النص المفهرس

صفحات 481-500

وقال سعيد بن جبير : إنما الطعام والصيام فيما لا يبلغ ثمن الهدي.
والصواب قول من جعله بالخيار ؛ لقول ابن عباس : كل شيء أراد
فهو مخير ، وما كان فإن لم يجد فهو الأول فالأول .
واختلفوا في الصوم المعدل في القيمة ، فكان بعضهم يقول : يصوم
عن كل مُدَيْن يومًا . هذا قول ابن عباس ، وبه قال الثوري والكوفيون
وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، وقال بعضهم : يصوم عن كل مُدِّ يومًا .
هذا قول عطاء ومالك والشافعي ، قال الطحاوي : فنظرنا في ذلك ،
فوجدنا النبي قد أمر كعب بن عجرة أن يطعم كل مسكين يومًا واحدًا،
كان يصوم اليوم الواحد عن المُدَّين .
واختلفوا في قوله تعالى: ﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾ (١) هذا الوعيد
معه جزاء عائد على مُصيب الصيد، كما كان عليه في إصابته / إياه (٣/ ق١١٧ - ب]
بدءًا . فذهب بعضهم إلى أنه لا جزاء عليه في ذلك إلا أول مرة ، فإن
عاد تُرك والنقمة، روي هذا عن شريح وذكره ابن المنذر عن ابن عباس
وشريح والنخعي والحسن وقتادة ومجاهد .
وذهب الكوفيون ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق إلى أنه يحكم
عليه بالجزاء كل مرة أصابه ، قال الطحاوي : وهذا الصواب ؛ لأنا
روينا عن عُمر وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وابن عباس وابن
عمر وغيرهم ، أنهم حكموا على الُحْرِمين بإصابة الصيد ولم يسأل
أحد منهم المحكوم عليه هل أصاب صيدًا قبل إصابته ذلك الذي
حكموا فيه بالجزاء ، فدل ذلك على أنه لا فرق عندهم بين البدء
والعود ، والنظر يدل على ذلك ؛ لأنا رأينا أشياء منع الله منها
الحرمين، منها الجماع وقتل الصيد وغير ذلك ، وكان من جامع في
إحرامه فوجب عليه الهدي فأهداه ، ثم جامع ثانية في إحرامه فوجب
(١) المائدة : ٩٥ .
- ٤٨١ -

عليه الهدي أيضًا ، كذلك الصيد ، فإن قيل : إنما أثنيت الكفارة على
العائد لوقوع النقمة عليه . قيل: أو ليس إنما كان منتقمًا منه
بمعصية الله ، أفرأيت إن قتل الصيد بدءًا عالمًا منتهكًا للحرمة ، أما كان
يجب عليه في ذلك نقمة وكان عليه الجزاء ، فكذلك إذا عاد ، ويجوز
أن يكون معنى قوله تعالى: ﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾ (١) إن شاء
ذلك؛ لأن أحكام الوعيد في العقوبات كذلك كانت عند العرب ، إن
شاء الله أوعد بها أنجزها ، وإن شاء تركها . :
وقال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أن صيد البحر مباح
للمحرم اصطياده وبيعه وشراؤه واختلفوا في معنى قوله: ﴿وطعامه
متاعًا لكم ﴾ (٢) وسأذكره في كتاب الصيد .
باب : إذا صاد الحلال فأهدى للمحرم الصيد فأكله
ولم ير ابن عباس وأنس بالذبح بأسًا وهو غير الصيد ، نحو الإبل
والبقر والغنم والدجاج والخيل
فيه : أبو قتادة : (( أنه انطلق عام الحديبية فأحرم أصحابه ولم يحرم ،
وحُدِّثَ النبي - عليه السلام - أن عدوًا يغزوه ، فبينما أنا مع أصحابه
بالقاحة ، يضحك بعضهم إلى بعض ، فنظرت فإذا أنا بحمار وحش ،
فحملت عليه فطعنته فأثبته ، واستعنت بهم ، فأبوا أن يعينوني ، فأكلنا
من لحمه ، وخشينا أن نُقتطع ، فطلبت النبي - عليه السلام - أرفع
فرسي شأوا وأسير شأوا ، فلقيت رجلا من بني غفار في جوف الليل
قلت: أين تركت النبي - عليه السلام - ؟ قال : تركته بُتَعْهن ، وهو قائلٌ
السَّقْيَا ، فقلت : يا رسول الله ، إن أهلك يقرءون عليك السلام
.. .
(١) المائدة : ٩٥ .
(٢) المائدة : ٩٦ .
- ٤٨٢ -

ورحمة الله ، إنهم قد خَشُوا أن يُقتطعوا دونك ، فقلت : يا رسول الله ،
أصبتُ حمار وحش وعندي منه فاضلة . فقال للقوم : كلوا - وهم
[محرمون] (١))) .
وفي حديث أبي قتادة من الفقه أن لحم الصيد حلال أكله للمحرم
إذا لم يصده وصاده حلال ، وفي ذلك دليل أن قوله تعالى : ﴿وحرم
عليكم صيد البر مادمتم حرمًا﴾ (٢) معناه : الاصطياد ، وقيل : الصيد
وأكل الصيد لمن صاده ، وإن لم يصده فليس ممن عُني بالآية ، يبين
ذلك قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾(٣)
لأن هذه الآية إنما نُهي فيها عن قتل الصيد واصطياده لا غير .
وهذه مسألة اختلف فيها السلف قديمًا ، فذهبت طائفة إلى أنه يجوز
للمحرم أكل ما صاده الحلال ، روي هذا عن عمر بن الخطاب وعثمان
والزبير وعائشة وأبي هريرة ، وإليه ذهب الكوفيون ، وذهبت طائفة
إلى أن ما صاده الحلال للمحرم أو من أجله فلا يجوز له أكله ، وما
لم يُصد له فلا بأس بأكله ، وهو الصحيح عن عثمان ، وروي عن
عطاء ، وهو قول مالك في العتبية وكتاب ابن المواز ، وبه قال
الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، وذكر ابن القصار أن المحرم إذا
أكل ما صيد من أجله فعليه الجزاء ، استحسان لا قياس .
وعند أبي حنيفة والشافعي : لا جزاء عليه . واحتج الكوفيون بقوله
عليه السلام للمحرمين : ((كلوا)) قالوا : فقد علمنا أن أبا قتادة لم
يصده في وقت ما صاده إرادةً منه أن يكون له خاصّةً ، وإنما أراد أن
يكون له ولأصحابه الذين كانوا / معه ، فقد أباح رسول الله ذلك له [٢/ ١١٨٥- ١)
ولهم ، ولم يحرمه لإرادته أن يكون لهم معه ، قاله الطحاوي .
-
(١) في ((الأصل)): محرمين . وهو خطأ.
(٢) المائدة : ٩٦ .
(٣) المائدة : ٩٥ .
- ٤٨٣ -

قال : والنظر يدل على ذلك ؛ لأنهم أجمعوا أن الصيد يحرمه
الإحرام على المحرم ، ويحرمه [ الحرم ] (١) على الحلال ، وكان من
صاد صيدًا في الحل فذبحه فيه ، ثم أدخله الحرم فلا بأس بأكله فيه ،
ولم يكن إدخاله [ لحم ] (٢) الصيد الحرم كإدخاله الصيد حيا في
الحرم ؛ لأنه لو كان كذلك لنهى عن إدخاله فيه ، ولمنع من أكله كما
يمنع من الصيد، ولكان إذا أكله في الحرم وجب عليه ما يجب في قتله،
فلما كان الحرم لا يمنع من لحم الصيد الذي صيد في الحل كما يمنع من
الصيد الحي؛ كان النظر على ذلك أن يكون الإحرام يحرم على المحرم
الصيد ، ولا يحرم عليه لحمه إذا تولى الحلالُ ذبحه قياسًا ونظرًا .
وحجة الذين أجازوا للمحرم أكل ما لم يصد له ، أن أبا قتادة إنما
صاده لنفسه لا للمحرمين ، وكان وَجَّهَهُ الرسول على طريق البحر
مخافة العدو ، فلم يكن محرمًا حين اجتمع مع أصحابه ؛ لأن
مخرجهم لم يكن واحدًا ، فلم يكن صيده للمحرمين ولا بعونهم ،
ألا ترى قوله : ((فأبوا أن يعينوني )).
قالوا : فلذلك أجاز لهم عليه السلام أكله ، قالوا : وعلى هذا
تتفق الأحاديث المروية عن النبي - عليه السلام - في أكل الصيد
ولا تتضاد :
وقد روي هذا المعنى عن النبي - عليه السلام - روى ابن وهب ،
حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن ، عن عمرو مولى المطلب أخبره عن
المطلب بن عبد الله بن حنطب ، عن جابر أن النبي - عليه السلام -
قال: ((صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يُصَدْ لكم)).
وقالت طائفة : لحم الصيد محرم على المحرمين على كل حال ،
(١) من شرح معاني الآثار (١٧٥/٢) وهو الصواب المناسب للمعنى، وفي
(الأصل)): المحرم، وهو سهو من الناسخ فيما يظهر والله أعلم .
(٢) من شرح المعاني ، ليستقيم الكلام ويتضح ، ولعله سقط من الناسخ .
- ٤٨٤ -

ولا يجوز لمحرم أكله البتة ، على ظاهر قوله تعالى : ﴿وحُرم عليكم
صيد البر ما دمتم حرمًا ﴾ (١) قال ابن عباس : هي مبهمة . وهو
مذهب علي وابن عمر ، وبه قال الثوري ، وهي رواية القاسم عن
مالك في المدونة ، وبه قال إسحاق ، واحتجوا بحديث الصعب بن
جثامة « أنه أهدى لرسول الله حمارَ وحشٍ وهو بالأبواء أو بودان ،
فرده عليه وقال: لم نَرُدَّهُ عليك إلا أنا حرم )) فلم يعتل بغير الإحرام ،
واعتل من أجاز أكله بأنه - عليه السلام - إنما رده لأنه كان حيا ،
ولا يحل للمحرم قتل الصيد ، ولو كان لحمًا لم يرده ؛ لقوله في
حديث أبي قتادة ، وستأتي رواية من روى أن الحمار كان مذبوحًا في
باب: إذا أهدي للمحرم حماراً وحشيا لم [ يقبل ] (٢).
وأما قول البخاري : ولم ير ابن عباس وأنس بالذبح بأسا ، وهو
غير الصيد . فهو قول جماعة العلماء ، لا خلاف بينهم أن الداجن
كله من الإبل والبقر والغنم والدجاج وشبهه يجوز للمحرم ذبحه ؛ لأن
الداجن كله غير داخل في الصيد المحرّم على المحرم ، وأما أكل الخيل
فأجازه أبو يوسف ومحمد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور
وجمهور أهل الحديث ؛ لحديث جابر وأسماء أنهم أكلوه على عهد
النبي ، وكره أكل الخيل مالك وأبو حنيفة ، وستأتي هذه المسألة في
كتاب الذبائح - إن شاء الله - وقال صاحب العين : شأوت القوم
شأوا : سبقتهم ، والشأو : الطلق .
باب : إذا رأى المحرمون صيدًا فضحكوا ففطن الحلال
فيه : أبو قتادة قال: (( انطلقنا مع النبي - عليه السلام - [ عام ] (٣)
الحديبية ، فأحرم أصحابه ولم أحرم ، فأنبئنا بعدو بغَيْقَة ، فتوجهنا
(١ ) المائدة : ٩٥ .
(٢) في ((الأصل)): يقتل . وهو خطأ .
(٣) من الصحيح المطبوع وهو الصواب، وفي (( الأصل)): على .
- ٤٨٥ -

نحوهم ( فنظر ) (١) أصحابي بحمار وحش ، فجعل بعضهم يضحك
إلى بعض ، فنظرت فرأيته ، فحملت عليه الفرس ، فطعنته فأثبته ،
فاستعنتهم فأبوا .... )) الحديث .
وترجم له باب : لا يعين المحرم الحلال في قتل الصيد ، وقال فيه: «کنا
مع النبي - عليه السلام - بالقاحة ومنا غير المحرم ، فرأيت أصحابي
يتراءَون شيئًا ، فنظرت فإذا حمارُ وحش ، فوقع سوطه فقالوا: لا نعينك
عليه ... )) الحديث .
[٢/ق١١٨ -ب] وترجم له باب: لا يشير المحرم إلى الصيد لكي يصطاده الحلال / وقال
فيه: فقال النبي: (( أمنكم أحد أمر أن يحمل عليها أو أشار إليها ؟
قالوا: لا. قال : كلوا ما بقي من لحمها)).
قال المهلب : إنما لم يجعل النبي - عليه السلام - ضحك المحرمين
بعضهم إلى بعض دلالة على الصيد ، وأباح لهم أكله ؛ لأن ضحك
المحرم إلى المحرم مثله - مما لا يحل له الصيد - لا حرج فيه ، وإن
كان قد آل إلى أن تنبه عليه أبو قتادة ، فلم يكن أبو قتادة عندهم ممن
خرج يقتنص صيدًا ، فلذلك لم يجب عليهم جزاء ، ولا حرم عليهم.
أكله، وأما [ إن ] (٢) أشار محرم على قانصٍ أوْ طالبٍ له ، أو أغراه
به، أو أعطاه سلاحًا، أو أَعَانَهُ برأي ، فيكره له أكله ؛ لقول الرسول
في حديث أبي قتادة: (( أمنكم أحد أمر أن يحمل عليها ، أو أشار
إليها ؟ قالوا: لا. قال: كلوا ما بقي من لحمها)). وفي ذلك دليل
أنه لا يحرم عليهم بما سوى ذلك ، ودل ذلك على أن معنى قوله عليه
(١) في أكثر الروايات: فبصر. أما ما هنا فهي رواية ((الكشميهني)) كما قال
الحافظ ابن حجر في الفتح (٣٣/٤) وقال : وعلى هذا فدخول الباء في قوله
((يحمار وحش)) مشكل إلا أن يقال: ضمن نظر معنى بصر، أو ((الباء)» :.
بمعنى (( إلى)) على مذهب من يقول : إنها تتناوب.
(٢) السياق يقتضى نحو هذا ، وكأنه سقط من الناسخ .
- ٤٨٦ -
-

السلام في حديث عَمرو مولى المطلب: ((أو يُصَد لكم)) أنه على ما
صيد لهم بأمرهم .
وقال غيره : وهذا يدل أن المحرم إذا أعان الحلال على الصيد بما قل
أو كثر فقد فعل ما لا يجوز له ، واختلفوا في ذلك ، فقالت طائفة :
إن دل محرم حلالا على صيد ، أو أشار إليه ، أو ناوله سيفًا أو شبهه
حتى قتله ، فعلى المحرم الدال أو المعين له الجزاء ، روي ذلك عن
علي وابن عباس ، وقال به عطاء ، وإليه ذهب الكوفيون وأحمد
وإسحاق ، واحتج بقوله عليه السلام: (( هل أشرتم أو أعنتم ؟ قالوا:
لا )) فدل ذلك أنه إنما يحرم عليهم إذا فعلوا شيئًا من هذا ، ولا يحرم
عليهم بما سوى ذلك ، فجعل المشاورة والمعاونة كالقتل ؛ لأن الدلالة
بسببٍ يُتوصل به إلى إتلاف الصيد ، فوجب الجزاء ، دليله : من
نصب شبكة حتى وقع فيها صيد فمات .
وقال مالك وابن الماجشون والشافعي وأبو ثور : لا جزاء على
الدال . وهو قول أصبغ بن الفرج، واحتج أهل هذه المقالة فقالوا :
الدال ليس بمباشر للقتل ، وقد اتفقنا أنه لو دَلَّ حلال حلالا على قتل
صيد في الحرم لم يكن على الدال جزاء ؛ لأنه لم يحصل منه قتل
الصيد ، فكذلك هاهنا ، وقد تقرر أنه لو دل على رجل مسلم فقتله
المدلول ، لم يجب على الدال ضمان ، وحُرمة المسلم أعظم من
حرمة الصيد ، ولا حجة للكوفيين في حديث أبي قتادة ؛ لأنه إنما
سألهم عن الإشارة والمعاونة ، دل أنه يكره لهم أكله ، أو يحرم
عليهم، ولم يتعرض لذكر الجزاء ، فمن أثبت الجزاء فعليه الدليل .
وأيضًا فإن القاتل انفرد بقتله بعد الدلالة بإرادته واختياره مع كون
الدال منفصلا عنه ، فلا يلزمه ضمان ، وهذا كمن دل محرماً أو
صائمًا على امرأة فوطئها ، ومحظورات الإحرام لا تجب فيها الكفارات
بالدلالة ، کمن دل علی طیب أو لباس.
- ٤٨٧ -

باب: إذا أهدى للمحرم حمارًا وحشيًا (١) لم يقبل
فيه: ابن عباس: (( أن الصعب بن جثامة أهدى لرسول الله حماراً
وحشيًا وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه ، فلما رأى ما في وجهه قال :
إنا لم ( نردُدْه) (٢) عليك إلا أنا حرم)) .
أجمع العلماء أنه لا يجوز للمحرم قبول صيد ، حتى إذا وُهب له.
بعد إحرامه ، ولا يجوز له شراؤه ، ولا إحداث ملكه ؛ لعموم قوله:
﴿وحُرَّم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا﴾ (٣) ولحديث الصعب ، فإنما.
رده عليه السلام ؛ لأنه لا يحل للمحرم تذكية الصيد ولا إهلاله ،
وقال أشهب : سمعت مالكًا يقول : كان الحمار حيا .
قال الطحاوي : وقد روى هذا الحديث عن ابن عباس جماعة من
أصحابه : سعيد بن جبير وعطاء ومقسم وطاوس ، ففي حديث سعيد
ابن جبير « أنه أهدي لرسول الله حماراً وحشيا فرده ، وكان مذبوحًا)».
وقال مرة: (( أهدي إليه عجز حمار فرده يقطر دمًا)). وقال مقسم:
((رِجْل حمار)). وقال عطاء: ((عضد صيد)). وقال طاوس: ((لحم
حمار وحش)) .
قال الطحاوي : قد اتفقت هذه الآثار في حديث الصعب عن ابن
عباس أن الحمار كان غير حي ، فذلك حجة لمن كره للمحرم أكل
[٢/ ١١٩-١] الصيد ، وإن كان الذي تولى صيده وذبحه حلال / وقد خالف ذلك
حديث المطلب عن جابر .
(١) هكذا في ((الأصل))، وفي الفتح (٣٨/٤ - ٣٩): ((حماراً وحشيًا حيّاً)) قال
الحافظ : كذا قيده في الترجمة بكونه حياً ، وفيه إشارة إلى أن الرواية التي تدل
على أنه كان مذبوحاً موهمة . ونقل عن النووي قوله : ترجم البخاري بكون
الحمار حياً، وليس في سياق الحديث تصريح بذلك ....
(٢) هذه رواية الكشميهني كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح، وسائر الروايات:
ترده .
(٣) المائدة : ٩٥ .
- ٤٨٨ -

قال المؤلف : واختلاف هذه الروايات يدل على أنه لم تكن قصة
واحدة ، وأنه كان في أوقات مختلفة ، فمرة أهدي إليه الحمار كله ،
ومرة أهدي إليه عجزه لأن مثل هذا لا يذهب على الرواة ضبطه ،
حتى يقع فيه التضاد في النقل والقصة واحدة ، والله أعلم .
وقال إسماعيل بن إسحاق : سمعت سليمان بن حرب يتأول هذا
الحديث على أنه صيد من أجل النبي - عليه السلام - ولولا ذلك كان
أكله جائزًا ، قال سليمان : ومما يدل على أنه صيد من أجله قوله في
الحديث: ((فرده يقطر دمًا)) كأنه صيد في ذلك الوقت . قال
إسماعيل : وأما رواية مالك أنه أهدي إليه حمار وحش ، فلا تحتاج
إلى تأويل ؛ لأن المحرم لا يجوز له إمساك صيد حي ولا يذكيه ، وإنما
يحتاج إلى التأويل من روى أنه أهدي إليه بعض الحمار .
قال إسماعيل : وعلى تأويل سليمان بن حرب تكون الأحاديث غير
مختلفة، أعني حديث الهدي في الحمار العقير ، وحديث أبي قتادة ،
وحديث الصعب ، ويفسرها كلها حديث المطلب عن جابر أن النبي -
عليه السلام - قال: (( صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يُصد
لكم)) وقد ذكرته في باب : إذا صاد الحلال فأهدى للمحرم . قال
الطبري : معناه : أو يُصد لكم بأمركم . قال غيره : وهذا الحديث
يشهد لمذهب مالك أنه أعدل المذاهب وأولاها بالصواب . قال
المهلب: وفي حديث الصعب من الفقه رد الهدية إذا لم تحل للمهدى
له ، وفيه الاعتذار لرد الهدية .
- ٤٨٩ -

باب : ما يقتل المحرم من الدواب
فيه : ابن عمر أن النبي - عليه السلام - قال : (( خمس من الدواب
ليس على المحرم في قتلهن جناح . وقال ابن عمر : قالت حفصة : قال
عليه السلام : خمس من الدواب لا حرج على من قتلهن : الغراب ،
والجدّا (١)، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور)).
وفيه : عائشة عن النبي - عليه السلام - مثل معناه .
وفيه : عبد الله: (( بينا نحن مع النبي - عليه السلام - في غار بمنى ، إذ
نزلت عليه: ﴿والمرسلات﴾ وإنه ليتلوها، وإني لأتلقاها من فيه، وإن
فاه الرطب بها ، إذ وثبت علينا حية ، قال النبي - عليه [ السلام] (٢) - :.
اقتلوها . فابتدرناها فذهبتْ ، فقال عليه السلام : وقيت شركم كما
وقيتم شرها)). ( قال أبو عبد الله : أردنا بهذا أن منى من الحرم، وأنهم.
لم يروا بقتل الحية بأسًا ) (٣).
وفيه: عائشة: (( أن الرسول قال للوزغ : فويسق . ولم أسمعه أمر.
بقتله».
أجمع العلماء على القول بجملة هذه الأحاديث ، إلا أنهم اختلفوا
في تفصيلها ، فقال بظاهر حديث ابن عمر وحفصة : مالك والثوري
والشافعي وأحمد وإسحاق ، قالوا : ولم يعن بالكلب العقور الكلاب
الإنسية ، وإنما عنى بذلك كل سبع يعقر ، كذلك فسره مالك وابن
عيينة وأهل اللغة .
وقال الخليل : كل سبع عقور كلب . وذكر ابن عيينة أن زيد بن
(١) بكسر أوله وفتح ثانيه بعدها همزة بغير مدّ - بلفظ الجمع - وفي رواية
الكشميهني في حديث عائشة: الحدأة بزيادة هاء بلفظ الواحدة وليست للتأنيث،
بل هي كالهاء في التمرة. انظر الفتح (٤٧/٤) .
(٢) سقطت من (( الأصل)).
(٣) قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٤٩/٤): وقع هذا في رواية أبي الوقت عقب حديث
الباب . ووقع عند أبي ذر في آخر الباب ، ومحله عقب حديث ابن مسعود .
- ٤٩٠ -

أسلم فسره له كذلك ، وكلهم لا يرى ما ليس من السباع في طبعه
العقر والعداء في الأغلب من معنى الكلب العقور في شيء ، ولا يجوز
عندهم للمحرم قتل الهر الوحشي ولا الثعلب ولا الضبع .
وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يقتل المحرم من السباع إلا الخمس
المذكورة في الحديث فقط ، والكلب العقور عنده الكلب المعروف ،
وليس الأسد في شيء منه .
وأجازوا قتل الذئب خاصة من غير الخمس ، وسوى هذه الخمس
والذئب ابتدأته أم لا، ولا شيء عليهم فيها، وأما غيرها من السباع فلا
يقتلها ؛ فإن قتلها فداها إلا أن تبتدئه، فإن بدأته فقتلها فلا شيء عليه.
وقال الشافعي : لا جزاء في قتل جميع ما لا يؤكل ، سواء كان
طبعه الابتداء بالضرر أم لا ، ولا جزاء عنده إلا في قتل صيد حلال
أكله عنده من سباع الوحش أو الطير. قال ابن القصار : والحجة على
أبي حنيفة أن الكلب العقور اسم لكل ما يتكلب من أسد أو نمر أو
فهد، فيجب أن يكون جميع ما يتناوله هذا الاسم داخل تحت ما أبيح
للمحرم قتله .
/ وقد روى زيد ابن أسلم عن عبد ربه ، عن أبي هريرة أنه قال: [١١٩٥/٢ -ب]
الكلب العقور : الأسد . وقال صلى الله عليه في عتبة بن أبي لهب :
(( اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك . فعدا عليه الأسد فقتله)).
فإذا أباح عليه السلام قتل الكلب العقور لخوف عقره وضرره ،
فالسبع الذي يفترس ويقتل أعظم وأولى ؛ لأنه لا يجوز أن يمنع من
قتله مع إباحة قتل ما هو دونه ، ولما قال عليه السلام : (( خمس
فواسق يقتلن)» فسماهن فواسق لفسقهن وخروجهن لما عليه سائر
الحيوان ، لما فيهن من الضرر ، فأباح قتلهن لهذه العلة ، كان الضرر
الذي في الأسد والنمر والفهد أعظم ، فهو بالفسق وإباحة القتل
- ٤٩١ -

أولى؛ لأنه إذا نص على شيء لضرره ، فإنما نبه بذلك على أن الجنس
الذي هو أكثر ضرراً أولى بذلك .
كما ذكر الحية والعقرب ، فنبه بهما على ما هو أعظم ضرراً من
جنسهما ، ونص على الفأرة ، ونبه على ما هو أقوى حيلة من
جنسها، ونص على الغراب والحداً ؛ لأنهما ( .... ) (١) ويأخذان
أزواد الناس ، فكذلك نص على الكلب لينبه به على ما هو أعظم
ضرراً منه، وأجاز مالك قتل الأفعى ، وهي داخلة عنده في معنى
الكلب العقور ، والكلب العقور عنده صفة ، لا عين مسماة .
قال المؤلف : وقد نقض أبو حنيفة أصله في الذئب فألحقه بالخمس-
وليس بمذكور في الحديث - فكذلك يلزمه أن يجعل الفهد والنمر وما
أشبههما في العدي بمنزلة الذئب .
فإن قيل : إن الضبع من السباع ، وهي غير داخلة عندكم فيما أبيح
للمحرم قتله ، قيل : قد قال الأوزاعي : كان العلماء بالشام يعدونها
من السباع ، ويكرهون أكلها . وذكر ابن حبيب عن مالك قال :
لا يقتل الضبع بحال ، وقد جاء أن فيها شاة إلا أن تؤذيه . وكذلك
قال في الغراب والحدأة .
قال أشهب : سألت مالكًا : أيقتلها المحرم من غير أن يضرًّا به ؟
قال : لا ، إنما أذن في قتلهما إذا أضرًا في رأيي ، وإذا لم يضرًا فهما
صيد ، وليس للمحرم أن يصيد ، وليسا مثل العقرب والفأرة ، ولا بأس
بقتلهما وإن لم يضرًّا ، وكذلك الحية .
والحجة على الشافعي في أنه لا يوجب الجزاء فيما خاصه عموم
قوله تعالى : ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا﴾ (٢) والصيد:
عبارة عن الاصطياد ، والاصطياد يقع على ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل،
(١) كلمة صورتها : يكثران ، فالله أعلم .
(٢) المائدة : ٩٥ .
- ٤٩٢ -

وليس المعتبر في وجوب الجزاء كون المقتول مأكولا ؛ لأن الحمار
المتولد عن الوحشي والأهلي لا يؤكل ، وفي قتله الجزاء على المحرم .
قال ابن المنذر : ولا خلاف بين العلماء في جواز قتل المحرم
للفأرة، إلا النخعي فإنه منع المحرم من قتلها ، وهذا خلاف السنة
وخلاف قول أهل العلم ، وروي عن عطاء ومجاهد قالا : لا يقتل
الغراب ، ولكن يرمى . وهذا خلاف السنة ، وشذت فرقة من أهل
الحديث فقالوا : لا يقتل المحرم إلا الغراب الأبقع خاصة . ورووا في
ذلك حديثًا عن قتادة ، عن ابن المسيب ، عن عائشة ، عن النبي -
عليه السلام - وهذا الحديث لا يعرف من حديث ابن المسيب ، ولم
يروه عنه غير قتادة - وهو مدلس - وثقات أصحاب سعيد من أهل
المدينة لا يوجد عندهم ، مع معارضته حديث ابن عمر وحفصة ،
فلا حجة فيه ، وأجمع العلماء على جواز قتل الحية في الحل والحرم ،
وقال سفيان : قال لنا زيد بن أسلم : وأي كلب أعقر من الحية .
قال الطبري : فإن قيل : قد صح أمر النبي - عليه السلام - بقتل
الحيات ، فما أنت قائل فيما روى مالك عن نافع ، عن أبي لبابة بن
عبد المنذر أخبره (( أن رسول الله نهى عن قتل حيات البيوت )) . قيل:
قد اختلف السلف قبلنا في ذلك ، فقال بعضهم بظاهر أمر النبي -
عليه السلام - بقتل الحيات كلها من غير استثناء شيء منها ، كما روى
أبو إسحاق ، عن القاسم بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن عبد الله
قال: قال رسول الله: (( اقتلوا الحيات كلهن، فمن خاف ثأرهن
فليس مني)) روي هذا القول عن عمر وابن مسعود .
وقال آخرون : لا ينبغي أن يقتل عوامر البيوت وسكانها إلا بعد
مناشدة العهد الذي أخذ عليهن، فإن ثبت / بعد إنشاده قُتل، [٢/ ق١٢٠ -١)
واعتلوا بحديث أبي سعيد الخدري أن النبي - عليه السلام - قال :
((إن بالمدينة جنا قد أسلموا ، فإن رأيتم منها شيئًا فآذنوه ثلاثة أيام ،
فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنه شيطان )).
- ٤٩٣ -

قال الطبري : وجميع هذه الأخبار عن النبي - عليه السلام - حق
وصدق ، وليس في شيء منها خلاف لصاحبه ، والرواية عن النبي -
عليه السلام - أنه أمر بقتل الحيات من غير استثناء شيء منها خبر
مجمل ، بيَّن معناه الخبرُ الآخر أن النبي - عليه السلام - نهى عن قتل
جنان البُيوت وعوامرها إلا بعد النشدة بالعهود والمواثيق التي أخذ عليها
حذار الإصابة ، فأقل ذلك شيئًا من التمثل بالحيات ، فيلحقه من
مكروه ذلك ما لحق الفتى المعرس بأهله ، إذ قتل الحية التي وجدها
على فراشه قبل مناشدته إياها ، وذلك أنه ربما تمثل بعض الجن ببعض
صور الحيات ، فيظهر لأعين بني آدم ، كما روى ابن أبي مليكة عن
عائشة بنت طلحة ، أن عائشة أم المؤمنين رأت يومًا في مغتسلها حية
فقتلتها ، فأتيت في منامها فقيل لها : إنك قتلت مسلمًا . فقالت : لو
كان مسلمًا ما دخل على أمهات المؤمنين . فقيل : ما دخل عليك إلا
وعليك ثيابك . فأصبحت فزعة ، ففرقت في المساكين اثنا عشر ألفا .
وقال ابن نافع : لا ينذر عوامر البيوت إلا بالمدينة خاصة على ظاهر
الحديث . وقال مالك : أحب إلي أن تنذر عوامر البيوت بالمدينة
وغيرها ، وذلك بالمدينة أوجب ، ولا ينذر في الصحاري . وقال
غيره: المدينة وغيرها سواء في الإنذار ؛ لأن العلة إسلام الجن ، ولا
يحل قتل مسلم جني ولا إِنسي .
:
قال المهلب : في تسمية النبي الوزغ : فواسقًا ما يدل على عقرها،
كما سمى العقورات كلها : فواسق، وقد روى [ الدراوردي ] (١)
عن مالك، عن ابنُّ شهاب ، عن سعد بن أبي وقاص (( أن النبي -
عليه السلام - أمر بقتل الوزغ)) ولكن الحديث مرسل ؛ لأن ابن
(١) هو عبد العزيز بن محمد، وجاء في ((الأصل)): الداودي. وهو خطأ.
- ٤٩٤ -

شهاب بينه وبين سعد رجل ، وذكر ابن المواز عن مالك قال : سمعت
أن رسول الله أمر بقتل الوزغ ، فأما المحرم فلا يقتلها ؛ فإن قتلها
رأيت أن يتصدق مثل شحمة الأرض . قيل له : وقد أذن الرسول في
قتلها ؟ قال : وكثير مما أذن الرسول في قتله لا يقتله المحرم .
وروى ابن القاسم وابن وهب ، عن مالك قال : لا أرى أن يقتل
المحرم الوزغ ؛ لأنه ليس من الجنس الذي أمر الرسول بقتلهن ؛ فإن
قتلها تصدق . قال : ولا يقتل المحرم قردًا ولا خنزيرًا ولا الحية
الصغيرة ولا صغار السباع .
وقال الشافعي : ما يجوز للمحرم قتله فصغاره وكباره سواء لا شيء
عليه في قتلها . وقال مالك في الموطأ : ولا يقتل المحرمُ ما ضَرَّ من
الطير إلا ما سَمَّى الرسولُ : الغراب والحدأة ، فإن قتل غيرهما من
الطير فَدَاهُ .
قال إسماعيل : واختلف المدنيون في الزنبور، فشبهه بعضهم بالحية
والعقرب ، فإن عرض لإنسان فدفعه عن نفسه لم يكن عليه فيه شيء.
وذكر ابن المنذر أن عمر بن الخطاب كان يأمر بقتله ، وقال عطاء
وأحمد : لا جزاء فيه . وقال بعضهم : يُطعم شيئًا .
قال إسماعيل : وإنما لم يدخل أولاد الكلب العقور في حكمه ؛
لأنهن لا يعقرن في صغرهن ، وقد سمى رسول الله الخمس فواسق ،
والفواسق : فواعل ، والصغار لا فعل لهن . وقال الخطابي : أصل
الفسق الخروج عن الشيء ، ومنه قوله : ﴿ففسق عن أمر ربه﴾ (١)
أي: خرج ، وسمي الرجل فاسقًا لانسلاخه من الخير .
وقال ابن قتيبة: لا أرى الغراب سماه فاسقًا إلا لتخلفه عن أمر نوح
(١) الكهف : ٥٠ .
- ٤٩٥ -

حين أرسله ، ووقوعه على الجيفة وعصيانه إياه . وحكي عن الفراء أنه
قال : ما أحسب الفأرة سميت فويسقة إلا لخروجها من جحرها على
الناس .
قال أبو سليمان : ولا يعجبني واحد من القولين ، وقد بقي عليهما
أن يقولا مثل ذلك في الحدأة والكلب ، إذ كان هذا النعت يجمعهما ،
وهذا اللقب يلزمهما لزومه الغراب والفأرة ، وإنما أراد - والله أعلم -
بالفسق الخروج من الحرمة ، يقول : خمس لا حرمة لهن ، ولا بغيًا
[٢/ ١٢٠٥ -ب] عليهن، ولا / فديةٍ على المحرم فيهن إذا أصابهن، وإنما أباح قتلهن
لعاديتهن .
٠٠٠
وفيه وجه آخر ، وهو أن يكون أراد بتفسيقها تحريم أكلها ، كقوله
تعالى وقد ذكر المحرمات ؛ ﴿ذلكم فسق﴾ (١) يدل على صحة هذا ما
رواه المسعودي ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن
عائشة، عن النبي - عليه السلام - قال: ((الغراب فاسق . فقال
رجل من القوم : أيؤكل لحم الغراب ؟ قالت : لا ، ومن يأكله بعد
قوله : فاسق)) . وروت عمرة مثله عن عائشة وقالت : والله ما هو
من الطيبات ، تريد قوله تعالى : ﴿ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم
الخبائث﴾ (٢) ومما يدل على أن الغراب يقذر لحمه قول الشاعر:
فما لحم الغراب لنا بزاد
ولا سرطان أنهار البريص
باب : لا يعضد شجر الحرم
وقال ابن عباس عن الرسول : (( لا يعضد شوكه )) .
فيه: أبو شريح : (( أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى
(١) المائدة : ٣ .
(٢) الأعراف : ١٥٧ .
- ٤٩٦ -

مكة: ائذن لي أيها الأمير أحدثك حديثا قام به رسول الله الغد من يوم
الفتح، فسمعته أذناي ، ووعاه قلبي ، وبصرته عيناي حين تكلم به ، إنه
حمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس ،
فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا ، ولا يعضد بها
شجرة ... )) الحديث إلى قوله: ((أنا أعلم منك يا أبا شريح، إن الحرم
لا يعيذ عاصيًا، ولا فارا بدم، ولا فارا بخُرْبة)).
قال الطبري: معنى قوله - عليه السلام -: (( لا يعضد بها
شجرة)) يعني: لا يفسد ولا يقطع ، وأصله من عضد الرجلُ الرجلَ،
إذا أصاب عضده ذلك ، عضد فلان فلانًا يعضد عضدًا ، وفي كتاب
العين : العضد من السيوف : الممتهن في قطع الشجر .
قال الطبري : لا يجوز قطع أغصان شجر مكة التي أنشأها الله فيها
مما لا صنع فيه لبني آدم ، إذا لم يجز قطع أغصانها فقطع شجرها
بالنهي عن ذلك أولى .
وقال ابن المنذر : أجمع العلماء على تحريم قطع شجر الحرم ،
واختلفوا فيما يجب على من قطعها ، فذهب مالك إلى أنه لا يجب
عليه إلا الاستغفار ، وهو مذهب عطاء ، وبه قال أبو ثور ، وذكر
الطبري عن عمر بن الخطاب مثل معناه ، وقال أبو حنيفة وأصحابه :
إن قطع ما أنبته آدمي فلا شيء عليه ، وإن قطع ما أنبته الله كان عليه
الجزاء حلالا كان أو حرامًا ، فإن بلغ هديًا كان هديًا، وإن قُوم طعامًا
فأطعم كل مسكين نصف صاع .
وقال الشافعي : عليه الجزاء في الجميع ، المحرم والحلال في ذلك
سواء ، في الشجرة الكبيرة بقرة ، وفي الخشب قيمته ما بلغت دمًا كان
أو طعامًا . وحكى بعض أصحاب الشافعي أن مذهبه كمذهب أبي
حنيفة فيما أنبته الآدمي ، ذكره ابن القصار ، واحتجوا بقوله عليه
- ٤٩٧ -

السلام: ((لا يقطع شجرها)» قالوا : وهذا نهي يقتضي التحريم،
وإذا ثبت تحريمه وجب فيه الجزاء كالصيد .
قال ابن القصار : فيقال لهم : النهي عن قطعه لا يدل على وجوب
الجزاء ، كالنهي عن تنفير الصيد والإشارة والمعاونة عليه ، وقد روي
أن عمر بن الخطاب رأى رجلا يقطع من شجر الحرم ، فسأله : لِمَ
تقطعه ؟ فقال : لا نفقة معي ، فأعطاه نفقةً ولم يوجب عليه شيئًا .
ولو كان قطع الشجر كالصيد لوجب على المحرم إذا قطعها في حل أو
حرم الجزاء كما يجب في الصيد .
قال ابن المنذر : ولا أجد دلالة أوجب بها في شجر الحرم شيئًا من
كتاب ولا سنة ولا إجماع ، وبقول مالك أقول ، وأجمع العلماء على
إباحة أخذ كل ما ينبته الناس في الحرم من البقول والزرع والرياحين
وغيرها ، فوجب أن يكون ما يغرسه الناس من النخيل والشجر مباح
قطعه ؛ لأن ذلك بمنزلة الزرع الذي يزرعونه ، فقطعه جائز ، وما.
يجوز قطعه فمحال أن يكون فيه جزاء ، هذا يقال للشافعي ، فإن
قال: فأوجب الجزاء فيما أنبته الله . قيل : لا أجد دلالة أُوجب بها
[٢/ ٥ ١٢١-١] ذلك من كتاب ولا / سنة ولا إجماع، فوجب رَدَّ ما أنبته الله إلى ما
أنبته الآدمي في سقوط الجزاء .
وقوله : (( فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها:
دمًا )» اختلف العلماء فيمن أصاب حدا في غير الحرم من قتل أو زنا
أو سرقة ، ثم لجأ إلى الحرم ، هل تنفعه استعاذته ؟ فقالت طائفة :
لا يجالس ولا يبايع ولا يكلم ولا ( ) (١) حتى يخرج منه ،
فيؤخذ بالواجب لله عليه ، وإن أتى حدا في الحرم أقيم عليه فيه .
(١) صورتها في ((الأصل)) ((يوي)) ويظهر لي أن الصواب: يؤذى، والله تعالى
أعلم .
- ٤٩٨ -

روي ذلك عن ابن عباس ، وهو قول عطاء والشعبي والحكم ، وعلة
هذه المقالة ظاهر قوله تعالى : ﴿ومن دخله كان آمنا﴾ (١) قالوا :
فجعل الله حرمه آمنا لمن دخله ، فداخله آمن من كل شيء وجب عليه
قبل دخوله حتى يخرج منه ، وأما من كان فيه فأتى فيه حدا فالواجب
على السلطان أخذه به ؛ لأنه ليس ممن دخله من غيره . قاله الطحاوي
والطبري .
قال الطبري : وعلتهم في أنه لا يكلم ولا يبايع حتى يخرج من
الحرم أنه لما كان غير محظور عليهم ، كان لهم فعله ؛ ليكون سببًا إلى
خروجه وأخذ الحدِّ منه .
وقال آخرون : لا يُخرج من لجأ إلى الحرم حتى يخرج منه فيقام
عليه الحد ، ولم يحظروا مبايعته ولا مجالسته . روي ذلك عن ابن
عمر ، وقال : لو وجدت قاتل عمر في الحرم ما هجته . وعلة هذه
المقالة أن الله جعل الحرم أَمنا لمن دخله ، ومن كان خائفًا وقوع
الاحتيال عليه ، فإنه غير آمن ، فغير جائز إخافته بالمعاني التي تضطره
إلى الخروج منه لأخذه بالعقوبة التي هرب من أجلها .
وقال آخرون : من أتى في الحرم ما يجب به عليه الحد ؛ فإنه يقام
عليه ذلك فيه ، ومن أتاه في غيره فدخله مستجيراً به ، فإنه يُخرج منه
ويُقام عليه الحد . روي ذلك عن ابن الزبير والحسن ومجاهد وعطاء
وحماد ، وعلة هذه المقالة أن الله إنما جعل الحرم لمن دخله أمنةً من أن
يعاقب فيه ، ولم يجعله أمنةً من الجزاء الذي أوجبه عن من فعله .
وذكر الطحاوي عن أبي يوسف قال : الحرم لا يجير ظالمًا ، وإن
من لجأ إليه أقيم عليه الحد الذي وجب عليه قبل أن يلجأ إليه . ويشبه
هذا أن يكون مذهب عمرو بن سعيد لقوله: (( إن الحرم لا يعيذ
(٢) آل عمران : ٩٧.
- ٤٩٩ -

عاصيًا ولا فارا بخُرْبةٍ )) فلم ينكر ذلك عليه أبو شريح ، وقال قتادة في
قوله تعالى : ﴿ومن دخله كان آمنا ﴾ (١) كان ذلك في الجاهلية ، فأما
اليوم فلو سرق في الجرم قُطع ، ولو قَتَل فيه قُتل ، ولو قُدر فيه على
المشركين قُتلوا ، ولا يمنع الحرم من إقامة الحدود عند مالك ، واحتج
بعض أصحابه بأن الرسول قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة من
القتل، وهذا القول أولى بالصواب ؛ لأن الله - تعالى - أمر بقطع
السارق ، وجلد الزاني ، وأوجب القصاص أمرًا مطلقا ولم يخص به.
مكانا دون مكان ، فإقامة الحدود تجب في كل مكان على ظاهر الكتاب ..
ومما يشهد لذلك أمر الرسول بقتل الفواسق المؤذية في الحرم ، فقام
الدليل من هذا أن كل فاسق استعاذ بالحرم أنه يقتل بجريرته ، ويؤخذ
بقصاص جرمه .
وقال إسماعيل بن إسحاق : وقد أنزل الله الحدود والأحكام على
العموم بين الناس ، فلا يجوز أن يترك حكم الله في حرم ولا غيره ؛
لأن الذي حرم الحرم هو الذي حرم معاصيه أن ترتكب ، وأوجب
فيها من الأحكام ما أوجب . وسيأتي طرف من هذه المسألة في باب :.
من قتل له قتيل فهو بخير النظرين ، في كتاب الديات - إن شاء الله -
وذكر الطحاوي عن أبي حنيفة وزفر وأبي يوسف ومحمد كقول ابن
عباس ، إلا أنهم يجعلون ذلك أمانا في كل حد يأتي على النفس من
حدود الله وحدود عباده ، مثل أن يزني وهو محصن ، أو يرتد عن
الإسلام ، أو يقتل رجلا عمداً ، أو يقطع طريق المسلمين ، فيجب
عليه القتل فيلجأ إلى الحرم فيدخله ، ولا يجعلون ذلك على الحدود
التي لا تأتي على النفس ، كقطع السارق والقود في قطع الأيدي
وشبهها ، والتعزير الواجب بالأقوال الموجبة للعقوبات .
(١) آل عمران : ٩٧ .
- ٥٠٠ -