النص المفهرس
صفحات 541-560
وقوله عليه السلام: (( من أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًّا)) قال أبو عبيد : الحدث : كُلُّ حَدٍّ لله يجب على صاحبه أن يقام عليه ، وهذا شبيه بحديث في الرجل يأتي حدا من الحدود ، ثم يلجأ إلى الحرم أنه لا يقام عليه الحد ، ولكنه لا يجالس ولا يكلم حتى يَخرج منه ؛ فإذا خرج منه أُقيم عليه الحَدُّ ، فجعل الرسول حرمة المدينة كحرمة مكة في المأثم في صاحب الحَدِّ ألا يؤذيه أحد حتى يخرج منه فيقام عليه الحد . وقوله : (( لا يقبل منه صرف ولا عدل)) هذا يمكن أن يكون في وقت دون وقت، إن أنفذ الله عليه الوعيد، ليس أن هذه حاله عند الله أبدًا؛ لأن الذنوب لا تُخرج من الديانة ولا يُخْرِج منها غير الكفر وحده . وقوله: ((أخفر مسلمًا)) قال الخليل : يقال: أخفرت الرجل: إذا لم تف بذمته ، والاسم : الخفور . وقوله: ((صرف ولا عدل)) قال أبو عبيد عن مكحول : الصرف: التوبة ، والعدل : الفدية . قال أبو عبيد : وفي القرآن ما يصدق هذا التفسير وهو قوله : ﴿ وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها ﴾ (١) وأما الصرف فلا أدري قوله تعالى: ﴿فما تستطيعون صرفًا ولا نصراً﴾ (٢) من هذا أم لا ؟ وبعض الناس يحمله على هذا ، ويقال : إن الصرف النافلة ، والعدل الفريضة . قال أبو عبيد : والتفسير الأول أشبه بالمعنى . وقال أبو علي البغدادي : الصرف الحيلة ، والصرف الاكتساب ، والعدل الفدية ، والعدل الدية ، صحيح في الاشتقاق . فأما من قال : الصرف (٢) الفرقان : ١٩. (١) الأنعام : ٧٠ . - ٥٤١ - الفريضة ، والعدل النافلة ، والصرف الدية ، والعدل الزيادة على الدية ؛ فغير صحيح في الاشتقاق . وقال الطبري : الصرف مصدر من قولك : صرفت نفسي عن الشيء أصرفها صرفًا . وإنما عنى به في هذا الموضع صرف راكب الذنب وهو المحدث في الحرم حدثًّا من سفك دم أو استحلال محرم فلا تقبل توبته ، والعدل : ما يعدله من الفدية والبدل ، وكل ما عادل الشيء من غير جنسه وكان له مثلا من وجه الجزاء لا من وجه المشابهة في الصورة والخلقة ، فهو له عدل - بفتح العين - ومنه قوله : ﴿وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها ﴾ (١) بمعنى وإن تفد منها كل فدية . وأما العدل - بكسر العين - فهو مثل الحمل المحمول على الظهر ، يقال : عندي غلام عدل غلامك ، وشاة عدل شاتك - بكسر العين - [١٣٠٥/٢-١] إذا كان غلاماً يعدل غلامًا / وشاة تعدل شاة، وذلك في كل مثل للشيء من جنسه ، فإذا أراد أن عنده قيمته من غير جنسه فتحت العين فيقول: عندي عدل شاتك من الدراهم . وقد ذكر عن بعض العرب أنهم يكسرون العين من العدل الذي هو بمعنى الفدية ، وذلك لتقارب معنى العدل عندهم باب : فضل المدينة فيه: أبو هريرة قال الرسول : «أُمرت بقرية تأكل القرى ، يقولون : يثرب ، وهي المدينة ، تنفي الناس كما ينفي الكيرُ خبث الحديد)). قوله: (( أُمرت بقرية)) يريد أمرت بالهجرة إليها . (١) الأنعام : ٧٠ . - ٥٤٢ - وقوله : ((تأكل القُرى)) يعني: يفتتح أهلها القرى فيأكلون أموالهم، ويسبون ذراريهم ، ويقتلون مقاتلتهم ، وهذا من فصيح كلام العرب تقول : أكلنا بني فلان ، وأكلنا بلد كذا : إذا ظهروا على أهله وغلبوهم . قال الخطابي: (( تأكل القرى )) يريد أن الله ينصر الإسلام بأهل المدينة وهم الأنصار ، وتفتح على أيديهم القرى ، ويغنمها إياهم فيأكلونها ، وهذا في الاتساع والاختصار كقوله تعالى : ﴿واسأل القرية ﴾ (١) يريد أهل القرية ، فكان رسول الله قد عرض نفسه على قبائل العرب أيهم ينصره فيفوز بالفخر في الدنيا والثواب في الآخرة ، فلم يجد في القوم من يرضى بمعاداة من جاوره ويبذل نفسه وماله لله ، فمثل الله المدينة في منامه فرأى أنه يؤمر بالهجرة إليها ، فوصف ذلك لأبي بكر ، وقد كان عاقد قومًا من أهلها ، وسألوه أن ينظروا فيما يريدون أن [ يعقدوا ] (٢) معه عليه السلام ، فخرج مع أبي بكر للمدينة، ففتح الله منها جميع الأمصار حتى مكة التي كانت موطنه . قال أبو عبد الله بن أبي صفرة : وهذا الحديث حجة لمن فضل المدينة على مكة ؛ لأنها هي التي أدخلت مكة وسائر القرى في الإسلام، فصارت القرى ومكة في صحائف أهل المدينة . وذهب مالك وأهل المدينة إلى أنها أفضل من مكة . وقال الشافعي: مكة أفضل منها. وقد تقدم القول في ذلك في كتاب الصلاة في قوله: صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام. وقوله : ((يقولون : يثرب )) كره أن يسمي باسمها في الجاهلية وسماها (( المدينة)) فلا تسمى بغير ما سماها النبي - عليه السلام - (١) يوسف : ٨٢ . (٢) في (( الأصل)): يعقدون . وما أثبتناه هو الصواب. - ٥٤٣ - وكانوا يسمونها (( يثرب)) باسم أرض بها فغير رسول الله اسمها وسماها ((طيبة)) كراهية التثريب، وإنما سميت في القرآن ((يثرب)) على وجه الحكاية [ لتسمية ] (١) المشركين ، وقد روي عنه عليه السلام أنه (( من قال : يثرب فكفارته أن يقول المدينة عشر مرات)) يريد بذلك التوكيد أن يقال لها : المدينة ، وصارت مُعرفة بالألف واللام ؛ لأنها انفردت بجميع [ خصال ] (٢) الإسلام ، ولا يقول أحد : المدينة لبلد فيعرف ما يريد القائل إلا لها خاصة . باب: المدينة ( طيبة ) (٣) فيه: أبو حميد: (( أقبلنا مع النبي - عليه السلام - من تبوك حتى أشرفنا على المدينة ، فقال: هذه طابة)). قوله: ((طابة )) مشتقة من الطيب ، وزنها فعلة ، وقد يقال لها أيضًا : طيبة ، وزنها فعلة ، وهذان المثالان فعلة وفعلة متعاقبان على معنى واحد ، كقولهم : عيب وعاب ، وديم ودام ، ودين ودان ، فاشتق لها عليه السلام هذا الاسم من الطيب ، وكره اسمها لما في لفظه من التثريب ، وقد قال بعض أهل العراق : وأمر المدينة في ترابها وهوائها دليل شاهد وبرهان على قوله عليه السلام: ((إنها طيبة ) يبقى حبها وينصع طيبها ؛ لأن من دخلها وأقام بها يجد من تربتها وحيطانها (١) في ((الأصل)): لتسميته. وما أثبتناه يقتضيه السياق. (٢) خصال جمع: خَصْلة، وهو المقصود هنا، وجاء في ((الأصل)): خصائل، وهي جمع : خَصِيلة ، وهي كل قطعة من اللحم عظمت أو صغرت ، أو هي اللفيفة من الشعر وليس ذلك مرادًا هنا. انظر المعجم الوسيط (٢٣٩/١). (٣) هكذا في (( الأصل)) وقد ورد بهذا اللفظ في بعض طرق حديث أبي حميد هذا- كما قال الحافظ في الفتح (١٠٦/٤) وفي متن الصحيح المطبوع ((طابة)) ولم يذكر الحافظ غيره .. - ٥٤٤ - رائحة طيبة ( ... ) (١) اسم في الأرائج وبذلك السبب طاب طينها، والمعجونات من الطيب فيها / أحدٌ رائحة ، وكذلك العود وجميع [١٣٠٥/٢ -ب] البخور يتضاعف طيبه في تلك البلدة على كل بلدة استعمل ذلك الطيب بعينه فيها . باب : لابتي المدينة فيه: أبو هريرة: (( لو رأيت (الظبي ) (٢) ترتع بالمدينة ما ذعرتها، قال- عليه السلام - : ما بين لابتيها حرام)) . قد تقدم أن اللابتين الحرتان . وقوله : (( ما ذعرتها)) فالإذعار والتنفير هو أقل ما ينهى عنه من أمر الصيد وما فوقه من الأذى للصيد وقتله أكثر من الإذعار ، وإنما أخذ أبو هريرة قوله: (( ما ذعرتها )) والله أعلم من قوله عليه السلام في مكة : (( لا ينفر صيدها)) والتنفير والإذعار واحد. باب : من رغب عن المدينة فيه : أبو هريرة : سمعت الرسول يقول: (( تتركون المدينة على خير ما كانت لا يغشاها إلا العواف - يريد عوافي الطير والسباع - وآخر من يُحشر راعيان من مزينة يريدان المدينة ، ينعقان بغنمهما ، فيجدانها وحوشًا ، حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرا على وجوههما)). (١) كلمة لم أستطع قراءتها رسمها : لسمرها أو نحو ذلك . (٢) هكذا في (( الأصل)) بلفظ الإفراد، وفي الصحيح المطبوع : الظباء. - ٥٤٥ - وفيه : سفيان بن أبي زهير سمعت النبي يقول: (( تفتح اليمن فيأتي قوم بيسون ، فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم ، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ، وتفتح الشام كذلك ، وتفتح العراق كذلك )). قال المهلب: قوله: (( تترك المدينة على خير ما كانت )) يريد على أرخى أحوالها ووجود ثمارها وخيراتها فيأكلها الطير والسباع .. قال غيره : وفي هذا برهان من النبي - عليه السلام - لأنه ذكر أهلُ الأخبار أنه قد رحل عن المدينة أكثر الناس في الفتن التي تعاورتها، وخاف أهلها على أنفسهم ، وكانت في عهد الخلفاء أحسن ما كانت من البنيان والعمارة والغرس للنخيل والأشجار ، فتركت للطير والسباع ، وبقيت مدة على ذلك ثم عاد الناس إليها . وروي عن مالك في هذا الحديث (« لتتركن المدينة خير ما كانت حتى يدخل الكلب - أو الذئب - فيعوي على بعض سواري المسجد)) وأكثر المدينة اليوم خراب لا يدخلها أحد منفردًا فيأمن ، وهذا مما يلي القبلة والجوف ، وليس لأبوابها ثقاف ولا غلق ، وكذلك أبواب المسجد أكثرها لا تغلق وهي كبيرة . وقد رأى كثير من الناس الكلب يعوي على بعض سواري المسجد كما قال صلى الله عليه وسلم وأما كونه فيما يستقبل فلا شك فيه بما قد أنذر به أمته من عموم الفتن واشتدادها، وانتقاص الخير ، وغلبة الباطل وأهله ، وأن الإسلام سيعود غريبًا كما بدأ غريبًا ، وظهور الأشراط وتواتر المحن حتى يتمنى الأحياء الموت . : وقال الأخفش : العوافي واحدها عافية ، وهي التي تطلب أقواتها، والمذكر عاف ، والعوافي والمعتفي التي تطلب فضلك . - ٥٤٦ - قال الأعشى : تطوف العفاة بأبوابه كما تطوف النصارى ببيت الوثن يعني بالعفاة : طلاب الحاجات . قال المهلب : وهذا الحديث يدل أن المدينة تُسكن إلى يوم القيامة وإن خلت في بعض الأوقات ، لقصد هذين الراعيين بغنمهما إلى المدينة ، وهذا يكون قرب قيام الساعة ، وأن آية قيام الساعة عند موت هذين الراعيين أحرى أن تصير غنمهما وحوشًا ، فإن قيل : فما معنى قوله: ((آخر من يحشر راعيان من مزينة)) ولم يذكر حشرهما وإنما ذكر أنهما يخران على وجوههما أمواتًا ؟ فالجواب : أنه لا يُحشر أحد إلا بعد الموت ، فهما آخر من يموت بالمدينة وآخر من يحشر بعد ذلك كما قال عليه السلام . وقال صاحب العين : نعق بالغنم ينعق نعاقًا ونعيقًا إذا صاح بها . وأما قوله : (( تفتح اليمن فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم)) / يعني: يحملون من المدينة إلى هذه البلاد المفتتحة لسعة (١٣٨٥/٢-١) العيش فيها ، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون . وفيه برهان جليل بصدق الرسول في إخباره بما يكون قبل وقته ، فأنجز الله لرسوله ما وعد به أمته فَفُتحت اليمن قبل الشام وفُتحت الشام قبل العراق وكمل ذلك كله . وقوله : (( والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون )) يعني : لفضل الصلاة في مسجده ، التي هي خير من ألف صلاة فيما سواه، ولما في سكنى المدينة والصبر على لأوائها وشدتها ، فهو خير لهم مما يصيبون من الدنيا في غيرها ، والمراد بالحديث : الخارجون عن المدينة رغبة - ٥٤٧ - عنها كارهين لها ، فهؤلاء المدينةُ خير لهم ، وهم الذين جاء فيهم الحديث (( أنها تنفي خبئها )) وأما من خرج من المدينة لحاجة أو طلب معيشة أو ضرورة ونيته الرجوع إليها فليس بداخل في معنى الحديث - والله أعلم - . وقوله: (( يبسون )) فقال أبو عبيد: يقال في الزجر إذا سقت حماراً أو غيره : بس بس ، وهو من كلام أهل اليمن ، وفيه لغتان : بَسَسْتُ وأَبْسَسْت ، فيكون على هذا يَبسون ويُبسون بفتح الباء وضمها . وقال الخليل : بس زجر للبغل والحمار - بضم الباء وفتح السين - تقول: بس بس ، يقال منه : يَبُسون ويُبسون . قال أبو عمرو الشيباني: ۔۔۔ يقال: بس فلان كلابه أي : أرسلها . * * باب : الإيمان يأرز إلى المدينة فيه: أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: « إن الإيمان يأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها )) . : قال المهلب : فيه أن المدينة لا يأتيها إلا المؤمن ، وإنما يسوقه إليها إيمانه ومحبته في النبي فكأن الإيمان يرجع إليها كما خرج منها أولا ، ومنها ينتشر كانتشار الجية من جحرها ، ثم إذا راعها شيء رجعت إلى جحرها ، فكذلك الإيمان لما دخلته الدواخل لم يقصد المدينة إلا مؤمن صحيح الإيمان . وقال أبو عبيد: قال الأصمعي: قوله: ((يأرز)) يعني ينضم إليها ، ويجتمع بعضه إلى بعض . قال الأصمعي : وأخبرني عيسى بن عمر ، عن الأسود الديلي أنه قال : إن فلانًا إذا سئل أرز وإذا دُعي اهتز . قال أبو عبيد : يعني : إذا سئل المعروف تضام ، وإذا دعي إلى طعام وغيره مما يناله اهتز لذلك . - ٥٤٨ - باب : إثم من كادَ أهلَ المدينة فيه : سعد قال عليه السلام: (( لا يكيدُ أهلَ المدينة أحد إلا انماع كما ينماع الملح في الماء )) . قال المهلب : وقوله: ((لا يكيدُ أهلَ المدينة أحد )) أي : لا يدخلها بمكيدة ولا يمكن يطلب فيها غرتهم ويفترس عورتهم . وقوله: (( إلا انماع)» أي: إلا ذاب كما يذوب الملح في الماء ، يقال منه : ماع العسل في الماء ، فهو يماع إمياعًا ، وهو عسل مائع ، وقد ماع يميع ميعًا ومويعًا ، وتَمَيع الشراب إذا ذهب وجاء ، فهو يتميع تميعًا . باب : آطام المدينة فيه : أسامة (( أن النبي - عليه السلام - وقف على أُطَم من آطام المدينة فقال : هل ترون ما أرى ، إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر)). قال المهلب : مثِّل للنبي الفتن التي حدثت بعده فرآها عيانًا ، وأنذر بها عليه السلام قبل وقوعها ، وهذه علامة من علامات نبوته ؛ لإخباره عن الغيب في ذلك ، فكانت الفتن بعده كالقطر كما أخبر وخبره الصادق المصدوق . وقال الخطابي : الأطم : الحصن المبني بالحجارة ، والجمع : آطام . * / باب : لا يدخل المدينة الدجال [٢/ق١٣١ -ب] فيه : أبو بكرة قال : قال النبي - عليه السلام -: (( لا يدخل المدينة رُعْبُ المسيح الدجال ، لها يومئذ تسعة أبواب على كل باب ملكان)). - ٥٤٩ - --. وفيه : أبو هريرة قال الرسول: ((على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعونُ ولا الدجالُ)) . وفيه : أبو سعيد: (( حدثنا النبي - عليه السلام - طويلا عن الدجال ، فکان فيما حدثنا به أنه قال : يأتي الدجال وهو محرم علیه أن يدخل نقاب المدينة ، فنزل بعض السباخ التي بالمدينة ، فینزل إليه يومئذ رجل هو خير الناس - أو من خير الناس - فيقول : أشهد أنك الدجال الذي حدثنا عنك رسول الله حديثه ، فيقول الدجال : أرأيت إن قتلت هذا ثم أحييته ، هل تشکون في الأمر ؟ فيقولون : لا . فيقتله ثم يحييه ، فيقول: حين يحييه : والله ما كنت قط أشد مني بصيرة اليوم ( فيقول الرجل : اقتله ، فلا يسلط عليه ) (١) )) . وفيه : أنس قال عليه السلام: ( ما من بلد إلا سیطؤه الدجال إلا مكة والمدينة ، ليس من نقابها إلا عليها الملائكة صافين يحرسونها ، ثم. ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فيخرج [ الله ] (٢) كل كافر ومنافق)). قال الأخفش : أنقاب المدينة : طرقها ، الواحد : نقب ، وهو من قول الله : ﴿فنقبوا في البلاد﴾ (٣) أي: جعلوا فيها طرقًا ومسالك . قال غيره : ونقاب أيضًا جمع نقب ، ككلاب وكلب ، ويجمع فعل أسمًا على غير فعال وفعول قياسًا ومطردًا . وفي هذه الأحاديث برهان ظهر إلينا صحته ، وعلمنا أن ذلك من بركة دعائه صلى الله عليه للمدينة ، وقد أراد عمر والصحابة أن يرجعوا إلى المدينة حين وقع الوباء بالشام ؛ ثقة منهم بقول رسول الله (١) في الصحيح المطبوع : فيقول الدجال : أقتله فلا أسلط عليه . (٢) من الصحيح المطبوع، وفي ((الأصل)): إليه . وهو تحريف فيما يظهر. (٣) ق : ٣٦ . - ٥٥٠ - الذي أمنهم من دخول الطاعون بلدهم ، ولذلك نوقن أن الدجال لا يستطيع دخولها البتة ، وهذا فضل عظيم للمدينة . وقد أخبر الله - تعالى - أنه يوكل الملائكة بحفظ من شاء من عباده من الآفات والعدو والفتن ، فقال تعالى : ﴿وله معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ﴾ (١) يعني : بأمر الله لهم بحفظه ، وما زالت الملائكة تنفع المؤمنين بالنصر لهم والدعاء والاستغفار ويستغفرون لذنوبهم ، وسأذكر معنى حديث الدجال وفتنته للناس في كتاب الفتن - إن شاء الله . وفي حديث أنس أن الدجال لا يدخل مكة أيضًا ، وهذا فضل كبير لمكة والمدينة على سائر الأرض ، فإن قيل : إن قوله عليه السلام : ((لا يدخل المسيح)) يعارضه قوله في حديث أنس: ((ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات )) والرجف رعب ، قال المهلب : ليس يعارض، وإنما الرجفة تكون من أهل المدينة على من بها من المنافقين والكافرين فيخرجونهم من المدينة بإخافتهم إياهم ( تعاطيًا ) (٢) عليهم وعلى الدجال ، فيخرج المنافقون إلى الدجال فرارًا من أهل المدينة ومن قوتهم عليهم ، والله أعلم . * باب : المدينة تنفي الخبث فيه: جابر: (( جاء أعرابي إلى النبي - عليه السلام - فبايعه على الإسلام، فجاء من الغد محمومًا ، فقال : أَقْني بيعتي، فَأَبَى ثلاث مرات ، فقال : المدينة كالكير تنفي خبئها ، وينصع طَيُِّهَا)). (١) الرعد : ١١ . (٢) هكذا في ((الأصل)). - ٥٥١ - وفيه: زيد: (( لما خرج الرسول إلى أُحد رجع ناس من أصحابه ، فقالت فرقة : نقتلهم، وقالت فرقة: لا تقتلهم. فنزلت : ﴿فما لكم في المنافقين فئتين﴾ (١) وقال الرسول: إنها تنفي الرجال كما تنفي النار خبث الحديد» . قال بعض العلماء : كان هذا الأعرابي من المهاجرين ، فأراد أن يستقيل النبي - عليه السلام - في الهجرة فقط ، ولم يُرد أن يستقيله في الإسلام ، فأبى عليه السلام ذلك في الهجرة ؛ لأنها عون على الإثم ، وكان ارتدادهم عن الهجرة من أكبر الكبائر ؛ ولذلك دعا لهم [٢/ ١٣٢٥-] الرسول فقال: ((اللهم أمض لأصحابي / هجرتهم ، ولا تردهم على أعقابهم )) . في هذا من الفقه أن من عقد على نفسه أو على غيره عقد الله ، فلا يجوز له حله ؛ لأن في حله خروج إلى معصية الله ، وقد قال الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ (٢) والدليل على أنه لم يرد الارتداد عن الإسلام أنه لم يرد حل ما عقده إلا بموافقة النبي على ذلك ، ولو كان خروجه عن المدينة خروجًا عن الإسلام لقتله عليه السلام حين خرج ، وإنما خرج عاصيا ، ورأى أنه معذور لِمَا نزل به من الوباء ، ولعله لم يعلم أن الهجرة فرض عليه وكان من الذين قال الله فيهم : ﴿ وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله﴾ (٣) فقال فيه عليه السلام: ((إن المدينة كالكير تنفي خبثها)). فإن قيل : فإن المنافقين قد سكنوا المدينة وماتُوا فيها ولم تنفهم ؟ قيل : إن المنافقين كانت دارهم ولم يسكنوها اغتباطًا بالإسلام ولا حبًا له ، وإنما سكنوها لما فيها من أصل معاشهم ، ولم يُرد عليه (١) النساء : ٨٨. (٢) المائدة : ١ . (٣) التوبة : ٩٧ . - ٥٥٢ - السلام بضرب المثل إلا من عقد الإسلام راغبًا فيه ثم خبث قلبه ، ولم يصح عندك أن أحدًا ممن لم تكن له المدينة دارًا فارتد عن الإسلام ثم اختار السكنى فيها ، بل كلهم فَرَّ إلى الكفر راجعًا ، فبمثل أولئك ضرب رسول الله المثل . وقال المهلب : كان المنافقون الساكنون بالمدينة قد ميزهم الله كأنهم بارزون عنها ؛ لما وسمهم به من قوله تعالى : ﴿ الذين يغمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات ﴾ (١) و﴿ الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن﴾ (٢) وبقوله: ﴿ولتعرفنهم في لحن القول﴾ (٣) فكانوا معروفين معينين ، وأبقاهم صلى الله عليه لئلا يقول الناس : إن محمداً يقتل أصحابه أو ينفيهم ، والنفي كالقتل . ومما يدل على ذلك قوله تعالى : ﴿فما لكم في المنافقين فئتين ﴾(٤) فَبَيَّنَ منكرًا عليهم اختلافَهم في قتلهم ، فعرفهم الله أنه أركسهم بنفاقهم، فلا يكون لهم صنع ولا جمع ، ولا يسمع لهم قول ، مع أنه قد ختم الله أنهم لا يجاورونه فيها إلا قليلا ، فنفتهم المدينة بعده عليه السلام لخوفهم القتل ، قال الله - تعالى - : ﴿ ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا ﴾ (٥) فلم يأمنوا فخرجوا ، فصح إخبار الرسول أنها تنفي خبثها ، لكن ليس ذلك ضربة واحدة ، لكن الشيء بعد الشيء حتى يخلص أهلها الطيبين الناصعين وقت الحاجة إليهم في العلم ؛ لأنهم في حياته عليه السلام مستغنى عنهم ، فلما احتيج إليهم بعده في العلم [ حفظتهم ] (٦) بركة المدينة فنفت خبثها . (١) التوبة : ٧٩ . (٣) محمد : ٣٠. (٢) التوبة : ٦١ . (٤) النساء : ٨٨. (٥) الأحزاب : ٦١. (٦) في (( الأصل)): حفصهم . وما أثبتناه يقتضيه السياق. - ٥٥٣ - قال غيره : وقوله : (( المدينة كالكير )» إنما هو تمثيل منه وتنظير ، ففيه دليل على جواز القياس بين الشيئين إذا اشتبها في المعنى ، فشبه رسول الله المدينة في نفيها مَنْ خبث قلبه بالكير الذي ينفي خبث الحديد حتى يصفو ، وقوله: (( ينصع طَيِّبُهَا )) هو مثل ضربه للمؤمن المخلص الساكن فيها ، الصابر على لأوائها وشدتها مع فراق الأهل والمال والتزام المخافة من العدو ، فلما باع نفسه من الله والتزم هذا بان صدقُه، ونصع إيمانه وقوي؛ لاغتباطه بسكنى المدينة وتقربه من رسول الله كما ينصح ريح الطيب فيها ويزيد عبقًا على سائر البلاد ، خصوصية خص الله بها بلدة رسوله التي اختار تربتها لمباشرة جسده الطيب المطهر صلى الله عليه (٢) وقد جاء في الحديث أن المؤمن يقبر في التربة التي خلق منها ، فكانت بهذا تربة المدينة أفضل الترب كما هو صلى الله عليه أفضل البشر ؛ فلهذا والله أعلم تتضاعف ريح الطيب فيها على سائر البلاد . باب فيه : أنس قال النبي - عليه السلام -: (( اجعل بالمدينة ضعْفَيْ ما جعلت بمكة من البركة ، وكان إذا قدم من سفر فنظر إلى جُدُرات المدينة أَوْضَعَ راحلته، أو كان على دابة حركها من حبِّهَا )) . استدل بعض الناس على أن المدينة أفضل من مكة بدعاء الرسول . (١٣٢٥/٢ -ب] للمدينة بضعف دعائه لمكة / وقال آخرون ممن يرى أن مكة أفضل من المدينة : لو كان تضعيف الدعاء للمدينة دليلا على فضلها على مكة ، لكانت الشام واليمن أفضل من مكة ؛ لأن الرسول قد كرر الدعاء :. الشام واليمن مرات ، وهذا لا يقوله مسلم ، روى ابن عمر أن" - ٥٥٤ - الرسول قال: ((اللهم بارك لنا في شامنا ، اللهم بارك لنا في يمننا - قالها ثلاثًا)) . وهذا اعتراض غير لازم ؛ لأن الأمة مجمعة أن مكة أفضل من الشام واليمن وجميع الأرض غير المدينة . فلما تقرر هذا لم يكن تكرير الدعاء للشام واليمن موجبًا لفضلهما على مكة ؛ لأنه لم يقصد بالدعاء لهما التفضيل على مكة ، وإنما قصد التفضيل لهما على نجد ، وإنما كان يصح هذا الاعتراض لو قرن بالدعاء للشام واليمن ثلاث مرات الدعاء لمكة أقل من ذلك ، وإنما في حديث ابن عمر الشام واليمن أفضل من نجد خاصة ؛ لتكريره الدعاء للشام واليمن دون نجد، فكذلك تكريره الدعاء للمدينة دون مكة ، فوجب فضلها على مكة ، والله أعلم . واحتج من فضل المدينة بقوله : (( حركها من حبها )) يريد من حبه للمدينة ، قال : فقد خصها الله بفضائل كثيرة منها : أن الله اختارها دارًا لنبيه أفضل خلقه ، وجعلها منزل وحيه ، وحباها بقبره ، ومنها نشر الله دينه وَبَلَّغ شريعته ، إلى ما لا يحصى من فضائلها ، وتعجيل سيره صلى الله عليهٍ إذا نظر إليها من أجل أن قرب الدار يجدد الشوق للأحبة والأهل ، ويؤكد الحنين إلى الوطن ، وفي رسول الله الأسوة الحسنة . باب : كراهية الرسول أن تعرى المدينة فيه: أنس: (( أراد بنو سلمة أن يتحولوا إلى قرب المسجد ، فكره الرسول أن تُعرى المدينة وقال: يا بني سلمة ، ألا تحتسبون آثاركم ؟ )). إنما أراد - عليه السلام - ألا تعرى المدينة وأن تعمر ليعظم - ٥٥٥ - المسلمون في أعين المنافقين والمشركين ، إرهابًا وغلظة عليهم . وقوله : ((ألا تحتسبون آثاركم )) يعني : في الخطا إلى المسجد ؛ ولذلك قال أبو هريرة: إن أعظمكم أجرًا أبعدكم دارًا ، قيل : لِمَ يا أبا هريرة ؟ قال: من أجل كثرة الخطا . وهذا لا يكون من رأي أبي هريرة ؛ لأن الفضائل لا تدرك بالقياس ، وقد ترجم لهذا الحديث في كتاب الصلاة باب احتساب الآثار . باب فيه : أبو هريرة قال النبي: (( ما بين ( منبري وقبري ) (١) روضة من رياض الجنة ، ومنبري على حوضي)) . وفيه : عائشة: (( لما قدم النبي المدينة وُعَكَ أبو بكر وبلال ، فكان أبو بکر إذا أخذته الحمی یقوله : كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله و کان بلال إذا أقلع عنه يقول : ! بوادٍ وحَوْلِي إِذْخِر و[جليل] (٢) ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلةً وهل يبدون لي شامة وطفيل وهل أَردَن يومًا مياهَ مَجَنّة (١) هكذا في ((الأصل))، وفي الصحيح المطبوع: بيتي ومنبري. قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٠/٤ ١٢): (( كذا للأكثر . ووقع في رواية ابن عساكر وحده: ((قبري )) بدل ((بيتي) وهو خطأ ، فقد تقدم هذا الحديث في كتاب الصلاة قبيل الجنائز بهذا الإسناد بلفظ ((بيتي)) وكذلك هو في مسند مسدّد شيخ البخاري فيه . .. )) . (٢) في (( الأصل)): خليل وهو تصحيف. وما أثبتناه - بالجيم - هو من الصحيح المطبوع ، وسيأتي هكذا على الصواب في آخر الباب مع شرح معناه . - ٥٥٦ - اللهم العن شيبة وعتبة بن ربيعة وأمية بن خلف ، كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء ، ثم قال النبي - عليه السلام - : اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد ، اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا وصححها لنا ، وانقل حُمّاها إلى الجُحْفة ، قال: وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله. قالت : فكان بطحان يجري نجلا - ماءً آجنًا )). وفيه عمر : اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك . قال المهلب : قوله: ((روضة من رياض الجنة)) يحتمل أن يكون على الحقيقة ، ويحتمل / أن يكون على المجاز ، فوجه الحقيقة أن [١٣٣٥/٢-١) يكون الموضع الذي بين المنبر والقبر يوم القيامة في الجنة روضة ، واحتج قائل هذا بقوله تعالى عن أهل الجنة : ﴿وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء ﴾ (١) قالوا: فدلت هذه الآية أن الجنة تكون في الأرض يوم القيامة . ووجه المجاز أن يكون معناه أن من صلى بين المنبر والقبر فقد استوجب روضة في الجنة ، فيجازى بها يوم القيامة على قصده وصلاته في هذا الموضع، كما قال عليه السلام: (( ارتعوا في رياض الجنة)) يعني : حلق الذكر والعلم لما كانت مؤدية إلى الجنة ، ويكون معناه التحريض على زيارة قبر النبي - عليه السلام - والصلاة في مسجده ، وكذلك يدل قوله: (( صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه)) على الحض والندب على قصده والصلاة فيه والزيارة له ، وقد بسطت الكلام في هذا الحديث في كتاب الصلاة في باب : فضل ما بين القبر والمنبر ، بأسبغ مما ذكرته هاهنا . (١) الزمر : ٧٤. - ٥٥٧ - وقول عمر : اللهم اجعل موتي في بلد رسولك . احتج به من فضل المدينة على مكة ، وقالوا : لو علم عمر بلدة أفضل من المدينة لدعا ربه أن يجعل موته وقبره فيها، وكان مما استدل به على فضلها أن الله لما اختارها لقبر نبيه أفضل البشر عُلم أنه لم يختر له إلا أفضل البقاع ، وقد جاء أن ابن آدم إنما يدفن في التربة التي خلق منها ، وقد . ذكرنا ذلك . وقال بعض العلماء : وأما حديث عائشة حين وُعك أبو بكر وبلال وإنشادهما في ذلك ؛ فإن الله - تعالى - لما ابتلى نبيه بالهجرة وفراق الوطن ابتلى أصحابه بما يكرهون من الأمراض التي تؤلمهم ، فتكلم كل إنسان منهم حسب يقينه وعلمه بعواقب الأمور [ فتعزى ](١) أبو بكر عند أخذ الحمى له بما ينزل به الموت في صباحه ومسائه ، ورأى أن ذلك شامل للخلق ، فلذلك قال : كل امرئ مصبح في أهله . يعني: تصبحه الآفات وتمسيه ، وأما بلال فإنما تمنى الرجوع إلى مكة وطنه الذي اعتاده ودامت فيه صحته ، فبان فضل أبي بكر وعلمه بسرعة فناء الدنيا حتى مثل الموت بشراك نعله . فلما رأى رسول الله ما نزل بأصحابه من الحُمَّى والوباء خشي كراهية البلد ، لما في النفوس من استثقال ما تكرهه ، فدعا الله في رفع الوباء عنهم ، وأن يحبب إليهم المدينة كحبهم مكة وأشد ؛ فدل ذلك أن أسباب التخبيب والتكريه بيد الله ، وهبة منه يهبها لمن شاء ، وفي هذا حجة واضحة على من كذب بالقدر؛ [ إِذ ] (٢) الذي يملك النفوس فيحبب إليها ما أحب ، ويكره إليها ما كره هو الله ، فأجاب دعوة نبيه ، فأحبوها حبا أدامه في نفوسهم حتى ماتوا عليه . (١) بالزاي، والمعنى واضح، وجاء في ((الأصل)) بالذال المعجمة ، وهو تحريف (٢) في ((الأصل)): إذا . وما أثبتناه يقتضيه السياق. - ٥٥٨ - وأما قوله: ((وصححها)) ففيه من الفقه أن الله أباح [ للمؤمن ](١) أن يسأل ربه صحة جسمه وذهاب الآفات عنه إذا نزلت به ، كسؤاله إياه في الرزق والنصر ، وليس في دعاء المؤمن ورغبته في ذلك إلى الله لوم ولا قدح في دينه ، وقد كان من دعاء النبي كثيرًا أن يقول : ((وقوني في سبيلك)) وفي هذا رد على الصوفية في قولهم : إن الولي لا تتم له الولاية إلا إذا تم له الرضا بجميع ما نزل به ولا يدعو الله في كشف ذلك عنه ، فإن دعا فليس من الولاية في حال الكمال ، وقد ( ... ) (٢) في قولهم هذا بمحمد - عليه السلام - وأصحابه ، وقد كان إذا نزل به شيء يكثر عليه الدعاء والرجاء في كشفه . وأما قوله: ((وانقل حُمَّاها إلى الجحفة )» فكانت الجحفة يومئذ دار شرك ، وكان رسول الله كثيرًا ما يدعو على من لم يجب إلى الإسلام إذا خاف منه معونة أهل الكفر ، وسأل الله أن يبتليهم بما يشغلهم عنه، وقد دعا على قومه أهل مكة حين يئس منهم فقال: ((اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف )) ودعا على أهل الجحفة بالحمى ليشغلهم بها ، فلم تزل الجحفة من يومئذ أكثر بلاد الله حمى ، وإنه يتقى شرب الماء من عينها الذي يقال له : عين حم ، وقَلَّ من شرب منه إلا حُمّ، وهو متغير الطعم. وقوله /: (( رفع عقيرته )) يعني: صوته، [٢/ ١٣٣٥ -ب] وأصل ذلك عند العرب أن رجلا قطعت إحدى رجليه فرفعها ووضعها على الأخرى وصرخ بأعلى صوته ، فقيل لكل رافع صوته : قد رفع عقيرته ، ففيه من المعاني جواز هذا النوع من الغناء ، وهو نشيد الأعراب للسفر بصوت رفيع . (١) في ((الأصل)): للمؤمنين . والمثبت يقتضيه السياق. (٢) كلمة لم أستطع قراءتها بسبب الطمس . - ٥٥٩ - قال الطبري : وهذا النوع من الغناء هو المطلق المباح بإجماع الحجة، وهو الذي غني به في بيت رسول الله فلم يَنْهَ عنه ، وهو الذي كان السلف يجيزون ويسمعون ، وروى سفيان بن عيينة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه قال : نعم زاد الراكب الغناء نصبًا . وروى ابن وهب، عن أسامة وعبد الله ابني [ زيد ] (١) بن أسلم، عن أبيهما زيد ، عن أبيه أن عمر بن الخطاب قال : الغناء من زاد الراكب. وروى ابن شهاب ، عن عمر بن عبد العزيز أن محمد بن نوفل أخبره أنه رأى أسامة بن زيد واضعًا إحدى رجليه على الأخرى بمعنى النصب . . قال الطبري : وإنما تسميه العرب النصب لنصب المتغني به صوته وهو الإنشاد له بصوت رفيع . وروى ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن أبيه أنه سمع عبد الله بن الأرقم رافعًا عقيرته يتغنى . قال عبد الله بن عتبة : والله ما رأيت رجلا أخشى لله من عبد الله بن الأرقم : وقد تقدم شيء من هذا المعنى في كتاب الصلاة في باب : سنة العيدين لأهل الإسلام ، عند ذكر الجاريتين اللتين غنتا في بيت عائشة يوم العيد ، وسيأتي ما يحل من الغناء ويحرم في كتاب الاستئذان في باب : كل لهو فباطل إذا شغله عن طاعة الله . وفي حديث عائشة من الفقه تمثل الصالحين والفضلاء بالشعر ، وفيه عيادة الجلّة السادة لعبيدهم ؛ لأن بلالا أعتقه أبو بكر الصديق وكانت عائشة تزوره ، وكان ذلك قبل نزول الحجاب . *** والإذخر والجليل ينبتان بمكة ، وشامة وطفيل جبلان بها ، وقال الفاكهاني : بينهما وبين مكة نحو ثلاثين ميلا . قال الخطابي : وكنت مرة أحسبهما جبلين حتى تبين لي أنهما عينان . .....- (١) في ((الأصل: يزيد . وهو خطأ. - - ٥٦٠ -