النص المفهرس

صفحات 381-400

والثوري ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق، وأبو ثور ،
كلهم احتج بحديث عائشة أن تقليد الهدي لا يوجب الإحرام على من
لم يَنْوِهِ ، وَرَدّوا قول ابن عباس ، فإنه كان يرى أن من بعث بهدي
إلى الكعبة ، لزمه إذا قلده : الإحرام ، وتجنّب كل ما يتجنب الحاج
حتى ينحر هديه ، وتابع ابن عباس على ذلك ابن عمر ، وبه قال
عطاء ، وهم محجوجون بالسنة الثابتة في حديث عائشة ، ولیس أحد
بحجة على السنة .
قال الطحاوي : وقد رأى ربيعة بن الهدير رجلا متجرداً بالعراق ،
فسأل الناس عنه ، فقالوا : أمر بهديه أن يقلد ، فلذلك تجرد ، فذكر
ذلك لابن الزبير ، فقال : بدعة ورب الكعبة . فلا يجوز أن يكون
ابن الزبير حلف على ذلك أنه بدعة إلا وقد علم أن السنة خلاف ذلك.
باب : فتل القلائد للبدن والبقر
فيه: حفصة قالت: ((قلت : يا رسول الله ، ما شأن الناس حلوا ولم
تحل أنت ؟ قال : إني لبّدت رأسي ، وقلدت هديي ، فلا أحل حتى أحل
من الحج)).
وفيه: عائشة: (( كان النبي - عليه السلام - يهدي من المدينة ، فأُقْتُلُ
قلائد هدیه ، ثم لا يجتنب شيئًا مما يجتنبه المحرم )) .
فيه من الفقه: أيما عمل لله من الأعمال فإنه يجب إتقانها وتحسينها؛
ألا ترى عائشة لم تقنع في القلائد إلا بفتلها وإحكامها .
وأجمع العلماء على تقليد الهدي ، والتقليد إنما هو علامة للهدي ،
كأنه إشهاد أنه أخرجه من ملكه لله - تعالى - وليعلم الناس الذين
يبتغون أكله فيشهدون نَحْره ، وفيه عمل أزواج النبي - عليه السلام -
- ٣٨١ -

بأيديهن ، وخدمتهن في بيوتهن ، وقد كان النبي - عليه السلام -
يخدم في بيته .
باب : إشعار البدن
قال المسور : ((قَلَّدَ النبي - عليه السلام - الهدي وأشعره وأحرم
بالعمرة » .
فيه: عائشة قالت: (( فتلت قلائد هدي النبي - عليه السلام - ثم
أشعرها وقلدها ، أو قلدتها ، ثم بعث بها إلى البيت وأقام بالمدينة ، فما
حرم عليه شيء كان له حل )) .
۔۔
جمهور العلماء يَرَوْنَ إشعار البدن ؛ لأنه سنة ثابتة ، وممن رأى
ذلك عمر بن الخطاب ، وابن عمر ، والحسن البصري ، والقاسم ،
وسالم ، وعطاء ، وبه قال مالك ، وأبو يوسف ، ومحمد ،
والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور .
وأنكر الإشعار أبو حنيفة وقال : إنما كان ذلك قبل النهي عن المثلة،
وهذا تحكم لا دليل [ عليه ] (١) وسوء ظن، ولا تترك السنن بالظنون،
[٢/ ق٩٧ -ب) وقد / روى الإشعار عن النبي - عليه السلام - جماعة .
قال ابن القصار: فإن قيل : فقد روي عن عائشة: ((إن شئت
فأشعر ، وإن شئت فلا ، فإنما أشعر ليعلم أنها بدنة إذا ضلت )) فدل
أنه علامة ليس بنسك ، وقد روي مثل ذلك عن ابن عباس ، قيل : إن
ابن عباس وعائشة إنما أعلما أن الإشعار ليس بواجب ، وبذلك نقول،
غير أن فعله أفضل من تركه ؛ لأن ابن عمر قال: لا [ هَدْي ] (٢)
(١) ليس في ((الأصل)) وكأنه سقط من الناسخ.
(٢) في ((الأصل)) أهدي، وهو محتمل، لكن المثبت أنسب للسياق عند
التأمل، فكأن الناسخ زاد الألف وهما ، والله أعلم .
- ٣٨٢ -

إلا ما قُلد أو أُشعر . أي لا هدي كامل ، ولا نقول إن الإشعار نسك
يجب في تركه دم ، واستحب مالك الإشعار في الشق الأيسر على ما
رواه نافع عن ابن عمر أنه ربما فعل هذا ، وربما فعل هذا .
واستحب أبو يوسف ، ومحمد ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق
الإشعار في الشق الأيمن ، رواه معمر عن الزهري ، عن سالم ، عن
أبيه أنه كان يفعله .
واختلفوا في إشعار البقر ، فكان ابن عمر يقول : نشعر البقر في
أسمتها ، وقال عطاء والشعبي : يقلد ويشعر . وهو قول أبي ثور ،
وقال مالك : تُشعر التي لها سنام وتُقُلد ، ولا تُشعر التي لا سنام لها
وتقلد . وقال سعيد بن جبير : تُقْلدُ ولا تُشعر .
باب : من [ قلد ](١) القلائد بيده
فيه : زياد بن أبي سفيان: (( كتب إلى عائشة أن ابن عباس قال : من
أهدى هديًا حُرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر هديه ، فقالت
عائشة : ليس كما قال ابن عباس ، أنا فتلت قلائد هدي رسول الله بيدي،
ثم قلدها رسول الله بیدیه ، ثم بعث بها مع أبي ، فلم يحرم على رسول الله
شيء أحله الله له حتى نحر الهدي )» .
فيه من الفقه : جواز امتهان الخليفة في الخدمة (٢) ، وتناول بعض
الأمور بنفسه ، وإن كان له من يكفيه ، ولا سيما فيما يكون من
إقامة الشرائع وأمور الديانة ، وفيه إنكار عائشة على ابن عباس أن من
بعث بهدي فقد وجب عليه الإحرام ، واحتجاجها عليه بفعل النبي -
(١) في ((الأصل)): فتل. والمثبت من الفتح (٦٣٧/٣) ولم يذكر الحافظ غيره ،
وهو الصواب الموافق لسياق حديث الباب .
(٢) في ((الأصل)): جواز امتهان الخليفة في العالم في الخدمة. كذا ولم أعرف
المقصود بـ : في العالم ، والظاهر أنها محرفة والله أعلم .
- ٣٨٣ -

عليه السلام - أنه بعث مع أبي بكر سنة تسع بهدي ، وقعد عن
الحج، ولم يحرم عليه شيء ، وهذه حجة قاطعة ، وقد تقدمت هذه
المسألة في باب : من أشعر وقلد الهدي بذي الحليفة ثم أحرم .
باب : تقلید الغنم
فيه: عائشة قالت: ((أهدى الرسول مرة غنمًا)).
م
حلالا )) .
وقالت مرة: (( كنت أفتل القلائد للنبي ، فيقلد الغنم ويقيم في أهله
اختلف العلماء في تقليد الغنم ، فممن رأى تقليدها أخذًا بهذا
الحديث : عائشة أم المؤمنين ، وهو قول عطاء ، وبه قال الشافعي ،
وأحمد ، وإسحاق، وأبو ثور . وقال مالك وأبو حنيفة : لا يقلد
الغنم ، وأظنه لم يبلغهم الحديث .
باب : القلائد من العھن
فيه: عائشة قالت: (( فتلت قلائدها من عهن كان عندي)) .
العهن : الصوف، وأكثر ما يكون مصبوغًا ليكون أبلغ في العلامة .
*
باب : تقليد النَّعْلِ
فيه : أبو هريرة: (( رأى النبي - عليه السلام - رجُلا يسوق بدنة ، قال :
اركبها ، قال : إنها بدنة ، فلقد رأيته راكبها يساير النبي - عليه السلام -
والنعل في عنقها)) .
قال ابن عمر : يقلد الهدي نعلين ، وبه قال الثوري والشافعي ،
وقال مالك : تجزئ النعل الواحدة ، وهو قول الزهري ، وقال
الثوري: فم القربة تجزئ ونعلان أفضل لمن وجدهما ..
: - ٣٨٤ -

باب : الجلال للبدن
/ وكان ابن عمر لا يشق من الجلال إلا موضع السنام، فإذا نحرها نزع [٢/ ٩٨٥-١]
جلالها مخافة أن يفسدها الدم ، ثم يتصدق بها .
فيه : علي رضي الله عنه قال: (( أمرني رسول الله أن أتصدق بجلال
البدن التي نحرت وبجلودها )) .
قال الطبري : فيه الإبانة أن من سنة رسول الله في البدن إذا ساقها
سائق إلى الكعبة أن يجللها ، فإذا بلغت محلها أن ينحرها ، ويتصدق
بلحومها وجلودها وجلالها ، وفيه أن لصاحبها أن يولي نحرها غيره ،
وأنه لا بأس عليه إن لم يلي ذلك بنفسه ، وفيه أن له أن يولي قسم
لحومها من شاء .
وقال ابن المنذر : كان ابن عمر يجلِّل بُدنه الأنماط والبرود
و[الحبر] (١) حتى يخرج من المدينة ، ثم ينزعها ويطويها حتى يكون يوم
عرفة فيلبسها إياها حتى ينحرها ، ثم يتصدق بها .
قال المهلب : وهذا إنما فعله على وجه التطوع والتبرع بما كان أَهَلَّ
به الله ألا يرجع في شيء منه ، ولا في المال المضاف إليه ، وليس
بفرض عليه ، وكان مالك وأبو حنيفة والشافعي يرون تجليل البدن .
باب : ذبح الرجل البقر عن نسائه من غير أمرهن
فيه : عائشة: (( خرجنا مع النبي - عليه السلام - لخمس بقين من ذي
القعدة ، ولا نری إلا الحج ، فلما دنونا من مکة أمر رسول الله من لم یکن
(١) في ((الأصل))، الحب وهو خطأ، وصوابه ما أثبت، وهو جمع ((حبرة)):
ثوب من قطن أو كتان مخطط كان يصنع باليمن . وهكذا نقله الحافظ ابن =
- ٣٨٥ -

معه هدي إذا طاف وسعى بين الصفا والمروة أن يحل ، قالت : فدخل .
علينا يوم النحر بلحم بقر ، فقلت : ما هذا ؟ قال : نحر رسول الله عن
أزواجه )) .
قال یحیی : فذكرتُ للقاسم، قال : أتتك بالحديث على وجهه )) .
وهذا الذبح إنما كان هدي التمتع ، نحره رسول الله عمن تمتع من
أزواجه ، وأخذ جماعة من العلماء بظاهر هذا الحديث ، وأجازوا
الاشتراك في هدي التمتع والقران على ما تقدم في حديث أبي جمرة
عن ابن عباس ، ومنع مالك ذلك ، ولا حجة لمن خالف مالكًا في
هذا الحديث ؛ لأن قوله: (( نحر رسول الله عن أزواجه البقر ))
يحتمل أن يكون نجر عن كل واحدة منهن بقرة ، وهذا غير مدفوع من
التأويل .
فإن قيل : إنما نجر البقر عنهن على حسب ما أتى عنه في الحديبية :
(( أنه نحر البقرة عن سبعة والبدنة عن سبعة)) قيل : هذه دعوى لا دليل
عليها ؛ لأن نحره في الحديبية كان عندنا تطوعًا ، والاشتراك في هدي
التطوع جائز على رواية ابن عبد الحكم عن مالك ، والهدي في
حديث عائشة واجب ، ولا يجوز الاشتراك في الهدي الواجب ،
فالحديثان مستعملان عندنا على هذا التأويل ..
قال إسماعيل بن إسحاق : وأما رواية يونس عن الزهري ، عن
عمرة ، عن عائشة: ((أن النبي - عليه السلام - نحر عن أزواجه بقرة
واحدة )) فإنّ يونس انفرد بذلك وحده ، وخالفه مالك فأرسله ، ورواه
القاسم وعمرة عن عائشة (( أن رسول الله ذبح عن أزواجه البقر))
حدثنا بذلك أبو مصعب، عن مالك ، عن عبد الرحمن بن القاسم،
= حجر في الفتح (٦٤٢/٣) عن ابن المنذر من طريق أسامة بن زيد ، عن نافع ،
عن ابن عمر .
- ٣٨٦ -

عن أبيه ، عن عائشة . وحدثنا به القعنبي عن سليمان بن بلال ، عن
يحيى ، عن عمرة ، عن عائشة . وهذه أسانيد الفقهاء الذين يفهمون
ما يحتاج إلى فهمه .
قال المهلب : في حديث عائشة من الفقه أنه من كَفَّر عن غيره
كفارة يمين أو ظهار ، أو قتل نفس ، أو أهدى عنه ، أو أَدَّی عنه دينا
بغير أمره ، أن ذلك كله مجزئًا (١) عنه ؛ لأنه لم يعرف نساء النبي -
عليه السلام - بما أدى عنهن من نحر البقر لما وجب عليهن من نُسك
التمتع، وهذا حجة لابن القاسم في قوله : إذا أعتق الرجل عبده عن
غيره في كفارة الظهار أنه يجزئه ، ولم يُجز ذلك أشهب وابن المواز ،
وقالا : لا يعتق عنه بغير علمه ؛ لأنه فرض وجَبَ عليه ، ودليل هذا
الحديث لازم لهما ، ولمن قال بقولهما من الفقهاء .
وقد تقدمت هذه المسألة واختلاف أهل العلم فيما يجوز عمله بنية
ويغير نية في آخر كتاب الإيمان في باب : ما جاء من الأعمال / بالنية [٩٨٥/٢ -ب]
والحسنة ، وقد تقدم معنى قوله : أتتك بالحديث على وجهه ، وهو
أنها ذكرت ابتداء الإحرام وذكرت انتهاءه حين وصلوا إلى مكة ، وفسخ
من لم يسق الهدي .
باب : النحر في منحر النبي - عليه السلام - بمنى
فيه : ابن عمر: (( أنه كان ينحر في منحر رسول الله ، وكان يبعث بهديه
من جمْع من آخر الليل حتى يدخل به منحر رسول الله - عليه السلام -
مع حجاجٍ فيهم الحر والمملوك )) .
المنحر في الحج بمنى إجماع من العلماء ، فأما العمرة فلا طريق لنا
فيها ، فمن أراد أن ينحر في عمرته ، أو ساق هديا تطوع به ، نحره
(١) هكذا في ((الأصل)) بالنصب.
- ٣٨٧ -

بمكة حيث شاء ، وهذا إجماع أيضًا ، فمن فعل هذا فقد أصاب
السنة، وبهذا قال مالك . وقال أبو حنيفة والشافعي : إن نحر في غير
منى ومكة من الحرم أجزأه ، قالوا : وإنما أريد بذلك مساكين الحرم
ومكة .
وقد أجمعوا أنه إن نحر في غير الحرم ولم يكن محصَرًا بعدو أنه
لا يجزئه ، قال ابن القصار : والحجة لمالك ما ذكره في موطئه : أنه
بلغه أن النبي - عليه السلام - قال في حجه بمنى : (( هذا المنحر ،
ومنى كلها منحر))؛ وقال في العمرة: (( هذا المنحر - يعني المروة -
وكل فجاج مكة منجر )) . فدل دليل الخطاب أن غيرهما ليس بمنحر ؛
لأنه كان يكفي أن يذكر أحدهما لينبه به على سائر الحرم ، فلما
خصهما جميعًا علم أن منى خصت للحجاج ؛ لأنهم يقيمون بها ،
فجعل نحرهم بها ، وجعل مكة منحرًاً للمعتمرين إذا فرغوا من
سعيهم عند المروة .
فإن قيل : فقد نحر النبي - عليه السلام - هديه بالحديبية وليست
بمكة ولا منى ولكنها من الحرم ، قيل : هذا الهدي لم يكن بلغ محله
كما قال الله، وإنما جاز له أن يذبحه في غير محله، كما جاز له أن
يخرج من إحرامه في غير محله ، ولما قال الله في الهدي : ﴿ معكوفًا
أن يبلغ محله ﴾ (١) علمنا أن محله مكة لقوله تعالى: ﴿ هديًا بالغ
الكعبة﴾ (٢).
وصَدَّ النبي - عليه السلام - لم يكن عن الحرم ، وإنما كان عن
البيت ؛ لأن الحديبية بعضها حرم ، وبعضها حل ، وترجح قياسًا أن
مكة مخصوصة بالبيت ، والطواف بالبيت دون سائر الحرم ، ومنى
مخصوصة بالتحلل فيها بالرمي والمقام بها لبقية أعمال الحج ، وليس
(١) الفتح : ٢٥ .
(٢) المائدة : ٩٠.
- ٣٨٨ -

كذلك سائر الحرم ، فخص هذان الموضعان بالنحر فيهما لهذا
التخصيص فيهما ، وكذلك فعل الرسول وأصحابه بعده .
باب : من نحر بيده
وباب : نحر الإبل المقيدة
فيه : ابن عمر (( أنه أتى على رجل قد أناخ بدنته بنحرها ، قال : ابعثها
قیامًا مقيدة سنة محمد صلی الله علیه )) .
قال المهلب: معنى قوله: (( قيامًا مقيدة)) يعني : معقولة اليد
الواحدة قائمة على ما بقي من قوائمها ، وعلى هذا المعنى قراءة من قرأ
((صوافن)) لأنه يقال : صفن الفرس ، إذا رفع إحدى يديه ، وأما من
قرأ: ﴿صواف﴾ (١) فإنه أراد قائمة، وقال مالك: [ تعقل] (٢) إن
خيف أن تنفر ، ولا تنحر باركة إلا أن يصعب (٣) ، وبقية الكلام في
هذا المعنى في الباب الذي بعد هذا - إن شاء الله .
باب : نحر البدن قائمة
وقال ابن عمر : سنة محمد .
وقال ابن عباس : ﴿صَوَافَّ﴾ (١): قيامًا .
فيه: أنس (( أن النبي - عليه السلام - لما أهل على البيداء وأهل لنا
بهما جميعًا ، فلما دخل مكة أمرهم أن يحلوا ، ونحر النبي - عليه
السلام - سبع بدن قيامًا ، وضحى بالمدينة بكبشين أملحين)) .
(١) الحج : ٣٦ .
(٢) في ((الأصل)): بمعقل، والأقرب ما أثبت .
(٣) كذا ، والمعنى : يصعب عقلها .
- ٣٨٩ -

قول ابن عمر : ((سنة رسول الله)) يعني أن تُنحر قيامًا ، ويشهد
لهذا دليل القرآن ، قوله : ﴿ فإذا وجبت جنوبها﴾ (١) يعني سقطت
إلى الأرض ، وممن استحب أن تنحر قيامًا : مالك ، والشافعي ،
وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وقال أبو حنيفة والثوري : تنحر
[٢/ ق٩٩-١) باركة وقائمة، واستحب / عطاء أن ينحرها باركة معقولة.
قال المهلب: ((أهل لنا بهما جميعًا)) معناه: أمر من أَهَلَّ بالقران
ممن لم يفسخ حجّه ؛ لأنه قد صح أنه عليه السلام كان مفردًا بالحج .
ولم يكن قارنًا، فمعنى ((أهل لنا)) أي أباح لنا الإهلال بهما قولا ،
فكان إهلاله لهم بالإباحة أمرًا ، وتعليمًا منه لهم كيف يهلون ( من
قرن ) (٢) منهم، وإلا فما معنى ((لنا )) في هذا الموضع ؟ وقد تقدم
قولُ عائشة وابن عمر قولَ أنس ، ووصفهما له بالصغر وقلة الضبط.
لهذه القصة .
باب : لا يعطي الجزار من الهدي شيئًا
فيه : علي قال: (( بعثني النبي - عليه السلام - فقمت على البدن،
فأمرني بقسمة لحومها ، ثم أمرني بقسمة جلالها وجلودها ، وأمرني أن
لا أعطي عليها شيئًا في جزارتها)).
وترجم له باب (( يتصدق بجلود الهدي )) ، وترجم له باب
((يتصدق بجلال البدن)). وزاد فيه: قال علي: (( أهدى النبي - عليه
السلام- مائة بدنة ، فأمرني بلحومها فقسمتها ، ثم أمرني بجلالها
وجلودها فقسمتها)).
اختلف العلماء في هذا الباب ، فذهبت طائفة إلى الأخذ بهذا
(١) الحج : ٣٦.
(٢) تكررت في (( الأصل)).
- ٣٩٠ -

الحديث ، وقالوا : لا يعطي الجزار منها شيئًا ، هذا قول مالك وأبي
حنيفة وأحمد ، وأجاز الحسن البصري أن يعطي الجزار الجلد .
واختلفوا في بيع الجلد ، فروي عن ابن عمر أنه لا بأس بأن يبيعه ،
ويتصدق بثمنه ، وقاله أحمد وإسحاق .
وقال أبو هريرة : من باع إهاب أضحيته فلا أضحية له ، وقال ابن
عباس : يتصدّق به أو ينتفع به ، ولا يبيعه ، وعن القاسم وسالم :
لا يصلح بيع جلودها ، وهو قول مالك ، وقال النخعي والحكم : لا بأس
أن يشتري به الغربال والمنخل ، ورخص أبو هريرة في بيعه ، وقال
عطاء : إن كان الهدي واجبًا تصدق بإهابه ، وإن كان تطوعًا باعه إن
شاء في الدَّيْن .
وأما من أجاز بيع جلودها ، فإنما قال ذلك - والله أعلم - قياسًا
على إباحة الله الأكل منها ، فكان بيع الجلد والانتفاع به تبعًا للأكل ،
وهذا ليس بشيء ؛ لأنه يجوز أكل لحمها ، ولا يجوز بيعه بإجماع ،
والأصل في كل ما أخرج لله - تعالى - أنه لا يجوز الرجوع في شيء
منه ، ولولا إباحة الله الأكل منها ما جاز أن يستباح ، فوجب ألا
يتعدى الأكل إلى البيع إلا بدليل لا مُعارِض له .
قال المهلب : وإعطاء الجازر منها في جزارته عوضًا من فعله وذبحه
فهو بيع ، ولا يجوز بيع شيء من لحمها ، وكذلك الجلد ، وقال :
ولا يخلو الإهاب من أن يكون مع سائر الشاة بإيجابها وذبحها فقد
صار مسبلا فيما سبلت به الأضحية ، أو لم يَصِرْ مسبَلا إذا كان عليه
دين ، فإن كان قد صار لمَا جعله له فغير جائز صرفه أو صرف شيء
منه إلا فيما سَبَلَهُ ، أو لم يصر ذلك فيما جعله له إذا كان عليه دين ،
فيكون إيجابه الشاة أضحية ، وجلْدها غير جلد أضحية ، وذلك فيما
لا يفعل في نظر ولا خبر .
- ٣٩١ -

والصواب إن كان الدين على صاحب الأضحية والبدنة قبل إيجابها،
ولم يكن عنده ما يقضي غريمه سوى الشاة أو البدنة ، فإيجابه لها
عندنا باطل ، وملكه عليها ثابت ، وله بيعها في دينه ، إذ ليس عليه
إتلاف ماله (١) ، ولا صرفه في غير قضاء دينه .
باب : ﴿وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ﴾ إلى قوله :
﴿ فهو خير له عند ربه ﴾ (٢)
معنى الآية : أن الله - تعالى - أعلم نَبيَّه بعظيم ما ركب قومه -
قريش خاصة دون غيرهم - من سائر عبادتهم في حرمه والبيت الذي
أمر خليله عليه السلام ببنائه وتطهيره من الآفات والشرك إلهًا غيره،
وتقدير الكلام: (( واذكر إذ بوأنا لإبراهيم هذا البيت الذي يعبد قومك
فيه غيري )» .
روى معمر عن قتادة قال : وضع الله - تعالى - البيت مع آدم حين
[٢/ ٩٩٥-ب] أهبط إلى الأرض ، وكان مهبطه بأرض الهند ، ففقد أصوات /
الملائكة وتسبيحهم ، فشكا ذلك إلى الله - تعالى - فقال له : يا آدم،
أهبطت لك شيئًا يطاف به كما يطاف حول عرشي ، ويصلى عنده كما
يصلى حول عرشي، فانطلق إليه ، فخرج وَمَدَّ له في خطوه ، فكان
بين كل خطوتين مفازة ، فلم تزل تلك المفازة على ذلك ، وأتى آدم
البيت ، فطاف به ومن بعده من الأنبياء ، ثم بوأ الله مكانه لإبراهيم
بعد الغرق ، وقال ابن عباس في قوله تعالى : ﴿وأذن في الناس ﴾:
عني بالناس هاهنا أهل القبلة ، ألم تسمعه قال : ﴿ أول بيت وضع
(١) في (( الأصل)): إذ ليس عليه دين إتلاف ماله. وكلمة (( دين)) ههنا مقحمة.
(٢) الحج : ٢٦ - ٣٠ .
- ٣٩٢ -

للناس للذي ببكة مباركًا﴾ إلى ﴿من دخله كان آمنا﴾ (١) يقول: من
دخله من الناس الذين أمر أن يُؤَذِّنَ فيهم ، وكتب عليهم الحج .
وقال ابن عباس : ﴿ ليشهدوا منافع لهم ﴾ قال: التجارة .
واختلف الناس في الأيام المعلومات ، فقال علي بن أبي طالب :
هي يوم النحر ويومان بعده ، اذبح في أيها شئت ، وأفضلها أولها ،
وهو قول ابن عمر وأهل المدينة ، وقال ابن عباس : هي العشر ويوم
النحر منها ، وهو قول الكوفيين ، وأجمعوا أن المعدودات أيام التشريق
الثلاثة ، وقد ذكرنا لم سميت معلومات ومعدودات في كتاب صلاة
العيدين ، في باب : فضل العمل في أيام التشريق .
والبائس في اللغة : الذي به البؤس ، وهو شدة الفقر ، وقال ابن
عباس : التفث : الحلق والتقصير والذبح والأخذ من الشارب
واللحية، ونتف الإبط، وقص الأظفار ، وكذلك هو عند أهل التفسير،
أنه الخروج من الإحرام إلى الحل ، ولا يعرفهُ أهل اللغة إلا من
التفسير، وقال ابن عمر : التفث : ما عليهم من الحج ، وقال مرة :
المناسك كلها ، وقال مجاهد : ﴿وليوفوا نذورهم﴾ نذر الحج
والمشي، وما نذره من شيء يكون في الحج .
والبيت العتيق سمي بذلك ؛ لأن الله أعتقه من الجبابرة أن يصلوا
إلى تخريبه ، عن قتادة ومجاهد . وقال ( ابن ) (٢) زيد : سمي عتيقًا
لقدمه ؛ لأنه أول بيت وضع للناس ، بناه آدم عليه السلام ، وهو أول
من بناه ، ثم بَوَّأ الله موضعه لإبراهيم بعد الغَرق ، فبناه إبراهيم
وإسماعيل ، وقوله : ﴿وليطوفوا بالبيت ﴾ هو طواف الإفاضة
المفترض ، وسيأتي حكمه في موضعه بعد هذا - إن شاء الله .
(١) آل عمران : ٩٦.
(٢) كذا في (( الأصل))، والصواب: أبو .
- ٣٩٣ -

باب : ما یأکل من البدن وما يتصدق
وقال ابن عمر : لا يأكل من جزاء الصيد والنذر ، ويؤكل مما سوى
ذلك ، وقال عطاء : يأكل ويطعم من المتعة .
فيه : جابر : (( کنا لا نأکل من لحوم بُدْننا فوق ثلاث ، فرخص لنا
النبي - عليه السلام - فقال: كلوا وتزودوا، فأكلنا وتزودنا)). قلت
لعطاء : أقال حتى بلغنا المدينة ؟ قال : لا .
وفيه : عائشة قالت : (( فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر ، فقلت : ما
هذا؟ قال : ذبح النبي - عليه السلام - عن أزواجه )).
:
قال ابن المنذر : اختلف العلماء فيما يؤكل من الهدي ، وما لا يؤكل،
فكان ابن عمر يقول : لا يؤكل من جزاء الصيد ، ولا من النذر ،
ويؤكل مما سوى ذلك ، وروي مثله عن طاوس والحسن ، وبه قال
أحمد وإسحاق ، وروينا عن الحسن قولا ثانيا : أنه لا بأس أن يأكل
من جزاء الصيد ، ونذر المساكين ، وهو قول الحكم في جزاء الصيد .
وقال مالك : يؤكل من الهدي كله إلا جزاء الصيد ، وفدية الأذى،
ونذر المساكين ، وهو قول طاوس وسعيد بن جبير ، وذكر ابن المواز
عن مالك أنه يأكل من الهدي النذر ، إلا أن يكون نذره للمساكين ،
وكذلك ما أخرجه بمعنى الصدقة لا يأكل منه ، وهدي التطوع إذا قصر
عن بلوغ محله وعطب فلا يؤكل منه ، وكان الأوزاعي يكره أن يؤكل
من جزاء الصيد وفدية الكفارة ، ويؤكل النذر وهدي التمتع والتطوع .
۔۔۔
وقال أبو حنيفة: يؤكل هدي القران والمتعة والتطوع، ولا يأكل
سوى ذلك ، وقال الشافعي : لا يأكل إلا هدي التطوع خاصة ،
ولا يأكل من المتعة والقران ، لأنه عنده واجب ، وهو قول أبي ثور ،
واحتج ابن القصار لقول مالك بقول الله - تعالى -: ﴿ويذكروا اسم الله
:- ٣٩٤ -

في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها
وأطعموا﴾(١) ولم يخص واجبًا من تطوع ، فهو عام في جواز الأكل
إلا بدلالة ، وأيضًا فإن الإجماع حاصل / على جواز الأكل من دم [٢/ ٥ ١٠٠-١]
المتعة ولا نعلم أحدًا منعه قبل الشافعي .
وقول عائشة: (( فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر » يردّ قوله ؛ لأنه لا
خلاف أن لحم البقر التي نحر النبي عليه السلام عن أزواجه كانت
هدي المتعة التي متعن، وقد أمر الرسول أن يحمل إليهن منه ليأكلنه .
قال المهلب : وإنما لم يجز الأكل من جزاء الصيد لأنه غرم جناية ،
فإذا أكل منه لم يغَرم المثل الذي أوجب الله عليه ، وفدية الأذى من
هذا الباب ، وأما نذر المساكين فإذا نذره فقد أوجبه لهم ، فإذا أكل منه
فلم ينفذ إليهم حقوقهم .
واحتج الطحاوي لأبي حنيفة فقال: ظاهر قوله: (( فكلوا منها
وأطعموا )) إباحة الأكل من جميع الهدايا إذ لم يُذكر في ذلك خاص
منها ، واحتمل أن باطن الآية كظاهرها ، واحتمل أن تكون على
خلاف ظاهرها ، فنظرنا في ذلك ، فوجدنا أهل العلم لا يختلفون في
هدي التطوع إذا بلغ محله ؛ أنه مباح لمهديه الأكل منه وأنه ما دخل في
هذه الآية ، وشهد بذلك السُّنَن المأثورة ، لأن النبي عليه السلام قد
أكل من هديه في حجته ، وكانت تطوعًا ، ووجدناهم لا يختلفون في
جزاء الصيد والنذر للمساكين أن مُهدى ذلك لا يأكل منه وأنه غير ذا
حل في هذه الآية . واختلفوا في هدي القران والمتعة وهدي الجماع ،
فنظرنا في ذلك فكان هدي المتعة والقران بهدي التطوع ( أشبه ) منهما
بما سوى ذلك من الهدايا إذا كان هاذان الهديان إنما يجبان بأفعال غير
(١) الحج : ٢٨.
- ٣٩٥ -

منهي عنها كالهدي التطوع الذي يجب بفعلٍ غير منهي عنه ولم يكن
ذلك كهدي النذر ؛ لأن هدي النذر إنما يكون شكر الشيء يراد به أن
يكون جزاء له . كقول الرجل : إن بلغني الله- تعالى - الحج فله
علي أن أهدي بدنة ، فأشبهت العوض عن الأشياء التي تتعوض بهدي
وكان هدي الجماع بهدي جزاء الصيد أشبه منه بهدي التطوع ؛
إذ كانت إصابة الصيد منهي عنها في الإحرام ، وإصابة الجماع كذلك
فلم تجز أن يؤكل منها كما لا يجوز أن يؤكل من نظيرها من الهدايا ،
وأما هدي التطوع إذا عطب قبل محله ، فقد اختلف أهل العلم فيه ،
فقالت طائفة: صاحبه ممنوع من الأكل منه. رُوي ذلك عن ابن عباس
وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي، ورخصت طائفة في الأكل منه،
روي ذلك عن عائشة وعبد الله بن عمر .
قال المؤلف : وأما حديث جابر فهو مجمل كالآية .
وفيه : جواز الأكل من الهدي دون تخصيص نوع منه بالمنع :
وقد ذكرت أقوال العلماء في الآية ، واقتضى ذلك معنى الحديث
وقول جابر : كنا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث . فقال النخعي :
وكان المشركون لا يأكلون من ذبائحهم ، فأبيح للمسلمين الأكل منها ،
وإنما منعوا من ذلك في أول الإسلام من أجل الدافة (١) فلما زالت
العلة الموجبة لذلك أمرهم أن يأكلوا ويدخروا .
واختلف في مقدار ما يأكل منها ويتصدق ، فذكر علقمة أن ابن :
مسعود أمره أن يتصدق بثلثه ، ويأكل ثلثه ، ويهدي ثلثه . وروي عن
عطاء ، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق ، وقال الثوري : يتصدق
بأكثره . وقال أبو حنيفة : ما أحب أن يتصدق بأقل من الثلث .
(١) في لسان العرب (١٠٥/٩): ((الدافة: قوم من الأعراب يريدون المصر، يريد
أنهم قدموا المدينة عند الأضحى ، فنهاهم عن ادخار لحوم الأضاحي ليفرقوها
ويتصدقوا بها ، فينتفع أولئك القادمون بها )) اهـ .
- ٣٩٦ -

باب : الذبح قبل الحلق
فيه: ابن عباس قال عليه السلام: (( من حلق قبل أن يذبح لا حرج،
لا حرج. فقال رجل للنبي - عليه السلام - : زرتُ قبل أن أرمي ؟ قال :
لا حرج. قال : ذبحت قبل أن أرمي ؟ قال: لا حرج. قال : رميت بعد
ما أمسيت ؟ قال: لا حرج ، قال : حلقت قبل أن أنحر ؟ قال : لا حرج)).
وفيه: أبو موسى قال: (( قدمت على النبي - عليه السلام - وهو
بالبطحاء ، فقال : أحججت ؟ قلت: نعم ... )) الحديث إلى قول
[عمر](١): ((وإن نأخذ بسنة النبي - عليه السلام - فإن النبي لم يَحِلّ
حتى بلغ الهدي محله )» .
سنّة الحاج / أن يرمي جمرة العقبة يوم النحر ثم ينحر ، ثم يحلق (٢/ ق ١٠٠ -ب]
رأسه ، ثم يطوف طواف الإفاضة ، وهو الذي يسميه أهل العراق:
طواف الزيارة ، وكذلك فعل النبي - عليه السلام - وهذا المعنى
مقتضي حديث عمر في حديث أبي موسى أن النبي لم يحل حتى بلغ،
يريد أنه لم يحلق حتى نحر الهدي ، وهذا معنى الترجمة ، فمن قدم
شيئًا عن رتبته فللعلماء في ذلك أقوال :
فذهب عطاء وطاوس ومجاهد إلى أنه إن قدم نسكًا قبل نسك أنه
لا حرج عليه ، وبه قال أحمد وإسحاق ، وقال ابن عباس : من قدَّم
من حجه شيئًا أو أخَّره فعليه دم . وهو قول الشعبي والحسن وقتادة .
واختلفوا إذا حَلق قبل أن يذبح ، فقال مالك والثوري والأوزاعي
والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور : لا شيء عليه . وهو نص
الحديث . وقال النخعي : عليه دم . وهو قول أبي حنيفة ، قال :
وكذلك إن كان قارنًا ، والمراد بالمحل قوله تعالى : ﴿ ولا تحلقوا
(١) في ((الأصل)) : ابن عمر ، وهو خطأ .
- ٣٩٧ -

رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله ﴾ (١) المكان الذي يقع فيه النحر ؛
فإذا بلغ محله جاز أن يحلق قبل الذبح . وقال زفر : إن كان قارنًا
فعليه دمان لتقدم الحلاق . وقال أبو يوسف ومحمد : لا شيء عليه .
واحتجا بقوله عليه السلام: (( لا حرج )) وقول أبي حنيفة وزفر :
مخالف للحدیث ، فلا وجه له .
واختلفوا فيمن طاف للزيارة قبل أن يرمي ، فقال الشافعي : إن
ذلك يجزئه ويرمي ، على نص الحديث . وروى ابن عبد الحكم عن
مالك أنه يرمي ثم يحلق رأسه ، ثم يعيد الطواف ؛ فإن رجع إلى بلده
فعليه دم ، ويجزئه طوافه ، وهذا خلاف نص ابن عباس ، وأظن
مالكًا لم يبلغه الحديث ، وفيه رَد لما كرهه مالك أن يسمى طواف
الإفاضة : طواف الزيارة ؛ لأن الرجل قال للنبي - عليه السلام - :
((زرت قبل أن أرمي)) فلم ينكر الرسولُ عليه .
واختلفوا فيمن أفاض قبل أن يحلق بعد الرمي ، فقال ابن عمر :
يرجع فيحلق أو يُقَصِّر ، ثم يرجع إلى البيت فيفيض . وقالت طائفة:
تجزئه الإفاضة ويحلق أو يقصر ، ولا شيء عليه . هذا قول عطاء
ومالك والشافعي ، وقال مالك في الموطأ : أحب إليّ أن يهريق دمًا؛
حديث ابن عباس
وأما إذا ذبح قبل أن يرمي، فقال مالك وجماعة من العلماء: لا شيء
عليه ؛ لأن ذلك نص في الحديث ، والهدي قد بلغ محله ، وذلك
يوم النحر ، كما لو لم يَنْحَر المعتمر بمكة هديًا ساقه قبل أن يطوف
لعمرته .
واختلفوا إذا قَدَّم الحلق على الرمي ، فقال مالك وأبو حنيفة : عليه
الفدية، والحجة فيها أنه حرام عليه أن يمس من شعره شيئًا ، أو
يلبس، أو يمس طيبًا حتى يرمي جمرة العقبة ، وقد حكم رسول الله
(١) البقرة : ١٩٦ .
- ٣٩٨ -

على من حلق رأسه قبل محله من ضرورة بالفدية ، فكيف من غير
ضرورة ؟ وجوزه الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، واحتجوا بقول
النبي - عليه السلام - في التقديم والتأخير : ((لا حرج)) وسيأتي
الكلام فيمن رمى جمرة العقبة بعد ما أمسى في بابه - إن شاء الله .
وتأول الكوفيون في وجوب الدم فيمن قَدَّم شيئًا من نسكه أن معنى
قوله عليه السلام: (( لا حرج)»: لا إثم ؛ لأنه عليه السلام كان يعلمهم
مناسكهم ، فأخبرهم أن الحرج الذي رفع عنهم هو لجهلهم لا لغير
ذلك ؛ لأنهم كانوا أعرابًا ، لا على أنه أباح لهم عليه السلام التقديم
والتأخير في العمد .
وهذا ابن عباس يوجب على من قَدَّم من نسكه شيئًا أو أَخَرَّه الدم ،
وهو أحد من روى الحديث عن النبي - عليه السلام - فلم يكن معنى
ذلك عنده على الإباحة ، وذهب عطاء إلى أن معنى قوله : ((لا حرج)»
على العموم : لا شيء على فاعل ذلك من إثم ولا فدية .
قال الطبري : والدليل على صحة هذا أن النبي - عليه السلام -
لم يسقط عنه الحرج في ذلك إلا وقد أجزأه فعله ، ولو لم يكن عنده
مجزئا لأمره إما بالإعادة ، وإما ببدل منه من فدية وجزاء ، ولم يقل
له: لا حرج ؛ لأن الفدية إنما تلزم الحاج للحرج الذي يأتيه ، فعلم
بذلك أن من قَدَّم شيئًا من نسكه ، فدخل وقته قبل شيء منه وأجزأه أنه
لا يلزمه شيء .
فإن ظن ظان أن في قول الرجل للنبي - عليه السلام - : نحرتُ
قبل أن أرمي ولم أشعر ، دلالة على أنه لا يجوز ذلك للعامد ، وأن
عليه القضاء إن كان مما يُقضى، أو الفدية / إن كان بما لا يُقضى، [٢/ ١٥ ١٠-١]
فقد ظن غير الصواب ، وذلك أن الجاهل والناسي لا يضع الجهل
والنسيان الحكم الذي يلزم المتعمد في وضع مناسك الحج غير مواضعها،
- ٣٩٩ -

وإنما يضع الجهل والنسيان في ذلك : الإثم ، وذلك أنه لا خلاف بين
الجميع أن جاهلا من الحاج لو جهل ما عليه ، فلم يرم الجمرات حتى
انقضت أيام الرمي ، أو أن ناسيًا نسي ذلك حتى مضت أيام الرمي ،
أن حكمهم فيما يلزمهما من الفدية حكم المتعمد ، وكذلك تارك
الوقوف بعرفة جاهلاً أو ناسيًا حتى انقضى وقته ، وكذلك سائر أعمال
الحج سواءٌ في اللازم من الفدية ، والجاهل والعامد والناسي ، وإن
اختلفت أحوالهم في الإثم ، فكذلك مقدّم شيء من ذلك ومؤخِّره ،
الجاهل والعامد فيه سواء ؛ لأنه عليه السلام قال: (( لا حرج )) ولم
يفصل بجوابه بين العالم والجاهل والناسي .
*
باب : من لَبّدَ رأسه عند الإحرام وحلق
فيه: حفصة قالت: (( يا رسول الله، ما شأن الناس حلوا بعمرة ،
ولم تحلل أنت من عمرتك ؟ قال : إني لبدت رأسي ، وقلدت بدني ،
فلا أحل حتى أنحر ) .
وقال ابن عمر: (( حلق رسول الله في حجته)).
التلبيد : أن يجعل الصمغ في الغسول ، ثم يلطخ به رأسه عند
الإحرام ، ليمنعه ذلك من الشعث ، وجمهور العلماء على أن من
لبد رأسه فقد وجب عليه الحلاق ، كما فعل النبي - عليه السلام -
وبذلك أمر الناس عمر بن الخطاب وابن عمر ، وهو قول مالك
والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور ، وكذلك لو ضفر
شعره أو عقصه كان حكمه حكم التلبيد ؛ لأن الذي فعل : سنة التلبيد
الذي أوجب النبي - عليه السلام - فيه الحلاق ، وقال أبو حنيفة: من
لبّد رأسه أو ضفره؛ فإن قصر ولم يحلق أجزأه. وروي عن ابن عباس
- ٤٠٠ -