النص المفهرس
صفحات 421-440
جمرة العقبة في هذا الحديث هي الجمرة الثالثة من الجمار التي تُرمى كل يوم من أيام التشريق ، تُرمى في المكان الذي رميت فيه جمرة العقبة يوم النحر ، ولا يقف عند هذه الجمرة الثالثة إذا رماها كما يقف عند الأولى والثانية ، وكذلك وردت السنة ، وروي عن عمر ابن الخطاب أنه كان يفعله ، وذكر البخاري عن ابن عمر أنه كان يفعله. باب : رفع اليدين عند الجمرة الدنيا والوسطى فيه : ابن عمر : (( أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات بكبر على إثر كل حصاة ، ثم يتقدم [ فيُسهل ] (١) فيقوم مستقبل القبلة قيامًا طويلا، فيدعو ويرفع يديه ، ثم يرمي الجمرة الوسطى كذلك ، فيأخذ ذات الشمال [ فيسهل ] (٢) ويقوم مستقبل القبلة قيامًا طويلا ، فيدعو ويرفع يديه ، ثم يرمي الجمرة ذات العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها ، ويقول : هكذا رأيت النبي - عليه السلام - يفعل)). وترجم له باب الدعاء عند الجمرتين . الجمرة الدنيا : هي الجمرة الأولى من أول أيام التشريق ، وهن ثلاث جمرات في كل يوم من الثلاثة الأيام جمرة ، فالجمرة الأولى مسجد منى ، والوسطى عند العقبة الأولى بقرب مسجد منى أيضًا ، يرميها ويقف طويلا ويدعو ، ويرمي الثالثة عند العقبة حيث رمى يوم النحر ، يرميها ولا يقف على ما ثبت في الحديث ، وروى الثوري ، عن عاصم الأحول ، عن أبي مجلز قال : كان ابن عمر يشبر ظله (١) بضم أوله وسكون السين المهملة أي : يقصد السهل من الأرض ، وهو المكان المصطحب الذي لا ارتفاع فيه - كذا في فتح الباري للحافظ ابن حجر (٦٨٢/٣)، ووقع في ((الأصل)) كأنها : فيبتهل . وهو تحريف . (٢) كالتي مضت، وفي (( الأصل)): فيستهل. - ٤٢١ - ثلاثة أشبار ، ثم يرمي ، وقام عند الجمرتين قدر سورة يوسف .. وقال عطاء : كان ابن عمر يقف عندها بمقدار ما يقرأ سورة البقرة . قال ابن المنذر : ولعله قد وقف مرتين كما قال أبو مجلز ، وكما [٢/ ق ١٠٥-ب] قال عطاء ، ولا يكون اختلافًا / وكان ابن عباس يقف بقدر قراءة سورة من المائتين (١) ، ولا توقيف في ذلك عند العلماء ، وإنما هو ذكر ودعاء ، فإن لم يقف ولم يدع فلا حرج عليه عند أكثر العلماء إلا الثوري ؛ فإنه استحب أن يطعم شيئًا أو يهريق دمًا ، والسنة أن يرفع يديه في الدعاء عند الجمرتين ، قال ابن المنذر : ولا أعلم أحداً. أنكر ذلك غير مالك ؛ فإن ابن القاسم حكي عنه أنه لم يكن يعرف. رفع اليدين هنالك ، قال ابن المنذر : واتباع السنة أفضل . باب : الطيب بعد رمي الجمار والحلق قبل الإفاضة فيه : عائشة: (( طيبت رسول الله بيدي هاتين حين أحرم ، ولحلِّه حین أحل قبل أن يطوف ، وبسطَتْ يديها)). قال ابن المنذر : واختلف العلماء فيما أبيح للحاج بعد رمي جمرة. العقبة قبل الطواف بالبيت ، فروي عن ابن عباس وابن الزبير وعائشة أنه يحل له كل شيء إلا النساء ، وهو قول سالم وطاوس والنخعي ، وإليه ذهب أبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، واحتجوا بحديث عائشة في إباحة الطيب لمن رمى جمرة العقبة قبل طواف الإفاضة ، وقالوا : سنة رسول الله حجة على من خالفها . قال ابن المنذر: قولها: ((ولحلِّه)) يدل أنه حلال من كل شيء إلا النساء ، الذي دل على المنع منه الخبر والإجماع ، وروي عن عمر بن الخطاب وابنه أنه يحل له كل شيء إلا النساء والطيب . (١) هكذا في ((الأصل))، ولعل الصواب : المئين. ۔۔ - ٤٢٢ - قال مالك : يحل له كل شيء إلا النساء والصيد . ذكره ابن المواز، وقال في المدونة : أكره لمن رمى جمرة العقبة أن يتطيب حتى يفيض ؛ فإن فعل فلا شيء عليه لما جاء فيه . فعلى هذا القول الصحيح من مذهب مالك أنه يحل له كل شيء إلا النساء والصيد . واحتج ابن القصار لمالك في تحريم الصيد على من لم يفض بقوله: لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ (١) وليس إذا أحل له الحلق يخرج عن كونه محرماً ؛ لأن الحلق والطيب واللباس قد أبيح على وجه ، ولم يخرج بذلك عن كونه محرمًا ، فلذلك يحل له بعد الرمي أشياء ، ويبقى عليه تحريم أشياء وهو محرم ، وقوله تعالى : ﴿ وإذا حللتم فاصطادوا﴾ (٢) فاقتضى الإحلال التمام، وألا يبقى شيء من الإحرام بعد الإحلال المطلق ، ومن بقيت عليه الإفاضة فلم يحلل الإحلال التام ، ومثله قوله تعالى : ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ﴾ (٣) فلو وضعت واحدًا وبقي في بطنها آخر لم تكن قد وضعت الوضع التام ؛ لأن الرجعة قبل وضعها الثاني تصح . واحتج الطحاوي لأصحابه بما رواه عن علي بن معبد ، حدثنا يزيد ابن هارون ، حدثنا الحجاج بن أرطاة ، عن أبي بكر بن محمد [ابن] (٤) عمرو بن حزم ، عن عمرة ، عن عائشة قالت : قال رسول الله : ((إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء)) وبما روى سفيان ، عن سلمة بن كهيل ، عن الحسن العُرَني ، عن ابن عباس قال : (( إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء ، فقال له رجل : والطيب ؟ فقال : أما أنا فقد رأيت رسول الله (١) المائدة : ٩٥ . (٣) الطلاق : ٤ . (٢) المائدة : ٢ . (٤) في ((الأصل)): عن. وهو تحريف. - ٤٢٣ - يضمخ رأسه بالمسك ، أفطيب هو ؟)) . وروى أفلح بن حميد ، عن أبي بكر بن حزم قال : دعانا سليمان بن عبد الملك يوم النحر ، أرسل إلى عمر بن عبد العزيز والقاسم وسالم وخارجة بن زيد وعبد الله بن عبد الله بن عمر وابن شهاب فسألهم عن الطيب في هذا اليوم قبل الإفاضة ، فقالوا : تطيب يا أمير المؤمنين . قال ابن المنذر : واختلفوا فيمن جامع بعد رمي الجمرة يوم النجر قبل الإفاضة ، فروي عن ابن عمر أن عليه حجة قابل ، وعن الحسن والنخعي والزهري مثله ، وقال النخعي والزهري : وعليه الهدي مع حج قابل . وقال ربيعة ومالك : يعتمر من التنعيم ويهدي . وقال أحمد وإسحاق : يعثمر من التنعيم . وقال ابن عباس : عليه بدنة ، وحَجُّهُ تام . وعن عطاء والشعبي مثله ، وهو قول الكوفيين والشافعي وأبي ثور . باب : طواف الوداع / فيه: ابن عباس قال: ((أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا [٢/ ق١٠١٠٦] أنه خُفَّفَ عن الحائض )) . وفيه: أنس: (( أن النبي - عليه السلام - صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، ثم رقد رقدة بالمحصّب ، ثم ر کب إلى البيت فطاف به )) . طواف الوداع لكل حاج ومعتمر - لا يكون مكيا - من سنن الحج وشعائره ، قال مالك : وإنما أمر الناس أن يكون آخر نسكهم الطواف بالبيت ؛ لقول الله : ﴿ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾(١) وقال: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾ (٢). (١) الحج : ٣٢ . (٢) الحج : ٣٣. - ٤٢٤ - قال مالك : ومن أخر طواف الإفاضة إلى أيام منى فإن له سعة أن يصدر إلى بلده وإن لم يطف بالبيت إذا أفاض . واختلفوا فيمن خرج ولم يطف للوداع ، فقال مالك : إن كان قريبًا رجع فطاف ، وإن لم يرجع فلا شيء عليه . وقال عطاء والثوري وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور : إن كان قريبًا رجع فطاف، وإن تباعد مضى وأهراق دمًا . وحجتهم في إيجاب الدم قول ابن عباس : من نسي من نسكه شيئًا فليهريق دمًا . والطواف نسك ، وحجة مالك أنه طواف أسقط عن المكي والحائض ، فليس من السنن اللازمة ، والذمة بريئة إلا بيقين ، وسيأتي شيء من هذا المعنى في هذا الباب الذي بعد هذا - إن شاء الله . واختلفوا في حد القُرْب، فروي أن ابن عمر رَدَّ رجلا من مَرّ الظهران لم يكن ودع ، وبين مَرّ الظهران ومكة ثمانية عشر ميلا ، وهذا بعيد عند مالك ، ولا يُرد أحد من مثل هذا الموضع ، وعند أبي حنيفة : يرجع ما لم يبلغ المواقيت، وعند الشافعي: يرجع من مسافة لا تقصر فيها الصلاة ، وعند الثوري : يرجع ما لم يخرج من الحرم . واختلفوا فيمن وَدَّع ثم بدا له في شراء حوائجه ، فقال عطاء : يعيد حتى يكون آخر عمله الطواف بالبيت . وبنحوه قال الثوري والشافعي وأحمد وأبو ثور . قال مالك : لا بأس أن يشتري بعض حوائجه وطعامه في السوق ، ولا شيء عليه ، وإن أقام يومًا أو بعضه أعاد . وقال أبو حنيفة : لو ودع وأقام شهرًا أو أكثر أجزأه ، ولم يكن عليه إعادة . وهذا خلاف حديث ابن عباس (( أمر الناس أن يكون آخر عهدهم الطواف بالبيت)) . - ٤٢٥ - باب : إذا حاضت المرأة بعد ما أفاضت فيه: عائشة: (( أن صفية حاضت فذكر ذلك لرسول الله ، فقال : أحابستنا هي ؟ قالوا : إنها قد أفاضت . قال: فلا إذًّا)). وفيه: ابن عباس قال: (( رُخِّصَ للحائض أن تنفر إذا أفاضت)). وفيه : عائشة : (( خرجنا مع الرسول ولا نرى إلا الحج ... )) فذكر الحديث (( فحاضت هي ، فنسكنا مناسكنا ، فلما كان ليلة الحَصْبة ليلة النَّفر قلت : يا رسول الله ، كل أصحابك يرجع بحجة وعمرة غيري ؟ قال : ما كنت تطوفت بالبيت ليالي قدمنا؟ قلت: بلى )) . وقال مسدد: (( لا)) وتابعه جرير عن منصور في قوله: (( لا)) قال : ((فاخرجي مع أخيك إلى التنعيم فأهلي بعمرة ، وحاضت صفية فقال عليه السلام: عَقْرَى حَلْقَى، أو ما كنت طُّفْت يوم النحر ؟ قلت : بلى . قال : فلا بأس ، انفري )) . معنى هذا الباب أن طواف الوداع ساقط عن الحائض ؛ لأن الرسول لما أُخبر عن صفية أنها حاضت، قال: ((أحابستنا هي؟)) فلما أُخبر أنها قد أفاضت قبل أن تحيض، قال: ((فلا إذًّا )) وهو قول عوام أهل العلم ، وخالف ذلك طائفة فقالوا : لا يحل لأحد أن ينفر حتى يطوف طواف الوداع، ولم يعذروا في ذلك حائضًا بحيضها . ذكره. الطحاوي . قال ابن المنذر : روي ذلك عن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وابن عمر ، فقد روينا عنهم الرجوع ، وقول عمر بن الخطاب يَرُدَّه الثابت عن رسول الله أنه أمر الحائض أن تنفر بعد الإفاضة ، ومن هذا الحديث قال مالك : لا شيء على من ترك طواف الوداع حتى يرجع [٢/ ١٠٦٥-ب) إلى بلاده لسقوطه عن الحائض . وفيه رد لقول / عطاء والكوفيين - ٤٢٦ - والشافعي ومن وافقهم ، أن من لم يودع البيت فعليه دم ، وقولهم خلاف حديث صفية، وفي قوله : (( أحابستنا هي ؟)) دليل أن طواف الإفاضة يحبس الحائض بمكة ، لا تبرح حتى تطوف للإفاضة ؛ لأنه الطواف المفترض على كل من حج ، وعلى هذا أئمة أهل العلم ، قال مالك : إذا حاضت المرأة بمنى قبل أن تفيض حُبس عليها كَرِيَّهَا أكثر ما يحبس النساء الدم . قال ابن عبد الحكم : ويحبس على النساء أكثر ما يحبس النساء الدم في النفاس ، ولا حجة للكَرِيِّ أن يقول [ لم أعلم](١) أنها حامل . قال مالك: وليس عليها أن تعينه في العلف . وقال ابن المواز : لست أعرف حبس الكَرِيِّ ، كيف يحبس وحده يعرض لقطع الطريق . وقال الشافعي : ليس على جَمّالها أن يحبس عليها ، ويقال لها : احملي مكانك مثلك . قال المؤلف : والصواب في حديث عائشة رواية مسدد وجرير عن منصور في قولها: (( لا )) وقد بان ذلك في حديث أبي معاوية أنها قالت: (( فحضت قبل أن أدخل مكة)) وقال فليح: ((فلما كنا بسرف حضت ، فقال عليه السلام : افعلي كما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري . قالت : فقدمت مكة وأنا حائض لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة ، فلما قدمنا طهرتُ ، فخرجت من منى فأفضت بالبيت)) . فدل هذا الحديث أن عائشة لم تكن متمتعة ؛ لأنها لم تطف بالبيت حين قدمت مكة ، كما طاف من فسخ حجه في عمرة من أجل حيضتها ، ولذلك قالت: (( كل أصحابك يرجع بحجة وعمرة غيري؟)) فأمر أخاها أن يخرجها إلى التنعيم فتهل منه بعمرة لترجع بحجة وعمرة كما أرادت ، ودل هذا أيضًا أنها لم تكن قارنة ، ولو كانت قارنة لم تأسف على فوات العمرة ، ولا قالت : (( كل أصحابك يرجع بحجة وعمرة غيري )) فثبت أنها كانت مفردة بالحج . (١) في ((الأصل)): لما علم ، وهو خطأ. - ٤٢٧ - وقوله: ((عَقْرَى حَلْقى» فيه : جواز توبيخ الرجل أهله على ما يدخل على الناس بسببها ، كما وبخ أبو بكر أيضًا عائشة في قصة العقْد . باب : من صلى العصر يوم النفر بالأبطح فيه: أنس: (( صلى النبي - عليه السلام - الظهر يوم التروية بمنى ، قلت (١) : وأين صلى العصر يوم النفر؟ قال: بالأبطح، افعَلْ ما يفعلُ أُمَرَاؤُك » . قال أنس أيضًا: « صلى النبي الظهر والعصر والمغرب والعشاء ورقد رقدة بالُحَصِّب ، ثم ر کب إلى البيت فطاف به )) . قال ابن القاسم في المدونة : إذا رمى آخر أيام منى فليخرج إلى مكة ولا يصلي الظهر بمنى ، واستحب النزول بأبطح مكة وهو حيث المقبرة يصلي فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، ثم يدخل مكة أول الليل، كذلك فعل النبي - عليه السلام - وأحب أن يفعل ذلك الأئمة ومن يُقتدى به . وربما قال مالك : ذلك واسع لغيرهم . وكان أبو بكر وعمر وعثمان ينزلون بالأبطح ، وهو مستحب عند العلماء ، إلا أنه عند الحجازيين أوكد منه عند الكوفيين ، وكلهم مجمعون أنه ليس من مناسك الحج ، وهذه البطحاء هي المعرس ، والأبطح والبطحاء : ما انبطح واتسع من بطن الوادي . (١) السائل هو عبد العزيز بن رفيع ، الراوي عن أنس رضي الله عنه . - ٤٢٨ - ۔۔ ۔۔ و٠٠ باب : المُحَصَّب فيه : عائشة قالت : (( إنما كان منزلا ينزله النبي - عليه السلام - ليكون أسمح لخروجه)) يعنى : الأبطح . وفيه: ابن عباس قال : (( ليس التحصيب بشيء ، إنما هو منزل نزله رسول الله )). المُحَصَّب : هو الأبطح ، وهو المعرس ، وهو خيف منى المذكور في حديث أبي هريرة (( أن النبي - عليه السلام - قال حين أراد أن ينفر من منى : نحن نازلون غدًا إن شاء الله بخيف بني كنانة )) يعني : المحصب . وقد ذكرنا في الباب قبل هذا عن أبي بكر وعمر وعثمان أنهم كانوا ينزلون به ، وقال عمر بن الخطاب : حصبوا ، يعني : انزلوا بالمحصب ، وكان ابن عمر ينزل به ، وعن النخعي وطاوس مثله، واستحب النخعي وطاوس / أن ينام فيه نومة ، وقول عائشة [٢/ ١٠٧٥-١) وابن عباس: (( إنما هو منزل نزله رسول الله )) يدل أنه ليس من مناسك الحج ، وأنه لا شيء على من تركه ، وهذا معنى قوله : ليس التحصيب بشيء . أي : ليس من المناسك التي تلزم الناس ، وكانت عائشة لا تحصب ولا أسماء ، وهو مذهب عروة . قال الطحاوي : لم يكن نزوله عليه السلام بالمحصب لأنه سنة ، وقد اختلف في معناه، فقالت عائشة : ليكون أسمح لخروجه . قال المؤلف : يريد للمدينة ليستوي في ذلك البطيء و[المعتدل ] (١) ويكون مبيتهم وقيامهم في السحر، ورحيلهم بأجمعهم إلى المدينة . وروي عن أبي رافع أنه قال: ((أمرني رسول الله أن أضرب له الخيمة، (١) من فتح الباري لابن حجر (٦٩١/٣) وقد ذكر قول المؤلف بلفظه ولم ينسبه إليه، ووقع في ((الأصل)) المتعذر . وهو تحريف. - ٤٢٩ - ولم يأمرني بمكان بعينه ، فضربتها بالمحصب )) رواه سفيان ، عن صالح بن كيسان ، عن سليمان بن يسار ، عن أبي رافع . وروى ابن أبي ذئب عن شعبة ، أن ابن عباس قال : إنما كانت الحصبة ؛ لأن العرب كانت يخاف بعضها بعضًا ، فيرتادون فيخرجون جميعًا ، فجرى الناس عليها باب : النزول بذي طوى قبل أن يدخل مكة والنزول بالبطحاء [ التي ] (١) بذي الحليفة إذا رجع من مكة فیه : ابن عمر : « کان یبیت بذي طوی بین الثنیتین ، ثم يدخل مكة من الثنية التي بأعلى مكة ، وكان إذا قدم حاجا أو معتمرا لم ينخ ناقته إلا عند باب المسجد ، ثم يدخل فيأتي الركن الأسود فيبدأ به ، ثم يطوف سبعًا : ثلاثًا سعيًا، وأربعًا مشيًا، ثم ينصرف فيصلي سجدتين ، ثم ينطلق قبل أن يرجع إلى منزله فيطوف بين الصفا والمروة وكان إذا صدر عن الحج أو العمرة أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة التي كان النبي - عليه [السلام -] (٢) ينيخ بها)) . وسئل (٣) عبيد الله عن ( التحصیب ) (٤) فحدثنا عن نافع ، قال : («نزل بها رسول الله وعمر وابن عمر ، وكان ابن عمر يصلي بها - يعني: (١) من الصحيح المطبوع (٦٩٢/٣) وكذلك في متن الحديث الآتي هنا، وكذا في الشرح وفي (( الأصل )» الذي . (٢) سقطت من (( الأصل)). (٣) القائل : سئل هو خالد بن الحارث ، وهو الذي قال: فحدثنا ... كما في الفتح رقم (١٧٦٨) . (٤) في الصحيح المطبوع : المحصب . - ٤٣٠ - بالمحصب - الظهر والعصر، أحسبه قال: والمغرب)) قال خالد : لا أشك في العشاء ويهجع هجعة ، ويذكر ذلك عن النبي - عليه السلام . النزول بذي طوى قبل أن يدخل مكة ، والنزول بالبطحاء التي بذي الحليفة عند رجوعه ، ليس شيئًا من سنن الحج ومناسكه ، فمن شاء فعلها ، ومن شاء تركها . باب : من نزل بذي طوى إذا رجع من مكة فیه : ابن عمر : ( کان إذا أقبل بات بذي طُوی حتى إذا أصبح دخل ، وإذا نَفَرَ مَرَّ بذي طُوى وبات بها حتى يصبح ، وكان يذكر أن النبي - عليه السلام - كان يفعل ذلك )) . وهذا أيضًا ليس من مناسك الحج ، وإنما فيه استحباب دخول مكة نهارًا ، وهو مذهب ابن عمر ، واستحبه النخعي ومالك وإسحاق ، وكانت عائشة تدخل مكة ليلا ، وهو مذهب عمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير ، وقال عطاء والثوري : إن شئت دخلتها نهارًا ، وإن شئت دخلتها ليلا . قال ابن المنذر : وقد دخلها الرسول ليلا حين اعتمر من الجعرانة . * باب : التجارة في أيام الموسم والبيع والشراء في أسواق الجاهلية فيه : ابن عباس : كان ذو المجاز وعكاظ متجر الناس في الجاهلية ، فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت : ﴿ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾ (١) في مواسم الحج . (١) البقرة : ١٩٨. - ٤٣١ - ذكر إسماعيل بن إسحاق قال : حدثنا مسدد ، حدثنا عبد الواحد ابن زياد ، حدثنا العلاء بن المسيب ، عن أبي أمامة التيمي قال : ١٠٧٥/٢١-ب) «كنت أکري في هذا الوجه / وکان ناس يقولون : إنه ليس لك حج، فلقيت ابن عمر فسألته ، فقال : أليس تحرم وتلبي ، وتطوف بالبيت، وتفيض من عرفات، وترمي الجمار ؟ قلت : بلى . قال : فإن لك حجًا ، وإن رجلا سأل النبي - عليه السلام - عن مثل ما سألتني عنه، فسكت عنه عليه السلام حتى نزلت هذه الآية : ﴿ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ﴾ (١) . وقال مجاهد في هذه الآية : أحلت لهم التجارة في المواسم، وكانوا لا يبيعون ولا يبتاعون بعرفة ولا بمنى في الجاهلية وقال قتادة : كانوا إذا أفاضوا من عرفات لم يتجروا ولم يتعرجوا على كسير ولا ضالة ، فأحل الله لهم ذلك فأنزل الآية . وقال الطحاوي : أخبر ابن عباس أن هذه الآية نسخت ما كانوا عليه في الجاهلية من ترك التبايع في الحج ، وأنهم كانوا لا يخلطونه بغيره، فأباحهم تعالى التجارة في الحج وابتغاء فضله ، ولم يكن ما دخلوا فيه من حرمة الحج قاطعًا لهم عن ذلك . ودل ذلك على أن الداخل في حرمة الاعتكاف لا بأس عليه أن يتجر في مواطن الاعتكاف منه ، كما لم تمنعه حرمة الحج منه . وممن أجاز للمعتكف البيع والشراء الكوفيون والشافعي ، وقال الثوري : يشتري الخبز إذا لم یکن له من يشتريه له. وبه قال أحمد ، واختلف فيه عن مالك ، فروى عنه ابن القاسم إجازة ذلك إذا كان يسيراً ، وروي عنه مثل قول الثوري ، وكره ذلك عطاء ومجاهد والزهري (١) البقرة : ١٩٨. ٠ - ٤٣٢ - باب : الادِّلاج من المحصب فيه: عائشة قالت: (( حاضت صفية ليلة النفر ، فقالت : ما أراني إلا حابستكم ... )) الحديث ((قلت : يا رسول الله ، إني لم أكن أحللت ؟ قال : فاعتمري من التنعيم ، فخرج معها أخوها ، فلقيناه مدَّلْجاً ، فقال: موعدُك مكان كذا وكذا )) . وهذا ليس من مناسك الحج ، ذكر عبد الرزاق قال : أخبرنا عمر ابن ذر، أنه سمع مجاهدًا يقول: (( أناخ النبي - عليه السلام - ليلة النفر بالبطحاء ينتظر عائشة ، وكره أن يقتدي الناس بإناخته ، فبعث حتى أناخ على ظهر العقبة أو من ورائها ينتظرها )» . قال الطبري : الادّلاج بتشديد الدال : الرحيل من المنزل بسحر . قال الأعشى : وادّلاج بعد المنام وتهجير والإِدْلاج بتخفيف الدال : الرحيل من المنزل في أول الليل والسير فيه . قال الأعشى : وإِذْلاج ليل على غرة وهاجرة حرّها محتدم باب : وجوب العمرة وفضلها وقال ابن عمر : ليس أحد إلا وعليه حجة وعمرة . وقال ابن عباس : إنها لقرينتها في كتاب الله: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ (١) . فيه : أبو هريرة أن رسول الله قال: (( العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)) . (١) البقرة : ١٩٦ . - ٤٣٣ - اختلف الناس في وجوب العمرة ، فكان ابن عباس وابن عمر يقولان : هي واجبة فرضًا . وهو قول عطاء وطاوس والحسن وابن سيرين والشعبي ، وإليه ذهب الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق . وقال ابن مسعود : العمرة تطوع . وهو قول أبي حنيفة وأبي ثور ، وقال النخعي : هي سنة . وهو قول مالك ، قال : ولا يعلم [لأحد] (١) الرخصة في تركها . واحتج الذين أوجبوها فرضًا بقول الله- تعالى -: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ (٢) ومعنى أتموا عندهم : أقيموا ، قالوا : فإذا كان الإتمام واجبًا ، فالابتداء واجب . قال ابن القصار : فيقال لهم : هذا غلط ؛ لأن من أراد أن يفعل السنة فواجب أن يفعلها تامة ، كمن أراد أن يصلي تطوعًا فيجب أن يكون على طهارة ، وكذلك إذا أراد أن يصوم ، فيلزمه التبييت ، وكذلك من نذر صلاةٌ و[صومًا ] (٣) فقد أوجب على نفسه وإن لم تجب في الأصل ، فإذا دخل في ذلك انحتم علیه تمامه حتی یصیر [١٠٨٥/٢-) بمنزلة ما ابتدأه الله، وما قالوه يبطل بالدخول في عمرة ثانية وثالثة / لأنه يجب المضي فيها، فلما أجمعنا أنه يجب عليه تمامها وإن لم يكن ابتداء الدخول فيها واجبًا سقط قولهم ، واحتجوا بحديث ابن عمر أن النبي - عليه السلام - قال: (( ليس أحد إلا عليه حجة وعمرة واجبتان)) فالجواب : أن البخاري أوقفه على ابن عمر من قوله، فلا حجة فيه ، ولو صح عن الرسول لكان ذكره للعمرة مقارنة الحج لا يدل على وجوبها ، وإنما معناه الحض على هذا الجنس من العبادات ، كما قال عليه السلام: (( قال تعالى: الصوم لي، وأنا أجزي به)) . وقال: (( تابعوا بين الحج والعمرة)) لما لم يدل على وجوب المتابعة،. - (١) في ((الأصل)) : لحد. (٢) البقرة : ١٩٦ . (٣) في ((الأصل)): صوم . وهو خلاف الجادة. - ٤٣٤ - لم يدل على وجوب العمرة ، وإنما أراد عليه السلام أن لهذا الجنس من العبادات فضلا على غيره . وقال الطحاوي : ليس [ في ] (١) قول ابن عمر أنها واجبة ما يدل أنها فريضة ؛ لأنه قد يجوز أن يقول أنها واجبة على المسلمين وجوبًا عامًا يقوم به البعض ، كوجوب الجهاد ، أنه واجب على المسلمين وجوبًا ، من قام به أجزا عنهم ، وكوجوب الجنائز وغسل الموتى ، ويدل على هذا قول ابن عمر : إذا حللتم [ فشدوا ] (٢) الرحال للحج والعمرة ؛ فإنهما أحد الجهادين ؛ ألا ترى أنه شبههما بالجهاد الذي يقوم بفرضه بعضهم. وقوله عليه السلام: ((بني الإسلام على خمس)) فذكر الحج ولم يذكر العمرة ، فدل أنها ليست بفريضة ؛ لأنها لو كانت فريضة ما وسعه عليه السلام السكوت عن ذكرها مع جملة الفرائض، وقوله: ((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما)) يريد ما اجتنبت الكبائر (( والحج المبرور )» هو الذي لا رياء فيه ولا رفث ولا فسوق ، ويكون بمال حلال - والله أعلم . باب : من اعتمر قبل الحج وقال ابن عمر: (( لا بأس بالعمرة قبل الحج ، اعتمر الرسول قبل أن یحج )). قال المؤلف : قول ابن عمر هذا يدل أن مذهبه أن فرض الحج قد كان نزل على النبي - عليه السلام - قبل اعتماره ، ولو اعتمر عليه السلام قبل نزول فرض الحج ما صح استدلال ابن عمر بهذا الكلام (١) ليست في ((الأصل)) ويقتضيها السياق. (٢) في (( الأصل)): فشدّاً . وما أثبتناه هو الصواب . - ٤٣٥ - على جواز الاعتمار قبل الحج ، والذي يتفرع من هذا المعنى : هل فرض الحج على الفور ولا يجوز تأخيره ، أو هل فيه فسحة وسعة ؟ والذي نزع فيه ابن عمر هو الصحيح في النظر ، وهو الذي تعضده الأصول ، أن في فرض الحج سعة وفسحة ؛ لأن العمرة لم يَجْرِ لها ذكر في القرآن إلا والحج مذكور معها ، ولذلك قال ابن عباس : إنها لقرينتها في كتاب الله ﴿ وأتموا الحج والعمرة لله﴾ (١) ولو كان فرض الحج على الفور لم يجز فسخه في عمرة ، ولا أمر الرسول أصحابه. بذلك ، ولو كان وقته مضيقًا لوجب إذا أخره إلى سنة أخرى أن يكون قضاء لا أداء ، فلما ثبت أنه أداء في أي وقت به ، علم أنه ليس على الفور . وقد تقدم الكلام في هذا المعنى في باب : لا يطوف بالبيت عريان ، ولا يحج مشرك . في الجزء الأول من الحج ، وسيأتي شيء منه في قصة كعب بن عجرة حين آذاه هوامه وحلق رأسه بالحديبية - إن شاء الله . باب : كم اعتمر النبي عليه السلام [ فيه : عروة: أنه سأل ابن عمر: كم اعتمر الرسول ؟ قال: ](٢) أربع عمر، إحداهن في رجب . وقالت عائشة : يرحم الله أبا عبد الرحمن ، ما اعتمر عمرة إلا وهو شاهدهُ، وما اعتمر في رجب قط )) . وفيه: أنس: (( اعتمر النبي - عليه السلام - أربعًا : عمرة الحديبية في ذي القعدة حين صده المشركون ، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة (١) البقرة : ١٩٦ . (٢) سقط من الأصل، وكأنه لانتقال نظر الناسخ من لفظ الباب إلى لفظ الحديث، والسياق يقتضيه ولا بُدّ ، فأثبته على نحو أسلوب المؤلف ، وهو في الصحيح المطبوع (١٧٧٥ - فتح) - ٤٣٦ - حيث صالحهم ، وعمرة الجعرانة حيث قسم غنيمة حنين . قلت : كم حج؟ قال : واحدة، وعمرة مع حجته)) وقال همام عنه: اعتمر أربع عمر في ذي القعدة إلا التي اعتمر في حجته . قال البراء: ((اعتمر النبي - عليه السلام - ثلاث عمر)). والرابعة إنما تجوز نسبتها إليه ؛ لأنه أمر الناس بها ، وعُملت بحضرته ، لا أنه عليه السلام اعتمرها بنفسه (١) ، ويدل على صحة هذا القول أن عائشة ردت على ابن عمر قوله / وقالت: ((ما اعتمر [٢/ ٨٥ ١٠ -ب] في رجب قط)). وأما أنس فإنه لم يضبط المسألة ضبطًا جيدًا، وقد أنكر ذلك [عليه ] (٢) ابن عمر حين ذكر له أن أنسًا حدث ((أن النبي - عليه السلام - أهل بعمرة وحج ، فقال ابن عمر: أهل النبي - عليه السلام - وأهللنا به )) ذكره البخاري في المغازي ، ففي رد ابن عمر على أنس أن النبي - عليه السلام - اعتمر مع حجته ، رد من ابن عمر على نفسه أيضًا ، وقد جاء عن أنس نفسه خلاف قوله ، وهو حديث مروان [ الأصفر ] (٣) عنه أن النبي - عليه السلام- قال لعلي: (( لولا أن معي الهدي لأحللت)) ذكره في باب : من أهل في زمن النبي - عليه السلام - كإهلال النبي. فامتناعه عليه السلام من الإحلال لأجل الهدي يدل أنه كان مفردًا للحج ؛ لأنه اعتذر عن الفسخ فيه بالهدي ، ولو كان قارنًا ما جاز أن يعتذر لاستحالة الفسخ على القارن، فكيف يجوز أن ينسب إليه عليه السلام أنه اعتمر مع حجته إلا على معنى أنه أمر بذلك من لم يكن معه هدي ؟! هذا ما لا ريب فيه ولا شك ، وروى عبد الرزاق ، عن عمر بن ذر ، عن مجاهد ، أنه قال: ((اعتمر النبي - عليه السلام - ثلاثًا، كلهن في ذي القعدة)) وعن معمر، عن هشام بن عروة قال: ((اعتمر النبي ثلاثًا)). (١) انظر الفتح (٧٠٥/٣). (٢) في ((الأصل)): ((علي)) وهو خطأ. (٣) جاء في المخطوط : الأصغر . وهو خطأ والصواب : ما أثبتناه . - ٤٣٧ - باب : عمرة في رمضان فيه: ابن عباس قال النبي - عليه السلام - (١): (( ما منعك أن تحجي معنا؟ قالت : كان لنا ناضح فر کبه أبو فلان و ابنه - لزوجها وابنها - وترك ناضحًا ننضح علیه . قال : فإذا كان في رمضان فاعتمري فيه ، فإن عمرة في رمضان كحجة )) . قوله : « فإن عمرة فيه کحجة » يدل أن الحج الذي ندبها إليه كان تطوعًا ؛ لإجماع الأمة أن العمرة لا تجزئ من حجة الفريضة ، فأمرها بذلك على الندب لا على الإيجاب. وقوله : (( كحجة )) يريد في الثواب ، والفضائلُ لا تدرك بقياس ، والله يؤتي فضله من يشاء . والناضح : البعير أو الثور أو الحمار يربط به الرشاء يجره فيخرج الغرب ، ويقال لها أيضًا : السانية . باب : عمرة التنعيم فيه : عبد الرحمن بن أبي بكر: (( أن النبي - عليه السلام - أمره أن يردف عائشة ويعمرها من التنعيم )) . وفيه: جابر: (( أن النبي - عليه السلام - أمر عبد الرحمن أن يخرج معها إلى التنعيم ، فاعتمرت بعد الحج في ذي الحجة ، وأن سراقة بن مالك لقي النبي - عليه السلام - وهو بالعقبة ، فقال : ألكم هذه خاصة یا رسول الله؟ قال : لا ، بل للأبد » . فقه هذا الباب أن المعتمر المكي لا بد له من الخروج إلى الحِلِّ ثم يحرم منه ؛ لأن التنعيم أقرب الحِلِّ ، وشأن العمرة عند الجميع أن يجمع فيها بين حل وحرم ، المكي وغيره ، والعمرة زيارة ، وإنما يزار (١) يعنى : لأمرأة من الأنصار . - ٤٣٨ - الحرم من خارجه كما يزار المزور في بيته من غير ( ) (١) وتلك سنة الله في عباده المعتمرين ، وما بعد من الحل كان أفضل ، ويجزئ أقل الحل وهو التنعيم . وقال الطحاوي: ذهب قوم إلى أن العمرة لمن كان بمكة لا وقت لها غير التنعيم ، وجعلوا التنعيم خاصة وقتًا لعمرة أهل مكة ، وقالوا : لا ينبغي لهم أن يجاوزوه ، كما لا ينبغي لغيرهم أن يجاوز ميقاتًا وقته لهم رسول الله . وخالفهم في ذلك آخرون ، وقالوا : وقت أهل مكة الذي يحرمون منه بالعمرة : الحِلَّ ، فمن أَيِّ الحِلِّ أحرموا أجزأهم ذلك ، والتنعيم وغيره عندهم في ذلك سواء ، واحتجوا بأنه قد يجوز أن يكون النبي - عليه السلام - قصد إلى التنعيم في ذلك ؛ لأنه كان أقرب الحلِّ منها، لا لأن غيره من الحل ليس هو في ذلك كهو، فطلبنا الدليل على أحد القولين ، فإذا يزيد بن سنان حدثنا قال : حدثنا عثمان بن عمر ، حدثنا أبو عامر صالح بن رستم ، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: (( دخل عليّ رسول الله بسرف وأنا أبكي ، فقال : ما ذلك ؟ قلت : حضت . قال : فلا تبكي ، اصنعي ما يصنع الحاج . فقدمنا مكة / ثم أتينا منى ، ثم غدونا إلى عرفة، ثم رمينا الجمرة تلك الأيام ، فلما كان يوم النفر ارتحل فنزل الحصبة ، قالت : والله ما نزلها إلا من أجلي ، فأمر عبد الرحمن فقال : احمل أختك ، فأخرجها من الحرم - قالت : والله ما ذكر الجعرانة ولا التنعيم- فلتهل بعمرة ، فكان أدنانا من الحرم التنعيم ، فأهللت بعمرة، فطفنا بالبيت وسعينا بين الصفا والمروة ، ثم أتيناه فارتحل )). [٢/ ق١٠١٠٩] (١) كتب هنا في ((الأصل)): سُنّة بضمة على السين، وشدّة على النون، وأظن الناسخ قد انتقل بصره إلى قول المؤلف بعدها ((وتلك سنة)) والمعنى المقصود هنا : أن المزود يزاد من خارج بيته والله أعلم . - ٤٣٩ - فأخبرتْ عائشة أن النبي - عليه السلام - لم يقصد لما أراد أن يعمرها إلا إلى الحل ، لا إلى موضع بعينه خاص ، وأنه إنما قصد التنعيم ؛ لأنه كان أقرب الحل إليهم ، لا لمعنى آخر ؛ فثبت أن وقت أهل مكة لِعُمَرِهم هو الحل ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه . وقال الطحاوي : سؤال سراقة للنبي - عليه السلام - يحتمل أن يكون أراد عمرتنا هذه في أشهر الحج لعامنا هذا ، ولا يفعل ذلك فيما بعد ؛ لأنهم لم يكونوا يعرفون العمرة فيما مضى في أشهر الحج ، ويعدُّون ذلك من أفجر الفجور - أو للأبد ، فقال رسول الله: ((هي للأبد )) أي : لكم أن تفعلوا ذلك أبداً، وليس على أن لهم أن يحلوا من الحج قبل عرفة بطوافهم بالبيت وسعيهم بين الصفا والمروة ، لما تقدم منه أن الفسخ كان لهم خاصة ، هكذا رواه جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر: ((عمرتنا لعامنا هذا أو للأبد ؟)) وتابعه خصيف والأوزاعي جميعًا عن عطاء ، عن جابر (( أن سراقة قال للنبي - عليه السلام - : لكم هذه خاصة يا رسول الله ؟ قال: لا ، بل للأبد )) . والمعنى فيهما واحد على ما فَسَّره الطحاوي . * باب : العمرة ليلة الحصبة وغيرها فيه : عائشة: (( خرجنا مع الرسول [ موافين ] (١) لهلال ذي الحجة، فقال لنا : من أحب أن يهل بالحج فليهل ، ومن أحب أن يهل بعمرة فليهل . وكنت ممن أهل بعمرة ... )) إلى قولها: ((فلما كان ليلة الحصبة أرسل معي عبد الرحمن إلى التنعيم، فأهللت بعمرة مكان عمرتي )) . (١) في (( الأصل)): موافيين. وما أثبتناه من الصحيح المطبوع (٣/ ٧٠٨)، وهو الصواب . - ٤٤٠ -