باب : إذا حمل على فرس فرآها تباع
فيه: ابن عمر: (( أن عمر حمل على فرس في سبيل الله ، فوجده يباع
فأراد أن يبتاعه ، فسأل الرسول فقال : لا تبتعه ولا تعد في صدقتك ؛
فإن العائد في صدقته کالكلب يعود في قیئه )) .
وفيه : الحمل على الخيل في سبيل الله .
وفيه : أنه من حمل على فرس في سبيل الله وغزا به فله أن يفعل
به بعد ذلك ما يفعل في سائر ماله ، ألا ترى أن رسول الله لم ينكر
على بائعه بيعه ، وإنما أنكر على عمر شراءه .
واختلف العلماء فيمن حمل على فرس في سبيل الله ولم يقل : هو
حبس في سبيل الله ، فروى مالك ، عن ابن عمر أنه كان إذا أعطى
شيئًا في سبيل الله يقول لصاحبه : إذا بلغت به وادي القرى فشأنك به.
قال أحمد بن حنبل : إنما قال ذلك ابن عمر ؛ لأنه كان يذهب إلى
أن المحمول عليه إنما يستحقه بعد الغزو . وكذلك قال سعيد بن
المسيب: إذا أعطى الرجل الشيء في الغزو فبلغ به رأس مغزاته ، فهو
له . وهو قول القاسم ، وسالم ، والثوري ، والليث ، قال الليث :
إلا أن يكون حبسًا فلا يباع . والعلماء متفقون في الحبس أنه لا يباع
غير الكوفيين الذين لا يجيزون الأحباس .
وقال مالك : من أعطى فرسًا في سبيل الله وقيل له : هو لك في
سبيل الله فله أن يبيعه ، فإن قيل : هو في سبيل الله ، ركبه ورده ،
ويكون موقوفًا عنده لحمل الغزاة عليه .
وقال أبو حنيفة والشافعي : الفرس المحمول عليه في سبيل الله هو
تمليك لمن يحمل عليه .
وإن قيل له : إذا بلغت به رأس مغزاتك فهو لك ، كان تمليكًا على
- ١٥٧ -

مخاطرة ولم يجز ، وهي عندهم عطية غير بتلة ؛ لأنها شرط قد يقع
وقد لا يقع لجواز موته قبل بلوغه رأس مغزاته ولم يملك منه شيئًا قبل
ذلك .
وأما إذا قال له : هو لك في سبيل الله أو أحملك عليه في سبيل الله
فقد أعطاه إياه على شرط الغزو به ، وهذا معنى قول ابن عمر وابن
المسيب عند الكوفيين والشافعي ، وسواء ذلك كله عند مالك ؛ لأنه إذا
قال له : إذا بلغت به رأس مغزاتك فهو لك ، فمعناه عنده أن لك أن
تتصرف فيه حينئذ بما يتصرف به المالك ، وقد صح له ملكه عند أخذه
بشرط الغزو عليه .
واختلفوا في كراهية شراء صدقة الفرض والتطوع إذا أخرجها من
يده ، فقال مالك في الموطأ - في رجل تصدق بصدقة فوجدها تباع
عند غير الذي تصدق بها عليه - : تركها أحب إليّ .
وكره الليث والشافعي ذلك ، فإن اشتراها لم يفسخوا البيع ،
وكذلك قالوا في شراء ما يخرجه الإنسان في كفارة اليمين وإنما كرهوا
شراءها بهذا الحديث ، ولم يفسخوا البيع ؛ لأنها راجعة إليه بغير ذلك
المعنى ويشهد لهذا حديث بريرة في اللحم الذي تصدق عليها به ،
وإجماعهم أن من تصدق بصدقة ، ثم ورثها أنها حلال له ، وقد
تقصيت الكلام في هذه المسألة في باب (( هل يشتري الرجل صدقته ))
في (( كتاب الزكاة )) فتأمله هناك.
باب : الجهاد بإذن الأبوين
فیه : عبد الله بن عمرو : ( جاء رجل إلى النبي - عليه السلام - فاستأذنه.
[٢/ ق ١٦٥ - ب] في الجهاد فقال : أحي والداك ؟ / قال : نعم. قال : ففيهما فجاهد )) .
۔۔
- ١٥٨ -

قال المهلب : هذا - والله أعلم - في زمن استظهار المسلمين على
عدوهم وقيام من انتدب إلى الغزو بهم مع أنه - والله أعلم - رأى به
ضعفًا لم يقدر ( نفاذه ) (١) في الجهاد ، فندبه إلى الجهاد في بر
والديه، وقد روي عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان (( أن من
أراد الغزو وأمرته أمه بالجلوس أن يجلس)) وقال الحسن البصري : إذا
أذنت له أمه في الجهاد وعلم أن هواها أن يجلس فيجلس . ومن رأى
ألا يخرج إلى الغزو إلا بإذن والديه : مالك والأوزاعي والشافعي
والثوري وأحمد وأكثر أهل العلم ، هذا كله في حال الاختيار ما لم
تقع ضرورة وقوة للعدو ، وإذا كان ذلك تعين الفرض على الجميع
وزال الاختيار ، ووجب الجهاد على الكل .
باب : ما قيل في الجرس في أعناق الإبل
فيه: عباد بن تميم : (( أن أبا بشير الأنصاري أخبره أنه كان مع رسول الله
في بعض أسفاره . فقال عبد الله : - حسبت أنه قال : والناس في
مبيتهم- فأرسل رسول الله رسولا : لا تبقين في رقبة بعير قلادة من وتر
أو قلادة إلا قطعت )) .
قال مالك في الموطأ - بإثر هذا الحديث - : أرى ذلك من العين ،
ففسر المعنى الذي من أجله أمر الرسول بقطع القلائد ؛ وذلك أن الذي
قلدها إذا اعتقد أنها ترد العين فقد ظن أنها ترد القدر ، ولا يجوز
اعتقاد هذا ، ولذلك روي أن الرفقة الذي فيها الجرس لا تصحبها
الملائكة ، ولا بأس بتعليق التمائم والخرز التي فيها الدعاء والرقى
(١) بدون نقط في (( الأصل)).
- ١٥٩ -

بكتاب الله عند جميع العلماء ؛ لأن ذلك من التعوذ بأسماء الله ، وقد
سئل عيسى بن دينار عن قلادة ملونة فيها خرز يعلقها الرجل على فرسه
للجمال . فقال : لا بأس بذلك إذا لم تجعل للعين .
قال المهلب : إنما تجعل القلائد من وتر لقوتها ونقائها فخصها عليه
السلام، ثم عم سائر القلائد بقوله: ((ولا قلادة إلا قطعت)).
فأطلق النهي على جميع ما تقلد به الدواب .
وقد سئل مالك عن القلادة فقال : ما سمعت بكراهته إلا في
الوتر. قال أبو عبيد: وإنما نهى عن التقليد بالأوتار ؛ لأن الدواب
تتأذى بذلك ، وربما تعلق ذلك بشجر فتختنق فتموت .
وقد روي عن الرسول - عليه السلام -: (( [ قلدوا ]. (١)
الخيل، ولا تقلدوها الأوتار)) وفسره وكيع فقال : معناه : لا تركبوها.
في العين (٢) خشية أن يتعلق على راكبها [ وتر ] (٣) يطالب به.
باب : من اكتتب في جيش فخرجت امرأته
حاجة أو كان له عذر هل يؤذن له
فيه : ابن عباس قال رسول الله : (( لا يخلون رجل بامرأة ، ولا تسافرن
امرأة إلا ومعها محرم. فقام رجل فقال : يا رسول الله ، اكتتبت في غزوة
كذا وكذا وخرجت امرأتي حاجة ؟ قال : اذهب واحجج مع امرأتك ».
قال المؤلف : إذا قام بثغور المسلمين من فيه الكفاية لدفع العدو فلا بأس
أن يأذن الإمام لمن له عذر في الرجوع ؛ ولهذا المعنى أذن النبي للرجل
(١) في ((الأصل)): قلدها، والمثبت من ((النهاية)) لابن الأثير (١٤٨/٥) وهو
الصواب .
(٢) في ((النهاية)) (١٤٩/٥): ((كانوا يزعمون أن التقلد بالأوتار يردّ العين،
ويدفع عنهم المكاره، فنهوا عن ذلك )) .
(٣) في (( الأصل)): وترًاً .
- ١٦٠ -