النص المفهرس
صفحات 21-40
احتج الطحاوي بهذا الحديث لقول من يرى غسل الشهيد في المعترك . وقد روي عن الرسول أنه قال: ((يبعث الميت في ثيابه التي قبض فيها)) أي يعاد خلق ثيابه كما يعاد خلقه . باب : قول الله تعالى ﴿ قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنیین﴾ (١) والحرب سجال فيه : ابن عباس (( أن أبا سفيان أخبره أن هرقل قال : سألتك كيف كان قتالکم إياه ؟ فزعمت أن الحرب سجال ودُوّل ، وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة )) . قال المهلب : قوله تعالى: ﴿إلا إحدى الحسنيين﴾ (١) يريد الفتح والغنيمة ، أو الشهادة والجنة . قال المؤلف : هذا قول جماعة أهل التأويل ، واللفظ استفهام والمعنى توبيخ . فإن قيل : أغفل البخاري أن يذكر تفسير الآية في الباب ، وذكر حديث ابن عباس : أن الحرب سجال (( فما تعلقه بالآية التي ترجم بها ؟ قيل : تعلقه بها صحيح ، والآية مصدقة للحديث ، والحديث مبين للآية وإذا كانت الحرب سجالا، فذلك إحدى الحسنيين؛ لأنها إن كانت علينا فهي الشهادة ، وهي أكبر الحسنيين ، وإن كانت لنا فهي الغنيمة ، وهي أصغر الحسنيين ، فالحديث مطابق لمعنى الآية . قال المهلب : فكل فتح يقع إلى يوم القيامة أو غنيمة ؛ فإنه من إحدى الحسنيين له ، وإنما يبتلي الله الأنبياء ليعظم لهم الأجر والمثوبة ولمن معهم ، ولئلا يخرق العادة الجارية بين الخلق ، ولو أراد الله خرق (١) التوبة : ٥٢ . - ٢١ - العادة لأَهْلَكَ الكفار كلهم بغير حرب ، ولثبط أيديهم عن المدافعة حتى يُؤْسَروا أجمعين ، ولكن أجرى تعالى الأمور على العوائد ليأجر الأنبياء ومن معهم ، ويأتوا يوم القيامة مكلومين شهداء في سبيل الله ظاهري الوسيلة والشفاعة ، وقد تقدم تفسير الحديث : (( سجال )) في كتاب بدء الوحي ، والحمد لله . باب : قول الله تعالى : ﴿ من المؤمنین رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ﴾ (١) فيه : أنس (( غاب عمي (٢) عن قتال بدر . فقال: يا رسول الله ، غبتُ عن أول قتال قاتلت المشركين ، لئن أشهدني الله قتل المشركين لَيرِين الله ما أصنع . فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون ، قال : اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء [ - يعني أصحابه - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء ](٣) - يعني : المشر کین - ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ فقال : يا سعد الجنة ورَبُّ [النّضْرِ] (٤) إني أجد ريحها من دون أُحُد . قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع . قال أنس : فوجدنا به بضعًا [وثمانين ضربة ] (١) بالسيف أو طعنة بالرمح أو رمية بسهم ، ووجدناه قد قُتل ، وقد مثَّل به المشركون فما عرفه أحد إلا أخته بينانه ، و کنا نرى أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه ﴿ رجال صدقوا ... ﴾ (١) الآية)) الحديث . (١) الأحزاب : ٢٣ . (٢) هو أنس بن النضر رضی الله عنه (٣) من الصحيح المطبوع:، وسقط من ((الأصل) كأنه بسبب انتقال بصر الناسخ. (٤) في ((الأصل)): النظر. وهو تحريف. (٥) من الصحيح المطبوع، وسقط من ((الأصل)). - ٢٢ - وفيه : زيد: (( نسختُ الصحف في المصاحف ، ففقدت آية من الأحزاب كنت أسمع رسول الله يقرؤها ، فلم أجدها إلا مع خزيمة الأنصاري الذي جعل رسول الله شهادته بشهادة رجلين ، وهو قوله : أرجال صدقوا﴾ . قال المهلب : وفيه الأخذ بالشدة واستهلاك الإنسان نفسه في طاعة الله . وفيه الوفاء بالعهد لله بإهلاك النفس ، ولا يعارض قوله : ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ﴾ (١) لأن هؤلاء عاهدوا الله فوفوا بما عاهدوه من العناء في المشركين وأخذوا في الشدة / بأن باعوا نفوسهم من الله (١٣٧/٢ -ب] بالجنة كما قال تعالى. ألاترى قوله: (( فما استطعت ما صنع )) يريد ما استطعتُ أن أصف ما صنع من كثرة ما أغنى وأبلى في المشركين (٢). وقوله : ((إني أجد ريح الجنة من قِبَلٍ أُحُد)» يمكن أن يكون على الحقيقة ، لأن ريح الجنة يوجد من مسيرة خمسمائة عام ، فيجوز أن يشم رائحة طَيِّة تشهيه الجنة وتحببها إليه ، ويمكن أن يكون مجازًا ، فيكون المعنى إني لأعلم أن الجنة في هذا الموضع الذي يقاتل فيه ؛ لأن الجنة في هذا الموضع تكتسب وتشترى . وأما قوله: (( ففقدت آية من الأحزاب ، فلم أجدها إلا مع خزيمة)) فلم يرد أن حفظها قد ذهب عن جميع الناس فلم تكن عندهم ؛ لأن زيد بن ثابت قد حفظها. وروى أن عمر قال: (( أشهد لسمعتها من رسول الله )) وروى أن أبي بن كعب قال مثل ذلك، وعن هلال بن أمية أيضًا ، وإنما أمر أبو بكر عند جمع الصحف عمر بن الخطاب وزيدًا (١) البقرة : ١٩٥ . (٢) نقل الحافظ ابن حجر هذا التأويل في (( الفتح)) (٢٨/٤) عن ابن بطال ورَدَّه، فراجعه هناك . - ٢٣ - ... بأن يطلبا على ما ينكرانه شهادة رجلين فيشهدان سماع ذلك من فيٌ النبي - عليه السلام - ليكون ذلك أثبت وأشد في الاستظهار ومما لا يتسرع أحد إلى دفعه وإنكاره ، قاله القاضي أبو بكر بن الطيب ، وقد ذكر في ذلك وجوهًا أخر ، هذا أحسنها ، سأذكرها في فضائل القرآن في باب : جمع القرآن ، إن شاء الله . باب : العمل الصالح قبل القتال قال أبو الدرداء : إنما تقاتلون بأعمالكم . وقوله تعالى : ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ﴾ إلى قوله: ﴿مرصوص﴾(١). فیه : البراء (( أَنَی النبيّ - عليه السلام - رجلٌ مُقنّع بالحديد ، فقال : با رسول الله ، أقاتل أو أسلم ؟ قال : أَسلم ثم قاتل . فأسلم ثم قاتل فقُتل، فقال عليه السلام : عمل قليلا وأجر كثيرًا )) . قال المهلب : في هذا الحديث دليل أن الله يعطي الثواب الجزيل على العمل اليسير تفضلا منه على عباده ، فاستحق هذا نعيم الأبد في الجنة بإسلامه ، وإن كان عمله قليلا ؛ لأنه اعتقد أنه لو عاش لكان مؤمنًا طول حياته فنفعته نيته ، وإن كان قد تقدمها قليل من العمل ، وكذلك الكافر إذا مات ساعة كفره يجب عليه التخليد في النار ؛ لأنه .. انضاف إلى كفره اعتقاده أنه يكون كافرًا طول حياته ؛ لأن الأعمال بالنيات . (١) الصف : ٢ - ٤ . - ٢٤ - باب : من أتاه سهم غرب فقتله فيه: أنس (( أن أم الربيع بنت البراء - وهي أم حارثة بن سراقة - أنت النبي - عليه السلام - فقالت : يا نبى الله ، ألا تحدثنا عن حارثة - وكان قتل يوم بدر أصابه سهم غرب - فإن كان في الجنة صبرت ، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء . قال : يا أم حارثة [ إنها ] (١) جنان في الجنة ، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى)). قال المهلب : هذا نحو حديث أم حرام إِذْ سقطت عن دابتها فماتت، فهذا وشبهه مما يستحق به الجنة إذا صحت فيه النية ، وأما قوله: (( سهم غرب)) قال أبو عبيد : يقال : أصابه سهم غَرب: إذا كان لا يعلم من رماه . وقال ابن السكيت : سهم غَرْب وسهمُ غرْبٍ وغَرَبٍ ، وقال غيره : سهمُ غرب . وحكى الخطابي عن أبي زيد قال: سهم غرب - ساكنة الراء - إذا أتاه من حيث لا يدري ، وسهم غَرَب - بفتح الراء - إذا رماه فأصاب غيره . ابن دريد : سهم عائر لا یدري من رماه . باب : من قاتل لتكون / كلمة الله هي العليا [٢ / ق١٣٨ -١] فيه: أبو موسى قال: (( جاء رجل إلى النبي - عليه السلام - فقال : الرجل يقاتل للمغنم وللذكر وليُرَى مكانه ، فَمَنْ في سبيل الله ؟ قال : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله )) . قال المهلب : إذا كان في أصل النية إعلاء كلمة الله ثم دخل عليها من حب الظهور والمغنم ما دخل فلا يضرها ذلك ، ومن قاتل لتكون (١) من الصحيح المطبوع، وفي ((الأصل)): إنه . وما أثبتناه أنسب للسياق. - ٢٥ - كلمة الله هي العليا ، فخليق أن يحب الظهور بإعلاء كلمة الله وأن يحب الغنى بإعلاء كلمة الله ، فهذا لا يضره إن كان عقدًا صحيحًا . باب : من اغبرت قدماه في سبيل الله وقوله : ﴿ ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا ... ﴾ (١) الآية فيه : أبو عَبْس : قال عليه السلام: (( ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسّهُ النَّار)) . مصداق هذا الحديث في آخر الآية التي في هذا الباب وهو قوله تعالى : ﴿ولا يطئون موطئًا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح ﴾ (١) ففسر عليه السلام ذلك العمل الصالح أنه لا تمس النار من اغبرت قدماه في سبيل الله ، وهذا وعد من النبي - عليه السلام - والوعد منه منجز ، وسبيل الله جميع طاعاته. * * باب : مسح الغبار عن [ الرأس ] (٢) في سبيل الله. فيه : ابن عباس قال لابنه ولعكرمة: (( ائتيا أبا سعيد فاسمعا من حديثه. فأَتَّاهُ وَهُوَ وَآخُوه في حائط لهما يسقيانه ، فلما رآناً جاء واحتبى وجلس ، فقال : كنا ننقل لَبنَ المسجد لبنةً لبنةً، وعمارُ ينقل لبنتين لبنتين ، فمر به النبي - عليه السلام - ومسح عن رأسه الغبار فقال: ويح عمار يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى النار)) . (١) التوبة : ١٢٠ . (٢) من الصحيح المطبوع، وفي ((الأصل): الناس. وهو غير مناسب للسياق. - ٢٦ - قال المهلب : أما مسح النبي الغبار عن رأس عمار ، فرضىً من النبي بفعله وشكرًا له على عزمه في ذات الله . وقوله: ((وبح عمار)) فهي كلمة لا يراد بها في هذا الموضع وقوع المكروه بعمار ، ولكن المراد بها المدح لعمار على صبره وشدته في ذات الله ، كما تقول العرب للشاعر إذا أحسن : قاتله الله ما أشعره، غير مريدين إيقاع المكروه به . وقوله: (( يدعوهم إلى الله)) فيريد - والله أعلم - أهل مكة الذين أخرجوه من دياره وعذبوه في ذات الله لدعائه لهم إلى الله . ولا يمكن أن يُتأول هذا الحديث في المسلمين البتة ؛ [ لأنهم ] (١) قد دخلوا دعوة الله ، وإنما يدعى إلى الله من كان خارجًا من الإسلام . وقوله: ((ويدعونه إلى النار)) دليل أيضًا على ذلك ؛ لأن المشركين أهل مكة إنما فتنوه وطالبوه أن يرجع إلى دينهم ، فهو النار . فإن قيل: إن فتنة عمار قد كانت بمكة في أول الإسلام ، وإنما قال : يدعوهم ، يلفظ المستقبل ، وهذا لفظ الماضي . قيل : العرب قد تخبر بالفعل المستقبل عن الماضي إذا عُرف المعنى ، كما تخبر بالماضي عن المستقبل، فقوله: ((يدعوهم إلى الله)) بمعنى دعاهم إلى الله ؛ لأن محنة عمار كانت بمكة مشهورة ، فأشار عليه السلام إلى ذكرها لما طابقت شدته في نقله لبنتين شدته في صبره بمكة على عذاب الله ، فضيلةً لعمار ، وتنبيهًا على ثباته ، وقوته في أمر الله - تعالى . (١) في ((الأصل)): لأنه ، والمثبت هو المناسب هنا. - ٢٧ - باب : الغَسل بعد الحرب والغبار ـو فيه : عائشة (( أن النبي - عليه السلام - لما رجع يوم الخندق ووضَعَ [السلاح] (٢) واغتسل، فأتاه جبريل وقد عصب رأسه الغبار ، فقال : وضعتَ السلاح؟ فوالله ما وضعتُه . قال النبي - عليه السلام - : فأين ؟ قال : هاهنا - وأومأ إلى بني قريظة - فخرج إليهم النبي - عليه السلام)). [٢/ ١٣٨٥ -ب] قال المهلب: إنما اغتسل من / الغبار للتنظيف وإن كان الغبار في سبيل الله شاهدًا من شواهد الجهاد . وقد قال عليه السلام: (( ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسّه النار )) ألا ترى أن جبريل لم يغسله عن نفسه تبركًا به في سبيل الله . وفيه من الفقه : أن النبي لم يخرج إلى حرب إلا بإذن من الله - تعالى - وفيه دليل أن الملائكة تصحب المجاهدين في سبيل الله ، وأنها في عونهم ما استقاموا ؛ فإن خانوا وغَلُّوا فارقتهم - والله أعلم - يدل على ذلك الحديث الذي جاء : ((مع كل قاضٍ ملكان يُسَدِّدَانه ما أقام الحق، فإذا جَارَ تركاه)) والمجاهد حاكم بأمر الله في أعوانه وأصحابه. باب : فضل قول الله : ﴿ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا ... ﴾ (١) الآيات فيه: أنس: (( دعا النبي - عليه السلام - على الذين قتلوا أصحاب بئر معونة ثلاثين غداة على رعْلٍ وذَكْوَان وعُصَيَّة [عصت ] (٢) الله ورسوله. قال أنس : أُنزل في الذين قُتلوا ببئر معونة قرآنًا قرأناه ، ثم نسخ بعد : بَلِّغُوا قومنا أنا قد لقينا ربنا ، فرضي عنا ورضينا عنه )) . وفيه: جابر: ((اصطبحَ ناس الخَمْر يوم أُحُد ثم قتلوا شهداء )) قيل لسفيان : من آخر ذلك اليوم ؟ قال : ليس هذا فيه . (١) سقطت من (( الأصل))، وأثبتها من الصحيح المطبوع؛ لأن السياق يقتضيها. (١) آل عمران: ١٦٩ - ١٧١ . (٢) من الصحيح المطبوع، وسقطت من ((الأصل)). - ٢٨ - قال المهلب : في هذه الآية التي في الترجمة دليل على أن كل مقتول غدرًا أنه شهيد ؛ لأن أصحاب بئر معونة قُتلوا غدرًا بهم . وأما حياة الشهيد فقد اختلف الناس في كيفيتها ، وأَوْلى ما قيل فيها - والله أعلم - أن تكون الأرواح ترزق ، وكذلك جاء الخبر أن عليه السلام قال: ((إنما نسمة المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة)) يعني: يأكل منها، كذلك فسره أهل اللغة ، وحديث - تعلق - عام ، وقد خَصَّصَهُ القرآن بأشياء باشتراط الشهداء . وقوله في حديث جابر: (( ثم قتلوا شهداء )) يعني : والخمر في بطونهم؛ فإنما كان هذا قبل نزول تحريمها ، فلم يمنعهم ما كان في علم الله من تحريمها ، ولا كونها في بطونهم من حكم الشهادة ، وفضلها ؛ لأن التحريم إنما يلزم بالنهي ، وما كان قبل النهي فهو معفو عنه . باب : ظل الملائكة على الشهيد فيه: جابر: (( جيء بأبي إلى النبي - عليه السلام - وقد مثِّل به، وُوُضِعَ بين يديهِ ، فذهبت أكشف عن وجهه فنهاني قومي ، فسمع صوت صائحة، فقيل : بنت عمرو - أو أخت عمرو - فقال : لم تبكي ؟ - أو فلا تبکی - ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتی رفع )) . قال المهلب : هذا من فضل الشهادة ، وضع الملائكة أجنحتها عليه؛ رحمةً له . وفيه أن النياحة ليست الشدة في النهي عنها إلا إذا كان معها شيء من أفعال الجاهلية ، من شقٍ وخَمْشٍ ودعوى الجاهلية على ما تقدم في كتاب الجنائز . - ٢٩ - وفيه أن الشهيد والرجل الصالح ومن يرجى له الخير لا يجب أن يُبكى عليه ، ألا ترى أن الرسول قال لها : ((لم تبكين )) فأخبرها بالأمن عليه في الآخرة ، وإنما البكاء على من يخشى عليه النار ، ويشهد لهذا المعنى حديث أم حارثة إذ قالت للنبي - عليه السلام - : ((أخبرني بمنزلة ابني ؛ فإن كان في الجنة صبرت واحتسبت)). باب : تمني الشهيد أن يرجع إلى الدنيا فيه : أنس قال النبي - عليه السلام -: (( ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات ؛ لما يرى من الكرامة )). هذا الحديث أَجَلُّ ما جاء في فضل الشهادة والحض عليها والترغيب [٢/ ١٣٩٥-١) فيها / وإنما يتمنى الشهيد أن يُقتل عشر مراتٍ - والله أعلم - لعلمه بأن ذلك مما يرضي الله ، ويقرب منه ؛ لأن من بذل نفسه ودمه في إعزاز دين الله ، ونُصْرة دينه ونبيه ، فلم تبق غاية وراء ذلك ، وليس في أعمال البر ما تبذل فيه النفس غير الجهاد، فلذلك عَظُمَ الثواب عليه، والله أعلم. باب : الجنة تحت بارقة السيوف و[قال] (١) المغيرة: (( أخبرنا نبينا عن رسالة ربنا أنه من قُتل منا صار إلى الجنة)). وقال عمر للنبي - عليه السلام -: (( أليس قتلانا في الجنة ، وقتلاهم في النار ؟ قال : بلی ). (١) من الصحيح المطبوع: ، وهو الأصح هنا ، لأنه تعليق ، وليس بحديث موصول ، وفي الأصل : فيه ، وعادة المصنف أن يعبر بهذا على الموصول ، لا التعليق ، والله أعلم . - ٣٠ - فيه ابن أبي أوفى: قال الرسول: (( واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» . قال المهلب : فيه أنه قد يجوز أن يقطع لقتلى المسلمين كلهم بالجنة؛ لقول عمر: (( أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار )) ولكن على الجملة وليس يمكن أن يُشْخَصَ من هذه الجملة واحد فيقال : إن هذا في الجنة [ إلا ] (١) بخبر فيه نفسه ؛ لقوله عليه السلام: ((والله أعلم بمن يجاهد في سبيله )) فنحن نقطع بظاهر هذا الحديث في الجملة ونَكِلُ التفصيل والغائب من النيات إلى الله - تعالى - لئلا يقطع في علم الله بغير خبر ، ألاترى أن النبي - عليه السلام - حين سئل ، فقيل له: (( منا من يقاتل للمغنم وليرى مكانه وللدنيا )) فلما فُصل له تبرأ من موضع القطع على الغيب. فقال: (( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في الجنة )) وهذا القول يقضي على سائر معاني الحديث والمسألة ، والترجمة صحيحة . وأن من قتل أو قُتل في إعلاء كلمة الله فهو في الجنة. وقوله: (( تحت بارقة السيوف )) هو من البريق ، والبريق معروف . وقال الخطابي : يقال : أبرق الرجل بسيفه إذا لمع به، ويسمى السيف : إبريقًا وهو إفعيل من البريق . وقال ابن أحمر: (تقلدت إبريقًا وعلقت جفنه)(٢) ليهلك حيا ذا زهاء وحامل (١) في ((الأصل)): إن. والمثبت هو المناسب للسياق. (٢) كذا في ((الأصل)) وفي ((لسان العرب)) مادة (برق ): تعلق إبريقًا وأظهر جعبة - ٣١ - باب : من طلب الولد للجهاد فيه : أبو هريرة: قال النبي - عليه السلام -: (( قال سليمان : لأطوفن الليلة على مائة امرأة - أو تسع وتسعين - كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله . فقال له صاحبه: إن شاء الله . فلم يقل إن شاء الله ، فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل ، والذي نفس محمد بيده لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون)). قال المهلب : في هذا الحديث حض على الولد بنية الجهاد في سبيل الله ، وقد يكون الولد بخلاف ما أمله فيه ، فيكون كافراً ، ولكن قد تم له الأجر في نيته وعمله .. وفيه أن من قال : إن شاء الله . وتبرأ من المشيئة الله ولم يُعْط الخاصة (١) لنفسه في أعماله ، أنه حري بأن يبلغ أمله ويعطي أمنيته ، ألا ترى أن سليمان لما لم يَرُدَّ المشيئة إلى الله، ولم يستثن ما لله ، فمن ذلك حُرِمَ أمله ، ولو استثنى لبلغ أمله ، كما قال عليه السلام ، وليس كل من قال قولا ولم يستثن فيه المشيئة فواجب ألا يبلغ أمله بل منهم من يشاء الله إتمام أمله ، ومنهم من يشاء ألا يتم أمله بما سبق في علمه ، ولكن هذه التي أخبر عنها الرسول أنها مما لو استثنى المشيئة لتم أمله فدل هذا على [ أن ] (٢) الأقدار في علم الله على ضروب. فقد يُقدر للإنسان الولد والرزق والمنزلة إن فعل كذا أو قال أو دعا ، فإن لم يفعل ولا قال لم يعط ذلك الشيء ، وأصل هذا في قصة يونس - عليه السلام - قال تعالى : ﴿ فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون ﴾ (٣) فبان بهذه الآية أن تسبيحه كان سبب خروجه من بطن الحوت ، ولو لم يسبح ما خرج منه . ۔۔ (١) في ((الأصل)): الخصة، وهو خطأ، والخاصَّة: ما تخصه لنفسك المعجم الوسيط (٢٣٨/١) . (٢) زيادة يقتضيها السياق . (٣) الصافات : ١٤٣ - ١٤٤. - ٣٢ - وفيه أن الاستثناء قد يكون بإثر / القول وإن كان فيه سكوت يسير [٢/ ١٣٩٥ -ب] لم تنقطع به دونه الأفكار الحائلة بين الاستثناء واليمين ، وسيأتي ذلك في موضعه - إن شاء الله . باب : الشجاعة والجبن في الحرب فيه : أنس (( كان النبي - عليه السلام - أحسن الناس وأشجع الناس وأجود الناس ، ولقد فزع أهل المدينة فكان النبي - عليه السلام - سبقهم على فرسٍ قال : وجدناه بَحْرًاً )). وفيه : جبير بن مطعم: (( بينا هو يسير مع النبي - عليه السلام - ومعه الناس مقفله من حنين فعلقت الأعراب يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه ، فوقف عليه السلام ، فقال : أعطوني ردائي ، لو كان لي عدد هذه العضاه نَعَمًا لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا كذوبًا ولا جبانًا )). قال المهلب : فيه أن الرئيس قد يشجع في بعض الأوقات إذا وجد من نفسه قوة وإن كان اللازم له أن يحوط أمر المسلمين بحياطة نفسه، لكن النبي لما رأى الفزع المستولي علم أنه ليس يُكادُ بما أخبره الله في قوله : ﴿والله يعصمك من الناس﴾ (١) وأنه لا بد أن يتم أمره حتى تمر المرأة من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله ؛ فلذلك أمن عليه السلام فزعهم باستبراء الصيحة ، وكذلك كل رئيس إذا استولى على قومه الفزع ووجد من نفسه قوة فينبغي له أن يُذهب عنهم الفزع باستبرائه نفسه ، وفيه استعمال المجاز في الكلام ؛ لقوله في الفرس : (١) المائدة : ٦٧ . - ٣٣ - (( إنه بحر)) فشبه ذلك؛ لأن الجري منه لا ينقطع كما لا ينقطع ماء البحر، وأول من تكلم بهذا رسول الله ، وسأزيد في هذا المعنى في باب : اسم الفرس والحمار ، بعد هذا - إن شاء الله . وفيه استعارة الدواب للحرب وغيره ، وفيه ركوب الدابة عُريًا لاستعجال الحركة . قال المؤلف : وفي حديث جبير أنه لا بأس للرجل الفاضل أن يخبر عن نفسه [ بما ] (١) فيه من الخلال الشريفة عندما يخاف من سوء ظن أهل الجهالة به . وفيه أن البخل والجبن والكذب من الخلال المذمومة التي لا تصلح أن تكون في رؤساء الناس ، وأما من كانت فيه خلة منها لم يتخذه المسلمون إمامًا ولا خليفة ، وكذلك من كان كذوبًا فلا يتخذ إمامًا في دين الله ؛ لأن الكذب فجور لقوله عليه السلام : ((الكذب يهدي إلى الفجور ) ولا يؤمن على وحي الله وسنة رسوله الفجار ، وإنما يؤمن عليه أهل العدالة كما قال عليه السلام : ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله: )) . قال المهلب : وفيه أن الإلحاف في المسألة قد يُرد بالقول والعدَة كما قال عليه السلام: ((لو أن لي عدد هذه العضاه نَعَمَّا لقسمته بينكم )) والوعد من النبي في حكم الإنجاز واجب لقوله: (( ثم لا تجدوني كذوبًا)). وفيه : الصبر لجهلة الناس وجفاة السُّؤَّال وإن ناله في ذلك أذىّ. وسؤاله رداءه تأنيسًا لهم من الأذى والجفاء عليه والمزاحمة في الطريق، ثم رد إلحافهم بأن أعلمهم أن ما ملكه مقسوم بينهم وأن وعده منجز لهم ، وأن الذي يسألونه من قتالهم وعونهم به ليسوا بالمتقدمين عليه فيه ؛ بل هو المقدم عليهم في القتال وفي كل حال لقوله : (ولا جبانًا)) ولم ينكر أحد منهم ما وصف به نفسه لاعترافهم به . (١) في ((الأصل)): لما. والمثبت أنسب للسياق . - ٣٤ - وقال أبو عبيد : العضاه من الشجر كل ما له شوك ومن أعرف ذلك الطلح والسيل والسَّيَال والعرفط والسَّمُر ، وقال غيره : والقتاد . باب : ما يتعوذ به من الجبن فيه : سعد: (( أنه كان يُعلّم بنيه هؤلاء الكلمات كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة ، ويقول : إن الرسول كان يتعوذ بهن في دبر الصلاة : اللهم إني أعوذ بك من الجبن وَأن أرد إلى أرذل العمر ، وأعوذ بك من فتنة الدنيا وعذاب القبر)) . وفيه : أنس: ((كان الرسول يقول: اللهم إني أعوذ بك / من العجز [٢/ ٥ ١٤٠-١) والكسل ، والجبن والهرم ، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات ، وعذاب القبر)) . قال المهلب : أما استعاذته عليه السلام من الجبن فإنه يؤدي إلى عذاب الآخرة ؛ لأنه يفر من قرنه في الزحف فيدخل تحت وعيد الله لقوله : ﴿ومن يولهم يومئذ ... ﴾ (١) الآية ، وربما يفتن في دينه ، فيرتد لجبن أدركه ، وخوف على صحته من الأسر والعبودية ، وأرذل العمر: الهرم والضعف عن أداء الفرائض وعن خدمة نفسه فيما يتنظف به فيكون كلا على أهله مستثقلا بينهم ، وفتنة الدنيا أن يبيع الآخرة بما يتعجله في الدنيا من حال أو مال ، وتعوّذ من العجز ؛ لئلا يعجز عما يلزمه فعله من منافع الدين والدنيا . والعجز : مختلف في معناه ، أما أهل الكلام فيجعلونه : ما لا استطاعة لأحد على ما يعجز عنه ؛ لأن الاستطاعة عندهم مع الفعل. (١) الأنفال : ١٦ . - ٣٥ - وأما أهل الفقه فيقولون : العجز هو ما يستطيع أن يعمله إذا أراد ؛ لأنهم يقولون : إن الحج ليس على الفور ولو كان على المهلة عند أهل الكلام لم يصح معناه ؛ لأن الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل . والذين يقولون بالمهلة يجعلون الاستطاعة قبل الفعل ، وأما الكسل فهم مجمعون على أنه ضعف النية وإيثار الراحة للبدن على التعب ، وإنما أستعيذ منه ؛ لأنه يبعد عن الأفعال الصالحة للدنيا والآخرة ، وسيأتي هذا الحديث في كتاب الدعاء ونزيده بياناً ووجهُ حاله - إن شاء الله . باب ؛ من حدّث بمشاهده في الحرب فيه: السائب بن يزيد: قال: (( صحبت طلحة بن عبد الله وسعدًا والمقداد بن الأسود وعبد الرحمن بن عوف فما سمعت أحدًا منهم يحدث عن رسول الله إلا أني سَمعت طلحة يحدثُ عن يومٍ أحد )). قال المؤلف : إنما لَمْ يجَدِّثُ هؤلاء عن رسول الله - والله أعلم - خشية التزيد والنقصان ؛ لئلا يدخلون في معنى قوله عليه السلام .. ((من تقوَّل عليّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار)) فاحتاطوا على. أنفسهم أخذًا بقول عمر: (( [ أقلوا] (١) الحديث عن رسول الله وأنا شريككم )) وقد تقدم هذا في كتاب العلم . وأما حديث طلحة عن مَشاهِدِه يوم أحد ، ففيه من الفقه : أن للرجل أن يحدث عما تقدم له من الغَنّاء في إظهار الإسلام وإعلاء كلمته ، وما نفذ فيه من أعمال البر و( الموجبات ) (٢) غير النوافل ؛ لأنه كان عليهم نصر الرسول وبذل أنفسهم دونه فرضًا؛ ليتأسَّى بذلك متأسٍ (١) في ((الأصل)) : قلوا: (٢) هكذا في (( الأصل)، ولعل الصواب: الواجبات. - ٣٦ - ولا يدخل ذلك في باب الرياء ؛ لأن إظهار الفرائض أفضل من سترها ليُشَاد منار الإسلام وتظهر أعلامه ، وكان طلحة من أهل النجدة ، وثبات القدم في الحرب . ذكر البخاري عن قيس في المغازي، قال: (( رأيت يد طلحة شلاءً وقى بها الرسول يوم أحد)) وعن أبي عثمان (( أنه لم يبق مع النبي - عليه السلام - غير طلحة وسعد)) فلهذا حدَّث طلحة عن مشاهده يوم أحد ؛ ليقتدى به ويرغب الناس في مثل فعله ، والله أعلم . باب : وجوب النفير وما يجب من الجهاد والنية وقوله تعالى: ﴿انفروا خفالاً وثقالاً﴾ (١) وقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم ... ﴾ (٢) الآية فيه : ابن عباس قال رسول الله: (( لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا )) . قال المهلب : النفير والجهاد ، يجبان وجوب فرض ووجوب سنة . فأما من استنفر لعدو غالبٍ ظاهرٍ فالنفير فرض عليه ، ومن استنفر لعدو غير غالب ولا قوى على المسلمين فيجب عليه وجوب سنة ، من أجل أن طاعة الإمام المستنفر / للعدو الغالب قد لزم الجهاد فيه كل [٢/ ق١٤٠-ب] أحد مُشخَص بعينه وأما العدو المقاوم أو المغلوب ، فلم يلزم الجهاد فيه لزوم التشخيص لكل إنسان ، وما لزم الجماعة فمن انتدب له قام به ، ومن قعد عنه أرجو أن يكون في سعة ، ومن ذلك قوله: (( لا هجرة بعد الفتح)) وذلك أنه كان في بدو الإسلام فرضًا على كل مسلم أن (١) التوبة : ٤٠ . (٢) التوبة : ٣٨ . - ٣٧ - يهاجر مع الرسول فيقاتل معه حتى تكون كلمة الله هي العليا ، فلما فتح الله مكة وكسر شوكة صناديد قريش ودخل الناس في دين الله أفواجًا نزلت المقاومة من المسلمين و( ... ) (١) على عدوهم فلم تلزم الناس الهجرة بعد ؛ لكثرة المسلمين ، وسيأتي تفسير باقي الحديث ، ومذاهب العلماء في قوله: (( لا هجرة بعد الفتح)) في آخر كتاب الجهاد في باب لا هجرة بعد الفتح ، إن شاء الله . باب : الكافر يقتل المسلم ثم يسلم فُيُسدِّدُ أو يُقْتَلُ فيه : أبو هريرة : قال النبي - عليه السلام -: « يضحك الله إلی رجلین يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل ثم يتوب الله على القاتل فيستشهد )). وفيه : أبو هريرة : (( أتيت الرسول وهو بخيبر بعد ما افتتحوها ، فقلت: يا رسول الله، أسهم لي . فقال بعض بني سعيد بن العاص : لا تسهم له يا رسول الله، فقال أبو هريرة : هذا قاتل ابن قَوْقل . فقال ابن سعید بن العاص: ((واعجبًا لوبر تدلَّى علينا من قدوم ضأن ينعى على رجل: مسلم أكرمه الله على يدىّ ولم يُهنِّي على يديه قال: فلا أدري أسهم له أو لم يسهم » . قال المؤلف : ذكر أبو داود هذا الحديث في مصنفه قال: (( ولم يسهم له رسول الله )) وذكر أنه أبان بن سعيد بن العاص ، والترجمة صحيحة ، ومعناها عند العلماء أن القاتل الأول كان كافراً ، وتوبته إسلامه وقوله: ((يضحك الله إلى رجلين)) أي: يتلقاهما بالرحمة. (١) كلمة مطموسة في ((الأصل)). - ٣٨ - والرضوان ، والضحك منه على المجاز (١) ؛ لأن الضحك لا يكون منه تعالى على ما يكون من البشر ؛ لأنه ليس كمثله شيء . وفيه من الفقه أن الرجل قد يوبخ بما سلف إلا أن يتوب ، فلا يوبخ عليه ، ولا تثريب ، ألا ترى أن أبا هريرة لما ( ... ) (٢) سعيد على قتل ابن قوقل كيف رد عليه أقبح الرد ، وصارت له عليه الحجة كما صارت لآدم على موسى من أجل أنهما وبخا بعد التوبة من الذنب . وفيه : أن التوبة تمحو ما سلف قبلها من الذنوب : القتل وغيره [لقوله] (٣): ((أكرمه الله على يدي ولم يهني على يديه )) لأن ابن قوقل وجبت له الجنة بقتل ابن سعيد له ولم تجب لابن سعيد النار ؛ لأنه تاب وأسلم ويصحح ذلك سكوت الرسول على قوله ، ولو كان غير صحيح لما لزمه السكوت ؛ لأنه عليه السلام بعث مبينًا للناس . وفي حديث أبي هريرة حجة على الكوفيين في قولهم في المدد يلحق بالجيش في أرض الحرب بعد الغنيمة أنهم شركاؤهم في الغنيمة، وسائر العلماء إنما تجب عندهم الغنيمة لمن شهد الوقعة . واحتجوا بأن الرسول - عليه السلام - لم يسهم لأبي هريرة في هذا الحديث . قال الكوفيون : لا حجة في حديث أبي هريرة ؛ لأن خيبر صارت حين فتحت دار إسلام وهذا لا شك فيه ، قالوا : وقد روى حماد بن سلمة، عن علي بن زيد ، عن عمار بن أبي عمار ، عن أبي هريرة قال : (( ما شهدت لرسول الله مغنمًا إلا قسم لي إلا خيبر ؛ فإنها كانت لأهل الحديبية خاصة شهدوها أو لم يشهدوها ؛ لأن الله كان وعدهم بها بقوله : ﴿وأخرى لم تقدروا عليها ﴾ (٤) واحتجوا بما رواه (١) بل نؤمن بما ثبت من ذلك كما جاء، بلا تشبيه ولا تعطيل ولا تأويل، والله الموفق. (٢) كلمة مطموسة في ((الأصل)) وأظنها ((عَيِّر)) أو ((وبخ)). (٣) في (( الأصل)): لغيره . وهو وهم من الناسخ. (٤) الفتح : ٢١ . - ٣٩ - أبو أسامة، عن [ بُرَيْد] (١) بن أبي بردة ، عن أبي موسى قال : ((قدمنا على النبي - عليه السلام - مع جعفر من أرض الحبشة بعد فتح خيبر بثلاث فقسم لنا ولم يقسم لأحد لم يشهد فتحها غيرنا )) . قال الطحاوي : وهذا يحتمل أن يكون لأنهم كانوا من أهل المدينة أو يكون استطاب أنفس أهل الغنيمة . وعلى قول الطحاوي لا [٢/ ٥ ١٤١-١) حجة لأصحابه / في حديث أبي موسى ، وسيأتي تمام هذا القول في هذه المسألة في حديث ابن عمر أن النبي - عليه السلام - أسهم لعثمان يوم بدر في باب : إذا بعث الإمام رسولاً في حاجة أو أمره. بالمقام عليها هل يقسم له ، بعد هذا - إن شاء الله . وقوله : ( واعجبًا لوبرٍ تدلَّی علینا من قدوم ضان » وقد روي من رأس ضأن ، فمن رواه لوبَرِ بفتح الباء فمعناه أنه شبه أبا هريرة بالوبر الذي لا حطب له ولا مقدار ؛ لأنه لم يكن لأبي هريرة عشيرة ولا قوم يمتنع بهم ولا يغنى في قتال ولا لقاء عدو وكان ابن سعيد وأبو هريرة طارئين ، ذكر الطبري أن أبا هريرة وأبانًا قدما على الرسول بخيبر . ومن روى الوبر باسكان الباء فمعناه أنه يشبهه بالوبر وهو دويبة على قدر السنور ، عن صاحب العين ، فأراد به في ضعف المنة وقلة الغَنَاءِ كالسنور في السباع وإنما سكت النبي - عليه السلام - عن الإنكار على ابن سعيد؛ لأنه لم يذم أبا هريرة بحد ولا تنقصه في دين ، وإنما تنقصه في قلة العشيرة والعدد أو بضعف المنة. وأما قوله : (( تدلى علينا من قدوم ضأن)) فإن أبا ذر [ الهروي ] (٢) (١) بالموحدة والراء مصغرًاً، وهو ابن عبد الله بن أبي بردة، وفي ((الأصل)) زيد - بالزاي - وهو تحريف . (٢) في (( الأصل)): الهرومي. وهو خطأ، وأبو ذر الهروي من رواة صحيح البخاري. - ٤٠ -