النص المفهرس
صفحات 341-360
قال المؤلف : ووجه الدلالة على الكوفيين من حديث ابن عمر قول سالم للحجاج : إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة يوم عرفة . وهذا خطاب يتوجه إلى كل أحد مأمومًا كان أو منفردًا أن سنة الصلاة ذلك الوقت ، وكذلك قول ابن عمر: (( كانوا يجمعون بينهما في السنة )» لفظ عام يدخل فيه كل مصل ، فمن زعم أنه لبعض المصلين فعليه الدليل . وقال الطحاوي : قد روي عن ابن عمر وعائشة مثل قول أبي يوسف ومحمد من غير خلاف من الصحابة . وقال ابن القصار : وقول الكوفيين ليس بشيء لقول الرسول : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). وهذا خطاب لكل أحد في نفسه أن يصلي الصلاتين في وقت أحدهما بعرفة كما فعل النبي - عليه السلام- لأن الخطاب إنما يتوجه إلى هيئة الصلاة ووقتها لا إلى الإمامة. واتفق مالك وأبو حنيفة والشافعي على أنه إذا وافق يوم عرفة يوم جمعة لم يصل بهم الإمام الجمعة ، وكذلك قال الطحاوي ، قال أبو حنيفة وأبو يوسف : يُجَمِّعُ بمنى من له ولاية الصلاة هناك. وقال مالك ومحمد والشافعي : لا يُجَمَّعُ ، وإنما يصلي بعرفة الظهر ركعتين لا يجهر فيهما بالقراءة ، هذا إذا كان الإمام من غير أهل عرفة . وقال أبو يوسف : يصلي الجمعة بعرفة . وسأل أبو يوسف مالكًا عن هذه المسألة بحضرة الرشيد فقال مالك : سقاياتنا بالمدينة يعلمون ألا جمعة بعرفة ، وعلى هذا أهل الحرمين : مكة والمدينة ، وهم أعلم بذلك من غيرهم . وقد جمع الرسول بين الصلاتين بعرفة وصادف ذلك يوم جمعة ، ولم ينقل أنه جهر بالقراءة، فدل أنه صلى الظهر بغير جهر ، ولو جهر لنقل ، وأيضًا فإن من شرط الجمعة الاستيطان ، وليست عرفة بموطن - ٣٤١ - لأهل مكة ، فلم يجز لهم أن يصلوا الجمعة ، وروى ابن وهب عن مالك أنه إذا وافق يوم جمعة يوم التروية ، أو يوم عرفة ، أو يوم. النحر ، أو أيام التشريق قال : لا جمعة عليهم ، من كان من أهل مكة أو من أهل الآفاق ، قال : ولا صلاة عيد يوم النحر بمنى .. باب : قصر الخطبة بعرفة ذكر فيه حديث ابن عمر ، وقد تقدم في باب التهجير بالرواح يوم عرفة قصر الخطبة بعرفة أو بغيرها سنة ، وقد أخرج مسلم في كتابه عن أبي وائل ، عن عمار، أن النبي - عليه السلام - قال: (( طول صلاة الرجل وقصر خطبته مثنة من فقهه)) . وقد أجمعوا أن الإمام لو صلى. بغير خطبة بعرفة أن صلاته جائزة ، وقال [ أبو زيد ] (١): مثنة، كقولك : مخلقة ومجدرة و[محراة] (٢) لذلك قال أبو عبيد : يعني أن هذا مما يعرف به فقه الرجل ، ويستدل به عليه ، وكذلك كل شيء دلك على شيء فهو مئنة . [٢/ق ٩٠-٢] / باب : الوقوف بعرفة فيه: جبير بن مطعم عن أبيه: (( كنت أطلب بعيرًا [ لي](٣) يوم عرفة كنت أضللته، فرأيت النبي واقفًا بعرفة ، فقلت : هذا والله من الخُّمْسِ ، فما شأنه هاهنا ؟ )) . (١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): ابن زيد وهو خطأ. (٢) من ((ح))، وفي (الأصل)): مجزأة، وهو تصحيف، وكلها على وزن. مفعلة ، راجع تاج العروس : مئن . (٣) من ( ح)). - ٣٤٢ - وقال عروة : كان الناس يطوفون في الجاهلية عراة إلا الحمس ، والحمس قريش وما ولدت ، و( كانت ) (١) الحمس يحتسبون على الناس ، يعطي الرجل الرجل الثياب يطوف فيها ، وتعطي المرأة المرأة الثياب تطوف فيها ، فمن [ لم ] (٢) يعطه الحمس [ ثيابًا] (٢) طاف بالبيت عريانًا ، وكان يفيض ( جميع ) (٣) الناس من عرفات ، ويفيض الحُمس من جَمْع ، قال : وأخبرني أبي عن عائشة أن هذه الآية نزلت في الحُمس : ﴿ ثمّ أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ (٤) قال : كانوا یفیضون من جمْع ، فدفعوا إلى عرفات )) . قال المهلب : إنما كان وقوف قريش وهم الحُمس عند المشعر الحرام من أجل أنها كانت عزتها في الجاهلية بالحرم ، وسكناها فيه ، وتقول: نحن جيران الله ، فكانوا لا يرون الخروج عنه إلى الحل عند وقوفهم في الحج ، ويقولون : لا نفارق عزنا ، وما حرم الله به أموالنا ودماءنا ، وكانت طوائف العرب تقف في موقف إبراهيم - عليه السلام - من عرفة ، وكان وقوف النبي - عليه السلام [ مع ] (٥) طوائف العرب بعرفة ليدعوهم إلى الإسلام ، وما افترض الله عليه من تبليغ الدعوة ، وإفشاء الرسالة ، وأمر الناس كلهم بالإفاضة من حيث أفاض الناس من عرفة . وقال إسماعيل بن إسحاق : قال الضحاك : الناس في هذه الآية هو إبراهيم - عليه السلام . وقال الطحاوي : قال تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ... ﴾ (٦) الآية. فكان ظاهر الآية على أن الإفاضة الأولى من عرفة ، وعلى أن الإفاضة الثانية (١) في (( ح)) : كان. (٣) في (( ح)): جماعات. (٥) من (( ح))، وفي ((الأصل)): و. (٢) من ( ح)). (٤) البقرة : ١٩٩ . (٦) البقرة : ١٩٨ . - ٣٤٣ - من المشعر الحرام ؛ لأنه قال تعالى : ﴿فاذكروا الله عند المشعر الحرام ﴾ إلى ﴿ ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ﴾ غير أنا وجدنا [ أهل العلم تأولوا ذلك على إفاضة واحدة ، وكانت هذه الآية عندهم من المحكم المتفق على المراد به ، وجعلوا ] (١) قوله : ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ﴾ في معنى وأفيضوا ، وقالوا : قد تجعل ثم في موضع الواو ، كما قال الله تعالى : ﴿ وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون ﴾ (٢) فكان قوله : ثم الله شهيد على ما يفعلون﴾ في معنى : والله شهيد ، وفي قوله : فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ... ﴾ الآية، دليل [ على ] (١) أنه قد أمرهم بوقوف ( عرفة ) (٣) قبل إفاضتهم منها. غير أنا لم نجده تعالى ذكر لنا ابتداء ذلك الوقوف أي وقت هو في كتابه ، وبينه لنا فعل رسوله في حديث جابر وحديث ابن عمر ، حين قال للحجاج يوم عرفة حين زالت الشمس : (( الرواح إن كنت تريد السنة)) . فدل أن دفع رسول الله إلى عرفة كان بعد زوال الشمس يوم عرفة . قال المؤلف : ولم يختلفوا أن النبي - عليه السلام - صلى الظهر والعصر جميعًا بعرفة، ثم ارتفع فوقف بجبالها داعيًا الله (٤) إلى غروب الشمس ، فلما غربت دفع منها إلى المزدلفة . واختلفوا إذا دفع من عرفة قبل غروب الشمس ولم يقف فيها ليلا ، فذهب مالك إلى أن الاعتماد في الوقوف بعرفة على الليل من ليلة النحر، و[النهار ] (٥) من يوم عرفة تَبَع ، فإن وقف جزءًا من النهار (١) من ( ح)). (٣) فى (( ح)): بعرفة : . (٢) يونس : ٤٦ . (٤) في (الأصل)) و((ح)): إلى الله. وأظنه سبق قلم من المؤلف والله تعالى أعلم . (٥) من (( ح))، وفي ((الأصل)): نهار . - ٣٤٤ - وحده ودفع قبل غروب الشمس لم تجزئه ، وإن وقف جزءًا من الليل- أي جزء كان - قبل طلوع الفجر من يوم النحر أجزأه ، وأخذ في ذلك بما رواه عن نافع ، عن ابن عمر أنه قال : من لم يقف بعرفة ليلة المزدلفة قبل أن يطلع الفجر فقد فاته الحج ، وعن عروة بن الزبير مثله. وقال أبو حنيفة والثوري والشافعي : الاعتماد على النهار من يوم عرفة من وقت الزوال ، والليل كله تبع ، فإن وقف جزءًا من النهار أجزأه ، وإن وقف جزءًا من الليل أجزأه إلا أنهم يقولون : إن وقف جزءًا من النهار بعد الزوال دون الليل كان عليه دم ، وإن وقف جزءًا من / الليل دون النهار لم يجب عليه دم ، وأخذوا بحديث [عروة](١) (٣/ ق. ٩-ب) ابن مضرس ، إلا في إيجاب الدم لمن وقف نهارًا دون الليل ، وتفريقهم في وقوف النهار بين بعد الزوال وقبله ، فإنه ليس في حديث عروة بن مضرس ، وذهب أحمد بن حنبل إلى أن وقت الوقوف من حين طلوع الفجر من يوم عرفة إلى طلوع الفجر من ليلة النحر ، فسوى بين (أجزاء) (٢) النهار و(أجزاء ) (٢) الليل ، فأخذ في ذلك بنص حديث عروة بن مضرس قال: (( أتيت النبي - عليه السلام - [وهو ] (٣) بمزدلفة فقلت: يا رسول الله، إني أكللت ناقتي وأتعبت نفسي، وما من (جبل) (٤) إلا وقفت عليه، فهل لي من حج ؟ فقال عليه السلام : من صلى معنا هذه الصلاة - يعني : بجمع - وكان قد وقف بعرفة ليلا أو نهاراً فقد تم حجه)) . فلم يفرق بين الليل والنهار، رواه شعبة عن عبد الله بن أبي السفر ، عن الشعبي (سمعته) (٥) يقول: حدثني عروة بن مضرس ، عن النبي - عليه السلام . (١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): غزوة. تصحيف . (٢) في ( ح)) : آخر . (٤) في (( ح)): حبل تصحيف . (٣) من (( ح)). (٥) في (( ح)): سمعه . - ٣٤٥ - وقال ابن القصار : أما قوله في حديث عروة : ((وكان قد وقف بعرفة ليلا أو نهارًا ، فنحن نعلم أنه عليه السلام وقف وقفة واحدة [بعرفة ] (١) جمع فيها بين الليل والنهار ، فصار معناه : من ليل ونهار، واستفدنا من فعله عليه السلام أن المقصود آخر النهار ، وهو الوقت الذي وقفه ، وعقلنا بذلك أن المراد جزء من النهار مع جزء من الليل ؛ لأنه لم يقتصر عليه السلام على جزء من النهار دون الليل ، ولو ( تحرر ) (٢) هذا من فعله عليه السلام لجاز أن تكون ((أو )) بمعنى: ((الواو))، كقوله تعالى: ﴿ولا تطع منهم آثما أو كفوراً﴾ (٣) معناه : وكفورًا ، فإن قيل : وأنتم لا توجبون الجمع بين النهار والليل في الوقوف، قيل: لما قال: ((فقد تم حجه)) علمنا أن التمام يقتضي الكمال والفضل ، فيجمع فيه بين السنة والفرض ، [ والسنة الوقوف بالنهار ] (١) ، والفرض هو الليل ؛ لأنه هو انتهاء الوقوف ، فهو الوقت المقصود ، وهو أخص به من النهار ؛ لأنه لو انفرد وقوفه في هذا الجزء لأجزأه بإجماع ، ولو وقف هذا القدر من النهار لكان فيه خلاف ووجب عليه الدم ، [ فكيف ] (٤) یکون النهار أخص به من الليل . والحُمْسُ : قريش وما ولدت من العرب ، والتحمس : التشدد ، وذلك أن قريشًا أحدثت هذا الدين فقالت : لا نطوف بالبيت عراة ، ولا تسلي نساؤنا سمنًا ، ولا تغزل وبرًا ، ولا تخرج إلى عرفات ، ولا نزايل حرمنا ، ولا نعظم غيره ، ولا نطوف بين الصفا والمروة ، وكانوا يقفون بالمزدلفة ، ومن سواهم من العرب يقال لهم : (١) من ( ح )). (٣) الإنسان : ٢٤ :. (٢) فى (( ح)): تحرد . (٤) من ((ح))، وفي ((الأصل)): وكيف. - ٣٤٦ - [الحلّة] (١)، كانوا إذا حجوا طافوا بالبيت عراة، ورموا ثيابهم التي قدموا فيها وقالوا : نكرم البيت أن نطوف به في ثيابنا التي جرحنا فيها الآثام ، فما طرحوا من ثوب لم يمسه أحد ، وسمي : النسيء و[اللقي] (٢) والحريم، ذكره [ ابن ] (٣) الكلبي. باب : السير إذا دفع من عرفة فيه: أسامة (( أنه سئل كيف كان رسول الله يسير في حجة الوداع حين دفعٍ ؟ قال : كان يسير العَنَق ، فإذا وجد فَجْوَةً نَصَّ)) قال هشام : والنّصَّ فَوْقَ العَنَق . قال المؤلف : تعجيل الدفع من عرفة - والله أعلم - إنما هو لضيق الوقت ؛ لأنهم إنما يدفعون من عرفة إلى المزدلفة عند سقوط الشمس، وبين عرفة والمزدلفة نحو ثلاثة أميال ، وعليهم أن يجمعوا المغرب والعشاء بالمزدلفة ، وتلك سنتها، فتعجلوا في السير لاستعجال الصلاة. قال الطبري : وبهذا قال العلماء في صفة سيره عليه السلام من عرفة إلى المزدلفة ، ومن المزدلفة إلى منى [ أنه ] (٣) كان يسير العَنَق، وبذلك عمل السلف ، قال الأسود : شهدت مع عمر الإفاضتين (١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): الجلّة، ولم أَرَ من سماهم بذلك فيما بين يديّ من المراجع ، فلم يتبين لي وجه الصواب ، لكن بالمهملة أقرب عندي ، والله أعلم. (٢) في ((الأصل)) كتبت هكذا: ((العا))، بصورة الفاء من غير نقط، وصوبت في الحاشية إلى: ((النفي))، وكانت في (( ح)): ((اللّفا)) ثم أضيفت ياء أسفل الألف فكأنه أراد: ((اللفي))، وقد رأيتها كما أثبتها ((اللقي)) - من الإلقاء - في ((الكامل في التاريخ)) لابن الأثير (٢٦٦/١) وهو الصواب . (٣) من (( ح)). - ٣٤٧ - جميعًا لا يزيد على العَنَق، لم يُوضع في واحدة منهما، و[كان] (١) ابن عمر سيره : العَنَق ، وعن ابن عباس مثله . وقال آخرون : الإفاضة من عرفات وجمع الإِيضَاع دون العَنَق ، وروى شعبة عن إسماعيل بن رجاء قال : سمعت معرورًا قال : رأيت عمر بن الخطاب [ رجلا ] (٢) أصلع على بعير يقول : أيها الناس، أَوْضعُوا فإنا وجدنا الإفاضة الإيضاع، وروى ابن عيينة عن ابن المنكدر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع ، عن جبير بن الحويرث ، أن أبا [٢/ ٥ ٩١-١] بكر الصديق / وقف على قزح وقال : أيها الناس، أصبحوا أصبحوا، [ ثم دفع ] (٣) فكأني أنظر إلى فخذه قد انكشف مما يخرش بعيره بمحجنه . قال الطبري : والصواب في صفة السير في الإفاضتين جميعا ما صحت به الآثار أنه عليه السلام كان يسير العنق إلا في وادي محسر، فإنه يوضع فيه لصحة الخبر عن النبي - عليه السلام - بذلك، ولو أَوْضع أحد في الموضع الذي ينبغي أن يعنق فيه ، أو أعنق في الموضع الذي ينبغي أن يوضع فيه لم يلزمه شيء ؛ لإجماع الجميع على ذلك، غير أنه يكون مخطئًا سبيل الصواب وأدب رسول الله . والعَنَق : سير فوق المشي ، والنَّصُّ : أرفع السير ، ومن ذلك قيل. لمنصة العروس : منصة ؛ لارتفاعها ، فإذا ارتفع عن ذلك [ فصار إلى العَدْوِ فهو الخَبَب، فإذا ارتفع عن ذلك ] (٣) فهو الوَضْع والإِيضَاعِ؛ والفَجْوَةُ : الفُرْجَةُ والسعة ، ومنه قوله: ﴿وهم في فجوة منه﴾ (٤) و[يخرش ] (٥) بعيره يعني : يخرشه بالمحجن ، ومنه تخارش السنانير. والكلاب . (١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): قال. خطأ. (٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)): رجل. (٤) الكهف : ١٧ . (٣) من (( ح)). (٥) من ( ح))، وفي ((الأصل)): يخدش، خطأ. - ٣٤٨ - باب : النزول بين عرفة وجمع فيه : أسامة (( أن النبي - عليه السلام - حيث أفاض من عرفة مال إلى الشعب ، فقضى حاجته فتوضأ، فقلت : يا رسول الله ، أتصلي ؟ قال : الصلاة أمامك)) . قال نافع : وكان ابن عمر يجمع بين المغرب والعشاء بجمع ، غير أنه يمر بالشعب الذي أخذه رسول الله ێ ، فيدخل فينتفض ويتوضأ، ولا يصلي حتى يصلي بجمع . نزوله وَلّه بالشعب إنما كان نزول حاجة للبول ، وليس ذلك من سنن الحج ، وهو مباح لمن أراد امتثال أفعاله [ عليه السلام مثل ابن عمر ، فإنه كان يقف في المواضع التي وقف فيها النبي - عليه السلام-] (١) ويدير ناقته حيث أدار فيها ناقته ، ويقتفي آثاره وحركاته، وليس ذلك بلازم إلا فيما تعلق منها بالشريعة . باب : أمر النبي - عليه السلام - بالسكينة عند الإفاضة وإشارته إليهم بالسوط فيه: ابن عباس: (( دفع النبي يوم عرفة ، فسمع النبي - عليه السلام - وراءه زجرًا شديدًا ، وضربًا للإبل ، فأشار بسوطه إليهم وقال عليه السلام: [أيها الناس](١) عليكم بالسكينة ، فإن البر ليس بالإيضاع)). قال المهلب : إنما نهاهم عن الإيضاع والجري إبقاء عليهم ، ولئلا يجحفوا بأنفسهم [ بالتسابق ] (٢) من أجل بُعْد المسافة ، لأنها كانت (١) من ( ح )). (٢) من ( ح))، وفي ((الأصل)): بالسابق . - ٣٤٩ - تبهرهم فيفشلوا و[تذهب ] (١) ريحهم ، فقد نهي عن البلوغ إلى مثل هذه الحال . [ قال ابن المنذر ] (٢): فكان في معنى قوله : ((عليكم بالسكينة)) إلا في بطن وادي محسر ، فقد كان ابن مسعود ، وابن عباس ، وابن عمر ، وابن الزبير يوضعون في وادي محسر ، وتبعهم على ذلك كثير من العلماء ، وقال النخعي: لما رأى عمر [ سرعة ] (٣) الناس في الإفاضة من عرفة وجمع قال: (( والله إني لأعلم أن البر ليس برفعها أذرعها ، ولكن البر شيء تصبر عليه القلوب )) . وقال عكرمة: سأل رجل ابن عباس عن [الإيجاف] (٤)، [فقال: ] (٢) إنَّ حَلْ حَلْ (٥) يشغل عن ذكر الله ، ويوطئ ويؤذي . قال ابن المنذر : وحديث أسامة يدل أن أمره بالسكينة إنما كان في الوقت الذي لم يجد فجوة ، وأنه حين وجد فجوة سار سيرًا فوق ذلك ، وإنما أراد بالسكينة في وقت الزحام . وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته يوم عرفة : إنكم شخصتم من القريب والبعيد ، وتكلفتم من المؤنة ما شاء الله ، وليس السابق من سبق بعيره وفرسه ، ولكن السابق من غفر له . باب : الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة فيه : أسامة قال: ((دفع النبي من عرفة، فنزل الشَّعْب [ فبال] (٦) ثم توضأ ولم يسبغ الوضوء ، فقلت [ له] (٢) : الصلاة؟ قال: الصلاة (٢) من ( ح )) . (١) من ((ح))، وفي (الأصل)): يذهب. (٣) من (( ح))، وفي ( الأصل)): مَسْرَعة. (٤) من (( ح))، ومعناه: سرعة السير، وفي ((الأصل)): الإيخاف. تصحيف .. (٥) ألفاظ تقال لحث الدواب على السير . (٦) من (( ح))، وفي ( الأصل)): بال. - ٣٥٠ - أمامك ، فجاء المزدلفة فتوضأ فأسبغ [ الوضوء ] (١) ، ثم أقيمت الصلاة / فصلى المغرب ، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ، ثم أقيمت [٩٨٥/٢ -ب] الصلاة فصلی ولم يصل بینهما )) . قال الطحاوي: معنى قوله: (( الصلاة أمامك)) أي : المصلى الذي تصلي فيه المغرب والعشاء [ أمامك ] (١) . وقال الطبري : فيه البيان أن السنة في إمام الحاج ألا يصلي ليلة يوم النحر المغرب والعشاء إلا بالمزدلفة . قال ابن المنذر : وأجمع العلماء على ذلك ، ثم اختلفوا فيمن صلاهما قبل أن يأتي المزدلفة ، فروي عن جابر بن عبد الله أنه قال : لا صلاة إلا بجَمْع ، وإليه ذهب أبو حنيفة ومحمد والثوري وقالوا : إن [ صلاهما ] (٢) قبل المزدلفة فعليه الإعادة، وإن صلاهما بعد مغيب الشفق ، وأخذوا بظاهر قوله عليه السلام: ((الصلاة أمامك)) فمن صلاهما دون المزدلفة فقد صلاهما في غير وقتهما ، ومن صلى صلاة في غير وقتها فعليه إعادتها بعد دخول وقتها . وقال مالك : لا [ يصليهما ] (٣) أحد قبل جَمْع إلا من عُذْرِ به أو [بدابته، فإن] (٤) صلاهما بعذر لم يجمع بينهما حتى يغيب الشفق. وفيها قول ثالث : إن صلاهما قبل جَمْعٍ أجزأه ، إمام الحاج كان أو غيره، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، وابن الزبير، وعن عطاء ، وعروة، والقاسم ، وبه قال الأوزاعي ، وأبو يوسف، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وحجة من أجاز الصلاة أن النبي - عليه السلام - جعل وقت هاتين الصلاتين من حين تغيب (١) من ( ح )). (٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)): صلاها. (٣) من ((ح))، وفي ((الأصل)): يصليها. (٤) من ((ح))، وفي ((الأصل)): قدامه وإن ، كذا . - ٣٥١ - الشمس إلى آخر وقت العشاء الآخرة ، وجعل له إن شاء أن يصليهما في أول وقتهما ، وإن شاء في آخره ، فأوقات الصلوات إنما هي محدودة بالساعات والزمان، فمن صلاهما بعد غروب الشمس بعرفة أو دون المزدلفة فقد أصاب الوقت وإن ترك الاختيار لنفسه في الموضع، والصلاة لا تبطل بالخطأ في الموضع إذا لم يكن نجسًا ؛ ألا ترى أن من [صلاهما] (١) بعد خروج [وقتهما] (٢) بالمزدلفة ممن لم يَصِل إلى المزدلفة إلا بعد طلوع الفجر أنه قد فاته [ وقتهما ] (٢)، فلا اعتبار بالمكان ، ويشبه هذا المعنى قوله عليه السلام: (( لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة)). وأدرك وقت [العصر ] (٣) القوم في بعض الطريق ، فمنهم من صلى ، ومنهم من أَخَّر إلى بني قريظة ، فلم يعنف النبي أحدًا منهم . واحتج الطحاوي لأبي يوسف فقال : لا يختلفون في الصلاتين اللتين تصليان بعرفة أنهما لو صليتا دونها كل واحدة منهما في وقتها في ۔۔۔ سائر الأيام كانتا مجزئتين ، فالصلاتان بمزدلفة أحرى أن تكونا كذلك؛ لأن أمر عرفة لما كان أوكد من أمر مزدلفة ، كان ما يفعل في عرفة أوكد مما يفعل في مزدلفة ، فثبت ما قال أبو يوسف ، وانتفى ما قاله الآخرون . قال المهلب : وقوله: (( وتوضأ ولم يسبغ الوضوء)) يريد أنه خفف الوضوء ، وهو أدنى ما ( تجزئ ) (٤) الصلاة به دون تكرار إمرار اليد عليه ليخص كل صلاة بوضوء على حسب عادته ، [ وقد جاء ذلك (١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): صلاها. (٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)): وقتها. (٣) من (( ح))، وفي (( الأصل)»: الصلاة. (٤) في (( ح )) : تجوز . - ٣٥٢ - مبيَّنا في الحديث ] (١) ، وقد تقدم بيان ذلك في كتاب الوضوء ، والحمد لله . قال الخطابي : وسميت المزدلفة لاقترابهم إلى منى بعد الإفاضة من عرفات ، يقال : ازدلف القوم ، إذا اقتربوا ، ويقال : بل سميت مزدلفة ؛ لأنها منزلة و[ قربة ] (٢) من الله، وهو قول ثعلب، قال : ومنه قوله تعالى : ﴿ فلما رأوه زلفة ﴾ (٣) أي: رأوا العذاب (قرب)(٤)، ومنه قوله تعالى: ﴿وأزلفنا ثم الآخرين﴾ (٥) أي : قربناهم من الهلاك ، وقال الطبري : إنما سميت مزدلفة لازدلاف آدم إلى حواء بها ، وكان كل واحد منهما حين أهبط إلى الأرض أهبط إلى مكان غير مكان صاحبه ، فازدلف كل واحد منهما إلى صاحبه ، فتلاقيا بالمزدلفة ، فسميت البقعة بذلك . والشّعب : الطريق في الجبل بكسر الشين ، والشعب بفتح الشين : الجمع بين الشيئين ، يقال : شعب فلان الشيء ، إذا جمعه ولامه ، ومنه قول [ الطرماح ] (٦): شتّ شَعْبُ القومِ بَعْدَ التئام وقال الطبري : واختلفوا في السبب الذي من أجله سميت عرفة. فقال علي بن أبي طالب وغيره : إنما قيل لها ذلك ؛ لأن الله بعث جبريل إلى إبراهيم فحج به ، فلما أتى عرفة قال : قد عرفت ، وكان قد أتاها مرة / قبل ذلك . [٢/ ق٩٢-١] وقال جماعة أخرى : إنما قيل لها : عرفات ؛ لأن جبريل كان يقول (١) من ( ح )). (٢) من ((ح))، وفي ((الأصل)) : قرية، كذا. (٣) الملك : ٢٧ . (٥) الشعراء : ٦٤. (٤) في ( ح )) : قربة ! (٦) من ((ح))، وفي ((الأصل)): الترماح، خطأ. - ٣٥٣ - لإبراهيم : هذا موضع كذا ، وهذا موضع كذا ، فيقول : قد عرفت قد عرفت . باب : من جمع بينهما ولم يتطوع فيه: ابن عمر: (( جمع النبي - عليه السلام - المغرب والعشاء بجمع كل واحدة منهما بإقامة ، ولم يسبح بينهما ، ولا على إثر كل واحدة منهما)). وفيه : أبو أيوب: (( أن النبي - عليه السلام - جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة في حجة الوداع )) . ۔۔ [ قال المؤلف ] (١): وروى مالك عن ابن شهاب [ حديث ] (١) ابن عمر هذا ولم يذكر فيه أنه أقام لكل صلاة ، وزاد الإقامة في هذا الحديث عن ابن شهاب: ابنُ أبي ذئب والليثُ ، وهما ثقتان حافظان، وزيادة الحافظ مقبولة ، وإنما لم يتطوع بينهما - والله أعلم - لأنه لم يكن بينهما أذان ، ففرغ من صلاة المغرب ثم قام إلى العشاء ، ولم يكن بينهما مهلة في الوقت يمكن فيها التنفل ، وأما من رأى أن يؤذن لكل صلاة ، فإنه لا يمنع التنفل لمن أراد ، وقد فعل ذلك ابن مسعود، وإن كان قد روى ابن نافع عن مالك أنه لا يتنفل بين الصلاتين عند جمعهما . وكل ذلك واسع لا حرج فيه ، قال الطبري: لأنهما صلاتان تصليان لأوقاتهما ، ولن يفوت وقتهما للحاج حتى يطلع الفجر ، وفي هذا الحديث حجة للشافعي أن صلاة المغرب والعشاء بالمزدلفة بإقامة إقامة ، وكذلك في حديث أسامة حين نزل صلى بالشعب إقامة إقامة . بـ (١) من ( ح)). - ٣٥٤ - باب: من أذن [ وأقام ] (١) لكل واحدة منهما فيه : عبد الله بن مسعود أنه حج فأتى المزدلفة حين الأذان بالعتمة أو قريبًا منه ، فأمر رجلا فأذن وأقام ، ثم صلی المغرب وصلى بعد ذلك ركعتين ، ثم دعا بعشائه فتعشى ، ثم أمر - أُرى (٢) - فأذن وأقام ، قال عمرو (٣) : لا أعلم الشك إلا من زهير، ثم صلى العشاء ركعتين ، فلما كان حين طلع الفجر قال: ((إن النبي - عليه السلام - كان لا يصلي هذه الساعة إلا هذه الصلاة في هذا المكان من هذا اليوم، قال عبد الله : هما صلاتان [ تحولان ] (٤) عن وقتهما : صلاة المغرب بعد ما يأتي الناس المزدلفة ، والفجر حين يبزغ الفجر ، قال : رأيت النبي - عليه السلام - يفعله )). اختلف العلماء في الأذان والإقامة لهاتين الصلاتين ، فروى ابن القاسم عن مالك أنه يؤذن ويقيم لكل صلاة على ظاهر حديث ابن مسعود ، وقد روي مثله عن عمر بن الخطاب وابن مسعود . وذهب ابن الماجشون وأحمد بن حنبل وأبو ثور إلى أنه يجمع بينهما بأذان واحد وإقامتين ، واختاره الطحاوي ، وذكر عن أبي حنيفة و[أبي](٥) يوسف ومحمد بأذَان واحد وإقامة واحدة ، خلاف قولهم في الجمع بين الظهر والعصر بعرفة . (١) من (( ح))، وفي ((الأصل)): فأقام. (٢) بضم الهمزة أى أظنّ، والشاكّ هنا هو زهير ، وهو ابن معاوية شيخ شيخ البخاري في هذا الحديث ، والذي في المتن المطبوع مع فتح الباري للحافظ ابن حجر (٦١٢/٣): «أُرى رجلاً)). (٣) هو عمرو بن خالد أبو الحسن الحراني شيخ البخاري في هذا الحديث. (٤) من ((ح))، وفي ((الأصل)): يحولان . (٥) من ( ح))، وفي ((الأصل)): أبو . كذا . - ٣٥٥ - وذهبت طائفة إلى أنه يصليهما بإقامة إقامة ، روي ذلك [ عن ابن عمر ] (١) وعن القاسم وسالم ، وإليه ذهب الشافعي [ وإسحاق ](١) وأحمد في أحد قوليه ، وذهب الثوري إلى أنه يصليهما بإقامة واحدة لا أذان معها ، واحتج الطحاوي بحديث حاتم بن إسماعيل ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر (( أن الرسول جمع بينهما بأذان واحد وإقامتين )) . قال الطحاوي : وأجمعوا أن الأُولَى من الصلاتين اللتين يجمعان بعرفة يؤذن لها ويقام ، فالنظر على ذلك أن يكون كذلك حكم الأولى من الصلاتين بجمع . وأخذ الطحاوي بحديث أهل المدينة . والحجة لأبي حنيفة ما رواه شعبة عن الحكم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عمر (« أن رسول الله أذن للمغرب بجمع فأقام ، ثم صلى العشاء بالإقامة الأولى)). وحجة الشافعي حديث ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه (( أن النبي - عليه السلام - جمع بينهما بإقامة إقامة )) رواه الليث وابن أبي ذئب عن الزهري ، ولم يذكره مالك في حديثه ، وذكره البخاري في [٢/ ق٩٢-ب] الباب قبل هذا ، وهذه الرواية أصح عن ابن عمر / مما خالفها ، واحتج أيضًا بحديث ابن عباس عن أسامة بن زيد (( أن النبي - عليه السلام - عدل ( إلى ) (٢) الشعب فتوضأ ... )) وذكر الحديث، وفيه أنه أقام لكل واحدة منهما ، واحتج الثوري بما رواه عن سلمة بن ٠١ كهيل ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عمر قال : (( جمع النبي - عليه السلام - بين المغرب والعشاء بالمزدلفة بإقامة واحدة )) وكان أحمد ابن [ حنبل] (٣) يعجب من مالك [ إذ ] (٤) أخذ بحديث ابن مسعود (١) من (( ح)). (٢) في (( ح)): عن . خطأ. (٣) من (( ح))، وفي ((الأصل)): خالد. كذا . (٤) من (( ح))، وفي ((الأصل)): إذا. - ٣٥٦ - ولم يروه ، وهو من رواية أهل الكوفة ، وترك [ ما روى ] (١) أهل المدينة في ذلك من غير [ ما ] (١) طريق ، وكذلك أخذ أهل الكوفة بما رواه أهل المدينة في ذلك وتركوا روايتهم عن ابن مسعود . وفي فعل ابن مسعود من الفقه جواز التنفل بين الصلاتين إذا جمعتا، وإنما تَعَشَّى بين الصلاتين على سبيل السعة في ذلك، [ لا ] (٢) على أن يدخل بين المغرب والعشاء عملا أو شغلا . وقد قال أصبغ : إذا صلى أهل المسجد المغرب ، فوقع مطر شديد وهم يتنفلون ، فأرادوا أن يعجلوا العشاء قبل وقتها ، فلا بأس بذلك. قال المهلب : وقوله: ((وهما صلاتان تحولان عن وقتهما)) إنما هو تحويل عن الوقت المستحب المعتاد إلى ما قبله من الوقت ، لا أن [تحويلهما] (٣) قبل دخول [ أوقاتهما المحدودة ] (٤) في كتاب الله - عز وجل . باب : مَنْ قَدّم ضَعَفَةً أهله بالليل فيقفون بالمزدلفة ويدعون فيه: ابن عمر: (( أنه كان يقدم ضعفة أهله [ فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة ] (٢) بليل، فيذكرون الله ما بدا لهم، ثم يرجعون قبل أن يقف الإمام وقبل أن يدفع ، فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر ، ومنهم من يقدم بعد ذلك ، فإذا قدموا رموا الجمرة ، وكان ابن عمر يقول: أَرْخَصَ في أولئك رسولُ اللهِ وَّرِ)) . وفيه : ابن عباس: (( بعثني النبي ◌ٍَّ من جمع بليل في ضعفة أهله)). (١) من (( ح))، وفي ((الأصل)): أروى. (٣) من (( ح))، وفي ((الأصل) : تحويلها . (٤) من (ح))، وفي ((الأصل)): وقتها المحدد. (٢) من ( ح ) - ٣٥٧ - وفيه : عبد الله، عن أسماء (( أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة ، فقامت تصلي ، فصلت ساعة ثم قالت : يا بني ، هل غاب القمر ؟ قلت : لا ، فصلت ساعة ثم قالت : يا بني ، هل غاب القمر ؟ قلت : نعم، قالت : فارتحلوا، فارتحلنا فمضينا حتى رمت الجمرة ثم رجعت فصلّت الصبح في منزلها، فقلت [ لها](١): يا هنتاهُ، ما أُرانا إلا قد غَلَّسْنَا، قالت: يا بني، إن رسول الله أَذْنَ الظُّعُن )) . وفيه: عائشة: ((استأذنت سودة النبي - عليه السلام - ليلة جمع [وكانت ثقيلة شَبِطَةً، فأذن لها] (١) )). وفيه : عنها قالت : (( نزلنا المزدلفة ، فاستأذنت النبي - عليه السلام :- سودة أن تدفع قبل حَطْمَة الناس ، [ وكانت امرأة بطيئة ، فأذن لها فدفعت قبل حطمة الناس ](١) ، وأقمنا حتى أصبحنا نحن ، ثم دفعنا بدفعه ، فلأن أكون استأذنت رسول الله كما استأذنت سودة أحب إلي من مفروح به )) . قال المهلب : إنما قدم النبي - عليه السلام - ضعفة أهله: خشية تزاحم الناس عليهم عند الدفع من المزدلفة إلى منى ، فَأَرْخَصَ لهم أن يدفعوا قبل الفجر ، وأن يرموا الجمرة قبل طلوع الشمس لخوف الازدحام عليهم ، والوقت المستحب لرمي جمرة العقبة يوم النحر طلوع الشمس ؛ لرميه عليه السلام ذلك الوقت . واختلفوا هل يجوز رميها قبل ذلك ، فقال مالك وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق : يجوز رميها بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس ، وإن رماها قبل الفجر أعاد . ورخصت طائفة في الرمي قبل طلوع الفجر ، (١) من (( ح)). - ٣٥٨ - روي ذلك عن [ عطاء] (١) وطاوس [والشعبي] (١)، وبه قال الشافعي وشرط إذا كان الرمي بعد نصف الليل . وقال النخعي ومجاهد : لا يرميها حتى تطلع الشمس . وبه قال الثوري وأبو ثور وإسحاق ، والحجة لمالك والكوفيين حديث ابن عمر؛ لأنه قال فيه: ((فمنهم من [ يقدم ] (٢) منى لصلاة الفجر، ومنهم من [ يقدم ] (٢) بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة))، واحتج الشافعي بحديث عبد الله مولى أسماء أنه قال : (( رحلنا مع أسماء من جمع لما غاب القمر ، وأتينا منى [ ورمينا ] (١)، ورجعت فصلت الصبح في دارها ، فقلت لها : رمينا قبل الفجر ! فقالت : هكذا كنا نفعل مع رسول الله وَ لآت)) . ولم يرو البخاري حديث أسماء على هذا النسق ، ولا ذكر فيه : (رمينا قبل الفجر)) وإنما ذكر فيه أن مولاها قال لها: (( يا هنتاه غلسنا)) وغلسنا لفظة محتملة للتأويل لا يقطع بها ؛ لأنه يجوز أن يسمى ما بعد الفجر غلسًا . قال ابن القصار : ولو صح قوله : (( رمينا قبل الفجر)) لكان ظنا منه ؛ لأنه لما رآها صلت الصبح في دارها / ظن أن الرمي كان قبل (٢/ ٩٣٥-١] الفجر ، والرمي كان بعد الفجر ، فأخرت صلاة الصبح إلى دارها . و[قولها] (٣): ((هكذا كنا نفعل)) إشارة إلى فعلها ، وفعلها يجوز أن يكون بعد الفجر ؛ لأنها لم تقل هي : رمينا قبل الفجر ولا قالت : كنا نرمي معه قبل الفجر ؛ لأنه لم ينقل أحد عن النبي - عليه السلام - أنه ( رمى ) (٤) قبل الفجر ، واحتج الشافعي أيضا (١) من ( ح)). (٣) من ((ح))، وفي (الأصل)): قوله . (٢) من ((ح))، وفي ((الأصل)): تقدم . (٤) في (( ح)): طاف . - ٣٥٩ - بحديث أم سلمة أن النبي - عليه السلام - أمرها أن تصبح بمكة يوم النحر ، وهذا لا يكون إلا وقد رمت الجمرة بمنى ليلا قبل الفجر ، قال : لأنه غير جائز أن يوافي أحد صلاة الصبح بمكة وقد رمى جمرة العقبة إلا وقد رماها ليلا ؛ لأن من أصبح بمنى [ فكان ] (١) بها بعد طلوع الفجر ، فإنه لا يمكنه إدراك صلاة الصبح بمكة . وقد ضعَّف أحمد بن حنبل حديث أم سلمة ودفعه وقال : [ لا يصح ، رواه ] (٢) أبو معاوية عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة (( أن النبي - عليه السلام - أمرها أن توافي معه صلاة الصبح يوم النحر بمكة )) . قال : ولم يسنده غيره ، وهو خطأ، وقال وكيع عن هشام ، عن أبيه مرسل (( أن النبي - عليه السلام - أمرها أن توافي صلاة الصبح يوم النحر بمكة)) . قال أحمد : وهذا أيضًا عجب ، وما يصنع النبي يوم النحر بمكة - ينكر ذلك - فجئت إلى يحيى بن سعيد فسألته فقال : عن هشام ، عن أبيه ((أن النبي [وٍَ* ] (٣) أمرها أن توافي)) وليس أن توافيه، قال : وبين هذين فرق، يوم النحر صلاة ( الصبح) (٤) بالأبطح ، وقال لي يحيى بن سعيد: سل عبد الرحمن بن مهدي، فسألته فقال: هكذا قال سفيان: عن هشام ، عن أبيه (( توافي )) وقال أحمد: رحم الله يحيى ما كان أضبطه وأشد تفقده . واحتج الثوري بحديث ابن عباس (( أن النبي -عليه السلام- قدم [أغيلمة] (٥) بني عبد المطلب. وضعفتهم وقال لهم: يا بني، لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس)). (١) من (( ح))، وفي (( الأصل)): كان. (٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)): تصح رواية. (٣) من ( ح )). : (٤) في (( ح)) : الفجر. (٥) من (( ح))، وفي ((الأصل)): أغليمة، خطأ .. - ٣٦٠ -