النص المفهرس

صفحات 461-480

الوصول إلى البيت ، والمريض آمن يمكنه ذلك ، وقول الكوفيين
ضعيف وفيه تناقض ؛ لأنهم لا يجيزون لمحصرٍ بعدوٍ ولا بمرضٍ أن
يحل حتى ينحر في الحرم ، وإذا أجازوا للمحصر بمرض أن يبعث
هديه، ويواعد حامله يومًا ينحره فيه فيحلق ويحل ، أجازوا له
الإحلال على غير يقين من نحر الهدي وبلوغه ، وحملوه على
الإحلال بالظنون ، فالعلماء متفقون أنه لا يجوز لمن لزمه فرض أن
يخرج منه بالظن ، والدليل على أن ذلك ظن قولهم أنه لو عطب
الهدي أو ضل أو سرق فحل مرسله ، وأصاب النساء وصَادَ ، أنه
يعود حرامًا ، وعليه جزاء ما صاد ، وأباحوا له فساد الحج بالجماع ،
وألزموه / ما يلزم من لم يحل من إحرامه، وهذا تناقض لا شك فيه. [٢/ ١١٣٥-ب]
واحتج الكوفيون بحديث ابن عباس وقوله : (( حتى اعتمر عامًا
قابلا )) في وجوب قضاء الحج والعمرة على من أحصر في أحدهما
بعدو .
وقال أهل الحجاز : معنى قوله : (( حتى اعتمر عامًا قابلا)) هو ما
عقده معهم في صلح الحديبية ألا يمنعوه البيت عامًا قابلا ، ولا يحال
بينهم وبينه ، فإما أن يكون ما فعلوه من العُمَر قضاء عن عمرة
الحديبية، ففيه التنازع فيحتاج إلى دليل ، وسيأتي ما للعلماء في ذلك
في باب : من قال ليس على المحصر بدل - إن شاء الله - وقول
ابن عباس : (( قد أحصر رسول الله )) حجة على من قال : لا يقال :
أحصره العدو ، وإنما يقال : حصره العدو ، وأحصره المرض، واحتج
بقول ابن عباس : لا حصر إلا حصر العدو . واحتج به ابن القصار ،
فيقال له : هذا ابن عباس قد قال: ((أحصر رسول اللّه ◌َّرُ)) وأجمع
المسلمون أن النبي - عليه السلام - لم يُحصر بمرض ، وإنما أحصر
- ٤٦١ -

بعدو عام الحديبية ، فثبت أنه قال : حصره العدو ، وأحصره القتال ،
وقوله: (( أشهدكم أني قد أوجبت حجة مع عمرتي )) فهو حجة لمن
قال : إن الحج يرتدف على العمرة .
روى معمر عن منصور، عن مالك بن الحارث قال: ((لقيت علیا
وقد أهللت بالحج ، فقلت له : هل أستطيع أن أضيف مع حجتي
عمرة ؟ قال : لا ، ذلك لو كنت بدأت بالعمرة ضممت إليها حجا)).
وهذا قول مالك وأبي حنيفة ، قالا : ويصير قارنًا .
قال مالك : ولا تدخل العمرة على الحج ، وهو قول أبي ثور
وإسحاق ، وقال الكوفيون : يجوز ذلك ويصير قارنًا . وقال الشافعي
بالعراق كقول الكوفي ، وقال بمصر : أكثر من لقيت يقول لي : ليس
له ذلك .
قال ابن المنذر : والحجة لقول مالك أن أصل الأعمال ألا يدخل
عمل على عمل ، ولا صلاة على صلاة ، ولا صوم على صوم ،
ولا حج على حج، ولا عمرة على عمرة ، إلا ما خصت السنة من
إدخال الحج على العمرة ، وعلى أن الذي يحرم بعمرة إذا ضم إليها
حجا ، فقد ضم إلى العمل الذي كان دخل فيه وألزمه نفسه أعمالا لم
تكن لزمته حين أحرم بالعمرة ، مثل : الخروج إلى منى ، والوقوف
بالموقفين ، ورمي الجمار ، والمقام بمنى ، وغير ذلك من أعمال الحج.
والذي يضم إلى الحج عمرة لم يضم إليها عملا ؛ لأن عمل المنفرد
والقارن واحد ، والذي يعتمد عليه في هذا الباب السنة وإجماع الأمة.
- ٤٦٢ -

باب : الإحصار في الحج
فيه : [ ابن عمر ] (١) (( أليس حسبكم سنة رسول الله ، إن حبس
أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حل من كل شيء
حتی یحج عامًا قابلا ، فيهدي أو يصوم إن لم يجد هديًا )) .
واحتج ابن عمر فيمن أحصر في الحج أنه يلزمه ما يلزم من أحصر
في العمرة ، وحكم الحج والعمرة في الإحصار سواء ، وقاس الحج
على العمرة ، والنبي - عليه السلام - لم يحصر في حج ، إنما حصر
في عمرة ، هذا أصل في إثبات القياس لاستعمال الصحابة له وقوله:
(( طاف بالبيت )) يعني : فيطوف بالبيت وبين الصفا والمروة ، ثم يحل
ويكون محصراً بمكة .
واختلف العلماء فيمن أحصر بمكة ، فقال الشافعي وأبو ثور :
حكم الغريب والمكي سواء ، يطوف ويسعى ويحل ، ولا عمرة عليه
على ظاهر حديث ابن عمر . وأوجبها مالك على المحصر المكي ،
وعلى من أنشأ الحج من مكة ، وقال : لا بد لهم من الخروج إلى
الحل لاستئناف عمرة التحلل ؛ لأن الطواف الأول لم يكن نواهُ
للعمرة، فلذلك يعمل بهذا .
وفرق بين هؤلاء وبين الغريب يدخل من الحل محرمًا فيطوف
ويسعى ، ثم يحصره العدو عن الوقوف بعرفة ، أنه لا يحتاج إلى
الخروج / إلى حل ؛ لأنه منه دخل ، ولم يحل من إحرامه فيتحلل [١٢ ق١١٤-١]
بعمرة يُنْشُها من مكة ، قال أبو حنيفة : لا يكون مُحْصَرًا من بلغ
مكة؛ لأن الإحصار عنده من مُنع من الوصول إلى مكة ، وحيل بينه
وبين الطواف والسعي ، فيفعل ما فعل النبي من الإحلال بموضعه .
(١) في ((الأصل)): ابن عباس. وهو خطأ، وسيأتي في الشرح على الصواب.
-
- ٤٦٣ -

وأما من بلغ مكة فحكمه عنده حكم من فاته الحج ، يحل بعمرة
وعليه الحج من قابل ، ولا هدي عليه ؛ لأن الهدي لجبر ما أدخله على
نفسه ، ومن حبس عن الحج فلم يدخل على نفسه نقصًا .
وقال الزهري : إذا أحصر المكي فلابد له من الوقوف بعرفة وإن
تَعَسَّ بعساء ، وفي حديث ابن عمر رد على ابن شهاب ؛ لأن المحصر
لو وقف بعرفة لم يكن محصراً ؛ ألا ترى قول ابن عمر : فطاف
بالبيت وبين الصفا والمروة ، ولم يذكر الوقوف بعرفة ، وفيه أيضًا رَدُّ
قول أبي حنيفة أن من كان بمكة لا يكون محصراً ، وقد استدل ابن
عمر على أنه يكون محصراً بقوله: ((أليس حسبكم سنة رسول الله إن
حبس أحدكم عن الحج )) والحبس عن الحج هو الإحصار عند أهل
اللغة ، وقول ابن عمر: (( ثم حل من كل شيء حتى يحج عامًا قابلا
ويهدي هديًا)) معناه عند الحجازيين: إن كان صُدَّ و( ... ) (١)
ومعنى الهدي المصدودة إذا قضى الحج ، إنما هو من أجل وقوع الحج
الذي كان يقع له في سفر واحد في سفرين ، وكذلك معنى هدي
الإحصار بمرض .
باب : النحر قبل الحلق في المحصر
فيه : المسور: (( أن النبي - عليه السلام - نحر قبل أن يحلق ، وأمر
أصحابه بذلك )» .
وقال ابن عمر : (( خرجنا مع النبي - عليه السلام - معتمرین ، فحال
كفار قريش دون البيت، فنحر النبي - عليه السلام - بدنه وحلق رأسه».
و
قال ابن المنذر: النحر قبل الحلق للمحصر وغيره من ظاهر كتاب الله
(١) كلمة لم أستطع قراءتها، صورتها في ((الأصل)): بره .
- ٤٦٤ -

قال الله -تعالى -: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾(١)
إلا أن سنة المحصر أن ينحر هديه حيث أحصر ، وإن كان في الحل ؛
اقتداءً بما فعل النبي - عليه السلام - في الحديث ، قال الله - تعالى -:
﴿ والهدي معكوفًا أن يبلغ محله﴾ (٢) أي : محبوسًا ، ولما سقط عنه
عليه السلام أن يبلغ محله سقط من هديه ، وأما قوله : ﴿هديًا بالغ
الكعبة﴾ (٣) وقوله : ﴿ ثم محلها إلى البيت العتيق ﴾ (٤) فقد ذكرنا
قبل هذا أن المخاطب به الآمن الذي يجد السبيل إلى الوصول إلى
البيت - والله أعلم - وليس للمحصَر بعدوِّ أن يفعل شيئًا مما يحرم
على الحرمين حتى ينحر هديه ، كما فعل النبي - عليه السلام - فإن
فعل شيئًا من ذلك فعليه الفدية ، استدلالا بأن النبي - عليه السلام -
أمر كعب بن عجرة بالفدية لمَّا حلق ، وهذا قول مالك والشافعي .
قال الطحاوي : واختلفوا في المحصَر إذا نحر هديه ، هل يحلق
رأسه أم لا ؟ فقال قوم : ليس عليه أن يحلق ؛ لأنه قد ذهب عنه
النسك كله . هذا قول أبي حنيفة ومحمد ، وقال آخرون : بل يحلق؛
فإن لم يحلق فلا شيء عليه . هذا قول أبي يوسف .
وقال آخرون : يحلق ويجب عليه ما يجب على الحاج والمعتمر ،
وهو قول مالك ، فكان من حجة أبي حنيفة في ذلك أنه قد سقط عنه
بالإحصار جميع مناسك الحج من الطواف والسعي بين الصفا والمروة ،
وذلك مما يحل به المحرم من إحرامه ، ألا ترى أنه إذا طاف بالبيت يوم
النحر حل له أن يحلق ، فيحل له بذلك الطيب واللباس ، فلما كان
ذلك مما يفعله حين يحل فسقط ذلك عنه بالإحصار ، سقط عنه سائر
ما يحل به المحرم بسبب الإحصار .
(١) البقرة : ١٩٦ .
(٣) المائدة : ٩٥ .
(٢) الفتح : ٢٥ .
(٤) الحج : ٣٣ .
- ٤٦٥ -

وكان من حجة الآخرين عليهم في ذلك أن تلك الأشياء من الطواف
بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار قد صُدَّ عنه المحرم ،
وحيل بينه وبينه ، فسقط عنه أن يفعله ، والحلق لم يحل بينه وبينه ،
وهو قادر على فعله ، فما كان يصل إلى فعله فحکمه فيه في حال
الإحصار كحكمه فيه في غير حال الإحصار ، وما لا يستطيع أن يفعله
في حال الإحصار فهو الذي يسقط عنه ، وقد ثبت عنه عليه السلام أنه
حلق حين صُدّ - في حديث ابن عمر والمسور - وليس لأحد قياس
[٢/ ١١٤٥ -ب] / مع وجود السنة الثابتة .
وقد دعا رسول الله للمحلقين يوم الحديبية ثلاث مرات ، ودعا.
المقصرين مرة واحدة، فقيل له: (( يا رسول الله، لم ظاهرت
الترحم على المحلقين ؟! قال: لأنهم لم يَشُكُّوا )) فثبت بتفضيل
رسول الله من حلق على من قصر أنه قد كان عليهم الحلق والتقصير ،
كما يكون عليهم لو وصلوا إلى البيت، ولولا ذلك لما كانوا فيه إلا
سواء ، ولا كان لبعضهم في ذلك فضيلة على بعض ، فبان أن حكم
الحلق والتقصير لا يزول بالإحصار .
باب : من قال ليس على المحصر بدل
وقال ابن عباس : إنما البدل على من نقض حجه بالتلذذ ، فأما من
حبسه عدو أو غير ذلك ، فإنه يحل ولا يرجع ، وإن كان معه هدي وهو
محصر نحره إن کان لا يستطيع أن یبعث به ، وإن استطاع أن یبعث به لم
يحل حتى يبلغ الهدي محله . وقال مالك وغيره : ینحر هديه ويحلق
في أي موضع كان ، ولا قضاء عليه ؛ لأن النبي - عليه السلام -
وأصحابه بالحديبية نحروا وحلقوا وحلوا من كل شيء قبل الطواف
- ٤٦٦ -

وقبل أن يصل الهدي إلى البيت ، ثم لم يذكر أن النبي - عليه السلام -
أمر [أحدًا] (١) أن يقضي شيئًا ولا يعود له ، والحديبية خارج من الحرم.
فيه : ابن عمر : (( إن صُددتُ عن البيت صنعنا كما صنعنا مع النبي -
عليه السلام - فأهل بعمرة من أجل أن النبي - عليه السلام - كان أهل
بعمرة عام الحديبية ، ثم نظر في أمره فقال : ما أمرهما إلا واحد ،
أشهدكم أني قد أوجبت الحج مع العمرة . ثم طاف لهما طوافًا واحدًا ،
ورأى أن ذلك بجزئ عنه )) .
ولهذا اختلف السلف في هذا الباب ، فذهب ابن عباس إلى أن
المحصر لا بدل عليه ولا ... (٢) ذكره عنه عبد الرزاق وقال : لا حصر
إلا من حُبْسَهُ بعدو ، فيحل بعمرة ، وليس عليه [ حج ] (٣) قابل
ولا عمرة ، فإن حبس وكان معه هدي بعث به ولم يحل حتى ينحر
الهدي، وإن لم یکن معه هدي حل مكانه، وذکر عطاء عن ابن عباس
في الذي يفوته الحج قال : يحل بعمرة وليس عليه حج قابل . وعن
طاوس مثله ، وروى ابن الماجشون عن مالك في المحصر بعَدُوٌّ يحل
لسُنَّةِ الإحصار ويجزئه من حجة الإسلام ، وهو قول أبي مصعب
صاحب مالك ( ) (٤) به لمحمد بن سحنون .
وقال ابن شعبان : يجزئه من حجة الإسلام وإن صُدّ قبل أن يحرم.
وقال ابن الماجشون : إنما استحب له مالك القضاء . وفيها قول آخر
روي عن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت أنه يحل بعمرة وعليه حج
قابل والهدي، وهو قول عروة .
(١) في ((الأصل)): أحد . وهو خلاف الجادة .
(٢) بياض في (الأصل)).
(٣) في ((الأصل)): وليس عليه شيء . وضرب على كلمة شيء ، والصواب ما
أثبت .
(٤) كلمة لم أتبين قراءتها في ((الأصل)).
- ٤٦٧ -

وقال علقمة والنخعي : عليه حجة وعمرة . وهو قول الكوفيين ،
وقال مجاهد والشعبي : عليه حج قابل. وقال مالك في المدونة :
لا قضاء على المحصر بعدو في حج التطوع ولا هدي عليه ؛ لأن النبي
*- لم يأمر أصحاب الحديبية بقضاء ولا هدي، إلا أن تكون حجة
الإسلام ، فعليه حج قابل والهدي . وبه قال الشافعي وأبو ثور .
واحتج الكوفيون بأن النبي لما صُدّ في الحديبية قضاها في العام القابل،
فسميت عمرة القضاء .
واحتج أصحاب مالك فقالوا: هذه التسمية ليست من الرسول وَله
ولا من أصحابه ، وإنما هي من أهل السير ، فليس فيها حُجَّة ، ولم
تُسم عمرة القضاء من أجل ما ذكروه ، وإنما سميت من أجل أن النبي -.
عليه السلام - قَاضَى عام الحديبية قُريشًا وصالحهم لمدة من الزمان ،
وعلى أن يرجع إلى مكة في العام المقبل ، ولو وجب عليهم القضاء
لعرفهم به وقال : هذه العمرة لي ولكم قضاء عن التي صُددنا عنها؛
لأن الله - تعالى - فرض عليه البيان والتبليغ ، فلما لم يعرفهم بذلك
ولا أمرهم به دل أنه لم يكن واجبًا ، ووجه إيجاب مالك عليه الهدي
من أجل أن إحرامه حيل بينه وبين تمامه بالوصول إلى البيت .
وجعل أبو حنيفة العمرة عوضًا من ذلك ، فإن قيل : فما وجه ذكر
حديث ابن عمر في هذا الباب ، وليس في لفظه ما يدل على
الترجمة؟ قيل : وجه ذلك - والله أعلم - أن البخاري استغنى بشهرة
قصة صَدِّ النبي - عليه السلام - بالحديبية ، وأنهم لم يؤمروا بالقضاء.
[١١٥٥/٢-١] في ذلك / لأنها لم تكن حجة الفريضة ، وإنما كانوا محرمين بعمرة ،
فلذلك قال مالك : لا قضاء على المحصر بعدو للحج إذا كان تطوعًا،
كما لم يكن على الرسول قضاء العمرة التي صُدّ عنها ؛ لأنه لم
يعرفهم في عمرة القضاء أنها قضاء عن التي صُدّ عنها .
- ٤٦٨ -

فهذا الحديث موافق لقول مالك ، ولذلك ذكر البخاري قول مالك
في صدر الباب ليدل على أنه مأخوذ من حديث ابن عمر - والله
الموفق .
وأما قول البخاري : والحديبية خارج الحرم فقد قال مالك : إن
الحديبية في الحرم ، وكلا القولين له وجه ، وذلك أن الحديبية في أول
الحرم ، وهو موضع بروك ناقة النبي - عليه السلام - لأنها لما بركت
في أول الحرم وقال الرسول : (( حبسها حابس الفيل )) وصاحب الفيل
لم يدخل الحرم ، فمن قال : إن الحديبية خارج الحرم فممكن أن يريد
موضع نزول النبي وَله ومن قال : إنها في الحرم يريد موضع حلاقهم
ونحرهم .
وقال الطحاوي : ذهب قوم إلى أن الهدي إذا صد عن الحرم نحر
في غير الحرم ، واحتجوا بهذا الحديث وقالوا : إنما نحر النبي - عليه
السلام - هديه بالحديبية إِذْ صُدَّ ، دل على أن لمن منع من إدخال هديه
في الحرم أن يذبحه في غير الحرم ، وهذا قول مالك .
وخالفهم آخرون فقالوا : لا يجوز نحر الهدي إلا في الحرم ،
واحتجوا بقوله : ﴿ هديًا بالغ الكعبة﴾ (١) فكان الهدي قد جعله الله ما
بلغ الكعبة ، فهو كالصيام الذي جعله الله متتابعًا في كفارة الظهار
وكفارة القتل ، فلا يجوز غير متتابع ، وإن كان الذي وجب عليه غير
[ مطيق ] (٢) للإتيان به متتابعًا، فلا تبيحه الضرورة أن يصومه متفرقًا.
كذلك الهدي الموصوف ببلوغ الكعبة لا يجزئ إلا كذلك وإن صُدَّ
عن بلوغ الكعبة ، واحتجوا بأن نحر النبي لهديه حين صُدَّ كان في
الحرم ، والدليل على ذلك ما رواه إسرائيل عن مجزأة بن زاهر ، عن
(١) المائدة : ٩٥ .
(٢) في (( الأصل)): المطيق . والمثبت أنسب للسياق عند التدبر.
- ٤٦٩ -

ناجية بن جندب الأسلمي ، عن أبيه قال: ((أتيت النبي - عليه
السلام - حين صُدَّ عن البيت فقلت : يا رسول الله ، ابعث معي
بالهدي فلأنحره في الحرم ، قال : وكيف تأخذ به ؟ قلت : آخذ به
في أودية لا يقدرون عليّ فيها ، فبعثه معي حتى [ نحرته] (١) )).
وقال آخرون : كان النبي في الحديبية وهو يقدر على دخول الجرم ،
ولم يكن صُدُ عن الحرم ، وإنما صُد عن البيت . واحتجوا بحديث
رواه ابن إسحاق ، عن الزهري ، عن عروة ، عن المسور ((أن النبي-
عليه السلام - كان بالحديبية خباؤه في الحل ، ومُصَلاه في الحرم )).
ولا يجوز في قول أحد من العلماء لمن قدر على دخول شيء من الحرم
أن ينحر هديه دون الحرم .
فلما ثبت الحديث الذي ذكرنا أن الرسول كان يصل إلى الحرم ،
استحال أن يكون نحر الهدي في غير الحرم ؛ لأن الذي يبيح نحر
الهدي في غير الحرم إنما يبيحه في حال الصِّدِّ عن الحرم ، لا في حال
القدرة على دخوله ، فانتفى بما ذكرناه أن يكون الرسول نحر الهدي
في غير الحرم ، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد .
وقد احتج أهل المقالة الأولى بما روى سفيان ، عن يحيى بن
سعيد، عن يعقوب بن خالد ، عن أبي أسماء مولى عبد الله بن جعفر
قال: ((خرجت مع علي وعثمان - رضي الله عنهما - فاشتكى
الحسن بالسقيا وهو محرم ، فأصابه برسام فأومأ إلى رأسه ، فحلق
علي رأسه ، ونحر عنه جزورًا)) . ورواه مالك عن يحيى، ولم يذكر
عثمان ولا أن الحسن كان محرماً ، فاحتجوا بهذا الحديث ؛ لأن فيه أن
عليا نحر الجزور دون الحرم .
قال الطحاوي : والحجة عليهم في ذلك أنهم لا يبيحون لمن كان
(١) من شرح معاني الآثار (٢٤٢/٢) وفي (( الأصل)) : فنحرته .
- ٤٧٠ -

غير ممنوع من الحرم أن يذبح في غير الحرم ، وإنما يختلفون إذا كان
ممنوعًا منه ، فدل أن عليا لما نحر في هذا الحديث في غير الحرم ،
وهو واصل إلى الحرم ، أنه لم يكن أراد به الهدي ، وإنما أراد به
الصدقة والتقرب إلى الله ، مع أنه ليس في الحديث أنه أراد به الهدي،
فكما يجوز لمن حمله على أنه هدي ما حمله عليه ، فكذلك يجوز لمن
حمله على أنه ليس بهدي ما حمله عليه .
*
*
باب : قوله تعالى : ﴿ فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه
ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ﴾ (١)
وهو مخيّر ، فأما الصوم / فثلاثة أيام
[٢/ ق١١٥ -ب]
فيه : كعب بن عجرة: (( أن النبي قال له : لعلك آذاك هوامك ؟ قال :
نعم يا رسول الله . قال رسول الله : احلق رأسك وصم ثلاثة أيام ، أو
أطعم ستة مساكين أو انسك شاة )) .
قوله : ﴿ فمن كان منكم﴾ (١) معناه: من حلق فقدية ، أجمع
العلماء أنه من حلق رأسه لعذر أنه مخير فيما نص الله من الصيام أو
الصدقة أو النسك ، واختلفوا فيمن حلق أو لبس أو تطيب عامدًا من
غير ضرورة ، فقال مالك : بئس ما فعل ، وعليه الفدية وهو مخير
فيها .
وقال أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور : ليس مخيرًا إلا في الضرورة ؛
الشرط الله ﴿ فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ﴾ (١) فأما إذا
حلق أو تطيب أو لبس عامدًا من غير ضرورة فعليه دم .
وحجة مالك أن السَّنَّة وردت في كعب بن عجرة في حلقه رأسه
(١) البقرة : ١٩٦.
- ٤٧١ -

وقد آذاه هوامه ، ولو كان حكم غير الضرورة مخالفًا لها لَبَيْنَهُ عليه
السلام ، ولما لم تسقط الفدية من أجل الضرورة ، علم أن من لم
يكن بمضطر أولى ألا تسقط عنه الفدية ، وقال مالك والليث والثوري
وأبو حنيفة : إذا حلق ناسيًا فعليه الفدية كالعامد . وقال الشافعي :
لا فدية عليه . وهو قول إسحاق .
واحتج من يقول بأن فرض الحج على غير الفور ؛ لأن النبي -
عليه السلام - قال لكعب بن عجرة: (( تؤذيك هوامك ؟ قال :
نعم، قال : احلق وإنسك بشاة . فنزل قوله : ﴿وأتموا الحج والعمرة
لله فإن أحصرتم ﴾ إلى قوله : ﴿ ولا تحلقوا رءوسکم حتى يبلغ الهدي
محله﴾(١). قالوا: وإتمام الشيء حقيقة إنما هو كماله بعد الدخول
فيه ، وقد يستعمل في ابتداء الشيء تجوزًا واتساعًا ، ولم يُرِد الله
بقوله: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله ﴾ (١) الإكمال بعد الدخول فيه،
ولكنه تجوَّز واستعمله في ابتداء الدخول ، يدل على ذلك قول عمر
وعلي : تمام الحج والعمرة أن تحرم بهما من دويرة أهلك .
..
فأخبر أن التمام فيهما هو ابتداء الدخول فيهما ، وهم لم يكونوا
في الحديبية مجرمين بالحج فيصح خطابهم بإكماله ، وإنما كانوا
محرمين بالعمرة ، فعلم أن الأمر لهم بإتمام الحج ليس هو أمر بإكماله
بعد الدخول فيه ، وإنما هو أمر بالدخول فيه ابتداء ، فدل هذا أن
فرض الحج على غير الفور ، وأن أحكام الحج وجبر ما يعرض فيه قد
كان نَزَل ، وكانت قصة كعب بن عجرة في الحديبية ، والحديبية كانت
سنة ست ، احتج بهذا أصحاب الشافعي .
(١) البقرة : ١٩٦ .
- ٤٧٢ -

باب : قوله : ﴿ أو صدقة﴾ (١) وهي إطعام ستة مساكين
فيه : كعب: (( وقف عليّ النبي بالحديبية ورأسي يتهافت قملا ، فقال :
أتؤذيك هوامك ؟ قلت : نعم. قال : فاحلق رأسك وصم ثلاثة أيام، أو
تصدق بفَرَق بين ستة مساكين ، أو انسك بما تيسر )) .
لم يختلف الفقهاء أن الإطعام لستة مساكين ، وأن الصيام ثلاثة
أيام، وأن النسك شاة على ما في حديث كعب ، إلا شيء روي عن
الحسن البصري وعكرمة ونافع أنهم قالوا : الإطعام لعشرة مساكين ،
والصيام عشرة أيام . ولم يتابعهم أحد من الفقهاء على ذلك ؛ للسُّنَّة
الثابتة بخلافه عن كعب بن عجرة في الفدية ، سُنَّة معمول بها عند
جماعة العلماء ، ولم يروها أحد من الصحابة غير كعب ، ولا رواها
عن كعب إلا رجلان من أهل الكوفة : عبد الرحمن بن أبي ليلى ،
وعبد الله بن معقل ، وهي سنة أخذها أهل المدينة من أهل الكوفة .
باب : الإطعام في الفدية نصف صاع
فيه : كعب: (( نزلت الفدية فيَّ خاصة، وهي لكم عامة ، حُملْتُ إلى
النبي - عليه السلام - والقمل يتناثر على وجهي ، فقال: ما كنتُ أرى
الوجع بلغ بك ما أرى ، تجد شاة ؟ قلت : لا . قال : فصم ثلاثة أيام أو
أطعم لكل مسكين نصف صاع )) .
قال مالك وأبو حنيفة والشافعي: الإطعام في [ الفدية] (٢) / [٢/ فـ ١١٦-٢]
مدان بمُدُّ النبي على ما جاء في حديث كعب . وروي عن الثوري
وأبي حنيفة أنهما قالا عن الفدية : بالبر نصف صاع ، ومن التمر أو
الشعير أو الزبيب صاع لكل مسكين . وهذا خلاف نص الحديث
(١) البقرة : ١٩٦ .
(٢) في (( الأصل)): فدية . والمثبت أنسب للسياق .
- ٤٧٣ -

فلا معنى له ؛ لأنه قال - عليه السلام -: (( لكل مسكين نصف صاع»
...
فعم بذلك جميع أنواع الطعام ، ولم يستثن بعض ما يطعم المساكين أنه
بخلاف هذا فيلزم إخراج صاع منه ، وقاس أبو حنيفة كفارة الأيمان
على كفارة فدية الأذى ، فأوجب في كفارة الأيمان وسائر الكفارات
مدين مدين لكل إنسان ، وسيأتي بيان قولهم في كتاب النذور
والكفارات - إن شاء الله .
باب : النسك بشاة
فيه : كعب: (( أن النبي رآه وأنه يسقط على وجهه (١) ، فقال : أتؤذيك
هوامك ؟ قال : نعم ، فأمره أن يحلق وهو بالحديبية ، ولم یتبیّن لهم
مـ
أنهم [ يَحلَّون ] (٢) بها ، وهم على طمع أن يدخلوا مكة ، فأنزل الله
الفدية ، فأمر رسول الله أن يطعم فَرَقًا بين ستة ، أو يهدي شاة ، أو يصوم
ثلاثة أيام )» .
أجمع العلماء أن أقل النسك شاة ، وبها أفتى الرسول كعب بن
عجرة ، وقد ثبت أنه نسك ببقرة ، حدثنا به أبو بكر التجيبي قال :
حدثنا أحمد بن سعيد بن حزم ، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن خليد
المقبري بمكة ، حدثنا يوسف بن موسى القطان ، حدثنا مهران ، عن
سفيان ، عن ابن أبي ليلى ، عن نافع ، عن سليمان بن يسار قال :
((ذبح كعب بقرة )) فأخذ بأرفع الكفارات ولم تكن هذه مخالفة للنبي،
بل كان موافقة وزيادة ، ففي هذا من الفقه أن من أُفتي بأيسر الأشياء
(١) الفاعل محذوف كما نبه عليه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٢٤/٤) قال:
(والمراد القمل، وثبت كذلك في بعض الروايات)).
(٢) في ((الأصل)): يحلقون. وما أثبتناه من الصحيح المطبوع، وهو الصواب .
- ٤٧٤ -

وأقل الكفارات أن له أن يأخذ بأعالي الأمور وأرفع الكفارات ، كما
فعل كعب - والله الموفق .
قال ابن المنذر : قوله في هذا الحديث: (( ولم يتبين لهم أنهم
يحلون بها ، وهم على طمع أن يدخلوا مكة )) فيه دليل أن من كان
على رجاء من الوصول إلى البيت أن عليه أن يقيم حتى ييئس من
الوصول فيحل ، وقال من أحفظ عنه من أهل العلم : إن من يئس أن
يصل إلى البيت فجاز له أن يحل ، فلم يفعل حتى خلي سبيله ، أن
عليه أن يمضي إلى البيت لتتم مناسكه .
قال المهلب: وقوله: (( فأمره أن يحلق ، ولم يتبين لهم أنهم
يحلون بها )) فيه حجة لمالك في وجوب الكفارة على المرأة تقول في
رمضان : غدًا حيضتي ، والرجل يقول : غدًا يوم حُمَّاي ، فيفطران،
ثم ينكشف الأمر بالحمى والحيض كما قالا ، أنهما عليهما الكفارة ؛
لأنهم لم يكن - كما كان في علم الله من أنهم يحلون بالحديبية ، وأن
الهدي قد بلغ محله - بمسقط عن كعب الكفارة إذا استباح الحلاق، قبل
علم الله بأن الهدي قد بلغ محله ، فكذلك ما كان في علم الله من
أنها تحيض لا يسقط عنها الكفارة إذا استباحت حُرمة رمضان قبل علمها
بالحيض ، وكذلك المريض ، إذ قد يجوز أن يكون ما ظنا ؛ لأنه لا يقطع
على مغيبه .
باب: قوله: ﴿ فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ﴾(١)
فيه: أبو هريرة: قال عليه السلام: (( من حج هذا البيت فلم يرفث
ولم يفسق رجع کیوم ولدته أمه » .
(١) البقرة : ١٩٧ .
- ٤٧٥ -

اختلفوا في الرفث ، فروي عن ابن عباس أنه قال : الرفث في
الحج: ما كلم به النساء ، وروي مثله عن ابن عمر وعطاء ، وروى
عن ابن عباس أيضًا أن الرفث : الجماع ، وهو قول مجاهد
والزهري، وقال ابن عباس : الفسوق : السباب . وقال مجاهد
والزهري : الفسوق: المعاصي . وقال ابن عباس : الجدال أن تماري
صاحبك حتى تغضبه . وقال طاوس : هو جدال الناس .
[٢/ق١١٦ -ب]
/ باب : جزاء الصيد
وقوله تعالى : ﴿ لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ... ﴾ إلى قوله: ﴿الذي
إليه تحشرون ﴾ (١)
اتفق أئمة الفتوى بالحجاز والعراق أن المحرم إذا قتل الصيد عمدًاً أو
خطأ فعليه الجزاء ، منهم : مالك والليث والأوزاعي والثوري وأبو
حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق ، وقال أهل الظاهر : لا يجب
الجزاء إلا على من قبل الصيد عمدًا؛ لقوله تعالى : ﴿ومن قتله منكم
متعمداً﴾ (١) لأن دليل الخطاب يقتضي أن المخطئ بخلافه ، وإلا لم
يكن لتخصيص المتعمد معنى .
قالوا : وقد روي عن عمر بن الخطاب ما يدل على أن ذلك كان
مذهبه ، رَوى سفيان ، عن عبد الملك بن عمير ، عن قبيصة بن
جابر، عن عمر أنه سأل رامي الظبي وقاتله : عمدًا أصبته أم خطأ ؟
قالوا : ولم يسأله عمر عن ذلك إلا لافتراق العمد والخطأ عنده . قال
ابن القصار : وروي مثله عن ابن عباس .
قال الطحاوي: وذهب جماعة العلماء في تأويل قوله : ﴿ ومن
.
(١) المائدة: ٩٥ - ٩٦
- ٤٧٦ -

قتله منكم متعمدًا ... ﴾ إلى قوله: ﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾ (١)
وقالوا: لا حجة في قول عمر للرجل : أعمدًا أصبته أم خطأ ؟ لأنه
يجوز أن يسأله عن ذلك ليعلمه إن كان قتله عمداً ، ثم قتل بعده صيدًا
عمدًا انتقم الله منه ، فأراد عمر تحذيره من ذلك ، مع أنه قد روى
شعبة هذا الحديث عن عبد الملك بن عمير ، عن قبيصة قال له :
أعمدًا أصبته أم خطأ ؟ فقال : ما أدري . فأمره بالفدية .
فخالف رواية سفيان ، فدل ذلك على أنه سأله عن العمد والخطأ
ليقف به على وجوب الانتقام في العودة ، مع أن الأشبه بمذهب عمر
مذهب الجماعة ، روى شعبة عن الحكم ، عن إبراهيم ، عن
الأسود، أن كعبًا قال لعمر : إن قومًا استفتوني في مُحرم قتل جرادة ،
فأفتيتهم أن فيها درهم ، فقال : إنكم بأهل مصرٍ كثيرة دراهمكم ،
لتمرة خير من جرادة . أفلا ترى عمر لم ينكر على كعب تركه سؤال
القوم عن قتل المحرم للجرادة إن كان عمدًاً أو خطأ ؛ لاستواء الحكم
في ذلك عنده .
ولو اختلف الحكم في ذلك عنده لأنكر عليه تركه السؤال عن
ذلك، وهذا ابن مسعود وابن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن
عمرو كلهم قد أجاب فيما أصاب المحرم بوجوب الجزاء ، ولم يسأل
أحد منهم عن عمد في ذلك ولا خطأ ، ولا يكون ذلك إلا لاستواء
الحكم عندهم في ذلك .
ثم إن السنة الثابتة عن الرسول تدل على هذا المعنى ، روى جرير
ابن حازم ، عن عبد الله بن عبيد بن عمير ، عن عبد الرحمن بن أبي
عمار، عن جابر (( أن النبي - عليه السلام - سئل عن الضبع ، فقال:
هي صيد ، وفيها إذا أصابها المحرم كبش )) ورواه عطاء عن جابر ،
(١) المائدة : ٩٥ - ٩٦ .
- ٤٧٧ -

فلما جعل رسول الله الجزاء في الصيد ولم يذكر في ذلك عمدًا.
ولا خطأ ؛ ثبت أن ذلك سواء في وجوب الجزاء ، وقال الزهري
نزل القرآن بالعمد ، وهو في الخطأ سنة .
قال الطحاوي : والقياس يدل على هذا المعنى لأنا قد رأينا الله -
تعالى - قد حرم على المحرم أشياء منها : الجماع ، وقتل الصيد ، مع
سائر ما حرمه الله عليهم سواهما ، فكان مَنْ جَامع في إحرامه عامدًا
أو ساهيًا في وجوب الدم وفساد الحج ، وكذلك قتل الصيد كالجماع،
سواء ، يستوي فيه العمد والخطأ ، والخطأ بالكفارة أقل من العمد ؛
لأن الله - تعالى - جعل في كتابه على من قتل مؤمنًا خطأ ولم :
يوجبها على من قتله متعمدًا .
قال ابن القصار : واحتج أهل الظاهر بقوله عليه السلام: ( رفع
عن أمتي الخطأ والنسيان )) قال : والفقهاء مجمعون أن الخطأ والنسيان
ليس في إتلاف الأموال ، وإنما المراد به رفع المأثم . قال إسماعيل بن
إسحاق : وما رواه أهل الظاهر عن ابن عباس فإسناده ضعيف ، رواه
قتادة عن رجل ، عن ابن عباس .
واختلفوا في تأويل قوله : ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم ﴾ (١) فقال
ابن القصار عن مالك: إذا قتل المحرمُ صيدًا لَهُ مِثْلٌ مِنَ النَّعَمِ في
المنظر ، فعليه مثله ، ففي الغزال شاة ، وفي النعامة بدنة ، وفي حمار.
الوحش بقرة . وبه قال مجاهد والحسن والشافعي .
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : الواجب في قتل الصيد القيمة ،
سواء كان له مِثْلٌ من النَّعَم أم لا ، وهو بالخيار بين أن يتصدق بقيمته
وبين أن يصرف القيمة في النعم فيشتريه ويهديه ، وقالوا : لما لم يجز
[١١٧/٢-١] أن يراد بالمثل / المثل من الجنس، عُلم أن المراد به القيمة ، وأنها
(١) المائدة : ٩٥ .
- ٤٧٨ -

تصرف في النعم، والدليل على أن المراد بالمثل القيمة قوله: ﴿لا تقتلوا
الصيد وأنتم حرم﴾ (١) وهذا لفظ عام في جميع الصيد ، سواء كان له
مثل أو لا، ومعلوم أن ما لا مثل له من جنسه ونظيره ؛ فإن الواجب
في إتلافه القيمة، فصار المراد بالمثل القيمة في أحد الأمرين فينبغي أن
يكون المراد بالنظير؛ لامتناع أن يعبر باللفظ الواحد على معين مجانس؛
لأن القيمة متى صارت مرادة بالآية في أحد نوعي الصيد صارت
كالمذكورة في الآية ، فبقي حمل الآية على غيرها .
قال ابن القصار : فالجواب أن قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من
النعم﴾ (١) فالمراد به مثل المقتول، ولو اقتصر عليه ولم يقيده بالنعم
لكان الواجب في الظبي ظبيًا ، وفي النعامة نعامة ، وفي بقرة الوحش
بقرة، فلما قال : ﴿من النعم﴾ (١) أوجب أن يكون الجزاء مثل المقتول
من النعم لا من غيره ، ومثله من النعم ليس هو القيمة ، والمماثلة من
طريقة الخلقة مشاهدة محققة، وما طريقها القيمة طريقها الاستدلال .
ولما خص الله النعم من سائر الحيوان لم يكن له فائدة ، إلا أن
المراد المثل من طريق الخلقة والصورة من النعم دون القيمة ، ولم
[يعقل] (٢) منه مثل ما قتل من الدراهم؛ لأنه لو اقتصر على قوله :
﴿فجزاء مثل ما قتل﴾ (١) لم يعقل منه مثله من الدراهم ، فتقييده
بالنعم أولى ألا يعقل منه الدراهم ، وقد يراد بالآية الحقيقة في موضع
والمجاز في آخر ، فيكون المثل من النعم في قتل الغزال والنعامة وبقرة
الوحش ، وفيما لا مثل له القيمة ، وإنما يتنافى ذلك في حالة واحدة،
فأما في حكمين فلا .
قال المهلب : فإن قيل : فقد قال مالك وجماعة الفقهاء غير أبي
(١) المائدة : ٩٥ .
(٢) في ((الأصل)) : يفعل وما أثبتناه يقتضيه السياق .
- ٤٧٩ -

۔۔
۔۔
حنيفة : في الحمامة شاة ، وليست الشاة مماثلة للحمامة . يقال له :
أغفلت ، وذلك أن اشتراطه تعالى في المثل أن يكون من النعم ، والطير ..
ليست من النعم ، فوجب أن يكون كل جزاء يغرم من النعم لا من
جنس الحيوان المقتول ؛ لأن الجزاء لا يكون إلا هديًا كما شرط الله
﴿هديًا بالغ الكعبة﴾ (١) وأقل الهدايا من النعم شاة ، فوجب هدي
المقتول مما يكون هديًا لا مماثلا من جميع الجهات كما ظن المخالف.
۔۔
واختلفوا في قوله تعالى : ﴿ یحکم به ذوا عدل منكم ﴾ (١) فقال
مالك : لا يجوز أن يكون القاتل أحد العدلين . وجوزه الثوري
والشافعي ، واختلف أصحاب أبي حنيفة على القولين ، قال ابن
القصار: والحجة لقول مالك قوله تعالى: ﴿ذوا عدل منكم﴾ (١)
كما قال تعالى : ﴿ وأشهدوا ذوي عدل منكم ﴾ (٢) فيحتاج إلى
حكمين غيره يحكمان ، كما يحتاج إلى شاهدين غيره .
وقال الطحاوي : ووجدنا الحكومات المذكورات في كتاب الله فيما.
سوى ذلك إنما يكون من غير المحكوم عليهم ، قال تعالى : ﴿فابعثوا
حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها ﴾ (٣) ولا يجوز أن يكون الزوج
الحكم الذي من أهله ، وإنما يكون من عُلم عدله ، وأُمن على
المحكوم عليه وعلى المحكوم له ، ولم يكن جارا إلى نفسه ولا دافعًا
عنها شيئًا .
قال ابن المنذر : اتفق مالك والكوفيون والشافعي وأحمد وأبو ثور
أنه بالخيار ، إن شاء أتى بالهدي ، وإن شاء صام ، وإن شاء تصدق،
وقال الثوري : إن لم يجد هديا أطعم ، فإن لم يجد طعامًا صام .
وقال الحسن والنخعي : إن لم يكن عنده جزاؤه قُوُّم بدراهم ، ثم
قومت الدراهم بطعام وصام ، وإنما أريد بالطعام الصيام .
(١) المائدة : ٩٥ .
(٢) الطلاق : ٢ .
(٣) النساء : ٣٥ .
- ٤٨٠ -